(ص 119 - 140)

 الفصل الخامس

 تشخيص المنهج العلمي للاصول

الطريقة التحليلية في علم الاصول. اتجاهات المنهج العلمي في الاصول. نتائج المنهج العلمي. التحليل

الفلسفي للاصل العملي. البعد العقلي في النظرية الاصولية. الانجازات المنتظرة في علم الاصول.

-------------------------
مقدمة

          إن أهم ما ميّز النشاط العلمي الديني في الحوزة العلمية الإمامية هو إهتمامها المتميز بتنمية الفكر الاصولي الى مرحلة متطورة بإعتبار أن مدار الاجتهاد يدور حول قابلية الفقيه على التمكن من إرجاع الفروع الى الاُصول، وهي ما تدور عليه مباني علم الاُصول.

          ولاشك أن علم اُصول الفقه لم يكن ليتطور بهذا الشكل الرائع عند فقهاء الشيعة خلال القرون الماضية ما لم يتسلح اولئك العلماء بمنهج علمي واضح المعالم حدّد لهم أهدافهم في الإستنباط الشرعي للأحكام. فالمنهج العلمي يشير الى نوعية الخطوات التي تُتخذ – عبـر نظام ذو ضوابط- للوصول الى هدف إستنباط الأحكام الشرعية - تكليفية كانت أو وضعية- من أدلتها المقررة.

     ولاشك ان طبيعة الخطوات المُتخذة والتفاصيل المتعلقة بها تعتمد على تلك الغاية وعلى الطرق المُستخدمة في الوصول إليها. فالتحليل النقدي الذي صاحب عملية تطور علم الاُصول أدى مع مرور الزمن الى تغيير في التركيبة العامة للنظرية الاُصولية. حيث نرى الشيخ الطوسي (ت 460 هـ ) يسرد في كتابه الاُصولي (عُدّة الاُصول) تصوراً ابتدائياً عن علم اُصول الفقه، فيقول في مقدمة كتابه: "سألتم أيدكم الله إملاء مختصر في اُصول الفقه يحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والإختصار على ماتقتضيه مذاهبنا وتوجبه اُصولنا، فإن من صنّف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسلك الذي إقتضاه اُصولهم ولم يعهد من أصحابنا لأحد في هذا المعنى إلاّ ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله في المختصر الذي له في اُصول الفقه ولم يستقصه وشذ منه أشياء يحتاج الى إستدراكها وتحريرات غير ما حررها، وإن سيدنا الأجلّ المرتضى - أدام الله علوه - وإن أكثر في أماليّه وما يقرأ عليه شرح ذلك، فلم يصنف في هذا المعنى شيئاً يُرجع إليه ويجعل ظهراً يستند اليه، وقلتم: إن هذا فن من العلم لابد من شدة الإهتمام به، لأن الشريعة كلها مبنية عليه ولا يتم العلم بشيء منها دون إحكام اُصولها، ومن لم يُحكم اُصولها فإنما يكون حاكياً ومعتاداً ولا يكون عالمـاً" [1]. وبعد تسعة قرون مـن وفـاة الشيخ الطوسي (ضوان الله عليه) تبلورت التركيبة العامة للنظرية الاُصولية بأوضح صورها. فيأتي الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ) ليحدد معالم النظرية الاُصولية وأهدافها، فأصبحت اُصول الفقه "صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق إستنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها ]الفقيه[ في مقام العمل" [2]. وهذا الهدف الواضح للنظرية الاُصولية الحديثة جاء ثمرة من ثمرات الجهد المتصل على مدى تلك القرون الماضية في البحث عن منهج علمي متكامل لنظرية القواعد المشتركة في إستنباط الحكم الشرعي.

