(ص 93 - 118)

 الفصل الرابع

  عصر البناء العلمي

 طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي. عصر الحجج والادلة الشرعية والعقلية. المباني الجديدة في الدليل الشرعي: 1- حجية القطع. 2- حجية الظن. 3- الشك. 4- مفاد الدليل ومدلوله. 5 - تعارض الادلة وتزاحمها.

 --------------------

طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي

          وقد حصل تطور على درجة كبيرة من الأهمية في بحث (الدليل) خلال القرون الثلاثة التي ابتدأت بالقرن الحادي عشر وإنتهت في القرن الثالث عشر الهجريين. وكان ذلك التطور ثمرة من ثمرات جهود فقهاء على مستوى عال من الفطنة والإستيعاب لدور (اُصول الفقه) في عملية إستنباط الحكم الشرعي أمثال: الفاضل التوني (ت 1071 هـ) وكتابه (الوافية في اُصول الفقه)، والوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) في كتاب (الفوائد الحائرية)، والسيد محسن الأعرجي (ت 1227 هـ) وكتابه (المحصول في علم الاُصول)، والمحقق القمي (ت 1231 هـ) وكتابه (القوانين المحكمة)، والشيخ محمد تقي بن محمد رحيم الأصفهاني (ت 1248 هـ) وكتابه (هداية المسترشدين) في التعليق على كتاب معالم الدين. وقد كان الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) من أعظم فقهاء تلك الفترة وخصوصاً خلال إزدهار الحوزة النجفية في القرن الثالث عشر الهجري، إلاّ إننا أفردنا لمناقشة أفكاره قسماً خاصاً في هذا الفصل أسميناه بعصر الحجج والأدلة الشرعية والعقلية. وقد كان موضوع إثبات الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي من أهم محاور ذلك التطور الاُصولي الذي نحن بصدده.

 العقل العملي والعقل النظري:

          فقد كان من ثمرات الصراع المرير بين الحركة الإخبارية والمدرسة الاُصولية هو التعمق في بحوث (الدليل العقلي) وتوسيع دائرته. وبمعنى آخر، إن السؤال الذي كان يُطرح بإلحاح في تلك الفترة هو: كيف يمكننا تفسير طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي؟

          في معرض الاجابة على ذلك السؤال كان الرأي السائد يميل الى أن العقل النظري لا يدرك الحكم الشرعي مباشرة عن أي طريق غير الطريق السمعي، وهو البيان الصادر من الله سبحانه وتعالى ورسوله (ص) وخلفائه من بعده (ع). فالعقل النظري لا يستطيع إدراك ذلك الحكم الشرعي. ولكن من شأن العقل العملي إدراك حسن الأفعال وقبحها كحسن العدل وقبح الظلم، وحسن التكسب المشروع وقبح السرقة. وهذا الإدراك من شؤون العقل العملي.

          وفي هذا الصدد كان الفاضل التوني رائداً في نقاش الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي. فقد قسّم الأدلة العقلية الى سبعة أقسام هي: المستقلات العقلية، وإستصحاب حال العقل، وإصالة النفي (البراءة العقلية)، والأخذ بالأقل عند فقدان الدليل على الأكثر، والتمسك بعدم الدليل، وإستصحاب حال الشرع، والتلازم بين الحكمين. ومن اللافت للنظر أنه أدرج مباحث (مقدمة الواجب، والضد، والمنطوق غير الصريح، والمفاهيم، والقياس) في باب الأدلة العقلية، بينما أدرجها أقرانه من الفقهاء المعاصرين في المباحث اللفظية. قال بخصوص ما يستقل بحكمه العقل كوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، وحرمة الظلم، وإستحباب الإحسان:

          "وحجية هذه الطريقة: مبنية على الحسن والقبح العقليين. والحقُ ثبوتهما، لقضاء الضرورة بهما في الجملة. ولكن في إثبات الحكم الشرعي- كالوجوب والحرمة الشرعيين- بهما، نظر وتأمل.

          والواجب العقلي: ما يستحقُ فاعله المدح، وتاركه الذم.

          والشرعي: ما يستحقُ فاعله الثواب، وتاركه العقاب.

          وعكسه: الحرام فيهما.

          ووجه النظر أمور:

الأول: أن قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)[1] ظاهرٌ في أن العقاب لا يكون إلاّ بعد بعثة الرسول فلا وجوب ولا تحريم إلاّ وهو مستفاد من الرسول (ص). فإن قلتَ: يجوز أن يستحق العقاب، ولكن لا يعاقبه الله تعالى إلاّ بعد بيان الرسول ايضاً ليتعاضد العقل والنقل، لطفاً منه تعالى.

          قلتُ: ظاهرٌ أن الواجب شرعاً مثلاً ما يجوز المكلِّف العقاب على تركه، فلا يُتصوَّر وجوب شرعي مثلاً عند الجزم - بسبب إخبار الله تعالى- بعدم العقاب، بل لا يكون حينئذ إلاّ الوجوب العقلي.

الثاني: ما ورد من الأخبار: كما رواه الكليني عن: (عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان الأحمر، عن حمزة ابن الطيار، عن أبي عبد الله (ع)، قال: قال لي: اكتب، فأملى عليَّ: أنّ من قولنا أنّ الله يحتجُّ على العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولاً، وأنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه ونهـى، أمـر فيـه بالصـلاة والصيام...)[2] الحديث. والتطبيق كما مر" [3].

          وهنا يعلن الفاضل التوني بأن الملازمة بين الحكمين الشرعي والعقلي ثابتة. فالعقلاء اذا تطابقت آرائهم بما هم عقلاء على حسن شيء، فلابد للشارع أن يحكم بحكمهم، لأنه سيد العقلاء. بمعنى أن الإلتزام بالتحسين والتقبيح العقليين هو نفس الإلتزام بتحسين الشارع وتقبيحه، وفقاً لحكم العقلاء لأنه سيدهم. وهذا الفهم ينسجم مع تركيبتنا العقلية ونظرتها الى الاشياء.

