(ص 1 - 30)

 النظرية الاصولية

نشؤوها وتطورها

  

الجزء الاول: تاريخ علم الاصول وتطور الافكار الاصولية

  

                                        السيد زهير الاعرجي

 -------------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

  (اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الاسلامَ ديناً) المائدة : 3.

 ----------------------------

 الجزء الاول

الطبعة الأولى 1421هجرية

----------------------------

الجزء الأول

تاريخ علم الاصول وتطور الأفكار الاصولية

 الفصل الاول: المدارس الأصولية في التاريخ الامامي.

الفصل الثاني: فقه النص وفقه الاستدلال: من وجهة نظر اصولية.

الفصل الثالث: العقبات التاريخية التي حاولت تقويض المباني الاصولية.

الفصل الرابع: عصر البناء العلمي.

الفصل الخامس: تشخيص المنهج العلمي للاصول.

 --------------------------

 النظرية الاصولية في المدرسة الامامية

          تبحث (النظرية الاصولية) عن عالم الادلة والحجج العقلية والشرعية: كمباحث القطع والظن والشك، ومباحث البراءة والاحتياط والتخيير والاشتغال والاستصحاب والتعادل والتراجيح، والحجية بصورتها الكلية، من اجل الوصول الى الحكم الواقعي او الظني المقيد برضا الشارع. فلاشك ان الطرق والامارات والاصول تساعدنا، ونحن نبتعد يومياً عن عصر النصوص الشرعية، على فهم وظيفتنا الشرعية وتطبيق ما الزمنا المولى عز وجل بتطبيقه.

 حالات المكلّف تجاه الحكم:

          فقد قسّمت المدرسة الاصولية الامامية الحديثة، عبـر منهجيتها، حالات المكلف تجاه الحكم الشرعي بحالات: (القطع، والظن، والشك). وتلك المنهجية حاولت استيعاب جميع الحجج التي يتمكن العقل البشري من تصورها او ادراكها. فعندئذ لا تبقى حجة من الحجج - ذاتية كانت او مجعولة، أفادت حكماً شرعياً او وظيفة عقلية- الا ودخلت تحت هذا التصميم. ومن الطبيعي فان هذا المنهج العلمي لم يكن نابعاً من فراغ بل كان وليد الصراع العلمي حول العقل ودوره في الاستنباط.

          فكان الرد العلمي على الذين حاولوا انكار حجية الدليل العقلي يتمثل بمناقشة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي. فلابد من تصميم قاعدة عقلية للتعامل مع حالات الظن والشك، من خلال التمييز بين (اصالة البراءة) و(اصالة الاحتياط) مثلاً، او التمييز بين مقام ثبوت التكليف على المكلف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت. فبمجرد الاحتمال العشوائي لا يثبت التكليف ولا يخرج من العهدة، ما لم يتسلح الفقيه بفهم شامل لعالم الحجج العقلية والشرعية حتى يستطيع ان يفتي على ضوئها.

 خطوط الحجة العقلية والشرعية:

          ولاشك ان الحجج العقلية والشرعية غير متقاطعة، بل هي متوازية طولياً. فانكشاف الواقع عن طريق القطع يأتي بالمرتبة الاولى ويتقدم على جميع الحجج. واذا شئت التعبير قل هو الخط الطولي الاول. اما الخط الطولي الثاني فهو الطرق والأمارات "وهي الادلة الاجتهادية كخبر الواحد والاجماع والشهرة". والطرق والامارات اعتبرها الشارع حجة شرعية في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع. ولكن مع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي فلا يصح شرعاً الاعتماد على تلك الطرق والامارات. والخط الطولي الثالث هو صحة الرجوع الى الاصول العملية الشرعية والعقلية "وهي الادلة الفقاهتية كالبراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب" في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً بعد الفحص واليأس من عدم الوصول اليها.

          وهذا التفريق بين القطع، والأمارات، والاصول العملية خلق طريقة  منهجية في عملية الاستنباط الشرعي للاحكام. فالمجتهد قد يصيب الاحكام الواقعية وقد لا يصيبها. فاذا كانت حالة الإصابة فيها ظنية فهي الادلة الاجتهادية. واذا لم يستطع الوصول الى هذا المقدار، فلابد له ان يصل الى تحديد الوظيفة الشرعية المقررة للجاهل بالحكم عند الشك في التكليف او المكلف به عن طريقي البراءة او الاحتياط.