 الطريقة التحليلية في علم الاصول

          فذلك المنهج العلمي يتبع الطريقة التحليلية لا الوصفية. فهو لا يقتبس من الفلسفة اللغوية أو علم المنطق أو علم الكلام بقدر ما يهذّب تلك العلوم ويحلّلها ويخضعها لحاجاته في التحليل الذهني وربط المعاني مع بعضها البعض. ونستشف ذلك بوضوح من كتب الطائفة التي تطورت مع تطور الفكر الاُصولي، أمثال: كتاب (كنـز الفوائد) لأبي الفتح محمد بن علي الكراجكي (ت 449 هـ)، و(عُدّة الاُصول) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ)، و(القواعد والفوائد في الفقه والاُصول والعربية) للشهيد الأول محمد بن مكي (ت 786 هـ)، و(قوانين الاُصول) للميرزا أبي القاسم القمي (ت 1231 هـ)، و(مفاتيح الاُصول) للسيد محمد الطباطبائي (ت 1242 هـ)، و(هداية المسترشدين في شرح معالم الدين) للشيخ محمد تقي الاصفهاني (ت 1248 هـ)، و(قوامع الفضول عن وجوه حقائق اُصول علم الاُصول) للشيخ محمود بن جعفر بن الباقر المسمى بالعراقي (ت 1308 هـ)، و(فرائد الاُصول) للشيخ مرتضى الانصاري (ت 1280 هـ)، و(مطارح الأنظار) - من تقريرات الشيخ الأنصاري- للشيخ ابي القاسم كلانتري (ت 1292 هـ)، و(بحر الفوائد في شرح الفرائد) للشيخ ميرزا محمد الاشتياني (ت 1299 هـ)، و(كفاية الاُصول) للشيخ محمد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ)، و(الفصول في الاُصول) للشيخ محمد حسين الاصفهاني (ت 1361 هـ)، و(بدائع الأفكار) للشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي (ت 1362 هـ)، و(نهاية الأفكار) للشيخ محمد تقي البروجردي، و(مقالات الاُصول) للشيخ ضياء الدين العراقي (ت 1361 هـ)، و(مباني الإستنباط) للكواكبي تقريراً لإستاذه السيد ابي القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) وغيرها من كتب الطائفة في علم الاُصول.

      فقد أصبحت - وبفضل ذلك المنهج العلمي- تلك الافكار المبعثرة المنتشرة هنا وهناك اُصولاً بحسب المباني العقلية والشرعية. ففي حالة الشك مثلاً ثبّت الاُصوليون ما سُمي بالاُصول الأربعة، وهي: الإستصحاب، والبراءة، والإحتياط، والتخيير. وتلك الاُصول الأربعة عامة تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية، ولذلك إهتمّ بها علم الاُصول أشدّ الإهتمام. فالمدرسة الاُصولية الإمامية بكافة فقهائها وعلى فترة زمنية مديدة، أشبعت تلك الاُصول الأربعة بحثاً ونقداً ، بحيث وصلت تلك المباحث الاُصولية اليوم الى درجة من الدقة والعمق. فمثلاً عندما يُراد التفريق بين الأصل والدليل، فإن النظرية الاُصولية الحديثة تقول: "إن الأصل خارج عن الدليل موضوعاً وتخصصاً لا حكماً وتخصيصاً". بمعنى أنه لا يوجد هناك أي تعارض ولا تخصيص بين الأصل والدليل. فالدليل متقدمٌ ذاتاً على الأصل، والأصل متأخر رتبة عن الدليل، ولذلك فإنهما لا يجتمعان في موضوع واحد. والنتيجة أن الأصل العملي لا تقرّ بأخذه (النظرية الاُصولية) إلاّ بعد اليأس من وجود الدليل، كما فصلّنا ذلك في الفصل الرابع.

  اتجاهات المنهج العلمي في الاصول

          ومن خلال دراسة متأنية لتأريخ علم الاُصول نستطيع أن نشخص ثلاثة إتجاهات مهمة في المنهج العلمي للمدارس الاُصولية.

 الاول: وهو الإتجاه الذي حاول تنظيم علم الاُصول بإعتباره علماً مستقلاً عن المدارس السنية فهاجم القياس والإستحسان والمصالح المرسلة ونحوها وأخرجها من علم الاُصول، وكان من رواده الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن إدريس. فيشير شيخ الطائفة في (عُدّة الاُصول) الى ذلك ويقول: "أما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة إستعمالهما" [3]، بينما يصرح إبن إدريس بالقول بـ "أننا أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة - الذي هو مذهب مخالفونا إليه- طريقاً الى الأحكام الشرعية" [4]. وفي موضع آخر أن "القياس والإستحسان والإجتهاد باطل عندنا" [5]. ويُقصد بالاجتهاد في هذين النصين إجتهاد الرأي.