          والى ذلك أشار الوحيد البهبهاني في فوائده الحائرية: "...إن العقل لا منافرة له[4] بالنسبة الى مثل ترك الصلاة والحج مما هو قبحه شرعيّ من بديهيات الدين، ولايدرك عقولنا جهة قبحه، على أن البديهة حاكمة بالفرق بين ما ذُكر من الفحشاء والقبائح وبين أضدادها من المحاسن، وكذا بين الصدق النافع والكذب الضار، فكيف يكون المنافرة من جهة الشرع؟ وكذا لا منافرة له بالنسبة الى ما خالف العرف اذا كان ملائماً للعقل، وكذا ما خالف العادة اذا كان ملائماً للعقل والغرض، ولا شبهة في هذا ايضاً" [5]. وفي موضع آخر: "...إن العقل يحسِّن ويقبِّح، ولاشك في أنه يقبِّح عصيان المولى، كما أنه يقبِّح عصيان كل عبد لما أمر به مولاه، ونهاه عنه. فأمر المولى ونهيه ليس حسناً وقبحاً، بل علّة لتحقق الحسن في الإطاعة، والقبح في المعصية" [6].

          ولاشك أن إثبات وجود حكم عقلي خاص بالعقل العملي في الحسن والقبح لطائفة من الأفعال سيوصلنا الى نتيجة مهمة وهي: ثبوت العقل النظري في إدراك الملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشرع. وهذه النتيجة تطابق نتيجة اُخرى مستوحاة من حكم العقل النظري بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، ومستوحاة ايضاً من حكم العقل النظري بتقديم الأهم من المتزاحمين على المهم، ومستوحاة ايضاً من حكم العقل النظري في الاجزاء ونحوها من الموارد التي يكون فيها للعقل النظري حكماً قطعياً واضح المعالم.

 موقف الفقهاء تجاه العقل:

          إن الشعور بالتخوف من الإستغراق في إعتماد العنصر العقلي في الإجتهاد والإبتعاد عن النص الشرعي بالتدريج، والتخوف ايضاً من الإبتعاد عن خط الإحتياط في الدين كان قد أدى الى مواقف سلبية تجاه العقل والملازمات العقلية والتشكيك في حجية الأحكام العقلية. ولكن ظهور عصر البناء العلمي بقيادة فقهاء أجلاّء مثل: الفاضل التوني، والوحيد البهبهاني، والمحقق القمي، والمقدس الكاظمي، والشيخ محمد تقي الأصفهاني قلب الموقف العلمي لصالح نظرية (الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي). ومن تلك الزاوية نرى دور هذا العصر العلمي في التمهيد لعصر آخر أكثر أهمية وهو عصر نضوج الحجج والأدلة الشرعية والعقلية الذي قاده الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري.

          ويمكننا القول بأن أهم الثمار العملية التي لمسناها من خلال مناقشة (الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي) هو البحث في قاعدة (نفي الضرر) من قبل المحقق القمي (ت 1231 هـ) في قوانينه. فهذه القاعدة العظيمة ربما تعكس واحدة من أهم ملازمات الحكمين العقلي والشرعي. فإنها وضعت منارات لمناقشة قضايا الحقوق والواجبات في المجتمع الاسلامي زمن الغيبة.

          وبطبيعة الحال فإن تطبيق (الدليل العقلي) أو حكم العقل على موارد الشك في التكليف كانت من أعظم إستنباطات الوحيد البهبهاني. فقد إستنبط من ذلك الحكم العقلي قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). وأستدل بتلك القاعدة في كل مورد من موارد الشك في التكليف. أما في مورد الشك في المكلّف به فقد إستنبط لها من حكم العقل قاعدة (الإشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني). وقد كان هذا الإستنباط أساساً للتمييز بين موارد البراءة العقلية والإحتياط العقلي.

          وقد كان من رأي الوحيد البهبهاني أن وظيفة المكلّف عند الشك في التكليف هو الأخذ بالبراءة ولكن على أساس الشرع والعقل، لا على أساس الشرع فقط. فـ (البراءة العقلية) المقابلة لـ (البراءة الشرعية) متلازمتان في نفس الموارد. وبمعنى آخر أن البراءة التي تجري بحكم العقل عند الشك في التكليف هي نفس البراءة التي تجري بموجب الأدلة الشرعية التي تحكم بالبراءة عند الشك في التكليف.

          إن إتساع دائرة الدليل، في هذه المرحلة من عمر (علم الاُصول)، لم يزعزع القيمة القطعية للدليل. بل أن الذي حصل هو العكس تماماً، فقد إزدادت البحوث المتعلقة بحجية القطع. فما لم يكن الدليل حجة قطعاً لا يمكن الإستناد عليه أو التمسك به بأي حال من الأحوال. وهذا الإنفتاح العلمي عبّد الطريق لفقيه كبير من فقهاء الامامية المتأخرين، ألا وهو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) للتمييز بين الحجتين: الحجية الذاتية، والحجية بالعرض. والحجية بالعرض هو عنوان جديد لمباحث الظن التي لا يمكن إعتبار حجيتها إلاّ بدليل قطعي من الشارع. فالطرق والأمارات كالإجماع وخبر الثقة أصبحت بموجب الفهم الجديد حجج مجعولة من قبل الشارع ثبتت حجيتها بالعرض في مقابل الأدلة القطعية التي ثبتت حجيتها - ذاتياً- بالقطع.