 القطع والشك والظن:

          ولاشك ان اتساع دائرة الدليل ادت الى تركيز البحوث على حجية القطع. فما لم يكن الدليل حجة قطعاً لا يمكن الاستناد عليه او التمسك به باي حال من الاحوال. فكان لابد من التمييز بين الحجج الذاتية للادلة القطعية، والحجج المجعولة من قبل الشارع والتي لا يمكن اعتبار حجيتها الا بدليل قطعي كالطرق والامارات ومصاديقها الاجماع وخبر الثقة. وبموجب هذا الفهم تطور مفهوم الحجية الشرعية، فكان لابد للدليل من ان يصل حد القطع والعلم حتى يسمح له بالدخول الى عالم الاستنباط.

          فالأخذ بالحجية المجعولة من قبل الشارع وسع من دائرة الدليل. فان الشارع مثلاً امرنا باتباع الظن في موارد البيّنة واليمين، جاعلاً الحجية لهما. مع ان البيّنة واليمين بحد ذاتها لا توجبان القطع ولا تمنعان من احتمال الخلاف. ولكن الشارع تمم الكشف الناقص على الطريقة التعبدية، فانشأ الحجية المجعولة.

          وهذا التوجه العقلي يفتح لنا الطريق لامكانية اعتبار الظن والتعبد به، شرط ان يحصل لنا علم يقيني بان الشارع قد اعتمد سبيلاً من السبل الظنية واعتبره وأمرنا بالتعبد به. فالظن ليس حجة بذاته ولا يمكن الاعتماد عليه، بل يكون حجة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من ناحية الشارع على حجيته. فيصبح عندها ظناً معتبراً.

          وعلى هذا الاساس صُنّفت الظنون الخاصة التي ثبتت حجيتها بالدليل القطعي الى صنفين:

الاول: الطرق والامارات، كالاخبار غير المتواترة والاجماع والسيرة والشهرة.

الثاني: المنحى العلمي المستخدم في اكتشاف الحكم الشرعي كحجية الظهور.

          ومعالجة هذا المقدار من مشاكل اكتشاف الحكم غير كافية على نطاق الاستنباط، مالم نجد حلاً لمعالجة مشاكل الشك في الشبهات الموضوعية والحكمية. فكانت الاصول الاربعة: البراءة والتخيير والاحتياط والاستصحاب هي الحل الاخير، باعتبارها وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم او الظن المعتبر.

 معالجة التعارض بين الأدلة الاجتهادية والفقاهتية:

          وبطبيعة الحال، وبسبب تراكم الروايات وعدم تمحيص جميعها بصورة قطعية من قبل الفقهاء وطول الفترة الفاصلة بيننا وبين عصر النص، فانه يتبادر ظاهراً في مقام الاستدلال تعارضاً بين الادلة الاجتهادية والفقاهتية. ولكن ذلك التعارض الظاهري رفع عن طريق اربع حالات عقلية مكتَشَفة هي: التخصص، والتخصيص، والورود، والحكومة. وتفصيل ذلك: اننا نستظهر في (التخصص) خروج موضوع احد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر. وفي (التخصيص) عدم قصد المتكلم للمعنى الظاهر من العام في استعمال الخاص. وفي (الورود) نفي الدليل الوارد لموضوع الدليل المورود نفياً تكوينياً، على الصعيد التعبدي. وفي (الحكومة) بروز العلاقة الدلالية عندما يكون فيها احد الدليلين ناظراً الى مفاد الدليل الآخر. وبذلك ينتفي التعارض بين الدليلين الاجتهادي والفقاهتي اللذان يتوازيان طولياً ولا يتقاطعان عرضياً.

          وهذا المقدار من الفهم الاصولي للحكم الشرعي او الوظيفة الشرعية يشمل عالمي الاستنباط في العبادات والمعاملات.

 -----------------------

 الفصل الاول

 المدارس الاصولية في التاريخ الامامي

 

   المدارس الاصولية في التأريخ الامامي يبدأ بمدرسة (القرن

الخامس الهجري) وينتهي بطلائع مدرسة (القرن الخامس

عشر الهجري).

