(ص 79 - 92)

 الفصل الثالث

 العقبات التأريخية التي حاولت تقويض المباني الاصولية

 المدرسة الاخبارية ومبانيها الفكرية. مناقشة معتقدات المدرسة الاخبارية. المذهب الحسي. النـزعة الصوفية.

-------------------------


           لاشك إن أهم العقبات التي وقفت بوجه علم الاُصول، كانت قد تمثلت في الإتجاهات الفلسفية والدينية التي وقفت ضد العقل والإدراك العقلي كحجة معتبرة متطابقة مع الحجج الشرعية. وبطبيعة الحال، فإن علم الاُصول لم يتناول يوماً ما الإدراكات العقلية مجردة فحسب، بل تناول ايضاً البيانات الشرعية في الكتاب المجيد والسنّة المطهرة من قول المعصوم أو فعله أو تقريره.

          إلاّ إن تلك العقبات على ضخامتها وتحديها الصارخ لدور العقل والدليل العقلي في إحتلال موقعه الطبيعي في ساحة الكشف عن الاحكام الشرعية، لم تستطع تحطيم الأساس الفكري الذي بُني عليه علم الاُصول. فقد وقف علم الاُصول - على لسان الفقهاء المؤمنين بدوره الحساس في عملية إستنباط الأحكام الشرعية- فوق كل تلك التحديات الفكرية التي لبست إطاراً شرعياً وتأريخياً مقنّعاً بظاهر الدليل. بل إن تلك العقبات التي صُممت بالأصل لتحطيم علم الاُصول وضعت في أحشائه - من دون قصد - بذور النمو والتطور نحو مراحل عليا في الإدراك والفهم الانساني للوظيفة الشرعية، فيما يخص التكليف الآلهي. وسوف نناقش بعض تلك العقبات، ومنها: الفلسفة الإخبارية، والمذهب  الحسي، والنـزعة الصوفية.

  أ ـ المدرسة الإخبارية

          قامت المدرسة الإخبارية التي قادها محمد أمين الاسترآبادي (ت 1033 هـ) بمحاولة إلغاء دور المباني الاُصولية في عملية الإستنباط. فقد هاجمت تلك المدرسة - على لسان زعيمها الاسترآبادي- فقهاء الطائفة ومؤسسي علم الاُصول كإبن أبي عقيل وإبن الجنيد والشيخ الطوسي بحجة أنهم إقتبسوا مباني علم اُصول الفقه من أهل السنّة، وبذلك فإنهم ساهموا، حسب زعمها، في فقدان أهمية النصوص الشرعية للمذهب الإمامي. وسخرت تلك المدرسة من فقهاء الامامية من (القديمين)[1] وحتى (الشهيدين)[2]، وتساءلت: لو كان الفقه يتطلب حقاً إستعمال القواعد الاُصولية لكان ذلك يعني أن بعض أصحاب الأئمة (ع) لم يكونوا فقهاء، لأنهم لم يمارسوا إستعمال تلك القواعد. فكيف تظهر القواعد المشتركة بعد الغيبة ولم يلتفت إليها الأصحاب؟

 مباني المدرسة الاخبارية:

          وقد إعتمدت المدرسة الاخبارية على ثلاثة مباني لتبرير حججها وهي:

1- عدم حجية ظواهر الكتاب والسنّة. فقد إعتقدت تلك المدرسة بحرمة إستنباط الأحكام النظرية الشرعية من ظواهر الكتاب المجيد والسنّة الشريفة. بخلاف الاُصوليين الذين قالوا بحجية ظواهر الكتاب والسنّة. ويمكن إستفادة ذلك من أقوال زعيمها. فقد ذكر الاسترآبادي في كتابه (الفوائد المدنية):  "إن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة الى أذهان الرعية وكذلك كثير من السنن النبوية، وأنه لا سبيل لنا في ما لا يعلمه من الأحكام النظرية الشرعية - أصلية كانت أو فرعية- إلاّ السماع من الصادقين، وأنه لا يجوز إستنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا من ظواهر السنّة النبوية ما لم يعلم أحوالها من جهة أهل الذكر عليهم السلام بل يجب التوقف والإحتياط فيها" [3].