 عصر الحجج والأدلة الشرعية والعقلية

          كان مبدأ (الإستناد الى الدليل) في إستنباط الحكم الشرعي في جميع عصور تطور (علم الاُصول) المحور الذي كانت تدار من حوله رحى البحث والنقاش. وكان الرأي السائد ولا يزال بأن الدليل ما لم يبلغ حد القطع والعلم لا يمكن إعتباره حجة شرعية أو عقلية ولا يجوز الإستدلال به في عملية الإستنباط. فإذا شُك في حجية شيء، فإن ذلك الشيء مساوقٌ لعدم الحجية. وعندها لا يمكن الإلتزام به بأي شكل من الأشكال.

          وكان هذا المقدار من العلم قد تناوله فقهاؤنا بعمق ووضوح، ولكن كان قد حصل إنقلاب جذري في المدرسة الاُصولية الامامية في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري فيما يخص الرؤية الموضوعية للحجج الشرعية أو العقلية.

          فقد كان التقسيم السائد للأدلة، التي كان يُستند عليها في إستنباط الحكم الشرعي، هو تصنيفها الى: أدلة عقلية، وأدلة غير عقلية. فالأدلة العقلية تشمل البراءة والإستصحاب. والأدلة غير العقلية تشمل الكتاب والسنّة والإجماع.

 الاستدلال على البراءة:

          فاُستدل على البراءة بتحليلين عقليين:

الاول: (البراءة الأصلية)، بتقريب أن الذمة لما كانت غير مشغولة بذلك الحكم في الزمن السابق أو الحالة الاُولى، فهي لا تشتغل به في الزمن اللاحق أو الحالة الثانية. فالتكليف بالشيء مع عدم الإعلام به تكليف بما لا يطاق.

الثاني: أن عدم الدليل على الحكم الشرعي هو بمثابة دليل على عدم وجود أو تحقق الإلزام الشرعي للمكلّف.

 الاستدلال على الاستصحاب:

          واُستدل على الإستصحاب بتحليلين عقليين:

الأول: إستصحاب حال العقل، وهو إستصحاب عدم إشتغال الذمة الثابت بالقطع قبل التكليف، أو بمعنى آخر هو إستصحاب عدم التشريع الثابت بالقطع.

الثاني: إستصحاب حال الشرع، وهو الحكم الشرعي الثابت من ناحية الشرع في وقت سابق في ظروف حصول الشك في بقاء ذلك الحكم. فالإستصحاب في الدليل - إذن- لا يخلو من أحد هذين الإستصحابين.

 بوادر اتساع مباحث الدليل:

          وكان يرافق هذا التقسيم للأدلة ضبابية من نوع آخر تمثلت في عدم التفريق بين الأمارات والاُصول، وعدم التفريق بين الحكم الشرعي (وهو مفاد الأمارات) والوظيفة الشرعية والعقلية (وهي مفاد الاُصول العملية)، وعدم التفريق بين الحجج الذاتية (التي ثبتت حجيتها بالقطع) والحجج المجعولة (التي ثبتت حجيتها بالعرض كالإجماع وخبر الثقة).

          وكان الجو العلمي في الحوزة الامامية مهيئاً لظهور شخصية علمية قادرة على النهوض بمستوى هذا العلم الجليل الى أعلى مصاف التفكير العقلي الذي يكون فيه الانسان قادراً على إستيعابه وإدراكه. فكان القرن الثالث عشر الهجري عصر بوادر بناء الحجج العقلية والشرعية وتلازمها. وكان عصر ولادة مدرسة الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري الفقهية والاُصولية.

          فقد أضاف هذا الشيخ الجليل لعلم الاُصول ما لم يضفه أي عالم شيعي آخر بذلك الحجم وذلك العمق والمنهجية والإستدلال. فعلى يديه الشريفتين إنتظم المنهج العلمي للاُصول وإتسعت دائرة الحجة والدليل.

          وحتى ندرك عمق ما وصل إليه علم الاُصول في المذهب الامامي على يد الشيخ (قدس سره) لابد من إستعراض أهم المباني الجديدة التي صاغها في البحث عن الدليل. ولاشك إن شدة إهتمام الشيخ الأنصاري بمباحث الحجج والأدلة الشرعية والعقلية منعته من مناقشة مباحث الألفاظ، وأوكل تلامذته بالرجوع الى كتاب (هداية المسترشدين) في شرح معالم الدين للشيخ محمد تقي الأصفهاني (ت 1248 هـ)، لأنه كان يؤمن بأن الشيخ الأصفهاني قد ناقش مباحث الألفاظ بقدرٍ عالٍ من العمق والدقة العلمية، وليس هناك من داع لإعادة صياغتها من جديد.

  المباني الجديدة في الدليل الشرعي

          وسوف نتحدث بإختصار عن حجية القطع، والظن، والشك، والتفكيك بين الأمارات والاُصول، ومفاد الدليل، وتعارض الأدلة. فإن هذه المواضيع الاُصولية كانت قد أحدثت نقلة نوعية في عملية الإستنباط الشرعي للأحكام.

 1- حجية القطع:

          إن القطع، لما كان بطبيعته التعبير عن إنكشاف الواقع إنكشافاً تاماً، فإن حجيته ذاتية. بحيث لا يمكن جعل الحجية له ولا نفي الحجية عنه. فكما إننا لا نستطيع أن نفكك بين النار والحرارة المنبعثة منها والنور والضياء الساطع منه، كذلك لا نستطيع أن نفكك بين القطع وحجيته الذاتية. فالقطع "بنفسه طريقٌ الى الواقع. وليس طريقيته قابلةٌ لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً" [7].

          ولكن الحجية ليست على نمط واحد. فإن هناك (حجية مجعولة) من قبل الشارع بالاضافة الى ما ذكرناه من الحجية الذاتية، كما لو أن المولى عز وجل أمرنا بإتباع الظن في موادر البيّنة واليمين. فهو قد جعل الحجية لليمين وللبيّنة، مع أن اليمين أو البيّنة بحد ذاتها لا توجبان القطع ولا تمنعان من إحتمال الخلاف. ولكن الشارع ألغى إحتمال الخلاف وتمم الكشف الناقص على الطريقة التعبدية، فأنشأ الحجية المجعولة، كما في موارد الطرق والأمارات. ولاشك أن كل حجية مجعولة لابد وأن تنتهي بالضرورة الى الحجية الذاتية بموجب القاعدة العقلية: (كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي الى ما بالذات).

