(ص 181 - 202)

 الفصل السادس

الدليل الاصولي

           حديث الرفع* فقه حديث الرفع  *الإجزاء.

 -----------------------------

 حديث الرفع

          وحديث الرفع مروي في كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق عن حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (رفع عن امتي تسعة: الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لايعلمون وما لايطيقون وما اضطروا اليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة)[1] . والاشكال في سند الرواية ان الشيخ الصدوق (قدس سره) نقلها عن (احمد بن محمد بن يحيى) الذي لم تثبت وثاقته من قبل علماء الرجال. الا ان الذين آمنوا بصحة سند هذه الرواية استندوا الى قاعدة تقول بان مشايخ الثلاثة: "الكليني، والصدوق، والطوسي" كلهم ثقاة. فيكون "احمد بن محمد بن يحيى" ثقة لانه كان من مشايخ الصدوق الذي روى عنه هذا الحديث. ويمكن الاستناد الى رواية اخرى تامة السند تحمل مداليل مشابهة وهي صحيحة عمرو بن مروان عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (رفع عن امتي اربع خصال: خطاؤها ونسيانها وما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا، وذلك قول الله عز وجل: (...ربَّنَا لاتُؤاخِذْنَا إن نَّسِينَا أو أخطأنا. رَبَّنَا ولاتَحِملْ علينا إصراً كما حَمَلْتَهُ على الذينَ مِن قَبلِنَا، رَبَّنَا ولاتُحَمِّلْنَا ما لا طاقةَ لنَا به...)[2]، وقوله: (...إلا مَنْ اُكرِهَ وقَلبُهُ مطمئِنٌ بالإيمانِ...)[3] ( [4]. فتنحلّ هنا مشكلة السند الروائي.

          واُستدل بحديث الرفع على ان التكليف الالزامي في الوجوب او الحرمة في حالة الجهل به او في حالتي الاضطرار والاكراه مرفوع في الظاهر، ولو كان ثابتاً في لوح الواقع. فليس هناك تنافي بين الترخيص الظاهري والالزام الواقعي، كما بحث في عنوان الجمع بين الحكمين الظاهري والواقعي.

          وقد اُختلف في ان المرفوع هل هو وجوب الاحتياط او هو نفس الحكم الواقعي، وفي ذلك مدرستان. قالت المدرسة الاولى ان رفع الحكم المشكوك يتم بعدم ايجاب الاحتياط، فيكون المرفوع هو وجوب الاحتياط. وقالت المدرسة الثانية ان المرفوع هو نفس الحكم الواقعي الخاص بالاضطرار او الاكراه او عدم التحمل او الجهل بالحكم. فالاحكام متضادة في الواقع كما انها متضادة في الظاهر. فاذا كان عدم الالزام في الواقع يستلزم الترخيص بالمعنى الاعم، كان رفع الالزام في الظاهر يستلزم الترخيص ظاهراً. وليس هناك احتياط واجب بعد ان فرض الترخيص.

 مقدمة تمهيدية:

          ومن اجل الاستدلال على شمول حديث الرفع لموارد التقية ينبغي ايراد مقدمة موجزة في النقاط التالية:

اولاً: ان الموصول في (ما اكرهوا عليه)، و(ما لايطيقون)، و(ما اضطروا اليه) استعمل في معناه المبهم المرادف لمفهوم الشيء كما يقال: (لاتقُل ما لاتعلم وإن قلَّ ما تعلمُ)، او (اُبذُل ما أنتَ باذلٌ في وجوهِ الخير) ونحوها. وينطبق الموصول فيما نحن فيه على الفعل الذي يكرهون عليه، والفعل الذي لايطيقونه، والفعل الذي يضطرون اليه. فالمراد من الموصول في هذا المورد اذن خصوص الفعل الصادر من المكلف في الخارج. فيكون الرفع شاملاً للشيء المضطر اليه او المكره عليه او الذي لايطيقه على مستوى الفعل الخارجي. لا على مستوى الحكم الشرعي. ولما كان الموصول يعبّر عن الفعل الخارجي، اختص الحديث بما اذا كان الفعل بنفسه مجهولاً لا بحكمه. فهنا تجري الشبهات الموضوعية لا الحكمية. اما بخصوص (ما لايعلمون) ففيه نقاش خارج اطار هذا الموضوع.