2- دعوى قطعية أحاديث الكتب الأربعة. وقد بُني على هذا الأصل إنتفاء البحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة أو عدمها. ولكن هذا الإدعاء لم يستند على حجة أو بينّة، لأن مؤلفي الكتب الحديثية الاربعة أنفسهم لم يدعوا ذلك. بل إن أقصى ما يمكن نسبته إليهم هو أنهم إدعوا صحة الأخبار المودعة فيها بقرائن تفيد الإطمئنان بصدورها عن الائمة (ع). ولكن خبر العدل لا ينهض الى مستوى الحجية إلاّ أن يكون ناتجاً عن قضية حسية لا حدسية. وقد كان نقل الأخبار بأسانيدها يدفعنا للايمان دائماً بأن المشايخ الثلاثة (الكليني، والصدوق، والطوسي) كانوا يشعرون بالإحساس بضرورة البحث عن أحوال الرواة من حيث الوثاقة أو عدمها خصوصاً في الأجيال التي ستلحقهم، ولذلك فإنهم قد تحملوا عبء كتابة الأسانيد بطولها الرتيب الممّل من أجل إنجاز ذلك الهدف.

3- إنكار الدليل العقلي على نطاق الإستنباط. فقد مالت هذه المدرسة بشكل خطير نحو المذهب الحسي في نظرية المعرفة، وهاجمت حجية العقل في نطاق الإستنباط بإعتباره مجرد إعتماد غير علمي على "الدليل الظني في أحكامه تعالى" [4]. وكان ذلك الإستنتاج منتزعاً من فهم معين للعلوم النظرية. فقد قال الاسترآبادي بأن "العلوم النظرية قسمان: قسم ينتهي الى مادة هي قريبة من الإحساس ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق وهذا القسم لا يقع فيها الإختلاف بين العلماء... وقسم ينتهي الى مادة بعيدة عن الإحساس. ومن هذا القسم: الحكمة الآلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم اُصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق... ومن ثم وقع الإختلاف بين الفلاسفة في (الحكمة الآلهية والطبيعية) وبين علماء الاسلام في (اُصول الفقه والمسائل الفقهية) وعلم الكلام وغير ذلك من غير فيصل. والسبب في ذلك هو أن القواعد المنطقية إنما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة... وليست في المنطق قاعدة بها نعلم أن كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من أقسام مواد الأقيسة، بل من المعلوم عند اُولي الألباب إمتناع وضع قاعدة تتكفل بذلك" [5].

          وهذه المقدمة، وإن كانت صحيحة بطبيعتها الفلسفية، لأنها ترى إنحصار الدليل الحسي في غير الضروريات في السماع عن الشريعة. إلاّ أن تطبيقها على القضايا الشرعية لا يمكن أن يكون مثمراً، لأن الشريعة – ببساطة- لا يمكن قياسها بالحسيات. وهذا الخطأ الذي وقع فيه الأمين الاسترآبادي كلّفه الكثير فيما يخص الإنحراف عن المنهج العلمي المتفق عليه بين فقهاء الطائفة. فقد إتفق فقهاء المذهب ولحد تلك الفترة - وعلى نطاق أولي مبسط- بأن الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه تتطابق مع توجهات ائمة أهل بيت النبوة (ع). خصوصاً وأن الروايات الدالة على ممارسة الإستدلال الفقهي - بشكله الأولي- بين الأصحاب في عصر النص تؤيد ذلك. إلاّ أن الإخباريين لم يلتفتوا الى ذلك وأصروا على موقفهم الرافض لإستخدام الدليل العقلي في عملية الإستنباط.

 مناقشة مباني المدرسة الاخبارية:

        ويمكننا مناقشة آراء المدرسة الإخبارية عبر ترتيب النقاط التالية:

1- إن إمتناع بعض القواعد المنطقية عن الدخول في جميع موارد الأقيسة لا يعني- بالضـرورة - إلغاء جميع الأدلة العقلية، بل لا ضيـر أصلاً في إهمال تلك القواعد المنطقية السلبية الإستثنائية. فهي لا تتعدى كونها إدراكات عقلية ناقصة لا تصلح كوسائل إثبات في الإستنباطات الشرعية. ولكننا لا نستطيع مثلاً إنكار قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية التي تؤدي الى نتيجة شرعية وهي عدم لزوم الإحتياط. ولا نستطيع إنكار إيماننا بقاعدة (الإشتغال) العقلية التي تستلزم البراءة اليقينية التي تؤدي الى نتيجة أو وظيفة شرعية وهي الإحتياط في مجال العلم الإجمالي. ولا نستطيع إنكار الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أو حرمة ضده، بدعوى عدم وجود قاعدة منطقية كلية تنطبق على جميع الأقيسة!