 لوازم حجية القطع:

          إن ثبوت حجية القطع عند المكلّف تترتب عليها آثار إلزامية ولزومية تسمى بـ (اللوازم العقلية للحجية)، ذاتية كانت تلك الحجية كالقطع، أو مجعولة كالطرق والأمارات. وهذه الآثار يمكن حصرها عقلياً بثلاث مفردات:

أ- التنجز عند مصادفة الحجة للواقع. وهذه من اللوازم العقلية للحجية. فيستحق المكلّف على تلك المخالفة الذم والعقوبة. لأن مخالفة المكلّف لحكم الشارع جاءت عن طريق قطعي، فليس هناك من شك في إستحقاق العقوبة على تلك المخالفة القطعية.

ب- التعذير عند مخالفة الحجة للواقع. فالعقل - هنا - يحكم بقبول عذر المكلّف لمخالفته حكماً إلزامياً واقعياً للشارع. وعندها يحكم العقل بعدم إستحقاقه للعقوبة. فإذا إعتمد المكلّف دليلاً شرعياً قطع بحجيته، لكنه كان مخالفاً للحكم الشرعي الواقعي، فالمكلّف لا يستحق العقوبة على تلك المخالفة.

ج- لزوم العمل بموجب الحكم الثابت بالقطع بملاك وجوب دفع الضرر الذي ينتج عادةً من تنجزّ التكليف على المكلّف. والعقل يحكم بوجوب دفع الأضرار التي تتركها العقوبة على الانسان.

 القطع الطريقي والقطع الموضوعي:

          والقطع الطريقي إصطلاح جديد اُريد به القطع الذي يكون طريقاً للمكلّف الى الحكم الشرعي أو الى موضوع الحكم الشرعي. فقد يكون طريقاً الى الحكم التكليفي كوجوب  الصوم، أو طريقاً الى الحكم الوضعي كالملكية، أو طريقاً الى كشف أحد هذين الحكمين (أي أما الحكم التكليفي أو الحكم الوضعي). كما لو قطع بخمرية السائل الذي أمامه، فإن الخمر موضوع لحكم تكليفي وهو وجوب إجتنابه وحرمة شربه. وموضوع لحكم وضعي وهو نجاسته. يقول الشيخ الأنصاري في (الرسائل): "... إن إطلاق الحجة على القطع ليس كإطلاق الحجة على الأمارات المعتبرة شرعاً، لأن الحجة عبارة عن الوسط الذي يُحتج على ثبوت الأكبر للأصغر... وهذا بخلاف القطع، لأنه إذا قطع بوجوب شيء، فيقال: هذا واجبٌ، وكل واجب يحرم ضده أو يجب مقدمته. وكذلك العلم بالموضوعات. فإذا قطع بخمرية شيء، فيقال: هذا خمر، وكل خمر يجب الإجتناب عنه. ولا يقال: إنّ هذا معلوم الخمرية، وكل معلوم الخمرية حكمه كذا. لأنّ أحكام الخمر إنما تثبتُ للخمر، لا لما عُلِمَ أنه خمر" [8].

          بمعنى أن القطع الطريقي لا يكون حجة بالمعنى المتعارف عليه في المنطق، وهو الوسط الذي يكون سبباً لثبوت الأكبر للأصغر، ولا يكون وسطاً لإثبات الحكم الشرعي. فلا نقول: هذا معلوم الخمرية، وكل ما عُلم أنه خمر وجب إجتنابه. بل إنما نقول: هذا خمر، وكل خمر يجب الإجتناب عنه. فيحمل الحكم بوجوب الإجتناب على الخمر الواقعي دون ما يكون معلوم الخمرية. وبمعنى آخر أن القطع حجة سواءً صادف الواقع أم لم يصادفه.

          أما في مقام الطرق والأمارات، فإنها تكون حجة بالمعنى المتعارف عليه في المنطق. حيث تقع وسطاً لإثبات الحكم الشرعي. فنقول: هذا السائل الذي أمامنا قد قامت البيّنة على نجاسته (صغرى)، وكل ما قامت البيّنة على نجاسته من سوائل يجب الإجتناب عنه (كبرى). فـ (النتيجة) هي أن هذا السائل مما يجب الإجتناب عنه.

          وأما القطع الموضوعي، فهو ما يقع موضوعاً لحكم شرعي آخر غير متعلقه. لأن القطع اُخذ موضوعاً كاملاً بما هو في نفسه، لا بما هو كاشف عن الواقع كي يسأل المكلّف عنه. ويُمثَّل على القطع الموضوعي، بترتب وجوب الطاعة عقلاً على واجب معلوم. كمن إذا عصى وشرب سائلاً قاطعاً بأنه خمر فقد إستحق اللوم والعقاب حتى لو تبين بعد ذلك أن ما شربه كان خلاً لا خمراً.

 العلم التفصيلي والعلم الإجمالي:

          وقد حصل في تلك الفترة تطور في طبيعة فهم العلم الطريقي وحجيته الذاتية، فقُسّم العلم الطريقي الى قسمين:

          علم تفصيلي، كما اذا علم المكلّف (في الأحكام) بوجوب صلاة الجمعة يوم الجمعة، أو اذا علم المكلّف (في الموضوعات) نجاسة سائل في إناء ما.

          وعلم إجمالي، كما اذا علم المكلّف (في الأحكام) بوجوب إحدى الصلاتين - أي الظهر أو الجمعة يوم الجمعة- أو اذا علم المكلّف (في الموضوعات) بنجاسة أحد الإناءين.