-------------------------
مقدمة

          يمكن اعتبار علم اُصول الفقه أحد العلوم الشرعية الذي اكتسب اهمية خاصة، وقامت الحوزة العلمية الامامية باحتضانه، وبذلت الغالي والنفيس في تطويره والذود عنه. لأن هذا العلم يبرز مبادئ القواعد العقلية والشرعية في مباني الإجتهاد الفقهي. ويكفي فقهاء شيعة أهل البيت (ع) فخراً أنهم بنوا على ضوء تعاليم ائمتهم (ع)، المباني العلوية للإجتهاد. ولسوف يبقى هذا البناء شامخاً بإذن الله تعالى حتى قيام مهدي هذه الاُمة (عجلّ الله فرجه) وتحقيق جميع معاني العدالة الإجتماعية التي جاء بها الاسلام.

          وقد ساهم فقيهان جليلان من فقهاء الطائفة بشكل رئيسي وحاسم في البناء الاصولي للفقه الشيعي وهما: الشيخ ابو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) من رواد المدرسة الفقهية الاصولية الاولى التي قامت بالتأسيس للنظرية الاصولية، والشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ) رائد المدرسة الاصولية الحديثة في بناء الادلة والحجج الشرعية والعقلية. وكان بين هؤلاء العلمين وقبلهم وبعدهم مئات الفقهاء وعلماء الاصول والمعارف الدينية الذين اثروا بنتاجاتهم المكتبة الشيعية واوصلوها الى ارقى مراحل النضوج العلمي. فاصبح للشيعة الامامية بفضل جهود الحوزة العلمية، مقعد خالد للعلوم الشرعية في عالمنا الواسع الفسيح.

 المدارس الاصولية في التأريخ الامامي

          إن أهم ما شغل علماء الإمامية بعد إنتهاء عصر النص هو البحث عن (الدليل) عند إستنباط الحكم الشرعي. ولكن (البحث عن الدليل) لم يكن في يوم من الأيام من القضايا الميسورة التي يستطيع الفرد فيها إنشاء نظرية متكاملة بمفرده وبمعزل عن التضافر العلمي الجماعي الذي تنقل ثماره - عادةً - الأيادي الأمينة من العلماء من جيل الى جيل. فالفرد لمفرده - ومهما اُوتي من قدرة علمية- غير قادر على تأسيس نظرية اُصولية تستطيع الصمود مئات السنين ما لم يصاحبها نزوع علمي جماعي في النقد والتنقيح والإضافة والتجديد. فالتضافر العلمي الجماعي في فترة زمنية مديدة يمتلك تلك الطاقة والقدرة على تأسيس وبناء النظرية العلمية في اُصول الفقه. وهكذا كان، فقد تضافرت جهود فقهاء أهل البيت (ع) لفترة عشرة قرون كاملة أثمرت خلالها في إنشاء نظرية اُصولية في غاية المتانة في علم القواعد الممّهدة لإستنباط الحكم الشرعي.

          وقد كان محور المشكلة الشرعية التي واجهت الفقهاء في عصر الغيبة وإنتهاء عصر النص هو: (الحجية) في نطاقها العام بما فيها حجية ظواهر الكتاب المجيد، وحجية خبر الواحد الناقل لقول المعصوم (ع) أو فعله أو تقريره، وحجية الإجماع، وحجية العقل والدليل العقلي. فكان موضوع علم الاُصول - دائماً ومنذ عصر التأسيس- هو البحث عن الأدلة المشتركة في الإستدلال الفقهي. ولاشك أن البحث في دليلية تلك الأدلة المشتركة كان قد تطور بشكل هائل على مر العصور ووصل الى ما وصل اليه اليوم من قمة في التفكير الاُصولي الإمامي.

          وبطبيعة الحال، فإن الترابط الُمحكم بين الأفكار الاُصولية التي تطورت تدريجياً على مدى مئات السنين يدفعنا قهراً - في هذه المرحلة الفكرية- على عرض (علم الاُصول) على الصعيد التأريخي عرضاً شاملاً من دون التركيز على مواقع المدارس الاُصولية جغرافياً. ذلك ان تطور (علم الاُصول) في مدرسة جغرافية كالنجف الاشرف مرتبطٌ بتطوره في مدرسة جغرافية اُخرى وهي مدرسة الحلة. وتطوره في مدرسة كربلاء لا يقطع إرتباطه بمدرستي النجف والحلة. وبكلمة، فإن المدارس الاُصولية التي سوف ندرسها ستهتم بالتطور الشامل لـ(علم الاُصول) عند الشيعة الإمامية على مر التاريخ دون النظر الى الفكر الجغرافي .

