|
(ص 53 - 78) الفصل الثاني فقه النص وفقه الاستدلال: من وجهة نظر اصولية فقه النص. فقه المتون المجردة عن اسانيدها. الفقه الاستدلالي. بوادر التفكير الاصولي عند الاصحاب. الشيخ الطوسي: عصر تطبيق النظرية الاصولية. تطبيق النظريات الاصولية في الفقه. التمييز بين الادلة الاجمالية والادلة التفصيلية. حجية خبر الواحد. حجية الاجماع.
----------------------- إن السؤال الذي اثير حوله جدل واسع بين فقهاء الاسلام هو: ما مدى مصداقية الإستدلال الفقاهتي زمن النص؟ وهل أن الإجتهاد أمر حادث زمن النبي (ص) وائمة أهل بيت النبوة (ع)، أم أنه وجد بعد إنقضاء ذلك العصر؟ ومن أجل الجواب على ذلك السؤال لابد من دراسة (فقه النص)، و(فقه المتون المجردة عن أسانيدها)، و(فقه الإستدلال)، و(بوادر التفكير الاُصولي عند الأصحاب). أ ـ فقه النص لاشك انّ في (فقه النص) إلتزامٌ شديدٌ في نص الحديث وعدم الخروج عن إطاره اللغوي أو العرفي. وكان يقوم بممارسة ذلك اللون من الفقه: الرواة الثقاة الحافظون لمتون الأحاديث وأسانيدها. فقد كانت الروايات تنقل زمن أئمة أهل البيت (ع) بأسانيدها في كتب الأصحاب. وكانوا يدونونها في أبواب خاصة كالطهارة والصلاة والزكاة والحج ونحوها. ولا يلزم الراوي أن يكون مجتهداً في فهم الحكم الشرعي وطبيعة إستنباطه من الأدلة المتعارفة كما في ضم المخصص الى العام، والمقيد الى المطلق مثلاً، بل يلزم أن يكون عالماً بألفاظ الرواية وإرتباطها بالموضوع محل البحث أو السؤال. ولذلك فإن الرواة الثقاة أقل حظاً في بذل الجهد في إستخراج الحكم الشرعي من الفقهاء الذين يمتلكون القدرة على إرجاع الفروع الى الاُصول أو الإستدلال بالأدلة الشرعية والعقلية. ب ـ فقه المتون المجردة عن أسانيدها وهذا اللون من الفقه إستند على تجريد الروايات عن أسانيدها وكتابتها - كنصوص- ضمن الأبواب الفقهية. وكان من رواده علي بن بابويه (ت 329 هـ) وهو والد الشيخ الصدوق، حيث ألفّ كتاب (الشرائع). وسار على هداه ولده الشيخ الصدوق (ت 381 هـ) فكتب (المقنع) و(الهداية). وكتب الشيخ المفيد (ت 413 هـ) كتاب (المقنعة)، وتلاه الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) بكتاب (النهاية). إلاّ إن ظهور هذا اللون من الفقه النصي بعد أكثر من مائة وخمسين عاماً من وفاة الصادقين (ع) يدلّ على إن ائمة أهل البيت (ع) كانوا قد عالجوا - عن طريق النصوص الشرعية- أغلب معضلات وإبتلاءات القرون الأربعة التي تلت ظهور الرسالة السماوية الشريفة. فلم تكن هناك حاجة ماسة لممارسة الفقه الإستدلالي الذي حاول الائمة (ع) تدريب أصحابهم عليه. وربما كان رسوخ التعبد بالنصوص الشرعية في أذهان أصحاب أئمة الهدى (ع) قد أخّر عملية ممارسة الفقه الإستدلالي ذلك الردح الطويل من الزمن. ج ـ الفقه الإستدلالي وهذا اللون من الفقه يستند على جملة من المبادئ الاُصولية التي إزدادت الحاجة إليها في إستنباط الأحكام الشرعية مع إبتعادنا عن عصر النص الشرعي خصوصاً بعد الغيبة الكبرى سنة (329 هـ). فهذا العلم الشريف أخذ - بعد تطوره المذهل- يستمد من علم الاصول المباني الاستنباطية في أربعة مساحات لغوية وعقلية وشرعية. ففي المساحة الاولى تأخذ المبادئ اللغوية كالوضع، والحقيقة، والمجاز، والنقل، والإشتراك، والصحيح، والأعم حيزاً مهماً. بينما تشغل مباحث الألفاظ كدلالة الأمر، والنهي، والجملة الخبرية، والفور والتراخي، والمرة والتكرار، والتوصلي والتعبدي، والمفاهيم، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين ونحوها الحيز الآخر من تلك المساحة. أما المساحة الثانية وهي التي تغطي الملازمات العقلية، فتشمل المستقلات العقلية كالتحسين والتقبيح العقليين، والملازمة بين حكم العقل والشرع والاُصول العقلية. وتشمل ايضاً غير المستقلات العقلية (وتسمى بمباحث الإستلزامات) كالأجزاء، ومقدمة الواجب، ومبحث الضد، وإجتماع الأمر والنهي، ودلالة النهي على الفساد. أما المساحة الثالثة وهي مباحث الحجة، فتشمل الكتاب المجيد، والسنّة المطهرة، والإجماع، والدليل العقلي، وحجية الظهور، والشهرة، والسيرة، والتعادل والتراجيح (اي تعارض الأدلة). والمساحة الرابعة وهي مباحث الاُصول العملية أو الأدلة السمعية، وتشمل الإستصحاب، والبراءة، والتخيير، والإحتياط. د ـ بوادر التفكير الاُصولي عند الأصحاب وقد ظهرت أول بوادر