(ص 31 - 52)

 6 ـ مدرسة (القرن العاشر الهجري)

          وعلى رأسها الشهيد الثاني، زين الدين الجبعي (ت 965 هـ )، الذي كان ملمّاً بأفكار المدارس الفقهية والاُصولية السنّية (على ضوء المذاهب الأربعة) من خلال رحلاته وأسفاره الى الشام ومصر والحجاز والقسطنطينية والعراق إضافة الى موطنه في (جبل عامل). فاستفاد من ذلك كله في الحفاظ على إستقلالية اُصول فقه أهل البيت (ع) في الإستنباط بشكل واع ومتميز. فقد طبعت تلك الخبرة والثقافة المذهبية مؤلفاته بطابع الموضوعية في العرض، والعمق في الفكرة، والوضوح في التعبير.

 الشهيد الثاني و(الروضة البهية) و(تمهيد القواعد):

          وأهم كتبه: (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) وهو شرح مزجي إستدلالي مختصر يعرض فيه آرائه الفقهية على ضوء القواعد المشتركة في الاُصول، وكتاب (تمهيد القواعد الاُصولية والعربية)، وهو يضم قسمين. الأول: يتناول مائة قاعدة اُصولية وما يتفرع عليها من الأحكام. والثاني: يتناول مائة قاعدة من القواعد العربية، يليهما فهرس مبسوط لتسهيل إستخراج المطالب من الكتاب.

          وقد ناقش المصنّف في كتابه (تمهيد القواعد): القواعد المشتركة في علم الاُصول كمباحث الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، والتعادل والتراجيح، والإجتهاد والتقليد، بالإضافة الى بعض مباحث الألفاظ كالوضع، والإشتراك، والصفة، والشرط، والحقيقة، والمجاز.

 انتقال الحوزة من الحلّة الى النجف:

          ويعتبر القرن العاشر الهجري فترة تطور كمي لا نوعي في علم الاُصول عند الشيعة الإمامية. فلم تتعدى مواضيع الاُصول في تلك الفترة عما كان متعارفاً بين الفقهاء من مباحث الألفاظ، وبعض الأدلة العقلية والشرعية.

          وبإنتهاء القرن العاشر ينتهي دور مدرسة الحلة في الفقه والاُصول. وتنتقل الحوزة العلمية الشيعية ثانية الى النجف الأشرف. واذا حاولنا التفتيش عن أسباب هذا الإنتقال، فإننا قد نجد الموارد التالية:

1- خلو (الحلة) من كبار فقهاء الشيعة بوفاة (فخر المحققين)، و(المقداد السيوري الحلي) وأمثالهم من كبار فقهاء الطائفة.

2- إهتمام سلاطين الدولة الصفوية بإحياء مدينة النجف بإعتبارها مدينة مقدسة تضم في أحشائها قبر مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). فحاولوا إيصال الماء إليها. وقد ورد في كتاب (نزهة الغري) أن "شاه عباس الأول ابن السلطان محمد خدا بندة ابن شاه طهماسب الصفوي عندما أخذ بغداد توجه بعدها الى زيارة أمير المؤمنين... وبعد الزيارة أمر بتعمير النهر الذي حفره شاه إسماعيل الأول. وأجرى الماء من نهر الفرات الى مسجد الكوفة، وكان عزمه أن يحفر قناة وآباراً ويوصل الماء الى الروضة المقدسة وأن يجعل عليها نخيلاً وأشجاراً..." [1]. وبُنيت حولها الأسوار لحمايتها من غزوات القبائل البدوية وما كانت

 تمثله من وحشية وإنتهاك لحرمة الأمان الذي يجلبه التوجه الديني والعلمي فيها. وتذكر المصادر التأريخية أن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1227 هـ) بنى لاحقاً سوراً للمدينة لصد هجمات الأعراب عليها.

3- إن إرتباط الحلة بالنجف كان لا يزال قائماً حتى مع بروز مدينة الحلة كمركز للحوزة العلمية الشيعية. فقد ذكرت بعض مصادر تأريخ النجف أن المقداد السيوري (ت 828 هـ) بنى مدرسة في النجف لطلبة العلوم الدينية في اوائل القرن التاسع الهجري. فقد شوهد على كتاب (مصباح المتهجد) المخطوط للشيخ الطوسي والذي وقع في حيازة الفقيه الجليل الميرزا محمد حسين النائيني (ت 1355 هـ) ما يؤيد ذلك، وهذا نصه: (كان الفراغ من نسخه يوم السبت 12 جمادي الأولى سنة 832 هـ على يد الفقير الى رحمة ربه وشفاعته عبد الوهاب بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن السيوري الأسدي بالمشهد الشريف الغروي على ساكنه السلام وذلك في مدرسة المقداد السيوري)[2]. وفي ذلك دلالة على أن الرابطة بين النجف والحلة كمركزي علوم أهل البيت (ع) كانت لا تزال قائمة. وفيها دلالة ايضاً على أن النجف كانت البديل الوحيد لمدرسة الحلة الآفلة.