          وهذه المدارس الاُصولية رُتبت على أساس التأريخ الزمني المحدد بقرن كامل لكل مدرسة اُصولية، فكانت أحدى عشرة مدرسة على طول السنين الألف الماضية من عمر التشيع لولاية أهل البيت (ع). وقد ابتدأنا بمدرسة القرن الخامس الهجري، لاننا لم نكتشف نظرية امامية في اصول الفقه قبل هذا التاريخ. نعم، قد تناثرت  هنا وهناك افكار اصولية. لكنها لم تنهض الى مستوى النظرية الا في عصر الشيخ المفيد (ت 413 هـ).

  1 ـ مدرسة (القرن الخامس الهجري)

          وأركانها أربعة فقهاء عظام من مدرسة أهل البيت (ع) عرضوا أربعة كتب مستقلة في اُصول الفقه، وهم:

أ- الشيخ المفيد (ت 413 هـ) وكتابه (رسالة في اُصول الفقه) مطبوع ضمن كتاب (كنـز الفوائد) للشيخ الكراجكي (ت 449 هـ).

ب- السيد المرتضى (ت 436 هـ) وكتابه (الذريعة الى اُصول الشريعة).

ج- الشيخ الكراجكي (ت 449 هـ) وكتابه (كنـز الفوائد).

د- الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) وكتابه (عدة الاُصول).

          وتتميز هذه المدرسة بعرض ضبابي غير واضح لمطالب علم الاُصول، ووجود خلط معرفي بين (علم اُصول الدين) و(علم اُصول الفقه). فبالرغم من الإستقلالية النسبية التي حصل عليها (علم الاُصول) المتطور بإستمرار مع الحاجات الإستدلالية في عملية إستنباط الأحكام الشرعية، الا ان ذلك الخلط كان لا يزال قائماً بين علمي الكلام والاُصول خصوصاً في أخبار الآحاد. فقد كان اُصوليو هذه المدرسة لا يرغبون في الإستدلال بالروايات الظنية التي لا يُعَرف صدقها بإعتبار أنها لا تؤدي الى القطع، وهي بذلك ليست دليلاً من الأدلة القطعية. ولاشك ان هذه الفكرة كانت قد استمدت من علم اُصول الدين حيث إتفق الكلاميون على أنهم لا يستطيعون إثبات صفات الخالق عز وجل عن طريق أخبار الآحاد.

 الشيخ المفيد و(رسالة الأصول):

          وقد تناول الشيخ المفيد (رض) في رسالته الاُصولية: الطرق أو الأدلة الى اُصول الأحكام الشرعية فأوصلها الى ثلاثة وهي:

أ- العقل، وهو سبيل الى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار.

ب- اللسان (أي اللغة)، وهو السبيل الى المعرفة بمعاني الكلام.

ج- الأخبار، وهي السبيل الى إثبات أعيان الاُصول من الكتاب وسنّة أهل البيت (ع)[1] . وهذه الطرق الثلاث تقابل الادلة العقلية، ومباحث الألفاظ، والحجج الشرعية بأبسط صورها الفكرية. إلاّ أنه صرّح في الوقت ذاته بأن خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً، إلاّ اذا إقترن بقرينة تؤيد صدقه، أو بدليل عقلي أو بشاهد من عرف، أو بالإجماع غير المخالف. وإلاّ فإنه ليس بحجة[2]. وفي ضوء تلك الافكار، فان كتاب الشيخ المفيد (ت 413 هـ) الذي أستفاده الكراجكي (ت 449 هـ ) قد يعدُّ أول كتاب مستقل تناول علم اُصول الفقه عند الشيعة الإمامية، أي بعد أقل من قرن كامل على الغيبة الكبرى.