ثانياً: المراد برفع التكليف في نطاق التقية هو الرفع التشريعي، اي برفع آثاره الشرعية. وبمعنى آخر ان الشارع لم يعتبر فعل المكلف تحت تلك الظروف الاستثنائية مورداً للاعتبار الشرعي. تماماً كما ورد في جملة من موارد الحكومة، كقوله (ع): (لا ربا بين الوالد والولد). واسناد الرفع الى الفعل الخارجي الاستثنائي اسناد حقيقي، لا اسناد مجازي.

          فالمراد برفع التكليف الاولي في مواطن الاستثناء كالإكراه والاضطرار وعدم التحمل هو ان الخطاب الوارد في الادلة الاولية لايشمل موارد الاضطرار والإكراه والخطأ والجهل ونحوها. فانه لو صدر من المكلف في حال الاضطرار او الإكراه شيء يخالف التكليف الاولي، فلايترتب على تلك الحالة الاثر الشرعي الذي كان يترتب على حالة الاختيار.

          وبكلمة، فان الرفع نُزِّل بمنـزلة العدم في عالم التشريع، فالمتعارف بين الفقهاء في تعابيـر (لاشك لكثير الشك) و(لا ربا بين الوالد والولد)، يعني ان شكوك كثير الشك في عالم الاعتبار التشريعي تعدُّ بمنـزلة العدم، وكذلك الربا بين الوالد وولده في عالم التشريع نازلة بمنـزلة العدم. فالشك والربا هنا ليس لهما أثر شرعي - وضعياً كان او تكليفياً- وهو عين المراد بالرفع. فعروض العناوين التكليفية علّة لارتفاع الحكم عن معروضاتها. خصوصاً اذا لاحظنا ان الرفع كان امتناناً للامة، وان الحكم الشرعي عموماً قابل للوضع والرفع في عالم التشريع.

ثالثاً: ان الحديث قد ورد في مقام الامتنان من المولى عز وجل على الامة. ومفهوم الرفع يقتضي ان يكون متعلقه امراً ثقيلاً لايطيقه المكلف. والثقيل على المكلف هو فعل الواجب او ترك الحرام الذي لايمكن تحمله عادةً تحت الاكراه او الاضطرار. والحديث ظاهر في العموم، وغير مختص بمورد يدل على خلاف المنّة.

          وطالما ان الحكم قد ورد في مقام الامتنان على الامة جميعاً ولم يختص بفرد دون آخر، فلابد له من ضوابط تحقق ذلك الامتنان. ومنها: عدم رفع ضمان الإتلاف المتحقق بالاضطرار او الإكراه، لان رفعه يعدُّ مخالفاً للامتنان بالنسبة الى الطرف الثاني وهو المالك وإن كان فيه منّة على الطرف الاول وهو المتلِف.

ومنها: فساد معاملة المكرَه، فان رفعه خلاف الامتنان.

رابعاً: ان موارد حديث الرفع بالنسبة لافعال المكلف وقت الإكراه والاضطرار وعدم التحمل حاكمة على ادلة الاحكام الاولية بعناوينها الاولية. فقطع اليد مثلاً وُضع حداً للسارق المختار، لكنه محكوم بحديث الرفع اذا وقعت السرقة عن طريق الإكراه او الاضطرار.

          والحكومة هنا حكومة واقعية تشابه حكومة ادلة نفي الضرر والحرج، لكن الفرق بينهما: ان حديث الرفع تناول موضوعات الاحكام الشرعية وهي افعال المكلفين، بينما تناول دليل نفي الضرر والحرج الاحكام التكليفية الواقعية كالوجوب والحرمة والاحكام الوضعية "كالمعلامات".