4- إن الصراع الطائفي بين الدولتين العثمانية والفارسية، كان دائماً يرجّح مدينة النجف لإحتلال دور عاصمة التشيع على صعيد العلوم الفقهية والاُصولية. فالنجف رمز خالد للشيعة كما أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) رمز خالد للاسلام. وقد كانت السلطتان الجلائرية والايلخانية اللتان حكمتا بغداد لفترة من الزمن ترجّحان إنتقال عاصمة التشيع الى النجف لمقابلة عاصمة التسنن العلمية في بغداد.

  7 ـ مدرسة (القرن الحادي عشر الهجري)

          ومن أعمدتها: إبن الشهيد الثاني (وهو: الحسن بن زين الدين المتوفى سنة 1011 هـ) وكتابه المعروف بـ (معالم الدين وملاذ المجتهدين)، والشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي المتوفى سنة 1031 هـ) وكتابه (زبدة الاُصول).

 الشيخ الحسن و(معالم الدين):

          والشيخ الحسن بن زين الدين أقام في النجف الاشرف بعد أن أكمل دراسة المقدمات في مسقط رأسه في جبل عامل بلبنان. ودرس عند المقدس الأردبيلي (ت 993 هـ) والمولى عبد الله اليزدي (حيث لم نعثر على تأريخ وفاته) وهما من كبار علماء النجف في ذلك الوقت، ولكن لم يصلنا من نشاطهما الفكري في علم الاُصول شيء.

          ولاشك أن كتاب (معالم الدين) يعتبـر نقلة نوعية في منهجة علم اُصول الفقه، فهو بالإضافة الى دقته في التعبيـر فإنه يحمل عمقاً جديداً في نظرية الإستدلال. ويحوي الكتاب على مقدمة ذات خطبة بليغة، ومقصدين، وخاتمة. يقول في المقدمة: "...فشرعنا بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم بـ (معالم الدين وملاذ المجتهدين)، وجدّدنا به معاهد المسائل الشرعية، وأحيينا به مدارس المباحث الفقهية، وشفعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الاُصول، وجمعنا بين تحقيق الدليل والمدلول، بعبارات قريبة الى الطباع، وتقريرات مقبولة عند الأسماع، من غير إيجاز موجـب للإخـلال..." [3].

          أما المقصد الأول فهو في فضل العلم والعلماء، وما يجب لهم وعليهم، ويضم تسعة وثلاثين حديثاً بالإضافة الى نصوص قرآنية شريفة. والمقصد الثاني، في تسعة مطالب اُصولية وهي: مباحث الألفاظ، والأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن، والإجماع، والأخبار، والنسخ، والقياس، والإستصحاب، والإجتهاد، والتقليد. أما الخاتمة فهي تبحث موضوع التعادل والتراجيح.

          وقد اصبح هذا الكتاب محط عناية الفقهاء وعلماء الاُصول منذ عصر التأليف وحتى الماضي القريب. فقد إحتلّ كتاب (المعالم) المواقع التدريسية للكتب الثلاثة في الحوزة العلمية الإمامية انذاك وهي: (الشرح العميدي على تهذيب العلامة)، و(شرح العلامة على مختصر إبن الحاجب)، و(شرح العضدي على مختصر إبن الحاجب).

          ولعل المنهجية الجديدة لهذا السفر الاُصولي قد فتحت الأبواب لفهم أعمق لمباني الإستدلال الفقهي عند أرباب الطائفة. وأشعرت الجميع بالحاجة الى تكثيف الجهود من أجل إثراء علم الاُصول بالقواعد العقلية التي لا تبتعد كثيراً عن القواعد الشرعية في تعاملها مع الانسان والبيئة التي يعيش فيها.

 الفاضل التوني و(الوافية)، والخونساري و(مشارق الشموس):

          ولاشك أن هذا القرن أنتج فقهاءً عظاماً كتبوا في علمي الاُصول والفقه الإستدلالي منهم: عبد الله التوني (ت 1071 هـ) الذي كتب (الوافية في الاُصول)، وحسين الخونساري (ت 1098 هـ) الذي كتب كتاب (مشارق الشموس في شرح الدروس) وهو كتاب  فقهي إستدلالي، ومحمد بن الحسن الشيرواني (ت 1098 هـ) الذي كتب (حاشية على المعالم) في الاُصول. وقد مدت هذه المؤلفات الاُصولية والإستدلالية القيّمة روحاً جديدة في الفكر الاُصولي، خصوصاً وأن القرن القادم: وهو الحادي عشر الهجري كان قمة نشاط الحركة الإخبارية التي حاولت تقويض مباني علم الاُصول في الصميم.