 السيد المرتضى و(الذريعة):

          ومع وضوح الشيخ المفيد (رض) في طرح المباحث الاصولية الابتدائية، الا ان التشويش يبدو ظاهراً في مطالب العلم الجديد في عصر السيد المرتضى (ت 436 هـ). فقد حاول هذا الفقيه الجليل بلورة الفروق المبدأية بين علم اُصول الدين وعلم اُصول الفقه. فعرض في كتابه (الذريعة الى اُصول الشريعة) رداً مفصلاً موجهاً الى فقيه قد صنّف كتاباً عنونه بـ (اُصول الفقه) ولكنه في واقع الأمر تناول بالتفصيل اُصول الدين دون اُصول الفقه. فإنبرى السيد المرتضى في تفصيل الإختلاف بين اُصول الدين واُصول الفقه. وأوضح بأن اُصول الدين أو "علم الكلام" مما يتناول حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد والعدل والنبوات. أما اُصول الفقه فيتناول الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والبيان والمجمل، والإجماع، والأخبار، والقياس، والإجتهاد ونحوها[3].

          ومع كل ذلك البيان فهو (قدس سره) لم يستطع التخلص من رواسب تلك الرمادية التاريخية المتأصلة بين علم الاُصول وعلم الكلام، فيقول باحثاً صيغة الأمر وأحكامه وأقسامه: "إن الفقهاء كلهم وأكثر المتكلمين يذهبون الى أن للأمر صيغة مفردة مختصة به، متى اُستعملت في غيره كانت مجازاً، والذي يدلّ على أن هذه اللفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في التخاطب والقرآن والشعر، يقول تعالى: (وأقيموا الصلوة)[4] وهو أمر، ويقول تعالى: (واذا حللُتم فاصطادوا)[5] وهو مبيح، وكذلك قوله تعالى:  (فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض)[6] والإنتشار مباح وغير مأمور به، وظاهرُ الإستعمال يدلُ على  الحقيقة، إلاّ أن تمنع دلالـة" [7]. وهذا التفكير الاُصولي مع إنه يغطي مساحة مشتركة من علمي الاُصول والكلام، إلاّ إنه يحمل بوضوح فكرة القواعد العامة في عملية الإستنباط الفقهي.

 الكراجكي و(كنـز الفوائد):

          وفي كتاب (كنـز الفوائد) للكراجكي (ت 449 هـ) عمق واضح يتناسب مع تلك المرحلة، في نقاش طبيعة الحجج الاُصولية بشكلها الأولي، فيتناول ذلك الكتاب تعريف الخبر بالقول: "فأما الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق والكذب وله صيغة زمنية مبنية ينفصل بها مما يخالفه في معناه، وقد يستعار صيغته فيما ليس بخبر كما يستعار غيرها من صيغ الحقائق فيما سواه على وجه الإتساع والمجاز، قال الله عز وجل: (... ومن دخله كان آمناً)[8] ، فهو لفظ بصيغة الخبر والمراد به الأمر بأن يؤمّن من دخله. والعام في معنى الكلام ما أفاد لفظه إثنين فما زاد، والخاص ما أفاد واحداً دون ما سواه لأن أصل الخصوص التوحيد وأصل العموم الإجتماع. وقد يعبّر عن كل واحد منهما بلفظ الآخر تشبّهاً وتجوزاً قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)[9] ، فعبّر عن نفسه سبحانه وهو واحد بلفظ الجمـع" [10].

الشيخ الطوسي و(عدّة الأصول):

          وقد واصلت مدرسة (القرن الخامس الهجري) تطورها الاُصولي، ووصلت الى درجة من الرقي في أبحاثها عندما إنتقل شيخ الطائفة الجليل أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) الى النجف سنة 448 هـ وبدأ بممارسته الكتابة والتدريس هناك. فكتب كتاب (عُدّة الاُصول) الذي يعتبر من أوائل الكتب التي تخلصت من عقدة الخلط بين علمي الكلام والاُصول وميزت البحوث الاُصولية عن الفقهية على أساس الفرق بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية. يشير شيخ الطائفة الى ذلك في كتابه (عُدّة الاُصول) بالقول: "أصول الفقه هي أدلة الفقه فإذا تكلّمنا في هذه الأدلة فقد نتكلم فيما يقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة، ولا يلزمنا عليها أن تكون الأدلة الموصلة الى فروع الفقه، لأن هذه الأدلة أدلة على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيـل" [11] . ولعل في تعبير الشيخ (رض) أول إشارة الى مصطلح القواعد المشتركة على الصعيد الاُصولي، ومصطلح المفردات الخاصة على الصعيد الفقهي.

  2 ـ مدرسة (القرن السادس الهجري)

          ويقف على رأسها فقيهان جليلان هما: ابن زهرة، حمزة بن علي الحسيني الحلبي (ت 585هـ)، وابن ادريس الحلي (ت 598هـ).