          وكان السؤال المطروح هو: هل تجري أحكام العلم التفصيلي في موارد العلم الإجمالي من حيث حرمة المخالفة القطعية بشرب الإناءين معاً أو بترك الصلاتين معاً في مثالنا، ووجوب الموافقة القطعية بإجتناب الإناءين معاً أو بأداء الصلاتين معاً أم لا؟

          لاشك أن تنجز التكليف يثبت على عهدة المكلّف بالعلم الإجمالي. فالعلم الإجمالي كالعلم التفصيلي من حيث وضوح الأمر وإنكشاف الواقع، ولكن متعلق العلم مردّد بين فردين أو أكثر. ونحن نعلم يقيناً أن الترديد في المتعلق لا يزعزع قطع العالِم وعلمه بالمعلوم الذي حصل الإجمال في متعلقه.

          إن الملاك في الحكم بتنجيز العلم الإجمالي في موردي حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية هنا، هو جريان الاُصول المؤمّنة العقلية والشرعية أو عدم جريانها. فكلما كانت الاُصول المؤمّنة والنافية للتكليف كـ (قبح العقاب بلا بيان) و(أصل البراءة الشرعية) تجري في أطراف العلم الإجمالي بحيث لا يكون ذلك العلم الإجمالي منجّزاً في مورده، جاز الترخيص فيه. وكلما إمتنع جريان الاُصول المؤمّنة العقلية والشرعية في مورد كان العلم الإجمالي منجّزاً في ذلك المورد، لم يجز الترخيص فيه.

          وقد لخص السيد الخوئي (قدس سره) فكرة الشيخ الأنصاري (رضوان الله عليه) بشكل دقيق قائلاً: "إن العلم الإجمالي اذا تعلق بحكم إلزامي فلا تجري الاُصول النافية للتكليف في شيء من أطرافه. أما عدم جريانها في تمام الأطراف فللمانع الثبوتي، وهو قبح الترخيص في مخالفة التكليف الواصل. وأما عدم جريانها في بعضها فلقبح الترجيح بلا مرجّح... وأما اذا تعلق العلم الإجمالي بحكم غير إلزامي، فلا مانع من جريان الاُصول المثبتة في جميع أطرافه بحسب مقـام الثبوت، كما أنه لا مانـع من شمول أدلتها لها فـي مقام الإثبات" [9].

 2- حجية الظن:

          والظن (الذي جوّز استخدامه الشرع) هو الإحتمال الراجح على نقيضه من دون أن يلغيه. بمعنى أن الظن ما هو إلاّ إيماء من نوع ما نحو الواقع؛ ومثاله حجية خبر الواحد. والسؤال المهم الذي واجهه الفقهاء، وحاول الشيخ الأنصاري الإجابة عليه هو: هل أن إلزام الشارع بإتباع ما يوجب الظن في أحكامه كالخبر الواحد يولّد مفسدة وإدغال في الدين أم لا؟

          ومن أجل تقديم نظرية علمية شرعية حول الظن، فقد ناقش الشيخ الأنصاري المواقف السلبية والإيجابية لحجية الظن عند الفقهاء، وعرض مبدأه في حجية الظن، ودرس الظنون التي ثبتت حجيتها بالدليل القطعي.

 نظرية نفي حجية الظن:

          فعلى صعيد السلب والإيجاب أو قل الرفض والقبول لحجية الظن، فقد إستند الفقهاء القائلون بنفي حجية الظن على محذورين: الأول: المحذور الملاكي، والثاني: المحذور الخطابي.

          فإذا تعبّد المكلف بالعمل بدليل ظني فإنه قد يفوّت عليه مصلحة ما كانت ستترتب لو طبّق الحكم الواقعي بدل الحكم الظني. فالدليل قد يُخطىء الواقع، فيفوّت على المكلف المصلحة المترتبة على الحكم الواقعي الذي أخطأه الدليل. وهذا هو المحذور الملاكي.

          أما المحذور الخطابي، فإنه يحصل كنتيجة لتعبد المكلّف بالعمل بدليل ظني أخطأ الحكم الواقعي، فيلزم إجتماع الضدّين أو النقيضين. بمعنى أن الحكم المعمول به بدليل ظني قد يكون له حكمان متضادان أو متناقضان في وقت واحد من الوجوب وعدمه أو الحرمة وعدمها. فيكون الأول حكم واقعي ثابت، والثاني حكم ظاهري تعبدي بموجب إعتبار الدليل الظني من قبل الشارع.

          ومن أجل دفع المحذور الملاكي فقد عرض الشيخ الأنصاري نظريته في (المصلحة السلوكية)، فإفترض أن الأمارة تكون سبباً في إحداث مصلحة في سلوك الأمارة بقدر ما فات المكلّف من المصلحة في عدم تأديتها. فاذا صلى المكلّف بموجب الأمارة صلاة الجمعة يوم الجمعة ثم إكتشف بعد ذلك خطأ الأمارة بعد إنقضاء الوقت لا يعوضه سلوك الأمارة عن شيء من المصلحة بل عليه أن يأتي بصلاة الظهر قضاءً. فهنا، كان سلوك الأمارة (في الحالة الاولى) سبباً في تفويت مصلحة الوقت عليه فقط ولكن سلوك الأمارة (في الحالة الثانية) عوضّه عن مصلحة ذلك الوقت دون أصل العمل، ولذلك كان عليه القضاء.

          ومن أجل دفع المحذور الخطابي عرض الشيخ الأنصاري نظريته القائلة بـ (إختلاف الرتبة بين الحكمين) الظاهري والواقعي. فإن رتبة الحكم الظاهري (وهو الأمارة أو الدليل الظني المعتبر) متأخرة عن رتبة الحكم الواقعي بمرتبتين، لأن موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي وهو متأخر عنه برتبة لتأخر العارض عن معروضه بمرتبة. وكذلك فإن موضوع الحكم الظاهري متأخر عن موضوع الحكم الواقعي بمرتبتين ايضاً. ولاشك أن إختلاف المرتبة ترفع غائلة التضاد والتناقض في الخطاب الشرعي.