2- أن الإيمان بالإتجاه الحسي، على إفتراض صحة مقدماته عند الأمين الاسترآبادي، لا يؤدي الى إنكار حجية القطع فيما اذا كان واقعاً بمقدمات عقلية. وهذا ما تنبه اليه المحقق الخراساني في (كفاية الاُصول) فقال: "إنما تتجه كلماتهم (اي الإخباريين) الى منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه"[6] فقط، وليس إنكار حجية القطع بالمقدمات العقلية. وهذه ثغرة مهمة في الفكر الإخباري إستفاد منها الوحيد البهبهاني في نقده لهم، كما يستفاد ذلك من فوائده الحائرية.

3- أن الإدعاء "بلزوم توسط الأوصياء سلام الله عليهم في التبليغ، فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلاً الى مرتبة الفعلية والباعثية وإن كان ذلك الحكم واصلاً الى المكلف بطريق آخر" [7] تكون نتيجته أنه لا يمكن الإعتماد على العقل في الحكم والإجتهاد. وقد وقف الإخباريون عن العمل بايآت الأحكام لطرو مخصصات من السنّة ومقيدات على عمومه ومطلقاته، وهو ما عطل عملية الإجتهاد بشكل تام. وبذلك فإنهم خسروا معالجة الشريعة للواقع الإجتماعي المتبدل بتبدل الزمان والمكان، وقد أحسّ بعظم الخسارة الفادحة المحقق البحراني صاحب (الحدائق الناضرة) عندما وجد أن فلسفته الإخبارية لا تنهض الى مستوى كشف الوظيفة الشرعية للمكلّف في عصر غياب النص.

4- إن أصل الإستناد على الحجة في إستنباط الحكم الشرعي قوض أهم مباني العقيدة الإخبارية. فإن العقل يحكم بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفته للحجة، كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقته للحجة، بغض النظر هل أصاب الواقع أم لم يصبه. فالحجة، ذاتية كانت كالعلم مثلاً، أو مجعولة حيث تحتاج في حجيتها الى سند قطعي شرعي أو عقلي كالطرق والأمارات؛ هذه الحجة هي التي تحدد معالم المدرسة الاُصولية في مقابل المدرسة الإخبارية. و"العقل السليم ايضاً حجة من الحجج. فالحكم المنكشف به حكم بلغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل، كما أن الشرع عقل من خارج" [8].

          وقد إستفاضت آيات الذكر الحكيم بالإستدلال على حجية العقل، فقال عز من قائل: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)[9]، و(...لآيات لقوم يتفكرون)[10]، و(...لآيات لأولي الألباب)[11]. وذمت الذين لا يعملون بمقتضى حجية العقل: (...أفلا يعقلون)[12]. وحددت ايضاً طبيعة الدليل العقلي وطبيعة الظنون والآراء التي تتخلف عن العقل: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم)[13]، (إن الظن لا يغني عن الحق شيئاً)[14]، (آالله أذن لكم أم على الله تفترون)[15].

          ولم يكن نشاط الحركة الإخبارية -على تخلخل مبانيها العلمية- سلبياً بصورته الكلية، بل أدى بشكل غير مباشر الى الإهتمام بالأخبار والروايات. فتضافر بعض الفقهاء على جمع المتون الحديثية في موسوعات أغنت المكتبة الفقهية الإستدلالية فيما بعد، ومن تلك الموسوعات نذكر منها ثلاث في غاية الأهمية للفقه الشيعي:

1-كتاب (الوافي) للمولى محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) في ثلاثة مجلدات من الطبعة الحجرية الكبيرة (الرحلية).

2- كتاب (وسائل الشيعة) للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 هـ) في ثلاثين مجلداً في الطبعة الحديثة.