 الثاني: وهو الإتجاه الذي إتخذ موقف الدفاع امام المدرسة الإخبارية بزعامة الاسترآبادي (ت 1023 هـ) التي زعمت بأن الإستنباط يقتصر على البيان الشرعي فقط دون الحاجة الى الرجوع للدليل العقلي. إلاّ أن المدرسة الإخبارية واجهت حملة عنيفة من قبل المدرسة الاُصولية، كما بحثنا ذلك سابقاً. ويُمثّل ما كتبه السيد محسن المعروف بـ (المقدس الكاظمي) (ت 1227 هـ) في كتابه (وسائل الشيعة الى مسائل الشريعة) نموذجاً من نماذج هذا الإتجاه الاُصولي، فيقول متحدثاً عن الحاجة لعلم الاُصول: "... ثم لما كانت الخطابات الشرعية مشتملة على ما وقع فيه النـزاع مما يبتنى عليه معظم الفقه كالأوامر والنواهي والمشتقات والحروف، والتقييدات وما صار حقيقة في معان لم تكن معروفة من قبل وما يحتمل أمرين أو أكثر من الأمور الخمسة المشهورة التي يدخل الخلل بإعتوارها، إحتجنا الى مباحث الأمر والنهي والمشتق والحروف والمفاهيم والحقيقة الشرعية ومسائل الدوران وحيث وقع فيها ايضاً ما يوجب إختلال الفهم من التخصيص والتقييد والتجوز والإجمال والتشابه والنسخ والوهم وجب بذل الجهد في معالجة ذلك ..." [6]. ونراه في نفس المصدر يتحدث عن الإختلاف بين القرب والبعد الزماني عن النص فيقول: "... فسدت اللغات وتغيرت الإصطلاحات وذهبت قرائن الأحوال وكثرت الأكاذيب وعظمت التقية وإشتد التعارض بين الأدلة حتى لا تكاد تعثر على حكم يسلم منه، مع ما إشتملت عليه من دواعي الإختلال، وليس هناك أحد يُرجع إليه بسؤال. وكفاك مائزاً بين الفريقين قرائن الأحوال وما يشاهد في المشافهة من الإنبساط والإنقباض ... وهذا بخلاف من لم يصب إلاّ أخباراً مختلفة وأحاديث متعارضة يحتاج فيها الى العرض على الكتاب والسنّة المعلومة ... فإنه لابد له من الإعداد والإستعداد والتدرب في ذلك كي لا يزلّ" [7].

 الثالث: وهو الإتجاه الذي ثبّت المدرسة الاُصولية بشكلها الحالي في مراحل متباينة. ومن رواد هذا الإتجاه الملا عبد الله التوني (ت 1071 هـ) في كتابه (الوافية في الاُصول)، والسيد حسين الخونساري (ت 1098 هـ) في كتابه (مشارق الشموس في شرح الدروس)، والعالم الجليل محمد باقر البهبهاني (ت 1206 هـ) في كتابه (الفوائد الحائرية)، والميرزا أبو القاسم القمي (ت 1227 هـ) في كتابه (قوانين الاُصول)، والشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ) في كتابه (فرائد الاُصول)، والشيخ محمد كاظم الخراساني (ت 1329 هـ) في كتابه (كفاية الاُصول).

          وقد أدّت دراسة تلك الإتجاهات مجتمعةً الى الخروج بصيغة متوافقة للمباحث الاُصولية. فقد عبّرت عن النشاط العلمي غير المنقطع الذي بذله علماؤنا الأعلام على مر السنين الطويلة من أجل تنظيم هذا اللون من العلوم الإكتسابية وتسخيرها لخدمة الدين وإستنباط الأحكام الشرعية.