التفكير الاُصولي في زمن الصادقين(ع). فقد كان أئمة أهل البيت (ع) يدربون أصحابهم على أساليب الإستدلال الفقهي والإستنباط. وكان لقربهم (رضوان الله عليهم) من أئمتهم (عليهم السلام) أثراً عظيماً في تكامل ذلك التدريب. تدريب الاصحاب على الاستدلال: فنرى الإمام الصادق (ع) يدربّ (زرارة بن أعين)، وهو من خيرة أصحابه، على فهم الروايات العلاجية وممارسة اسلوب الترجيح في الأعدلية مثلاً، والأفقهية، والأشهرية، والأوثقية، وما خالف العامة، كما ورد في (غوالي اللئالي) عن العلامة الحلي مرفوعاً الى زرارة قال: (سألت أبا جعفر (ع) فقلتُ: جعلتُ فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فأيهما آخذ؟ فقال (ع): يا زرارة خُذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فقلتُ: يا سيدي إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم؟ فقال (ع): خُذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك. فقلتُ: إنهما معاً عدلان مرضيان موثقان. فقال (ع): اُنظر ما وافق منهما العامة فإتركه، وخُذ بما خالف فإن الحق فيما خالفهم. قلتُ: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين: فكيف أصنعُ؟ قال: إذن فخُذ بما فيه الحائطةُ لدينك واُترك الآخر. قلتُ: فانهما معاً موافقان للإحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنعُ؟ فقال: إذن فتخيّر أحدهما وتأخذُ به وتدع الآخر)[1]. وهو قد يمارس حجية ظواهر الكتاب والعمل بعموم الآيات، كما ورد في رواية عبد الأعلى في حكم من عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة، قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع): (عثرتُ فإنقطع ظفري فجعلتُ على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: (...وما جعل عليكم في الدين من حرج)[2] ، إمسح عليه)[3]. وفي صحيحة زرارة في سؤاله أبي جعفر(ع): (ألا تخبرني من أين علمتَ وقلتَ: أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال (ع): يا زرارة قاله رسول الله (ص) ونزل به الكتاب من الله عز وجل. لأن الله عز وجل قال: (فإغسلوا وجوهكم)، فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: (وأيديكم الى المرافق)، فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي أن يُغسلا الى المرفقين. ثم فصّل بين الكلام فقال: (وامسحوا برؤوسكم) فعرفنا حين قال: (برؤوسكم) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: (وأرجلكم الى الكعبين). فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله (ص) للناس فضيعوه)[4]. وهو قد يمارس أصالة البراءة، كما ورد في رواية عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (ع) في حديث من أحرم في قميصه قال: (أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه)[5]. وغير ذلك من الموارد التي يستطيع فيها الأصحاب الذين كانوا على درجة من الفقاهة إفتاء الناس بها. فـ (زرارة بن أعين) المعاصر للائمة: الباقر والصادق والكاظم (ع)، و(يونس بن عبد الرحمن) المعاصر للإمامين الكاظم والرضا (ع)، و(زكريا بن آدم) المعاصر للائمة: الصادق والرضا والجواد (ع) وغيرهم من أصحاب الأئمة (ع) كانوا يدركون أهمية القواعد المشتركة في تحديد الأحكام الشرعية الثابتة تجاه متغيرات الزمان والمكان. وكانوا يحملون بوادر التفكير الاُصولي، وهذا واضح من خلال دراسة طبيعة تلك الحقبة الزمنية وطبيعة الاسئلة والأجوبة الشرعية المتبادلة بين الأصحاب وأئمتهم (ع). ومعنى الإفتاء الذي كان الأئمة (ع) يأمرون أصحابهم بممارسته في المراكز العلمية والعبادية كمسجد المدينة، لا يخرج عن إطار الفقه الإستدلالي بشكله الأولي الذي فصلناه. الإرجاع الى الاصحاب: ويستدل على ما ذكرناه آنفاً بما صدر عن الائمة المعصومين (ع): كالإرجاع الى أمثال (زكريا بن آدم)، و(ابي بصير الأسدي)، و(يونس بن عبد الرحمن) من ثقاة أصحابهم (ع)بعنوان كلي مثل قول الإمام الحجة(ع) لإسحاق بن يعقوب، على ما في كتاب (الغيبة) للشيخ، و(إكمال الدين) للصدوق، و(الإحتجاج) للطبرسي: (وأما الحوادث الواقعة فإرجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجةُ الله عليهم)[6]. وعنوان (الحوادث الواقعة) يشمل الرواية والفتوى. فـ (الحوادث الواقعة) غير المتوقعة تناسب الإجتهاد بما فيه من إستدلال