3-كتاب (بحار الأنوار) للمولى محمد باقر المجلسي (ت 1110 هـ) في (110) مجلدات في الطبعة الحديثة.

  ب ـ المذهب الحسي

          و(المذهب الحسي) عنوان اُعطي لمجموعة من المعتقدات المتعلقة بطبيعة العالم بحيث أن (المادة) تأتي في الدرجة الأولى في التحليل، و(العقل) في الدرجة الثانية. وقد ذهب الماديون المتطرفون الى أن العالم الحقيقي لا يحتوي إلاّ على أشياء مادية ذات علاقات وأوضاع متباينة. ولذلك فإن القضايا المادية، حسب زعمهم، مكونّة من صفات طبيعية ملموسة في الخارج وليست لها صفات اُخرى نجهلها أو ربما ليست لدينا القدرة على رؤيتها. فالصفات الطبيعية لها ثبوت في زمان ومكان معينين كالشكل، والحجم، والمسافة الزمنية، والكتلة، والسرعة، والطاقة، والدوران، والحرارة، والصلابة، والخشونة ونحوها.

          ولكن المذهب الحسي أنكر الصفات غير الحسية كالرغبة، والضمير، والهدفية، والقابلية على الرؤية العقلية. وأنكر ايضاً العقائد الدينية المتعلقة بالخالق عز وجل، والروح، والملائكة، والجن، والنفس اللوامة عند الانسان. وبكلمة، فقد قدمّ هذا المذهب للبشرية نظريته الأساسية القائلة: بأن كل شيء في الكون يمكن تفسيره بموجب قواعد القانون الحاكم على الظروف الطبيعية المادية في العالم الخارجي.

          وقد نمى المذهب الحسي في القرن السابع عشر الميلادي في اوروبا بعد فترة سبات إستمرت أكثر من ثمانية عشر قرناً. فقد كان آخر من كتب في النظرية المادية الفيلسوف الروماني (لوكيرتس) في القرن الأول قبل الميلاد. وأهم من كتب في النظرية المادية في القرن السابع عشر هو: (بيـريه كاسندي) (ت 1655 م)، و(توماس هوبس) (ت 1679 م) اللذان بلورا الحركة الطبيعية (الشكية) وهو المذهب الذي آمن بأن المعرفة الحقيقية غير مؤكدة بل انها تدفع الانسان نحو النـزوع للشك، بما فيه الشك في مبادئ الدين كالخلود في الآخرة، والوحي، والعقل.

          ومع أن هناك إلتقاءً فكرياً ملحوظاً بين الحركة الإخبارية والمذهب الحسي الاوروبي حيث هاجمت كلاهما العقل وألغتا قيمة إستدلالالته وحججه المنطقية، إلاّ إننا لا نستطيع الجزم بأن هناك رابطة إقتباس من نوع ما بين الفكرتين خصوصاً وإن وسائل الترجمة ونقل المعلومات بين اوروبا والعالم الاسلامي كانت في غاية الضعف في القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين.

          ومهما يكن من أمر فان الحركة الإخبارية كانت تخشى، بجهل مفرط، أن يتحول الإستغراق في إعتماد العنصر العقلي في الإجتهاد الى إبتعاد عن موارد النصوص الشرعية تدريجياً. وهو خلل أثبتت السنون المتعاقبة عدم إستناده على أي مبرر شرعي أو عقلائي.

  ج ـ النـزعة الصوفية

          وهي النـزعة التي تنشأ عادةً من اليأس من تغيير الواقع أو إصلاحه على أقل تقدير. فقد  شهد القرن الحادي عشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي) ظهور نزعة صوفية قوية ساعدتها السلطة الصفوية في إيران – وهي نفس السلطة التي قامت على أساس الدعوة الى التصوف- وبقيت تؤيدها وتمدها سراً. وقد اُستغلت مباحث الفيلسوف العظيم صدر الدين الشيرازي (ت 1050 هـ) في الفلسفة الإشراقية الاسلامية من خلال تطعيمها ببعض عناصر الغلو، لتكون باباً لذلك التصوف المزعوم. ولاشك أن التصوف يدعو بشكل مباشر أو غير مباشر الى إهمال العقل وتنشيط الروح، والإلتجاء الى التعبد بمعناه المجرد عن واقعية الحياة الإجتماعية للانسان. وقد أدى ذلك التوجه الى الإقتصار على الإيمان بالأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها والجمود على نصوصها بشكل مطلق.