 الاصطلاحات الجديدة:

          ولم يتوقف المنهج العلمي لاُصول الفقه - فيما يتعلق باستثمار علمي المنطق والفلسفة- عند تنظيم البحث العلمي في الإستنباط فحسب، بل تعدى الى إستحداث مصطلحات ولغة اُصولية جديدة أضافت للغة العلمية أبعاداً متميزة. فإصطلاحات مثل: القطع الطريقي والموضوعي، والحكم الظاهري والواقعي، والدليل والأصل والأمارة، والشبهة التحريمية والشبهة الوجوبية، والإحتياط والوجوب التخييري، والحكم التكليفي والحكم الوضعي وغيرها أدّت الى إجتياز مرحلة الوصف والتشبيه الى مرحلة الدقة والعمق والتحليل. ولم يتخل علم الاُصول - في جميع مراحله- عن الإيمان بـ (نظرية المعرفة) وطريقتها المنطقية في ربط الحقائق بالأحكام؛ فقد اُعتبر العقل والتحليل الذهني الاسلامي حجة رئيسية في الإثبات الى جانب البيان الشرعي؛ وجُعل الأصل العملي الملجأ الوحيد للفقيه في إستنباط الحكم الشرعي بعد غياب الدليل. إلاّ أن أهم ما ميز هذا المنهج العلمي عن غيره من المناهج هو تطور الفرضيات الاُصولية الى نظريات شرعية عقلائية تتطابق مع (نظرية المعرفة) بمعناها الشامل، وتنسجم مع النظرة الشرعية في الإلتزام والتكليف للفرد والجماعة.

 تطور الفرضية الاصولية:

          ولنضرب مثالاً على تطور الفرضية الاصولية الى نظرية، ففي مبحث (الصحيح والأعم) في العبادات فرضيتان:

الاولى: إن أسماء العبادات وُضعت للصحيح واُستدل على ذلك بالتبادر، وصحة السلب، وما ورد عنه (ص): (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)[8]، و(الصلاة معراج المؤمن وعمود الدين)[9]. الفرضية الثانية: إن أسماء العبادات وضعت للأعم (وهو الصحيح والفاسد)، واُستدل على ذلك بالتبادر، وعدم صحة السلب، وصحة التقسيم الى الصحيحة والفاسدة، وقوله (ع): (دعي الصلاة أيام إقرائك)[10] فأطلق الإمام المعصوم (ع) على الفاسدة إسم الصلاة. وقوله (ع) في صحيحة زرارة: (بُني الاسلامُ على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، ولم ينادِ أحدٌ بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه. فلو أن أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية، لا يقبل له صوم ولا صلاة)[11] فإنه (ع) أطلق أسماء العبادات على الفاسدة بناءً على فساد العبادة بلا ولاية.

          وأمام هاتين الفرضيتين يأخذ الفقيه - بقوة الإستدلال الشرعي- بأحدهما، ويبني عليها نظريته. فلنفترض أننا أخذنا بالإفتراض الأول وهو أن أسماء العبادات وُضعت للصحيح، بتقريب أن ماهيات العبادات لم تكن معلومة للافراد قبل التشريع، بل إخترعها الشارع ووضع حقيقتها؛ ولذلك لابد أن يكون إستعماله لها في الصحيح دون الفاسد لأن الإستعمال كان إبتداءً بعنوان التكليف الشرعي.

          ومن أجل أن نبني نظريتنا الاُصولية في (الصحيح) لابد لنا من دحض إستدلال القائلين بالأعم. فنحن لا نسلّم بأدلة التبادر وعدم صحة السلب عقلاً. ومن حقنا أن نرفض تلك المسلّمات المزعومة. وأما التقسيم الى الصحيحة والفاسدة فهو إنما يتم بالعناية والمشابهة مجازاً. وأما قوله (ع): (دعي الصلاة أيام إقرائك) فإن المعصوم (ع) إستعملها في الصحيحة، إلاّ أنها صارت فاسدة بعد ورود هذا النهي. ولا يمكن أن يُريد الامام (ع) منها بالصلاة الفاسدة إبتداءً. وأما رواية (بُني الاسلام على خمس ...) فظاهرها عدم قبول عبادات اولئك الافراد اذا كانت جامعة لجميع الشرائط ومانعة لشرط الولاية، ولا ينافي ذلك في صحتها. فالقبول غير الصحة. وحتى لو زُعم بأن الرواية قصدت الصحة لا القبول، فإننا نقول بأن الامام (ع) إنما إستعملها إما بحسب إعتقادهم صحتها، وإما مجازاً.