وحجية. فقد لا ترد في تلك الحوادث آية محكمة أو رواية مسندة. والرجوع المذكور في الحديث الشريف مقيد برواة الأحاديث لا بالروايات ذاتها. وهو يعكس معنى الإستدلال الفقهي بالرجوع الى القواعد المشتركة في الإستنباط. وقريب من ذلك ما ورد في أمره (ع) بالإفتاء لـ (أبان بن تغلب) قائلاً: (إجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإني اُحب أن أرى في شيعتي مثلك)[7]. وربما كان أمل الإمام (ع) وحبه بأن يرى في شيعته أمثال (أبان بن تغلب) كنموذج من نماذج فقهاء الشيعة المتمرسين على الإستدلال بالكتاب والسنّة من طريق مشروع في مقابل مدرسة القياس وإجماع الصحابة والمصالح المرسلة التي كانت ناشطة في بث أفكارها المستندة على الإجتهاد بالرأي. وفي رواية اُخرى أن الإمام الصادق (ع) قال لـ (معاذ بن مسلم النحوي): (بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس، قلتُ: نعم، وأردتُ أن أسألك عن ذلك... الى أن يقول (ع): إصنع ذلك فأني كذا أصنع)[8]. وفي تلك الشواهد التأريخية دلالات قوية تعبّر عن بدايات تمرس الأصحاب على إدراك القواعد الاُصولية في عملية الإستنباط. بذور الاستدلال الفقهي: ونرجع الآن الى الجواب على السؤال الذي أثرناه في بداية نقاشنا لموضوع فقه النص وفقه الإستدلال، المتعلق بمصداقية الإستدلال زمن النص. فلاشك أن بذور الإستدلال الفقهي كانت موجودة عند الأصحاب زمن الأئمة (ع). وقد عرضنا من الروايات ما يدلّ على ذلك التفكير الإستدلالي عند الأصحاب، وما يدلّ ايضاً على تصريح أئمة الهدى (ع) على أهميته خصوصاً بعد إنتهاء عصر النص. فالنقل المجرد للروايات لا يضمن، خصوصاً بعد تبدل الزمان والمكان، الوصول الى الحكم الواقعي أو الظني المقيّد برضا الشارع. بل لابد من طرق وأمارات واُصول تساعدنا، ونحن نبتعد كل يوم عن عصر النصوص، على فهم وظيفتنا الشرعية وتطبيق ما اُلزمنا بتطبيقه من قبله عز وجل. وبطبيعة الحال، فإن بوادر نشوء الفقه الإستدلالي الذي لمسنا وجوده في عصر النص كان قابلاً – بطبيعته- للتطور بقدر قابلية الانسان على إدراك الملازمة بين الأحكام الشرعية والأدلة العقلية التي يمتلكها. وكانت البوادر الأولى لتطبيق النظرية الاُصولية على المفردات الفقهية في الإستنباط قد ظهرت على يد شيخ الطائفة، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رضوان الله عليه). الشيخ الطوسي : عصر تطبيق النظرية الاُصولية إرتبط عصر التأسيس العلمي لاُصول الفقه بإنتقال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) الى النجف سنة 448 هـ وإستقراره فيها وفتح باب التدريس لمصنفاته الشهيرة: (المبسوط)، و(عُدّة الاُصول)، و(تهذيب الأحكام)، و(الإستبصار)، و(التبيان)، و(الفهرست في أسماء المصنفين من الشيعة). النجف وتأسيس الحوزة: فالنجف، كمدينة مقدسة، بدأ تأريخها منذ إكتشاف قبر الإمام علي (ع) سنة 170 هـ بعد أن كان مجهولاً للناس عدا القلّة المنتخَبة من الأصحاب. أما تأريخها العلمي، فإنه بدأ - حسب المشهور- بهجرة الشيخ الطوسي إليها سنة 448 هـ وتأسيس المؤسسة العلمية الشريفة التي عُرفت فيما بعد بـ (الحوزة العلمية). ولكن ابن طاووس ذكر في كتابه (فرحة الغري) بأن: "عضد الدولة البويهي (فناخسرو) زار النجف الأشرف سنة 371 هـ ، وقام أثناء زيارته هذه بتوزيع المال على الفقهاء" [9]. وهذا النص - فيما لو ثبت سنده - يدلّ على ظهور الحركة العلمية الشيعية قبل أقل من قرن من الزمان من المشهور عن زمن تأسيس الحوزة العلمية. ويؤيده أن إختيار الشيخ الطوسي للتوجه نحو النجف لتنشيط الحوزة العلمية لم يكن قراراً منفرداً، بل كانت له حيثياته الموضوعية والتأريخية التي شجعته على التوجه الى تلك المدينة المشرفة مباشرة دون غيرها من مدن الطائفة. ولو اُضيف الى ذلك، الإلهام الذي يستمده الفقيه بمجاورته مرقد باب مدينة علم النبي (ص) الإمام أمير المؤمنين (ع) لإزدادت قناعتنا بأن تلك المدينة العريقة كانت أهلاً لإحتضان علوم الشريعة بأرقى مستوياتها. وما ميز النجف في عصر الشيخ الطوسي عن غيره من العصور أن علمي الفقه والاُصول إنتقلا الى طراز متطور في عمرهما المديد. موارد بناء علم الاصول: ولاشك إننا لا نستطيع إستيعاب فكرة النظريات الاُصولية التي طرحها الشيخ الطوسي في حوزة النجف العلمية في منتصف القرن الخامس الهجري ما لم ندرس بإسهاب