          فقد أبدع الفاضل التوني في كتابه (الوافية) في تقسيم علم الاُصول الى قسمين، على خلاف ما كان يؤمن به معاصروه. الأول: مباحث الألفاظ، والثاني: المباحث العقلية؛ وهو التقسيم المعمول به حتى عصرنا الحاضر. ثم آمن بأن مبحث مقدمة الواجب، ومبحث الضد، ومبحث المفاهيم ينبغي أن تُدرج جميعها في المباحث العقلية تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) لا في مباحث الألفاظ كما هو المعمول في عصره.

          وقد نحى السيد الخونساري (ت 1098 هـ) في كتابه (مشارق الشموس في شرح الدروس) منحىً عقلياً واضحاً، بحيث أضاف الى علم الاُصول دقة عقلية وطابعاً فلسفياً كان له أثر كبير على التركيبة الثقافية لعلماء الاُصول الذين جاءوا من بعده، وبالخصوص في القرن الثالث عشر الهجري.

  8 ـ مدرسة (القرن الثاني عشر الهجري)

          وقد شهد هذا القرن ركوداً في النشاط الاُصولي وحركة الإبداع التي شهدناها سابقاً، بسبب التأثيرات الفكرية التي تركتها الحركة الإخبارية على مجمل النشاط العلمي للطائفة. ولم أرَ فيما لدي من مصادر سوى مؤلَفين في الاُصول هما: (حاشية شرح المختصر للعضدي) تأليف آغا جمال الخونساري (ت 1125 هـ)، و(شرح الوافية) تأليف السيد صدر الدين بن محمد باقر الرضوي القمي (ت 1170 هـ).

          ولاشك أن إقتصار فقهاء هذا القرن على شرح الكتب الاُصولية للسلف الشريف والتعليق عليها دون التوجه نحو المنحى الإبداعي في الكتابة المستقلّة كان يعدُّ نكسة من نوع ما في تاريخ علم الاُصول. ولكن ومع حجم تأثير تلك النكسة الفكرية على تطور علم الاصول، إلاّ إننا نشعر بأن تلك الكتابات والشروح ساهمت بشكل من الأشكال في التمهيد لظهور مدرسة الاُستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) التي إفتتحت عصراً جديداً في تاريخ هذا العلم.

 9 ـ مدرسة (القرن الثالث عشر الهجري)

          وهذا القرن من أنشط الحقبات الزمنية في تاريخ علم الاُصول. فقد ظهر من بين ثناياه فقيهان من أعظم فقهاء الإمامية في العصور المتأخرة، وهما: الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) في كربلاء والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) في النجف. وقد إحتلت النجف في تلك الفترة وبالأخص في الربع الأول من هذا القرن دورها القيادي والعلمي المرتقب من جديد.

 الوحيد البهبهاني و(الفوائد الحائرية):

          فقد إستطاع الوحيد البهبهاني في الحوزة العلمية في مدينة كربلاء من التصدي لأفكار الحركة الإخبارية، خصوصاً وإن تسلّحه بالعلوم العقلية كان قد أعدّه إعداداً جيداً للدخول في صراع مكشوف مع رموز تلك الحركة في ذلك الوقت مثل الشيخ الجليل يوسف البحراني صاحب موسوعة (الحدائق الناضرة) الفقهية وغيره. وكان هدف مدرسة الوحيد تفنيد شبهات الإخباريين وإتهاماتهم وإثبات الحاجة الى القواعد الاُصولية في عملية الإستنباط. إلاّ أن تلك المدرسة تطورت لاحقاً وأضفت على علم الاُصول صبغة جديدة، وهي صبغة التلازم بين الأدلة العقلية والشرعية. يقول الوحيد البهبهاني في مقدمة كتابه (الفوائد الحائرية) شارحاً مشكلة الصراع بين المدرستين الاُصولية والإخبارية: "أما بعد، فإنه لما بُعد العهد عن زمان الائمة (ع) وخُفي أمارات الفقه والأدلة، على ما كان المقرر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء، بإنقراضهم وخلو الديار عنهم. الى أن إنطمس أكثر آثارهم، كما كانت طريقة الاُمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية أنه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات ويحدث خيالات جديدة الى أن تضمحل تلك الشريعة. توهم متوهم: أن شيخنا المفيد (رحمه الله) ومن بعده من فقهائنا الى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة..." [4]. وهي اشارة الى ما زعمه الاسترآباداي (ت 1033 هـ ) في (الفوائد المدنية). وهذا النص يعكس عمق المشكلة التي كان يواجهها علم الاُصول وخطورتها.