 نظرية ثبوت حجية مطلق الظن:

          وإستند الفقهاء القائلون بحجية مطلق الظن بـ (دليل الإنسداد)، وهو الإستناد على حجية إنسداد باب العلم في الأحكام الشرعية. وعرضوا أربع مقدمات في إنسداد باب العلم بالأحكام الشرعية، وهي:

1- أن باب العلم بمعظم المسائل الفقهية مسدود. بمعنى أن ما بأيدينا من الأدلة القطعية والظنية المعتبرة لا يكفي للوصول الى كل المسائل الفقهية.

2- لا يجوز لنا إهمال الأحكام الشرعية التي لا نصل إليها بالعلم أو بالظن المعتبر، بل لابد من الخروج من عهدتها بأي طريق ممكن.

3- إن الإحتياط المتكرر في كل الأحكام عسر وحرج بل يخلّ بالحياة الشخصية والإجتماعية للافراد. ولاشك أن المولى سبحانه وتعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها. وإن إعمال أصل البراءة في كل حكم مجهول محق للدين وتلاعب بأحكام الله عز وجل.

4- مع إمكان الأخذ بالظن - عند تعذر العلم والأصل والإحتياط- لا يجوز الأخذ بالشك والوهم، لأن ذلك من ترجيح المرجوح على الراجح وهو باطل شرعاً. فلابد من الأخذ بالظن دون الشك والوهم.

          ولما كان الأصل والأهم في هذه المقدمات الأربع، المقدمة الأولى القائلة بإنسداد باب العلم - وهي التي اُخذ منها إسم دليل الإنسداد- فإن الشيخ الأنصاري وبقية الفقهاء إقتصروا على مناقشتها. فقال الشيخ الأنصاري بأن إنغلاق باب الظنون الخاصة المعتبرة ايضاً، كالقول بحجية خبر الواحد والتعبد به من الناحية الشرعية يحلّ مشكلة (الإنسداد)، بل يوفر لنا الوسائل العلمية الموجبة للقطع وخبر الواحد والظنون المعتبرة الاُخرى كظواهر حجية الكتاب والسنّة للوصول الى معظم الأحكام الشرعية. وعندها ينحلّ العلم الإجمالي الى علم تفصيلي بأكثر الأحكام، وتجري الاُصول والقواعد في بقية الأحكام بلا محذور.

 حجية الظن عند الشيخ الأنصاري:

          وعلى صعيد حجية الظن التي آمن بها الشيخ الأنصاري وجعلها أصلاً في الإستنباط، فقد عرض في البداية أصلين في علم الاُصول هما:

أ- إمكانية إعتبار الظن والتعبد به من ناحية الشارع.

ب- ما لم يحصل لنا العلم اليقيني بأن الشارع قد إعتمد سبيلاً من السبل الظنية وأعتبره وأمرنا بالتعبد به، فلا يجوز لنا التمسك به وإسناد مفاده الى المولى عز وجل.

          وقد اُستدل على هذين الأصلين بالأدلة الأربعة وهي: القرآن المجيد، كما في قوله تعالى: (إن يتبعون إلاّ الظن وإن هم إلاّ يخرصون)[10]، وقوله ايضاً: (قل آالله أذن لكم أم على الله تفترون)[11]. ومن السنّة الشريفة ما رواه الحر العاملي في الوسائل في قوله (ع): (رجل قضى بالحق وهو لا يعلم)[12]. ومن الإجماع ما إدعاه الوحيد البهبهاني من أن حرمة العمل بما لا يعلم من البديهيات عند العوام فضلاً عن الخواص. ومن الدليل العقلي إتفاق العقلاء على تقبيح الإفتراء على المولى عز وجل.

          وخلاصة نظريته أن الظن ليس حجة بذاته ولا يمكن الإعتماد عليه، بل يكون حجة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من ناحية الشارع على حجيته. فيكون الظن - عندها - حجة من ناحية الدليل الذي أقره الشرع فحسب وليس بذاته.

          وبموجب هذا الفهم فقد صُنّفت الظنون الخاصة التي ثبتت حجيتها بالدليل القطعي الى طائفتين:

الأولى: الطرق والأمارات، وهي الأدلة والحجج الشرعية على الحكم الشرعي، كالأخبار غير المتواترة والإجماع والشهرة.

والثانية: المنهج العلمي المستخدم في إكتشاف الحكم الشرعي كحجية الظهور مثلاً، التي هي طريقة من طرق العرف العقلائي في الأخذ بظواهر الاُمور في العلاقات والمعاملات. فالدليل أحياناً قد يفتقد الى التنصيص والتصريح. واذا إفترضنا - جدلاً- أننا توقفنا عن الأخذ بظهور الأدلة اللفظية بسبب ذلك، فنكون قد ألغينا طائفة واسعة من الروايات الظاهرة في معانيها غير الصريحة. ونكون قد إرتكبنا أفدح الأخطاء على نطاق الإستدلال الشرعي.

 3- الشك:

          ويُقصد بالشك مطلق الجهل بالحكم، سواءً كان طرفا الترديد متساويين أو مختلفين. فعندما يخفى الحكم الشرعي أو موضوعه على المكلف - عن طريق الجهل به أو عن طريق إفتقاد الأمارة المعتبرة شرعاً- يكون الشك عندئذ مجرى لإحدى الاُصول العقلية: كالبراءة والإحتياط، أو الشرعية: كالإستصحاب والبراءة الشرعية.