          وهكذا أصبحت نظرية (الصحيح) عند الفقيه الذي آمن بها عن طريق الإستدلال، قانوناً مسلّماً - بعد أن كانت فرضاً- يستخدمه في أبحاثه الآتية في الرجوع الى البراءة أو الإحتياط فيما اذا شك في جزئية شيء أو شرطيته بناءً على الصحيح.

 نتائج المنهج العلمي

          وقد أدى هذا الاُسلوب العلمي في النقاش والإستنتاج والإستنباط الى إستخلاص أربع نتائج مهمة على الصعيد الاجتهادي:

الاولى: تكثيف نشاط الفقهاء في البحث عن الحقائق الشرعية مهما كانت صغيرة ومبهمة. فأخذ النقاش يطال حتى المسلّمات العقلية في بعض الاحيان. وهذا المنحى العلمي حدّده النقاش والإفحام المتزايد بين أصحاب الإفتراضات ومناوءيهم. ولاشك أن هذا الجو العلمي خلق مناخاً عظيماً للإبداع والإبتكار الفكري ضمن الحدود الشرعية.

الثانية: التعريف الدقيق المعمق لكل المصطلحات الحُكمية، بملاحظة خصائصها الشرعية واللغوية والفلسفية. ولاشك أن أهم أركان العلوم الانسانية أو التجريبية هو حجم المصطلحات التي تستخدمها تلك العلوم ودقتها. فالطب له مصطلحاته الخاصة، والفلسفة لها مصطلحاتها الخاصة، والكيمياء لها مصطلحاتها الخاصة، وكذلك علم الاُصول. فعن طريق إثراء هذا العلم بالمصطلحات الدقيقة أصبحت عملية نموّه النوعي عملية سريعة تزدادُ عمقاً وشمولاً يوماً بعد يوم.

الثالثة: إن عملية الإستقراء المنطقي للمفردات الفقهية تحت رعاية مبادئ ومسلّمات علم الاُصول قد يؤدي بالمجتهدين لاحقاً الى إستنباط (النظرية الاجتماعية الفقهية)، وهي النظرية التي لابد أن تُصاغ من أجل بناء النظام الاجتماعي على ضوء الاسلام وتهيئة المجتمع القادر على نصرة الامام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره المرتقب.

الرابعة: قدرة العالِم الاُصولي الفقيه على منازلة جميع النظريات والإفتراضات الاُخرى الخارجة عن دائرة الاسلام والايمان. فعن طريق علم الاُصول تسلّح الفقيه بالاُصول والقواعد العقلية والشرعية التي يستطيع فيها أن يعرض رأيه بقوة ويستدلّ له ويدافع عنه بالطرق الشرعية والعقلية والمنطقية.

  التحليل الفلسفي للاصل العملي

          والحديث عن المنهج العلمي لابد وأن يقودنا نحو تحليل (الأصل العملي) تحليلاً فلسفياً. وهنا يبرز سؤالان مهمان هما: الأول: ما هي الصيغة العقلية للأصل العملي؟

الثاني: ما هو الفرق بين الأصل العملي وبين بقية القوانين المنطقية الحاكمة على التفكير الانساني؟

 مقدمة حول القانون:

          وقبل الجواب على ذلك نحتاج الى تقديم مقدمة ممهِّدة، وهي: أن العلوم بكافة الوانها واطيافها تحتوي على بيانات متباينة في التعقيد تسمى بالقوانين. ولكن علماء الطبيعة أو الفلسفة في نزاع دائم مع بعضهم البعض حول شرعية تلك القوانين العلمية أو الفلسفية ودستوريتها. ومحور النـزاع يدور حول التساؤل التالي: هل هناك براهين كافية لتبرير إنزال البيانات العلمية أو الفلسفية منـزلة القوانين؟ ليس هناك من جوابٍ شافٍ لهذا السؤال، إلاّ أن المتيقن ان إختلاف الآراء والمباني بين علماء الطبيعة والفلسفة هو الذي يؤدي الى ذلك النـزاع الناشئ حول شرعية تلك القوانين ودستوريتها.