 فقه حديث الرفع

          ان في دراسة فقه حديث الرفع حاجة لفهم شمولية ذلك الحديث للاحكام التكليفية والوضعية، وشموله للموضوعات، وكون الرفع في التكليف الاولي رفعاً واقعياً مصمماً من قبل المولى عز وجل لازالة الآثار السلبية للاكراه والاضطرار وعدم التحمل. ومن اجل توضيح ذلك ندرج النقاط التالية:

1- لابد من فهم الفارق بين الرفع والوضع والدفع:

          فالرفع: عبارة عن اعدام الشيء الموجود او ازالة الشيء الثابت الموجود مع وجود المقتضي لبقائه.

          والوضع: هو جعل التكليف كوضع الفعل او الترك على ذمة المكلف في عالم الاعتبار والتشريع.

          والدفع: عبارة عن المنع عن الإيجاد ويستعمل في شيء لم يوجد بعد، او عبارة عن منع المقتضي (بالكسر)[5] عن التأثير مع تحقق وجود المقتضى (بالرفع)[6].

          ولاشك ان فقه الحديث يتطلب فهماً لطبيعة تلك المصطلحات. ولكننا اذا اردنا ربط تلك المصطلحات بما نحن فيه فلابد من البيان التالي:

          ان رفع التكليف الاولي عن طريق حديث الرفع هو في واقع الامر تصميم من الشارع الحكيم عز وجل لازالة الآثار السلبية للإكراه والاضطرار وعدم التحمل ونحوها. فالإكراه لايُدفع بتشريع التقية، بل ان الآثار السلبية للإكراه تزول برفع التكليف، لا بالمنع عن الإيجاد.

2- ان رفع التكليف الاولي فيما يتعلق بالاضطرار او الإكراه واقعي. فالرفع في الحديث قد تعلق بامور تسعة في رواية حريز واربعة في رواية عمرو بن مروان. ونسبة الرفع الى تلك الامور التسعة في الرواية الاولى والاربعة في الرواية الثانية على درجة واحدة في ضوء الاسناد اللفظي، لكنها متعددة في ضوء التحليل العقلي. فالرفع بالنسبة الى عدم العلم امرٌ ظاهري، والى الاضطرار والإكراه امرٌ واقعي. فلو ارتفع الاضطرار او الاكراه مثلاً تبدل الحكم الاستثنائي من اللحظة التي ارتفع فيها ذلك الاضطرار او الاكراه، ويجزي العمل الذي قام به المضطر حال اضطراره او إكراهه.

3- شمول حديث الرفع للاحكام التكليفية والوضعية وكذلك شموله للموضوعات.

أ- ففعل المكلف وقت الاضطرار او الإكراه قد يكون متعلقاً بالتكليف، وقد يكون موضوعاً له. فالافطار مثلاً في يوم من ايام شهر رمضان متعلق بالحرمة وموضوع لوجوب الكفارة. ولكن المكلف المضطر او المكره تحت سيف الظالم، لاتتعلق به الحرمة، ولايترتب عليه وجوب الكفارة، لان التكليف في ذلك الظرف الاستثنائي مرفوع في عالم التشريع.

ب- في التكاليف الاستقلالية اذا كان متعلق التكليف من النوع الكلي الذي يسري الى احكام متعددة، فان انطباق الإكراه على فرد منها لايوجب الا سقوط التكليف المتعلق بذلك الفرد. فالإضطرار الى اكل الميتة وقت الإضطرار او الإكراه مثلاً لايوجب رفع الحرمة عن اكل غيره من المحرمات كالخنـزير وغيره. اما اذا كان متعلق التكليف من النوع الكلي، فان انطباق الاضطرار او الاكراه على فرد من ذلك النوع لا اثر له في ارتفاع الحكم. فاذا اضطر المُكرَه الى ترك الصلاة في جزء من الوقت، لايسقط عنه وجوب الصلاة في الجزء الزمني الذي لم يتحقق فيه ذلك الإكراه. ولكن لو استوعب الإكراه كل وقت الصلاة المأمور بها، سقط التكليف الاولي بموجب حديث الرفع.