          أما اذا كان الشك في الموضوع الخارجي (أي في الشبهة الموضوعية الخارجية) وليس في الحكم الشرعي، فإن القواعد الاُصولية الفرعية هي التي يتم تطبيقها – عندئذ- كقاعدة الفراغ والتجاوز، وقاعدة أصالة صحة فعل المسلم ونحوها.

          وأما اذا كان الشك في الشبهات الموضوعية والحكمية، فإن الاُصول الأربعة وهي: البراءة والتخيير والإحتياط والإستصحاب تكون – عندها- وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظن المعتبر.

          ولاشك أن الشيخ الأنصاري كان قد فكك بين الأمارات الظنية والاُصول الأربعة. فالأمارات كخبر الواحد مثلاً تستطيع بطبيعتها الكشف عن درجة من درجات الحكم الواقعي، وقد تممها الشارع بالإعتبار الشرعي. ولكن الاُصول الشرعية والعقلية التي تجري في مورد الشك تفتقد بطبيعتها تلك الدرجة من الكشف عن الحكم الواقعي، ودورها مجرد تقرير الوظيفة العملية للمكلّف وقت الشك. وعلى ضوء ذلك التفكيك دخلت الأدلة الإجتهادية كخبر الواحد والإجماع والسيرة والشهرة في مبحث الظن، لأنها من الظنون الخاصة التي رفعها الشارع الى مستوى القطع. بينما دخلت الأدلة الفقاهتية، وهي الاُصول العملية الأربعة، في مبحث الشك. فقال في (الرسائل): "فاعلم أن المكلّف اذا إلتفت الى حكم شرعي فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن، فإن حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشّاك في مقام العمل، وتسمى بالاُصول العملية، وهي منحصرة في الأربعة..." [13].

          وهذا التفكيك بين الأمارات الظنية والاُصول العملية، والتفريق بين الأدلة الفقاهتية والإجتهادية جعل دائرة الأدلة الشرعية والعقلية متناسقة وغير متقاطعة في أي مرحلة من المراحل بل متوازية طولياً، لكنها تتقدم أو تتأخر عن بعضها من خلال ما اُصطلح عليه بـ (الحكومة) أو (الورود) اللذان سنتعرض لهما لاحقاً.

 4- مفاد الدليل ومدلوله:

          وقد آمن الشيخ الأنصاري بأن مفاد الدليل دائماً هو الجعل وليس المجعول[14] . فـ (الجعل) يتم انشاؤه من قبل المشرع تحقق موضوعه في الخارج أم لم يتحقق. و(المجعول) يتوقف ثبوته على حصول موضوعه في الخارج. فالدليل في قوله تعالى: (وأعلموا انما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى)[15]، لا يتعهد غير بيان أصل جعل وجوب ضريبة الخمس على الغنيمة. ولكن تحقق وثبوت هذا الوجوب في الخارج يقع على عهدة المكلّف وليس له أي علاقة بالدليل.

          فمفاد الدليل قد يكون جعل الحكم الشرعي، وقد يكون جعل الوظيفة الشرعية، وقد يكون جعل الوظيفة العقلية في ظروف الجهل بالحكم الشرعي.

          وبمعنى آخر أن الأدلة الفقاهتية، بموجب هذا الفهم يمكن أن تقسّم الى ثلاث مجاميع:

الأولى: الاُصول المؤمّنة كالبراءة العقلية والشرعية، وهذه الاُصول لا تنفي الحكم الشرعي، بل تجعل المكلّف يقطع ببراءة ذمته عن التكليف المشكوك في ظروف الجهل به.

الثانية: الاُصول المنجّزة والمثبتة للتكليف كأصل الإشتغال والإستصحاب. فهذان الأصلان لا يثبتان وجود الحكم الشرعي الذي كان يجهله المكلّف، بل يثبتان الوظيفة الشرعية للمكلّف بالإحتياط في مورد الإشتغال، وبإستصحاب الحالة السابقة في مورد الإستصحاب.

الثالثة: التخيير العقلي، وهي ما تفيد التخيير في مورد تردد التكليف بين المحذورين وترفع مهمة التعيين عن عهدة المكلَّف. فالتخيير لا يعكس طبيعة الحكم الشرعي الواقعي، ولكنه وظيفة المكلّف في ظروف تردده بين المحذورين (الوجوب أو الحرمة)، وهو يعلم قطعاً بثبوت أحدهما على النحو الإجمالي.

 5- تعارض الأدلة وتزاحمها:

          والتعارض، في إصطلاح الشيخ الأعظم (رضوان الله عليه) هو تنافي الدليلين الظنيين أو تضادهما بحيث أن الدليل الأول ينافي الدليل الثاني ويكذبه كما لو دلّ دليل على وجوب زكاة مال التجارة ودلّ دليل آخر على عدم وجوبه، أو دلّ دليل على وجوب أمر ما ودلّ آخر على حرمته.

          أما التزاحم، فهو يعبّر عن تدافع بين حكمين شرعيين في مقام الإمتثال والتنفيذ ويمثلون لها بإقامة الصلاة فى آخر الوقت وتطهير المسجد من النجاسة في نفس ذلك الوقت المضيق. فهنا لا يتمكن المكلّف في ظرف زمني واحد من الأمتثال لكلا الحكمين، فلابد له من إختيار أحدهما بالتعيين أو التخيير.

          ومعرفة الفرق بين التعارض والتزاحم له قدر من الأهمية في عمليات الإستنباط. ففي باب التزاحم لا نجد تكاذباً بين الدليلين في مقام الجعل والتشريع، بينما نجد في باب التعارض إستحالة صدور الدليلين من الشارع بالقطع، وإلاّ لم يقع التعارض. فلابد هنا، في باب التعارض، من ترجيح أحدهما على الآخر بالوسائل المرجحة كقوة السند من وثاقة الراوي والشهرة، أو ترجيح ما ليس له  بديل على الدليل الذي له بديل، أو ترجيح الأهم على المهم.