          والتصوف بمعناه الفلسفي يعني البحث عن الوسائل التي تجعل الانسان في وحدة أو إندماج مع الواحد عز وجل، وهو إقتباس ملحوظ من الأفكار البوذية التي إنتشرت في تركمستان في ذلك العصر. فقد آمنت تلك الفلسفة بحقيقة مفادها أن الدخول في جوهر الذات الانسانية هو في واقع الأمر هروب من مشاق الحياة الخارجية التي تعكّر صفو ذلك الإندماج.

          فإذا كان المولى عز وجل هو جوهر الجمال المطلق - فلابد ومن أجل الإقتراب من ذلك الجمال المطلق- من التحلي بصفات جمالية وراء العالم الظاهري وهي صفات الفقر، وإذلال النفس، والتهذيب، والتقشف، والثبات. وهذه الصفات لا يكتسبها الانسان إلاّ عبر فحص الذات، ومحاسبة النفس، والإنسحاب من الحياة الإجتماعية تدريجياً، والصمت، والتفكير في الله دوماً وترك كل ما يعكّر ذلك التفكير من رغبات جسدية أو نقاشات عقلية.

          ولاشك أن زعماء الصوفية الاوائل كـ (ابو يزيد) الملقب بـ (بايازيد البستامي)، و(الحسين إبن منصور الحلاج) في القرن الخامس الهجري الذين إدعا إرتباطهما كأجزاء في الحقيقة النهائية، مهّدا الطريق نحو فلسفة الجمال الروحي والإندماج مع خالق الوجود. فكان (أبو حامد الغزالي)، و(فريد الدين العطار)، و(إبن العربي)، و(جلال الدين الرومي) من أهم الوجوه الصوفية التي نادت برجوع الطيور الى قائدها، وهو تلميح الى إندماج المتصوفة (الطيور) بخالق الوجود (القائد).

          لقد أهملت الفلسفة الصوفية إطار العقل وجعلت الشعر المعبّر عن حب المخلوق للخالق، المحور الاساسي في أفكارها. وليس غريباً أن نجد معاني الحب الصوفي في أشعار الشاعر الإيراني (حافظ)، والى حد أقل  في أشعار (عمر الخيام) في مدلولات العنب وما ينتجه من خمر ولذة تشابه لذة المتصوفة عند إندماجهم بواجب الوجود.

 * * *

          وتلك العقبات الفكرية أو العقائدية لم تستطع ثني علم الاُصول عن الوصول الى أهدافه في الإدراك العقلي، ولم تستطع الوقوف بوجه جعل العقل حجة معتبرة متطابقة مع الحجج الشرعية. بل إن تلك العقبات في الواقع حفزت علماء الشيعة الإمامية في البحث والتفتيش عن الأدلة العقلية بعمق لم يسبق له مثيل في التاريخ الاسلامي.

(نهاية ص 92)

 صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية


 

[1]  القديمين: يقصد بهما ابن أبي عقيل العماني (المعاصر للشيخ الكليني في طليعة القرن الرابع  الهجري ولم نعثر على تاريخ وفاته)، وابن الجنيد الاسكافي (ت 381 هـ).

[2]  الشهيدين: يقصد بهما الشهيد الاول (ت 786هـ)، والشهيد الثاني (ت 965هـ).

[3]  (الفوائد المدنية) ص 47.

[4]  (الفوائد المدنية) ص 129.

[5]  (الفوائد المدنية) ص 129 – 130 بتصرف.

[6]  (كفاية الاصول) ج 2 ص 32- 33.

[7]  (أجود التقريرات) – السيد الخوئي ج 2 ص 40 ط صيدا.

[8]  (فرائد الاصول) المحشى بحاشية رحمة الله ص 11.

[9]  سورة الرعد: الآية 4.

[10]  سورة الرعد: الآية 3.

[11]  سورة آل عمران: الآية 190.

[12]  سورة يس: الآية 68.

[13]  سورة الاسراء: الآية 38.

[14]  سورة يونس: الآية 35.

[15]  سورة يونس: الآية 39.