ج- في التكاليف الضمنية، اذا ترك المكلف تحت الاضطرار او الإكراه جزءً او شرطاً في واجب ما مع تمكنه من اداء بقية الاجزاء، فاذا كان الاضطرار الى ترك الجزء او الشرط مستوعباً لتمام الوقت، سقط التكليف المتعلق بذلك الجزء. اما بقية الاجزاء والشرائط فيجب الاتيان بها لان حديث الرفع انما جاء بخصوص الامر الضمني المتعلق بالمضطر اليه، ويبقى الامر المتعلق بغيره على وضعه الالزامي السابق. فاذا اضطر المكلف تقيةً الى ترك القراءة في الصلاة في تمام الوقت مثلاً، سقط التكليف بالصلاة مع القراءة لحديث الرفع. ولكن وجوب الصلاة بغير قراءة يحتاج الى دليل آخر، مثل ما جاء في الروايات من ان الصلاة لاتسقط بحال من الاحوال.

          ولاشك ان حديث الرفع لايترتب عليه الا رفع التكليف في ذلك المورد وفي تلك الحالة الاستثنائية فقط. فالإكراه على امر حرام يرفع حرمته ويرفع تأثيره. فاذا اُكره فرد على بيع ارضه، فلايمكن الحكم بانتقال الملكية او ترتب آثارها. والقاعدة ان كل معاملة صحيحة او نافذة يرتفع عنها حكمها اذا وقعت بالإكراه، والمعاملة الفاسدة اذا وقعت بالإكراه تبقى فاسدة.

4- ان حديث الرفع لايرفع وجوب قضاء الفائت من المكلف من جهة الاضطرار او الاكراه. فان وجوب القضاء - فيما اذا اضطر الى ترك الواجب في الوقت رأساً او اكره عليه- انما ترتب على عنوان الفوت،  لا على عنوان فعل المكلف. ولذلك كان القضاء واجباً. فان وجوب القضاء الذي هو من آثار الفوت لايرتفع بالاضطرار او الاكراه. وبمعنى آخر ان ترك الواجب كلياً في وقته المضيّق للاضطرار او الاكراه لايسقط القضاء.

          وخلاصة البحث ان الاحكام الشرعية وآثارها التي عرضت لاحد عناوين حديث الرفع، وكان في رفعها امتنان  على المكلف بالخصوص وعلى الامة بالعموم، ترتفع بارتفاع موضوعاتها عن عالم التشريع. ولاريب ان الاحكام لاتبقى مع ارتفاع موضوعاتها الخارجية.

 الاجزاء

          ذكرنا في الفصل السابق حكم التقية على الصعيد الوضعي وما يترتب عليه من صحة او فساد. وكان السؤال المطروح هو: هل يجزي العمل الالزامي الناقص الذي يؤديه المكلف عند التقية؟ أو ان عليه اعادة ذلك الواجب الالزامي عندما تنتهي الظروف التي اجبرته على استخدام التقية؟

 تأسيس الاصل:

          لو افترضنا ان الدليل على احد اجزاء الوضوء الواجب (مثلاً مسح القدمين) او الصلاة الواجبة الصحيحة (سبل اليدين) كان شاملاً لحالتي الاختيار والاضطرار، كان مقتضى الدليل الحكم بفساد غسل القدمين والتكتف في الصلاة تقية وقت الاضطرار.