العلاقة بين الأدلة الاجتهادية والفقاهتية:

          وقد عرض الشيخ الأنصاري لوناً جديداً من العلاقة بين الأدلة الإجتهادية والفقاهتية، في حالات التعارض بين الأدلة. وأسند هذا اللون من العلاقة الى أربع حالات هي: التخصص، والتخصيص، والورود، والحكومة. ولاشك أن تطبيق هذه الحالات الأربع على الأدلة سوف يرفع التعارض بينها.

 التخصص:

          فعلى صعيد (التخصص)، وهو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر، فإن موضوعا الدليلين مختلفين تماماً. كما اذا قال الشارع: أكرم العلماء (وهو الدليل الأول)، وقال: لا تكرم الجهال (وهو الدليل الثاني). فيكون موضوع الدليل الثاني وهو (الجاهل) خارجاً عن موضوع الدليل الأول وهو (العالم). فينتفي التعارض بين الدليلين.

 التخصيص:

          وعلى صعيد (التخصيص)، وهو إيراد قرينة متصلة أو منفصلة لتوضيح مراد المتكلم من الإستعمال، فإن المخصِّص يكشف عن أن المتكلم لم يكن يقصد المعنى الظاهر من العام في إستعمال الخاص. فلو قال الشارع: أكرم الفقراء، ثم قال ايضاً: لا تكرم الفقراء الفسّاق. فإن النهي الثاني يلحظ كقرينة على أن المتكلم لم يكن قاصداً عموم الفقراء في إستعماله الأول، بل كان يقصد عدول الفقراء. وتقييد المطلق وتخصيص العام في هذا الإستعمال لا يعتبر تعارضاً في الأدلة.

 الورود:

          وعلى صعيد (الورود)، وهو تقدم الأمارات والطرق (الأدلة الإجتهادية) على الاُصول العقلية من البراءة والإحتياط والتخيير العقلي (الأدلة الفقاهتية)، فقد حُدّد بصيغة مفادها أن الدليل الوارد ينفي موضوع الدليل (المورود) نفياً تكوينياً، على المستوى التعبدي. بمعنى أنه لو وردنا خبر الثقة الواحد على حكم شرعي فإن ذلك الخبر سوف يرفع موضوع البراءة العقلية التي عبّرنا عنه سابقاً بعدم البيان في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). ومن جهة اُخرى، يتقدم خبر الثقة على أصالة الإحتياط العقلية. لأن موضوع أصالة الإحتياط هو إحتمال ترتب العقوبة على ترك الوجوب؛ بينما أمنّ خبر الثقة من وقوع العقوبة. ومن جهة ثالثة يتقدم خبر الثقة على أصالة التخيير العقلية. لأن موضوع التخيير إنما ثبت لعدم وجود مرجّح لأحد الطرفين على الآخر. بينما كان خبر الثقة صالحاً للرجحان على الطرف الآخر. وهذه الأدلة متوازية طولياً ولا تتقاطع في أي نقطة، وهذا هو معنى عدم التعارض بين الأدلة.

 الحكومة:

          وعلى صعيد (الحكومة)، وهو تقدم الأمارات والطرق (الأدلة الإجتهادية) على الاُصول العقلية من البراءة والإحتياط والتخيير العقلي (الأدلة الفقاهتية) تقدماً تشريعياً، فإن العلاقة الدلالية تتبلور عندما يكون فيها أحد الدليلين ناظراً الى مفاد الدليل الآخر. فخبر الثقة يرفع جهل المكلّف بالحكم الواقعي تعبداً وإن لم يرفعه تكوينياً، ولكن الشارع أتم الكشف  الذاتي الناقص الموجود في هذه الأمارة. فهنا يثبت الدليل الإجتهادي ويتقدم على الدليل الفقاهتي. ولا تعارض بين الدليلين (أي الإجتهادي والفقاهتي) المتوازيين طولياً.

 * * *

          ولاشك أن نظرية الشيخ الأنصاري (قدس سره) ونظريات الفقهاء الذين سبقوه تدفعنا نحو التفتيش عن منهجية (علم الاُصول). فكيف إستطاع (علم اُصول الفقه) الوصول الى تلك الدقة العقلية من دون الإنجرار كلياً الى خنادق علم الفلسفة أو علوم اللغة أو علم الكلام؟ وكيف إستطاعت إتجاهات المنهج العلمي الاُصولي في التاريخ، الخروج بصيغة متوافقة للمباحث الاُصولية؟ وكيف إستطاع علم الاُصول التمييز بين (الأصل العملي) وبين بقية القوانين الحاكمة على التفكير الانساني؟ سنحاول الإجابة على كل ذلك في بحوث الفصل الخامس حول تشخيص المنهج العلمي للاُصول.

(نهاية ص 118)

 

 صفحة التحميل                    الصفحة الرئيسية


 

[1]  سورة الاسراء: الآية 15.

[2]  (الكافي) كتاب التوحيد – باب حجج الله على خلقه، ح 4. ج 1 ص 164.

[3]  (الوافية) ص 171- 172.

[4]  المنافرة تعني المحاكمة في الحسب ، كما في الصحاح للجوهري ج 2 ص 834.

[5]  (الفوائد الحائرية الجديدة) ص 366.

[6]  المصدر السابق.

[7]  (الرسائل) ج 1 ص 4. طبعة قم: جامعة المدرسين.

[8]  (الرسائل) ج 1 ص 4.

[9]  (مصباح الاصول) ج 2 ص 355- 356.

[10]  سورة الانعام: الآية 116، وسورة يونس: الآية 66.

[11]  سورة يونس: الآية 59.

[12]  (وسائل الشيعة) باب 4 من ابواب صفات القاضي حديث 6. ج 18 ص 11.

[13]  (الرسائل) ج 1 ص 2.

[14]  (الرسائل) ج 1 ص 395- 403.

[15]  سورة الانفال: الآية 41.