أربعة موارد اُصولية مهمة للغاية في بناء علم الاُصول وتطوره لاحقاً على ايدي فقهائنا الاعلام، وهي: أ- تطبيق النظريات الاُصولية في الفقه. ب- التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية. ج- حجية خبر الواحد. د- حجية الإجماع. أ ـ تطبيق النظريات الاُصولية في الفقه لقد كان الشيخ الطوسي يطمح الى تطوير شامل في علمي الفقه والاُصول. خصوصاً بعد أن أحسّ بالحاجة الى منهجة الفقه الامامي منهجة علمية إستدلالية بعيدة عن العرض المجرد للنصوص. وقد كان كتاب (عدة الاُصول) مرآة لذلك التطوير النوعي، وكان كتاب (المبسوط) في الفقه تعبيـراً واضحاً عن التطور الملحوظ التي وصلت إليها البحوث الفقهية. وكتاب (تهذيب الأحكام) كان محاولة إستدلالية رائعة لتطبيق النظريات الاُصولية التي آمن بها على المفردات الفقهية الخاصة. وقد عبـرّت مقدمة كتاب التهذيب عن ذلك. فقال في خطبة الكتاب: "...وأن اُترجم كل باب على حسب ما ترجمه ]يعني اُستاذه الشيخ المفيد في كتاب المقنعة[، وأذكر مسألة مسألة، فأستدل عليها: * إما من ظاهر القرآن، أو من صريحه، أو فحواه، أو دليله، أو معناه. * وإما السنّة المقطوع بها من الأخبار المتواترة، أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدلّ على صحتها. * وإما من إجماع المسلمين إن كان فيها، أو إجماع الفرقة المحقة. * ثم أذكر بعد ذلك من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك. * وأنظر فيما ورد - بعد ذلك- مما ينافيها ويضادها، وأبين الوجه فيها: إما بتأويل أجمع بينها وبينها، أو أذكر وجه الفساد فيها: إما من ضعف إسنادها، أو عمل العصابة بخلاف متضمنها. * فإذا أتفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدها على الآخر، بينتُ أن العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل وترك العمل بما يخالفه. * وكذلك إن كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حملته على ما يقتضي الأصل. * ومهما تمكنتُ من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها، فإني لا أتعداه. وأجتهد أن أروي في معنى ما أتأول الحديث عليه حديثاً آخر يتضمن ذلك المعنى، إما من صريحه، أو فحواه، حتى أكون على الفتيا والتأويل بالأثر، وإن هذا مما لا يجب علينا، لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث. وأجري على عادتي هذه الى آخر الكتاب، وأوضح إيضاحاً لا يلتبس الوجه علىأحــد ممن نظر فيه" [10]. أما في كتاب (المبسوط في فقه الإمامية) فقد كسر الشيخ الطوسي حاجز الإستعراض الروائي ودخل بقدرة فائقة الى رحاب الإستدلال الشرعي والعقلي للمسائل الفقهية. وكان ذلك يتم عبر تسليط الضوء على الجوانب الإستدلالية للمفردات الفقهية في التحليل والتعليل والتأصيل والتفريع والنقد والتجريح. وكان تطبيق القواعد الاُصولية الى جانب إستنطاق النصوص من أهم ميزات الإستدلال في كتاب (المبسوط في فقه الإمامية). فقد ذكر في شرح منهجية بحثه الإستدلالي نحواً من القواعد منها: * ...وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً أقنع فيه بمجرد الفتيا. * واذا كانت المسألة أو الفرع غريباً أو مشكلاً أومىء الى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير مقلد ولا متحير. * واذا كانت المسألة أو الفرع مما فيه أقوال العلماء ذكرتها وبينّت عللها والصحيح منها والأقوى، وأنبّه على جهة دليلها، لا على وجه القياس، واذا شبّهتُ شيئاً بشيء فعلى جهة المثال، لا على وجه حمل إحديهما على الاُخرى أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الإعتبار الصحيح[11]. ب ـ التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية وقد حاول الشيخ الطوسي التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية، وكان يقصد بالأدلة الإجمالية القواعد المشتركة في علم الاُصول. ويقصد بالأدلة التفصيلية الأدلة الفقهية الخاصة بمواردها الموضوعية. فيقول في الفصل الأول من (عدة الاُصول) في معرض حديثه عن ماهية اُصول الفقه وإنقسامها وكيفية ترتيب أبوابها: "أصول الفقه هي أدلة الفقه، فإذا تكلمنا في هذه الأدلة فقد نتكلم فيما تقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة. وليس يلزم عليها أن تكون الأدلة الموصلة الى فروع الفقه الكلام على ما في اُصول الفقه، لأن هذه الأدلة