 ابن زهرة و(الغُنية):

       وأهم مؤلفات ابن زهرة كتاب: (غُنية النـزوع الى علمي الاُصول والفروع) أو كما هو مدوّن في كتاب (الجوامع الفقهية) المنشور في طياتها، بأسم (الغُنية اُصولها وفروعها). وهو على قسمين:

الأول: اُصول الفقه ويشمل ربع الكتاب في 25 صفحة طبعة حجرية من القطع الكبير (الرحلي).

الثاني: فروع الفقه ويشتمل على اكثر من ثلاثة أرباع الكتاب في 77 صفحة طبعة حجرية من نفس القطع.

      وقد بدأ كتابه بالقول: "لما كان الكلام في فروع الفقه يُبنى على اُصول له وجب الإبتداء باُصوله ثم إتباعها بالفروع. وكان الكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر. وقد كان بعض المخالفين سأل فقال : اذا كنتم لا تعملون في الشرعيات إلاّ بقول المعصوم فأي فقر بكم الى اُصول الفقه، وكلامكم فيها كأنه عبث لا فائدة فيه. فيقال له: قد ثبت عندنا بالأدلة القاهرة وقوف الأحكام الشرعية على نص علاّم الغيـوب سبحانـه العالـم بمصالح عباده فيها وبمفاسدهم..." [12]. وهذا النص التأريخي يشدّد على دور الاُصول في إستنباط الفروع الفقهية، ويؤكد على أهمية الحاجة الى إثراء القواعد الاُصولية بعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ الطوسي. فالحاجة الى علم الاُصول في عصر إنتهاء النص الشرعي كانت تزداد كلما ظهر للفقيه إفتقاره للقواعد الكلية المشتركة في عملية الإستنباط. وقد فصلّ ابن زهرة في القسم الاُصولي من كتابه، في مباحث: الأوامر الشرعية، والخصوص والعموم، والنسخ ومتعلقاته، والأخبار، والأفعال، والإجماع، وحرمة القياس، والإستصحاب. وكذلك تناول مباحث إبتدائية حول الحجية كحجية العام المخصص وعدم حجية مفهوم الوصف. ولعل مدرسة (ابن زهرة) الفكرية تعدُّ من أهم مدارس الإمامية التي حاولت إنشاء جسر موصل بين الفقه واُصوله في كتاب واحد يتضمن كلا القسمين: اُصول الفقه، والفروع الفقهية، وحاولت - بتوفيق ظاهر- تطبيق القواعد الاُصولية على تلك الفروع.

          ولكن ما ميّز (ابن زهرة) عن أقرانه من الفقهاء في تلك الحقبة الزمنية أنه عمد الى عدم محاكاة الشيخ الطوسي، بل مخالفته صريحاً في مواضع متعددة. ففي باب دلالة النهي على الفساد مثلاً آمن الشيخ الطوسي بدلالة النهي على الفساد، بينما آمن ابن زهرة بعدم وجود ملازمة بين الحرمة والفساد. وفي باب دلالة الأمر على الفور آمن الشيخ الطوسي بدلالة الأمر على الفور، بينما آمن ابن زهرة بعدم دلالة الأمر على الفور أو على التراخي. فقد عرض إستدلاله في مخالفة الشيخ الطوسي قائلاً : "ولا يعلم من مطلق الأمر فورٌ ولا تراخ وإنما يعلمُ أحد الأمرين بقرينة دالة عليه لأنه قد ورد في القرآن العظيم والإستعمال واُريد به تارة الفور واُخرى التراخي... وتعلقهم: بأن الأمر إيجاب فعل واحد وقد دل العقل على أن أفعالنا لا يصح فيها التقديم والتأخير فوجب أن يكون المراد فعل المأمور به عقيب الأمر ليكون الفعل واحداً، غير صحيح. لأن التراخي والتخيير في أوقات الفعل جائز وإن كان واحداً..." [13].

          وهذا التطور خطير للغاية لأنه فتح الباب أمام كسر الحواجز النفسية في النقد العلمي لكبار مشايخ الطائفة، وهو - بلاشك- مفتاح رئيسي من مفاتيح الإجتهاد. لأنه عبّر عن قدرة إستقلالية في الإستدلال الشرعي والبحث عن سند الدليل، بدل الم