      ولا يقف النـزاع عند هذا الحد، بل يتطور ذلك النـزاع الى جدل حول طبيعة المصطلح نفسه. فبعض العلماء لايوافقون على إطلاق لفظ (القانون) على ذلك البيان العلمي، بل يفضّلون إستبداله بالفاظ اُخرى مثل (مبدأ)، أو (نظرية)، أو (أصل) ونحوها من الألفاظ العلمية.

      والأمر المتفق عليه بالإجماع بين علماء الطبيعة والفلسفة هو أن لفظة (القانون) أو ما رادفها من ألفاظ يجب أن تشير- بصورة من الصور- الى الحقيقة العلمية. فالرجم بالغيب مثلاً لا يمكن أن يكون قانوناً علمياً ولا نظريةً ولا مبدأً لأنه لا يشير - من قريب أو من بعيد- الى الحقائق الواقعية العلمية.

 الاصل العملي والمنطق:

          نرجع الآن بعد تلك المقدمة المختصرة الى صلب الجواب على السؤالين اللذين طرحناهما آنفاً، ونقول بأن الصيغة المنطقية للأصل العملي يمكن تحديدها ضمن إطار فكرتين هما: الضرورة الشرعية، والإنتظام الفلسفي.

          فالضرورة الشرعية تجعلنا نفهم الأصل العملي من زاوية قوته المنطقية أو العقلية وإرتباطه مباشرة بالتشريع. فالإستصحاب مثلاً أصلٌ من الاُصول العملية الذي يتعامل مع اليقين والشك ومتعلقيهما. وملاك قاعدة الإستصحاب هو إتحاد متعلق اليقين والشك ذاتاً، لكن مع إختلاف زمان المتعلق سواء إختلف زمان حدوث نفس اليقين والشك أم إتفق. وقد اُستدل على حجية الإستصحاب بإستقرار سيرة العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة ما لم يثبت خلافها؛ واُستدل ايضاً بالأخبار الواردة في المقام وهي العمدة ومنها صحيحة زرارة عن الامام الصادق (ع): (... فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابداً)[12]. والتفسير العقلي لأصل الإستصحاب يمكن أن يوضّح بالطريقة التالية: اننا لو أنكرنا حجية الإستصحاب لكان ذلك ترجيحاً لأحد طرفي القضية الممكنة (النجاسة أو الطهارة مثلاً) من غير مرجح، وهذا يناقض الفكرة الشرعية ايضاً. ومن هنا باتت الضرورة الشرعية تدفعنا للإيمان بأصل الإستصحاب عند فقدان الدليل؛ ولاشك إن إعتبار الإستصحاب إعتبار تعبدي محض لا يترتب عليه أي أثر في الواقع العملي.

          أما ما يخص الإنتظام الفلسفي، فإن الاُصول العملية محددة تحديداً نظامياً ترتبياً بحيث لا يتقدم أصل على أصل إلاّ لسبب شرعي أو عقلي. فعلى سبيل المثال تُقدّم اصالة (صحة فعل المسلم) على اصالة (الإستصحاب) في مباني علم الاُصول. فلو تيقنا بنجاسة شيء ثم شككنا في تطهيره إستصحبنا نجاسته، ولكن لو تصدى فرد مسلم لتطهيـره فلا خيـار لنا إلاّ أن نحمـل ذلك على الصحـة فتثبت – عندئذ- طهارته. وقد اُستدل على ذلك ببعض الأخبار، منها ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير سبيلاً)، والمروي عن الامام الصادق (ع): (إن المؤمن لا يتهم أخاه)، و(كذّب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسّامة أنه قال، وقال: لم اقل، فصدقّه وكذبهم)، ونحوها من الأخبار.