أدلة على تعيين المسائل. والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل" [12]. ولاشك إن التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية لم يكن نتيجة مجردة من نتائج عدم الإقتصار على إستعراض نصوص الكتاب المجيد وما يصح من السنّة المطهرة فحسب، بل إن ذلك التمييز نشأ لمعالجة الاشكاليات المنبثقة عن إستخدام القواعد الفقهية او الاُصولية في عملية الإستنباط الشرعي أكثر من مرة. وقد لمحنا لأول مرة في كتب الشيخ الطوسي الفقهية طبيعة الصناعة الاُصولية التي لها اُصولها وقواعدها المتميزة. ومع إن كتاب (عُدة الاُصول) لم يتجاوز على الأغلب مباحث الألفاظ من الأوامر والنواهي، ودلالات هيئات الألفاظ وموادها، إلاّ إن القيام بدراسة المسائل الاُصولية وتنقيح مواردها بشكل منفصل عن الفقه بصورة موضوعية يشعرنا بإدراك الشيخ الطوسي لأهمية التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية. وهو ما توضّحت أهميته الموضوعية لاحقاً في تشخيص بعض الموارد على صعيد مبادئ علم الإستنباط. ج ـ حجية خبر الواحد وكان التشابك بين علم الاُصول وعلم الكلام (أي علم اُصول الدين) قد أدى الى إنكار حجية الخبر الواحد في تلك الفترة التأسيسية لعلم الاُصول. فقد آمن بعض الفقهاء، ومنهم السيد المرتضى، بأن خبر الواحد - وهو الرواية الظنية التي لا نعلم صدقها بشكل قطعي- لا يمكن الإستدلال به على النطاق الفقهي. لأن الدليل الاُصولي ينبغي أن يكون قطعياً. فقالوا بعدم جواز التعبد بخبر الواحد شرعاً وجعلوه بمنـزلة القياس في كون ترك العمل به معروفاً عند الشيعة، وإن كان العقل يحكم بجواز التعبد به. ولذلك فإنهم وجدوا أنفسهم في غنىً عن مناقشة مسائل التعارض والتراجيح، والتخيير، وطبيعة المراسيل. فقد قال السيد المرتضى في (الذريعة): "إعلم إنا اذا كنا قد دلّلنا على أن خبر الواحد غير مقبول في الأحكام الشرعية، فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دلّلنا على بطلانه، لأن الفرع تابع لأصله. فلا حاجة بنا الى الكلام على أن المراسيل مقبولة أو مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفيما يرد له الخبر أو لا يرد في تعارض الأخبار، فذلك كله شغل قد سقط عنا بإبطالنا ما هو أصل لهذه الفروع، وإنما يتكلف الكلام على هذه الفروع من ذهب الى صحة أصلها، وهو العمل بخبر الواحد..." [13]. وذكر الشيخ ابن إدريس في مقدمة كتاب (السرائر) نقلاً عن السيد المرتضى في (الموصليات) قوله: "لابد في الأحكام الشرعية من طريق يوصل الى العلم... ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علماً ولا عملاً ، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً " [14]. ولكن الشيخ الطوسي خالف اُستاذه السيد المرتضى وأعلن إيمانه بحجية خبر الواحد. فقد رأى بالخبر الواحد دليلاً قاطعاً يجوز التعبد به. والى ذلك اشار شيخ الطائفة في (عُدة الاُصول): "من عمل بخبر الواحد فإنما يعمل به اذا دلّ دليل على وجوب العمل به إما من الكتاب أو السنّة أو الإجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم" [15]. وقال في مكان آخر: "فأما ما أخترته من المذهب فهو إن خبر الواحد اذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) أو عن واحد من الائمة (ع)، وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديداً في نقله ولم يكن هناك قرينة تدلّ على صحة ما تضمنه الخبـر - لأنه إن كان هناك قرينة تدلّ على صحة ذلك كان الإعتبار بالقرينة وكان ذلك موجباً للعلم، ونحن نذكر القرائن فيما بعد - جاز العمل به" [16]. وقد كانت نظرية (حجية الخبر الواحد) للشيخ الطوسي موفقة الى أبعد الحدود. فقد بقي الفقهاء يناقشونها منذ عصر الشيخ الطوسي وحتى عصر الشيخ الأنصاري. وقد إنقسم اصحاب الرأي فيها - منذ عهد الشيخ الطوسي ولحد عهد المحقق الحلي وما بعده - الى معسكرين. الأول: المعسكر المنكِر لحجية العمل بالخبر الواحد. الثاني: المعسكر المؤيد لحجية العمل بالخبر الواحد. ولاشك أن المعسكر الثاني كان قد إنتصر في معركته الفكرية منذ عهد المحقق الحلي. وفي هذا الحيز من الفكر الاُصولي، فإن من المهم ملاحظة الأدلة التي قُدمت لاحقاً من قبل الفقهاء على مدى القرون العشرة اللاحقة على إنتهاء عصر الشيخ الطوسي. فإننا بذلك اللحاظ سوف ندرك قوة تفكير