          ولكن الوحيد البهبهاني مهد الطريق لمباني النظريات الاُصولية الحديثة. وناقش بالخصوص مباحث الشك. وهي خطوة ذكية لردّ الفلسفة الإخبارية التي كانت ترى في قطعية أحاديث الكتب الروائية الأربعة أهم محاورها الشرعية، في الوقت الذي أنكرت فيه حجية الدليل العقلي وإعتبرته من أهم أعداء نظريتها حول النص الشرعي. فكان نقاش مباحث الشك عند الوحيد البهبهاني - في واقع الأمر- نقاش لمباحث الاُصول العملية. فقد قسّم الوحيد البهبهاني (الشك) الى قسمين:

1- الشك في التكليف، كما لو حصل الشك في تكليف الفرد بزكاة مال التجارة مثلاً. فتكون الوظيفة العملية: (البراءة العقلية) بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية.

2- الشك في المكلف به، كما اذا حصل الشك في أن صلاة المكلف ظهر يوم الجمعة هي الجمعة أم الظهر؟ فتكون الوظيفة العملية: الإشتغال والإحتياط بموجب القاعدة العقلية القائلة بأن (الإشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية). يقول في فوائده الحائرية: "فرق بين مقام ثبوت التكليف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت، إذ بمجرد الإحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد والمقلّد له، لما عرفت من أن الأصل براءة الذمة حتى يثبت التكليف، وتتم الحجة، وأنه ما لم تتم الحجة لم تكن مؤاخذة أصلاً وقبح في الإرتكاب أو الترك مطلقاً.

          وأما مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت ايضاً إن الذمة اذا صارت مشغولة، فلابد من اليقين في تحصيل برائتها للإجماع والأخبار، وتثبت ايضاً من العقل والنقل والآيات القرآنية والأخبار المتواترة والإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع، ومعلوم أن معناها هو الإتيان لما أمر به، فلا يكفي إحتمال الإتيان ولا الظن به، لأن الظن بالإتيان غير نفس الإتيان.

          ومما ذكرنا يعلم أنه إن إستيقن أحدٌ بأن عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنها الظهر أو الصبح، أو يعلم أن عليه فريضة فائتة ولم يعلم أنها فائتة أو حاضرة، يجب عليه أن يأتي بها جميعاً حتى يتحقق الإمتثال" [5].

 الشيخ الأنصاري و(فرائد الأصول):

          وقد مهدت تلك الأفكار العقلية الدقيقة الى ظهور فقيه واُصولي عظيم إستطاع - بحق- تأسيس المدرسة الاُصولية الإمامية الحديثة في النجف، ألا وهو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ). فقد قام الشيخ الأنصاري في كتاب (فرائد الاُصول)، وبعد إستيعاب كامل للحجج العقلية والشرعية، بطرح منهجية جديدة تماماً في علم الاُصول كان محورها عالم الأدلة والحجج العقلية والشرعية. فتناول مباحث القطع والظن والشك والبراءة والإشتغال والإستصحاب والتعادل والتراجيح بدقة متناهية في التهذيب والتنقيح.

          وهذه المنهجية الجديدة، التي قسّمت حالات المكلّف تجاه الحكم الشرعي بـ: (حالة القطع، والظن، والشك)[6]، حاولت إستيعاب جميع الحجج التي يستطيع العقل البشري إدراكها. فلا تبقى حجة من الحجج - ذاتية كانت أو مجعولة، أفادت حكماً شرعياً أو وظيفة عقلية- إلاّ ودخلت تحت هذا التصميم الجديد.

          فلاشك إن هذه الحجج غير متقاطعة، بل هي متوازية طولياً. فإنكشاف الواقع عن طريق القطع يتقدم على كل الحجج. أما الطرق والأمارات (وهي الأدلة الإجتهادية كخبر الواحد والإجماع والشهرة) فهي الخط الطولي الآخر، أو قل المرحلة الثانية التي إعتبرها الشارع حجة شرعية في حالة عدم إنكشاف الواقع وفقدان القطع. ولكن مع إنكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي فلا يصح شرعاً الإعتماد على تلك الطرق والأمارات.

          والخط الطولي الثالث هو صحة الرجوع الى الاُصول العملية الشرعية والعقلية (وهي الأدلة الفقاهتية كالبراءة والإشتغال والتخيير والإستصحاب) في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً بعد الفحص واليأس من عدم الوصول إليها.

          وهذا التفريق بين القطع، والأمارات، والاُصول أوجد فهماً جديداً حول الأدلة الشرعية الموصلة الى الحكم الشرعي. وأوجد ايضاً طريقة علمية متطورة في الإجتهاد الفقهي. فأصبح المجتهد يسير على خطى واضحة في عملية الإستنباط الشرعي للأحكام، وقد يصيب الأحكام الواقعية وقد لا يصيبها. فإذا كانت حالة الإصابة فيها ظنية فهي الأدلة الإجتهادية. وإذا لم يستطع الوصول الى هذا المقدار، فلابد له أن يصل الى تحديد الوظيفة الشرعية المقررة للجاهل بالحكم عندالشك في التكليف والمكلّف به كالبراءة أو الإحتياط.