     إلاّ أن هذه الأخبار أخصّ من الدعوى، فهي لا تدلّ إلاّ على إلتزام حمل الانسان أخيه المؤمن على الخير لا على الشر. وهي من المؤيدات فقط، لكنها لا تدلّ على لزوم حمل كل ما يصدر منه على الصحة. ولعل اصالة صحة فعل المسلم تستند على السيرة العقلائية المستمرة من زمن الشارع وحتى اليوم اكثر من استنادها على تلك الاخبـار.

          ومهما إختلـف الدليل، فإن تقديم أصل على أصل يعكس – بصدق- الإنتظام الفلسفي للاُصول العملية في علم الاصول. وقد ذكرنا سابقاً تقدم الأمارات والطرق (الأدلة الاجتهادية) على الاصول العقلية من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب (الادلة الفقاهتية).

      ومن تلك الأمثلة نفهم أنه عن طريقي (الضرورة الشرعية)، و(الإنتظام الفلسفي) تتبلور لنا صورة الصيغة العقلية للأصل العملي وموضعها في التفكير الشرعي.

  البُعد العقلي في النظرية الاصولية

          وبطبيعة الحال، فإن تكامل المنهج العلمي للمدرسة الاُصولية يستمد قوته ومتانته من بُعدين عقليين مهمين هما: البُعد التحليلي، والبُعد الإلزامي. وهذان البُعدان هما اللذان يميزان اصول الفقه عن اصول بقية العلوم.

          فعلى صعيد البُعد التحليلي، فإن قانون الفكر في علم الاُصول إنما يؤسَس على ضوء مبادئ ذلك العلم بلحاظ الأخذ بالنقاط الثلاث الآتية:

الاولى: الأخذ بنظر الإعتبار طبيعة الحجج العقلية والشرعية في الاُصول الأربعة (البراءة، والإحتياط، والتخيير، والإستصحاب)، والأمارات، وطبيعة القطع والظن والشك، والأوامر والنواهي كما هي، أي بطبيعتها الاُصولية الإلزامية لا بجوهرها اللغوي أو المنطقي.

الثانية: أن جوهر المواضيع الاُصولية لا تتناقض بكينونتها مع بقية العلوم. فعلم الاُصول لا يعارض المباحث الكلامية أو الاُصول اللغوية؛ وبنفس المنطوق لا تتعارض المبادئ والنظريات المنطقية والفلسفية مع المباحث الاصولية.

الثالثة: إن النظريات الاُصولية تلحظ قوانين الشرع والعقل وقواعد التفكير الذهني السليم.

          فالقطع - على سبيل المثال- صورة من صور البُعد التحليلي. فالقاطع - الذي إنكشف له الواقع ووصل الى ساحته- اذا وافق قطعه وعمل على طبق تكليفه المقطوع فقد أدى الواجب. أما اذا خالف قطعه، فإن كان ما قطع به موافقاً للواقع فهو بلاشك يستحق الذم والعقاب، وإن كان مخالفاً للواقع فقيل أنه يستحق وقيل أنه لا يستحق. ودلالة إستحقاقه العقاب تتم بتقريب أن تَلَبُس القاطع بالفعل يفرض على المكلّف حكماً عقلياً أمضاه الشارع وهو وجوب طاعة المولى عز وجل. فإن ما حكم به العقل فقد حكم به الشرع أي أمضاه وأجازه. وهذا البُعد التحليلي للقطع يعكس متانة المنهج العلمي الذي شرحناه للمدرسة الاُصولية.

          وعلى صعيد البُعد الإلزامي، فإن الدليل الشرعي والأمارة والأصل - في الواقع- تقوم مقام القانون الاخلاقي والنظرية الإلزامية. فهي، مع كونها لا تُكره الفرد على التنفيذ ، إلاّ إنها تلزمه إلزاماً شرعياً وأخلاقياً بالإمتثال. فالأمر- على سبيل المثال- صورة من صور البُعد الإلزامي. واذا قال الآمر: إفعل مثلاً، فقد أراد إيقاع الفعل وصدوره. فالوجوب هنا يتبادر بدون قرينة لأنه أشد الأقسام طلبا