الشيخ (رضوان الله عليه). أدلة المنكرين للعمل بالخبر الواحد: وقد إستدل هذا المذهب القائل بعدم حجية خبر الواحد على نظريته بثلاثة وجوه: الأول: دعوى الإجماع على عدم حجية خبر الواحد. وقد اُشكل على هذا الدليل بأن الإجماع المنقول هو من أفراد خبر الواحد. ولاشك أن عدم حجية خبر الواحد تُثبِت بالضرورة عدم حجية الإجماع المنقول. ولذلك فإننا لا نستطيع نفي حجية خبر الواحد عن طريق الإجماع المنقول. يضاف الى ذلك أن المشهور بين الفقهاء هو حجية خبر الواحد، عدا خمسة فقهاء هم: السيد المرتضى، والقاضي، وابن زهرة، والطبرسي، وابن إدريس الذين آمنوا جميعاً بعدم حجيته. ولكن هؤلاء الفقهاء بمجموع آرائهم وفتاويهم لا يمكن أن يشكلوا إجماعاً منقولاً. الثاني: الروايات الناهية عن العمل بالخبر المخالف للكتاب والسنّة. وكذلك الروايات الناهية عن العمل بالخبر الذي لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله أو سنّة نبيه (ص). وقد رُدّ على هذا الإشكال بالقول بأن المراد من المخالفة في هذه الأخبار هي تلك المخالفة التي تقع بحيث لا يكون بين الخبر وكتاب الله جمع عرفي. كما في حالتي كون الخبر مخالف للقرآن بنحو التباين، أو العموم من وجه. وفي هاتين الحالتين لا يكون الخبر حجة بكل تأكيد، وهو بحث خارج عن نقاشنا هنا. أما الأخبار المخالفة للقرآن بنحو التخصيص أو التقييد فلا تندرج تحت هذا اللون من الروايات، لأننا نعلم بصدور المخصص لعمومات القرآن المجيد والمقيد لإطلاقاته عن ائمتنا (ع). وفي حالة الأخبار الدالة على المنع عن العمل بخبر الواحد عندما لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب أو سنّة، فقد ورد بأن هناك أخباراً متعارضة يُعلم بصدورها ولا شاهد لها من الكتاب والسنّة. فلابد من حمل هذه الأخبار على صورة التعارض، كما نوقش في محله في علم الاُصول. الثالث: الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: (ولا تقفُ ماليس لك به علم)[17]، وقوله تعالى: (إنّ الظن لا يغني عن الحق شيئاً)[18]. وقد رُدّ على هذا الدليل بالقول بأن تلك الآيات الشريفة لا دلالة لها على عدم حجية خبر الواحد أصلاً. بل أن مفادها هو حكم إرشادي وهو إرشاد المكلّف الى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم كمؤمِّن له من العقاب، وعدم جواز الإكتفاء بالظن به بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل. أدلة المجوزين للعمل بالخبر الواحد: وقد أستدل هذا المذهب الذي يرى جواز حجية خبر الواحد على نظريته بالأدلة الأربعة، وهي: الأول: الكتاب المجيد ومنها: آية النبأ وهي قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)[19]. وقد اُستدل على هذه الآية بتقريبات ثلاثة وهي: التقريب الأول: إن خبر الفاسق له جهتان. الاولى: ذاتية، وهو كونه خبر واحد. والثانية: عرضية، وهي كونه خبر فاسق. حيث أن الفسق ليس ذاتياً للانسان الفاسق. ومقتضى التحقيق هو الجهة الثانية، أي الجهة العرضية كما قال الشيخ الأنصاري في رسائله[20]. فوجوب التبين في خبر الفاسق إنما كان من أجل فسقه. إذ لو كانت العلّة في وجوب التبين هي الجهة الذاتية، لكان العدول عن الذاتي الى العرضي قبيحاً. أي وبمعنى آخر لكان العدول عن خبر الواحد الى خبر الفاسق خارجاً عن طريق المحاورة العرفية. التقريب الثاني: وهو الإستدلال بمفهوم الشرط. فقد عُلّق وجوب التبين في خبر الواحد لكون الآتي به فاسقاً. فينتفي المشروط - وهو وجوب التبين- عند إنتفاء الشرط، كما هو متفق عليه في القضايا الشرطية. أما اذا كان حامل الخبر غير فاسق، بل ولنفترض أنه كان عادلاً، فلا يجب التبين حينئذ. التقريب الثالث: وهو الإستدلال بمفهوم الوصف. فقد أوجب المولى عز وجل التبين عن خبر الفاسق. ولكن التبين – ذاته- ليس من الواجبات النفسية أو الذاتية، بل إن وجوب التبين في خبر الفاسق هو من أجل ترتيب الأثر عليه. فيكون - عندئذ- مقتضى التعليق على الوصف أن العمل بخبر غير الفاسق لا يوجب التبين، وإلاّ لكان التعليق بخبر الفاسق لغواً. وقد اُستدل بآيات اُخر مفصلة يمكن مراجعتها من مظانها. الثاني: الروايات التي اُستدل بها على حجية خبر الواحد: ومنها: الأخبار العلاجية الواردة في الخبرين المتعارضين من الأخذ بالأعدل والأصدق والمشهور، والتخيير عند التساوي. مثل مقبولة عمر بن حنظلة، حيث يقول: (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقها في الحديث)[21]. ورواية (غوالي اللئالي) المروية عن العلامة والمرفوعة الى زرارة: (قال: يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما نأخذ؟ قال: خُذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. قلت: فإنهما معاً مشهوران، قال: خُذ بأعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك)[22]. ودلالة هذه الروايات ونحوها على إعتبار الخبر غير المقطوع الصدور واضحة ولا تحتاج الى مزيد من البيان. ومنها: الأخبار الآمرة بالرجوع الى رواة معينين بأسمائهم، مثل إرجاعه (ع) الى زرارة بقوله (ع) الى احد السائلين: (إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس مشيراً الى زرارة)[23]. ومنها: الأخبار الآمرة بالرجوع الى الثقات كقوله (ع) لعلي ابن المسيب بعد السؤال عمن يأخذ عنه معالم الدين: (عليك بزكريا ابن آدم المأمون على الدين والدنيا)[24]. وظاهر هذه الرواية أن قبول قول الثقة كان من الاُمور المفروغ منها عند الراوي. فسأل عن وثاقة عمن يأخذ عنه معالم الدين حتى يُرتب عليها أخذ القضايا الشرعية منه. وبكلمة، فإن المتيقن من حجية العمل بخبر الثقة هو خبر الثقة الذي يضعف فيه إحتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء بل يقبحون التوقف فيه لأجل ذلك الإحتمال، كما آمن بذلك فقهاؤنا العظام رضوان الله عليهم جميعاً. الثالث: الإجماع. وقد اُستدل لحجية الخبر الواحد بالإجماع، وهو تتبع أقوال العلماء خلال العصور المتعاقبة، فيحصل من ذلك القطع بالإتفاق الكاشف عن رضا الإمام (ع) بالحكم أو وجود نص معتبر في المسألة. ولم يحضَ رأي السيد المرتضى وأتباعه المخالِف للمشهور بعناية ما، كما أشار الشيخ الطوسي الى ذلك في (عدة الاُصول). وقد أجمع علماء الشيعة بعد الشيخ الطوسي على حجية خبر الواحد، ما عدا ابن زهرة وابن إدريس كما ألمحنا الى ذلك سابقاً. الرابع: العقل. وقد اُستدل به في إثبات حجية الخبر الواحد. فمما يطمئننا بعد أكثر من ألف عام على إنقضاء عصر النص أن أكثر الأخبار بل جُلها، إلاّ ما شذ وندر، قد صدرت يقيناً عن أئمة أهل البيت (ع) ووصلتنا كما هي دون زيادة أو نقصان. ويؤيد ذلك إعتناء رواة الشيعة الأجلاّء من أصحاب الأئمة وفقهائهم بنقل الأحاديث. فقد روي عن حمدويه، عن أيوب بن نوح: (أنه دفع إليه دفتراً فيه أحاديث محمد بن سنان، فقال: إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا، فأني كتبتُ عن محمد بن سنان، ولكن لا أروي لكم عنه شيئاً، فإنه قال قبل موته: كل ما حدثتكم به فليس بسماع ولا برواية، وإنما وجدته)[25]. فهذا الإحتياط في الرواية عمن لم يسمع من الثقات دليل قوي على شدة عناية الأصحاب بالروايات المنقولة إلينا وصحتها. ولكن، ومع كل ذلك، لابد من البحث عن الرواة الثقات بحثاً علمياً دقيقاً، وهذا ما سنتناوله في كتاب آخر عند مناقشتنا النظرية الرجالية. فنحن نعلمُ إجمالاً بقطعية صدور الكثير مما بأيدينا من الأخبار عن أئمة الهدى (ع). ولعل الداعي الى شدة الإهتمام بالروايات يكمن في أن في نقلها بصدق: أساس الدين وقوام الشريعة. فليس غريباً أن نلمس آثار قول الإمام (ع) في شأن جماعة من الرواة الثقاة: (لولا هؤلاء إنقطعت آثار النبوة وإندرست)[26]. د ـ حجية الإجماع ولاشك أن توسع البحوث الفقهية وتغير الحياة الإجتماعية وبعدها عن عصر النصوص الشرعية، دفع الفقهاء الى التفتيش عن أدلة جديدة للإستنباط خصوصاً في حالات عدم وجود نص معين أو في حالات عدم إقتناعهم بسلامة ذلك النص من حيث السند أو الدلالة. وقد أثمر ذلك التفتيش العلمي الدقيق عن فكرة مفادها أن إجماع فقهاء الطائفة في عصر واحد على حكم شرعي يعدّ دليلاً على وجود نص من الشارع يجوّز الإعتماد عليه. إذ يستحيل عقلاً أن يجمع فقهاء الاُمة على حكم ما من دون أن يحصل منهم من ينشق عليهم ويصيب الواقع. الإجماع أداة كشف: فالإجماع - في واقعه- ليس دليلاً بذاته، بل أداة من أدوات الكشف المشروطة عن السنّة. أي أن الإجماع لا يكون دليلاً ما لم يؤيده دليل قاطع من الكتاب والسنّة. وبموجب هذا الفهم، فإن مصادر التشريع تبقى محصورة في الكتاب والسنّة. وهذا التقريب قد يفسر لنا تحفظ السيد المرتضى على إدراج مسألة الإجماع في الأدلة الأربعة، فقال في (جوابات المسائل الموصليات