 بقية فقهاء القرن الثالث عشر:

          ولاشك أن هذه الفترة المباركة كانت قد أفرزت، إضافة الى الشيخين: الوحيد في كربلاء والأنصاري في النجف، حشداً كبيراً من علماء الاُصول الأجلاّء مصحوباً بعدد متميز من كتب الاُصول. وقد إستعادت مدينة النجف رونقها العلمي وإسترجعت طبيعتها الحضارية الإسلامية، فأصبحت مرة اُخرى محط أنظار العالم الشيعي وقبلة الفكر الاُصولي. ومن هؤلاء الأجلاّء ندرج الأسماء التالية:

1- السيد مهـدي الطباطبائي المعروف بـ (بحر العلوم) (ت 1212 هـ).

2- الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1227 هـ).

3- الميرزا ابو القاسم القمي (ت 1231 هـ) وكتابه (قوانين الاُصول) وهو في مجلدين طبعة حجرية. الاول: يقع في 409 صفحة (رحلي)، والثاني: في 291 صفحة.

4- السيد علي الطباطبائي (ت 1221 هـ) وكتابه (الرياض) في الفقه الإستدلالي.

5- الشيخ أسد الله التستري (ت 1234 هـ).

6- السيد محسن الأعرجي المعروف بالمقدس الكاظمي (ت 1240 هـ) وكتابه (المحصول في علم الاُصول)، وكتاب آخر له بإسم (الوافي في شرح الوافية).

7- المولى أحمد الخوانساري (لم نعثر على تاريخ وفاته، ولكن القرائن تدلّ على كونه من اعلام القرن الثالث عشر) وكتابه (مصابيح الاُصول).

8- السيد محمد بن علي الطباطبائي (ت 1242 هـ ) وكتابه (مفاتيح الاُصول) في 720 صفحة طبع حجري (رحلي).

9- المولى أحمد بن مهدي النراقي (ت 1247 هـ) وكتابه (مفتاح الاُصول).

10- الشيخ محمد تقي الأصفهاني (ت 1248 هـ) وكتابه القيّم (هداية المسترشدين في شرح معالم الدين)، وهو من أوسع الكتب الاُصولية خصوصاً في مباحث الألفاظ.

11- الميرزا عبد الفتاح بن علي الحسيني المراغي (ت 1250 هـ) وكتابه (عناوين الاُصول).

12- الشيخ محمد حسن بن عبد الرحيم (ت 1261 هـ) وكتابه (الفصول في علم الاُصول).

13- المولى محمد إبراهيم الكاخكي الأصفهاني المعروف بالكباسي (ت 1262 هـ) وكتابه (إشارات الاُصول).

14- السيد محمد إبراهيم بن محمد باقر الموسوي القزويني (ت 1265 هـ) وكتابه (ضوابط الاُصول).

15- الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 هـ) وموسوعته الفقهية الإستدلالية الجليلة (جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام) في 43 مجلداً.

16- السيد محمد باقر بن السيد علي القزويني (ت 1286 هـ) وكتاباه (مفاتيح الاُصول) و(نخبة الاُصول).

17- والميرزا ابو القاسم بن الحاج محمد علي الطهراني المعروف بكلانتر (ت 1292 هـ) وكتابه (مطارح الأنظار) وهو (تقريرات) الشيخ الأعظم الأنصاري في مباحث الألفاظ.

      فقد تميزت تلك الفترة بلون جديد من الكتابة انعكست بكتابة التلاميذ مواضيعَ اُستاذهم الملقاة عليهم، ثم نُشرت على شكل تقارير لإساتذتهم ولكنها في الوقت نفسه حملت أسماءهم كمؤلفين. ولم نختبر مثل هذا اللون من التأليف في الفترات السابقة. بل إختبرنا في عهد الشيخ الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي إلقاء موضوعات مترابطة ومرتبطة بالكتاب المجيد والسنّة المطهرة وفضائل أهل البيت (ع) من قبل الأساتذة على تلامذتهم، سُميّت بـ (الأمالي).

18- السيد حسن بن محمد بن الحسن الكوهكمري (ت 1299 هـ) وكتابه (بشرى الوصول الى علم الاُصول).

19- الميرزا موسى بن جعفر بن المولى أحمد التبريزي (الذي لم نعثر على تاريخ وفاته) وكتابه (أوثق الوسائل في شرح الرسائل) كتبه سنة 1295 هـ. فيمكن تصنيف أفكاره من ثمار القرن الثالث عشر الهجري.