الثالثة) جواباً على سؤال كان قد ورده عن (حكم المسألة الشرعية التي لا دليل عليها من الكتاب والسنّة): "هذا الذي فرضتموه قد أمنّا وقوعه، لأنا قد علمنا أن الله تعالى لا يخلي المكلّف من حجة وطريق الى العلم بما كلّف. وهذه الحادثة التي ذكرتموها، وإن كان لله تعالى فيها حكم شرعي، وإختلفت الإمامية في وقتنا هذا فيها، فلم يمكن الإعتماد على إجماعهم الذي نتيقن بأن الحجة فيه لأجل وجود الإمام في جملتهم، فلابد من أن يكون على هذه المسألة دليل قاطع من كتاب أو سنّة مقطوع بها، حتى لا يفوت المكلّف طريق العلم الذي يصل به الى تكليفه..." [27]. ولكن برزت حجية الإجماع بقوة على الصعيد العلمي على يد الشيخ الطوسي بشكل خاص. فهو بعد أن عقد باباً خاصاً عن (الكلام في الإجماع) فإنه فصّل فيه القول فذكر أوجهاً لدليلية الإجماع فقال: "والذي نذهب إليه أن الاُمة لا يجوز أن تجتمع على خطأ وإن ما يجمع عليه لا يكون إلاّ صواباً وحجة. لأن عندنا أنه لا يخلو عصر من الأعصار من إمام معصوم حافظ للشرع يكون قوله حجة يجب الرجوع إليه كما يجب الرجوع الى قول الرسول (ص). وقد دللنا على ذلك في كتابنا (تلخيص الشافي) وإستوفينا كل ما يُسئل عن ذلك من الاسئلة..." [28]. وفي موضع آخر يتعرض بشكل أدق لنظريته في حجية الإجماع، فيقول: "فالذي نقوله أنهم إذا أجمعوا ]اي الفقهاء[ على العمل بمخبـر خبـر وكان الخبر من أخبار الآحاد - لأنه اذا كان من باب المتواتر فهو يوجبه العلم فلا يحتاج الى الإجماع- فيكون قرينة في صحته فإنه يحتاج أن ينظر في ذلك : فإن أجمعوا على إنهم قالوا ما قالوه لأجل ذلك الخبر قطعنا بذلك على إن الخبر صحيح صدق، وإن لم يظهر لنا من أين قالوه ولا ينصّوا لنا على ذلك فإنا نعلم بإجماعهم أن ما تضمنه الخبر صحيح. ولا يعلم بذلك صحة الخبر لأنه لا يمتنع أن يكونوا ]قد[ قالوا بما وافق مخبر الخبر بدليل آخر أو خبر آخر أقوى منه في باب العلم أو سمعوه من الإمام المعصوم (ع) فأجمعوا عليه ولم ينقلوا ما لأجله أجمعوا إتكالاً على الإجماع" [29]. ويتبين من هذا النـص إن الإستـدلال بحجيـة (الإجماع) - باعتباره كاشفاً مستقلاً عن الخبر- طريقة من الطرق العقلية أو الشرعية في إصابة الواقع، عند الشيخ الطوسي. وهذا الإستدلال ألغى تحفظ السيد المرتضى بشأن إشتراط وجود دليل قاطع بأيدينا من كتاب أو سنة. فلربما توفر ذلك الدليل القاطع من كتاب أو سنّة عند المجمعين السابقين لا عندنا. وهذا الدليل قدمّ سنداً قوياً لعملية الإستنباط، فبفضله أصبحت العملية الإجتهادية الشرعية تقوم على أربعة عناصر بدل ثلاثة كما كان معروفاً في السابق، وهي: الكتاب والسنّة والعقل والإجماع. وعندها أصبح التعبد بخبر الواحد والإجماع من ادوات الاجتهاد، بحيث يمكن الإستدلال بهما على النطاق الفقهي في عملية الإستنباط. (نهاية ص 78)
[1] (غوالي اللئالي) ج 4 ص 133. [2] سورة الحج: الآية 78. [3] (الوسائل) باب 39 من أبواب الوضوء – حديث 5. ج 1 ص 327. [4] المصدر السابق – باب 23 من ابواب الوضوء – حديث 1. ج 1 ص 290. [5] المصدر السابق – باب 45 من تروك الإحرام حديث 3. ج 9 ص 125. [6] (إكمال الدين) – الشيخ الصدوق ص 484. [7] (الكافي) – الشيخ الكليني. ابواب الرجوع الى الكتاب والسنّة ج 1 ص 59. [8] (الوسائل) باب 11 من أبواب صفات القاضي – خبر 36 ج 18 ص 108. [9] (فرحة الغري) – ابن طاووس. طبعة حجرية. الباب الرابع عشر: فيما ورد عن جماعة أعيان من العلماء والفضلاء. [10] (تهذيب الأحكام) – الشيخ الطوسي ، المقدمة. [11] (المبسوط في فقه الامامية) ج 1 ص 3. [12] (عُدّة الأصول) ج 1 ص 3. [13] (الذريعة) – السيد المرتضى ج 2 ص 554- 555. [14] (السرائر) – ابن ادريس . المقدمة. طبعة حجرية. [15] (عدة الاصول) ج 1 ص 44. [16] المصدر السابق ج 1 ص 51. [17] سورة بني اسرائيل: الآية 36. [18] سورة يونس: الآية 36. [19] سورة الحجرات: الآية 6. [20] (فرائد الاصول) ج 1 ص 116. [21] (الكافي) ج 1 ص 68. [22] (غوالي اللئالي) ج 4 ص 133. [23] (بحار الانوار) ج 2 ص 246. وعن الكشي ص 136. [24] المصدر السابق ج 2 ص 251. وعن الكشي ص 595. [25] (رجال الكشي) ص 507. [26] (الوسائل) باب 11 من ابواب صفات القاضي. ج 18 ص 103. [27] (رسائل الشريف المرتضى) ج 1 ص 210. [28] (عدة الاصول) ج 2 ص 232. [29] المصدر السابق ج 2 ص 252. |