  10 ـ مدرسة (القرن الرابع عشر الهجري)

          وإتسمت مدرسة هذا القرن التي ترعرعت في النجف الاشرف بالإهتمام بالمباني العلوية لعلم الاُصول، بعد أن بنى الشيخ الأعظم (الأنصاري) رضوان الله عليه صرح المنهج الجديد في عملية الإستنباط. فلم تكن هناك حاجة لتطور نوعي جديد في علم الاُصول، بل كانت هناك حاجة ماسة لإثراء كمي وتفصيلات وكتابة تقريرات علمية وشروح للمباني الأساسية والقواعد المشتركة خصوصاً مباحث الألفاظ والحجج والأدلة العقلية والشرعية. وهكذا كان، فقد إتسم هذا العصر بكثرة المصنّفين والتصانيف في شتى مباحث الاُصول، بحيث شكلّ هؤلاء الفقهاء الأجلاّء - مجتمِعاً - مدرسة جماعية مترابطة ومتضافرة في أبعادها وأركانها بحيث لم يتميز فقيه عن بقية فقهاء المدرسة بنسبة عظيمة كما لاحظنا ذلك في القرن الثالث عشر الهجري.

 فقهاء القرن الرابع عشر:

          ويمكن تصنيف هؤلاء الفقهاء الاُصوليون تأريخياً مع كتبهم الاُصولية على الترتيب التالي:

1- محمود بن جعفر بن الباقر الميثمي المسمى بالعراقي (ت 1308 هـ) من تلاميذ الشيخ الأنصاري وكتاباه: (جوامع الشتات)، و(قوامع الفضول عن وجوه حقائق اُصول علم الاُصول) في 583 صفحة طبعة حجرية.

2- الميرزا حبيب الله الرشتي (ت 1312 هـ) وكتابه (بدائع الأفكار).

3- ضياء الدين محمد حسين بن محمد علي الشهرستاني (ت 1315 هـ) وكتابه (غاية المسؤول في علم الاُصول).

4- الميرزا محمد حسن الأشتياني (ت 1319 هـ) وكتابه (بحر الفوائد في شرح الفرائد) الذي ناقش فيه آراء الشيخ الأنصاري مصنف (فرائد الاُصول).

5- محمد باقر بن محمد علي المازندراني (ت 1322 هـ) وكتابه (مجمع الاُصول).

6- المولى محمد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند (ت 1329 هـ) وكتابه الاُصولي المعروف: (كفاية الاُصول). وله تعليقة على الرسائل إسمها (حاشية كتاب فرائد الاُصول) وهي تعليقة علمية على كتاب (فرائد الاُصول) للشيخ الأنصاري.

7- الشيخ محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355 هـ)، وليس له كتاب مؤَلَّف، إلاّ أن بحوثه سجلها بعض تلامذته: كالشيخ محمد علي الكاظمي (ت 1365 هـ) في (فوائد الاُصول)، والسيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) في (أجود التقريرات).

8- الشيخ عبد الكريم الحائري (ت 1355 هـ) مؤسس الحوزة العلمية في قم ، وكتابه (درر الاُصول).

9- السيد محمد بن عبد الأمير محمد تقي التنكابني (ت 1359 هـ) وكتابه (إيضاح الفرائد في علم الاُصول).

10- الشيخ ضياء الدين العراقي (ت 1361هـ) وكتابه (مقالات الاُصول) في مجلدين. إضافة الى أن بحوثه كانت قد سُجلّت من قبل تلامذته: الشيخ محمد تقي البروجردي (ت 1391 هـ) في كتاب (نهاية الأفكار)، والميرزا هاشم الآملي في (بدائع الأفكار).

11- الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت 1361 هـ) وكتبه الاُصولية: (نهاية الدراية في شرح الكفاية)، و(الإجتهاد والتقليد)، و(الطلب والإرادة)، و(بحوث في الاُصول).

12- الشيخ محمد رضا المظفر (ت 1384 هـ) وكتابه المنهجي المدرسي (اُصول الفقه).

13- السيد محسن الحكيم (ت 1390 هـ) وكتابه (حقائق الاُصول) وهو شرح وتعليق على كتاب (كفاية الاُصول) للآخوند.

14- الميرزا علي الإيرواني (لم نعثر على تاريخ وفاته) وكتابه (نهاية النهاية في شرح الكفاية) المكتوب سنة 1345 هـ ، فيعدّ احد اركان هذه المدرسة.

 تطور قاعدة (البراءة العقلية):

          وقد كان محور أفكار تلك المدرسة هو مناقشة أصل (البراءة العقلية) عند الشك في التكليف. فقد إشتهر بين علماء الاُصول تمسكهم بالدليل العقلي في البراءة عند الشك في التكليف. بالإضافة الى تمسكهم بالدليل الشرعي فيها. ولعل أقدم نص عند الشيعة حول هذا الأصل هو كتاب (المعارج) للمحقق الحلي (ت 676هـ). يقول المحقق الحلي (رحمه الله): "لو كان الحكم ثابتاً لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف الى العلم به، وهو تكليف بما لا يطاق" [7].

          وإستمر فهم أصالة (البراءة العقلية) عند الفقهاء على تلك الصورة حتى عرض الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) فكرة أصالة البراءة ضمن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فقد ذكر الوحيد في كتابه (الفوائد الحائرية) ما يلي: "إعلم أن المجتهدين ذهبوا الى أن ما لا نصّ فيه، والشبهة في موضوع الحكم الأصلي، فيهما: البراءة. والمقصود بالأول الشبهة الحكمية، وبالثاني الشبهة الموضوعية... فدليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف والمؤاخذة ما لم يكن ببيان" [8]. ثم قام السيد محمد المجاهد، وهو سبط الوحيد البهبهاني بصياغة إستدلالية اُخرى للبراءة العقلية. فقال: "دليل المعظّم ]اي الوحيد[ أنه اذا لم يكن نص لم يكن حكم، فالعقاب قبيح على الله تعالى... والصواب أن يجعل الدليل هكذا: اذا لم يصل الحكم لم يمكّن عقاباً، لقبح التكليف والعقاب حينئذ" [9].

          وذهب المحقق النائيني (ت 1355 هـ) في الإستدلال على القاعدة بالقول بأن "وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثاً ومحركاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه ويكون له وجـود علمـي"[10]. وتوضيح هذا التقريب أن البيان ما لم يصل الى المكلّف لا يكون محركاً له، ووجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سبباً في تحريك المكلّف، كما لا تصلح الاُمور التكوينية التي تثير الحركة في الانسان عادةً لإثارته وتحريكه بوجودها الواقعي ما لم يكن هناك أمر حقيقي يصل المكلف ليحرك دوافعه في الحركة.

          أما المحقق الأصفهاني (ت 1361 هـ) فقد رأى بأن أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة الى حسن العدل وقبح الظلم بالضرورة. ومن المعلوم أن تمرد العبد على أوامر المولى ونواهيه إذا أقام عليها الحجة تعتبر من الظلم والخروج عن طور العبودية وهو من أقبح الأمور التي يستحق عليها العقاب.

          أما اذا لم تقم عليه الحجة، ولم يصل بيانه الى المكلّف من أوامر المولى ونواهيه فلا تعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم والخروج عن طور العبودية، فلا يستحق بذلك العقاب ولا يصح عقابه من قبل المولى، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم، لأنه لم يرتكب ظلماً في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته[11].

          وقد آمن السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (ت 1400 هـ) بنفي البراءة العقلية وشكك بالقيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. قال رضوان الله عليه في دروسه الاُصولية: "ونحن نؤمن في هذا المسلك بأن المولوية الذاتية الثابتة لله سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو إحتمالاً، وهذا من مدركات العقل العملي، وهي غير مبرهنة. فكما إن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق مدرك أولي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعةً وضيقاً. وعليه فالقاعدة العملية الأولية هي أصالة الإشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجاد في ترك التحفظ على ما تقدم في مباحث القطع..." [12].

          وملخصه أنه لا نجوّز على أنفسنا أن نقيس حق الطاعة لله سبحانه على عباده بحق طاعة الموالي العرفية على من يتولون أمرهم، لسبب بسيط وهو أن مولوية الله تعالى ذاتية، ومولوية الموالي عرفية مجعولة. ولا يمكننا قياس أحكام المولوية الذاتية في حق الطاعة بالمولوية العرفية. فإن إنحصار حق الطاعة للمولى على المكلفين فيما وصلهم من التكاليف يختص بالموالي العرفية، أما حق طاعة الله تعالى على عباده فلا يمكن قياسها بما سبق.

  11 ـ مدرسة (القرن الخامس عشر الهجري)

          ولا نستطيع الحكم على هذه المدرسة لأنها لم تكمل الربع الأول من عمرها بعد. إلاّ أن طبيعة الفقهاء الذين ظهروا على ساحتها العلمية تنبىء بمستقبل عظيم في التنقيح والإضافات الجديدة لعلم الاُصول، والدعوة الى إستخدام القواعد الاُصولية في بناء النظرية الإجتماعية الفقهية.

 فقهاء الربع الأول من هذا القرن:

          ونستطيع تسجيل أسماء ثلاثة فقهاء عظام لحد الآن لمسنا آثار علومهم الجليلة على الوسط العلمي الاُصولي، وهم: السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1400 هـ)، والسيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409 هـ)، والسيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ).

          فقد كتب السيد الشهيد الصدر (رضوان الله عليه): (دروس في علم الاُصول)، و(غاية الفكر)، و(المعالم الجديدة للاُصول). وكُتبت (بحوث علم الاُصول) بقلم بعض تلامذته. وتُعدّ أفكار السيد الشهيد قمة في البلاغة والعمق والوضوح.

          وكتب السيد الخميني (رضوان الله عليه) كتاب (الرسائل) ويحتوي على خمس رسائل هي: في قاعدة اللاضرر، والإستصحاب، والتعادل والتراجيح، والإجتهاد والتقليد، والتقية. وهذه الرسائل تعليقات على آراء المحقق الخراساني في الكفاية. وكتب الشيخ جعفر السبحاني تقريرات اُستاذه وأسماها بـ (تهذيب الاُصول).

          أما السيد الخوئي (رضوان الله عليه) فقد صدرت له تقريرات عديدة في علم الاُصول بأقلام تلامذته، منها:

1- (دراسات الاُصول) بقلم: السيد علي الشاهرودي.

2- (مصباح الاُصول) بقلم: السيد محمد سرور البهبودي.

3- (جواهر الاُصول) بقلم: فخر الدين الزنجاني.

4- (مصابيح الاُصول) بقلم: علاء الدين بحر العلوم.

5- (مباني الإستنباط) بقلم: أبو القاسم الكوكبي.

6- (محاضرات في اُصول الفقه) بقلم: محمد إسحاق الفياض.

7- (الأمر بين الأمرين) بقلم: محمد تقي التبريزي.

8- (الرأي السديد في الإجتهاد والتقليد والإحتياط والقضاء) بقلم: ميرزا غلام رضا عرفانيان.

          ونشطت في بداية القرن الخامس عشر الهجري المدرسة الاصولية في قم المشرفة، وتوافد عليها العلماء العظام من كل طرف، وازدهرت بحوثها العقلية والشرعية المعمّقة. ولا يمكننا الآن دراسة المنهج الاصولي لمدينة قم المشرفة، بسبب حداثة عهدها. فنترك ذلك للاجيال العلمائية الآتية من اجل النقد والتقييم.

  الاستنتاج

          وهذا العرض الشامل للمدارس الاُصولية عند الشيعة الإمامية في التأريخ، يكشف لنا - الى حد ما - حجم الجهد الذي بذله فقهائنا الأعلام من أجل الوصول الى صيغة إستدلالية شرعية في عصر الغيبة. تلك الصيغة التي نأمل ان ترشدنا نحو فهم الحكم الشرعي والإقتراب من مطابقته للواقع. وقد أصبح محور علم الاُصول، وهو في قمة نضوجه الفكري اليوم، يدور حول البحث عن وسائل لمعرفة الوظيفة الشرعية للمكلّف في حالات القطع والظن والشك.

          ولكننا قد لا نستطيع إدراك مغزى الوظيفة الشرعية بعد إبتعادنا عن عصر النص، ما لم نفهم الفرق بين فقه النص وفقه الإستدلال. فطبيعة الإستدلال تستدعي البحث عن سند الدليل في زمان ومكان يختلفان تماماً عن عصر النصوص الشرعية. بينما لا يستدعي عصر النص كل ذلك التعقيد. ومن هنا جاءت أهمية الفروق بين فقه النص وفقه الإستدلال التي سندرسها في الفصل الثاني بإذنه تعالى.

          ونستنتج من دراسة المدارس الاصولية للشيعة الامامية، ان نظريات الدليل العقلي واللفظي والشرعي لم تكن من انتاج مفكر واحد او من افراز عصر معين بذاته. بل ان النظريات الاصولية الامامية تمثل جهدَ حشد كبير من العلماء وعلى طول فترة زمنية مديدة استمرت اكثر من عشرة قرون. واذا كان ذلك الجهد قد اثمر في بناء المباني الاصولية وترميمها، فان النظرية الاصولية الامامية مرشحة للتطور والتكامل اذا استمر جهد العلماء بنفس الزخم والقوة التي لحظناها في الالف سنة الاخيرة.

(نهاية ص 52)

 

السابق             صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية


 

[1]  (نزهة الغري) – الشيخ محمد الغروي الحائري ص 30.

[2]  (ماضي النجف وحاضرها) – جعفر محبوبة ج 1 ص 85.

[3]  (معالم الدين وملاذ المجتهدين) ص 5.

[4]  (الفوائد الحائرية) – المقدمة ص 85.

[5]  (الفوائد الحائرية) مع تعاليق الفريد الكلبايكاني، ص 319. قم: مكتبـة الصـدر، بدون تاريخ.

[6]  (الرسائل) ص 1.

[7]  (معارج الاصول) – المحقق الحلي ص 213. قم: آل البيت (ع)، بدون تاريخ.

[8]  (الفوائد الحائرية) ص 133. قم: مكتبة الصدر.

[9]  (مفاتيح الاصول) – السيد محمد المجاهد الطباطبائي. ص 518 طبعة حجرية.

[10]  (فوائد الاصول) – الشيخ الكاظمي تقريراً للمحقق النائيني ج 3 ص 365.

[11]  (نهاية الدراية) ج 2 ص 190.

[12]  (دروس في علم الاصول) – القسم الثاني من الحلقة الثالثة ص 33- 34.