          فاذا كان الفرد المكلف معذوراً، من ناحية التقية، على ترك الوضوء الواجب عليه مثلاً. ولكن تلك المعذورية، لاتمنع من فساد عمله على الصعيد التكليفي، لزمته الاعادة في الوقت او القضاء خارجه، على الصعيد الوضعي. الا ان يدل دليل خارجي على إجزاء ذلك العمل ويقضي بصحته، بحيث يكون حاكماً على ادلة الجزئية والشرطية. فالاصل الاولي هو ان العمل الإلزامي الناقص الذي يقوم به المكلّف المضطر وقت التقية غير مجزي ما لم يثبت الخلاف باصل ثانوي. والاصل الثانوي هنا هو التمسك بحديث الرفع لإثبات إجزاء ذلك العمل او صحته، لان المقام داخل في قوله (ص): (...وما اكرهوا عليه وما اضطروا اليه...)[7]. وشمول الحديث للاحكام الوضعية يرفع الجزئية والشرطية في المقام، لصدق الإضطرار والإكراه على موارد التقية.

          ومن هنا نعلم ان القول بان عنوان الإكراه لايصدق على موارد التقية ليس متيناً. لان للإكراه او الاضطرار درجات مختلفة. فان اختلاف درجات الإكراه من الشدة والضعف والمباشرة وعدمها، كله يدخل في موارد التقية. فلولا الإكراه الشديد غير المباشر لما سمح المكلف لنفسه بالصلاة متكتفاً وهو يعلم بطلان صلاته تلك حال الاختيار. فالعنوان الكلي هو الإكراه والاضطرار، والا فلو كانت هناك حرية في الاختيار لما صدق ذلك العنوان على حيثيات التقية. وقد استدل الشيخ الانصاري على حديث الرفع بالقول: "ان الانصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة"[8].

          وقيل ان الفرق بين الاضطرار والإكراه هو ان الاضطرار حاصل فعل الانسان، والإكراه من فعل الغير[9]. وفيه: ان الاضطرار لو كان من فعل الانسان نفسه لما شمله حديث الرفع الذي جاء في مورد الامتنان على الامة. والتحقيق ان الاضطرار على نوعين:

أ- الاضطرار الذي هو أثر من آثار الإكراه. فقد يضطر المكلف الى عدم القدرة على اداء صلاته وقت التعذيب الشديد مثلاً الا بالايماء. فهذا الاضطرار كان اثراً من آثار الإكراه.

ب- الاضطرار الذي هو أثر من آثار قهر الطبيعة الخارجية. فقد يضطر الانسان الى اداء صلاته ايماءً في صحراء قاحلة وهو يموت عطشاً مثلاً. فالاضطرار هنا أثر من آثار القوة الهائلة التي تحيط بالانسان الضعيف.

          والاضطرار في كلا الحالتين (أ و ب) أثر من آثار سلب الارادة الانسانية عن الانسان. فلو افترضنا ان الفرد كان مختاراً يمتلك ارادته، لما تحقق الاضطرار. اما الفرق بين النوع الاول من الاضطرار (فقرة أ) وبين الإكراه فهو فرق في الدرجة والأثر. فذلك الاضطرار، كما ذكرنا، أثر من آثار الإكراه. والأثر يأتي بعد وجود المؤثر، كما هو معروف فلسفياً.

          وقد ناقش الاصوليون في اصالة البراءة، ان الرفع في الحديث هو ما يقابل الوضع في عالم الاعتبار او الثبوت. بمعنى ان المولى عز وجل كما انه وضع الفعل على عاتق المكلف من وجوب او حرمة، فانه رفع التكليف عنه وقت الاضطرار. فاذا كان الوضع كناية عن التكليف، فان الرفع كناية عن رفع التكليف. ومن هنا، اذا اضطر المكلف الى عدم المسح على القدمين لتقية مثلاً، فان المسح وقت الاضطرار مرفوع في عالم الثبوت. وبذلك يكون المكلف معذوراً من ناحية التقية على اداء الفعل الالزامي الناقص، تمسكاً بالدليل الخاص وهو حديث الرفع.

 العمومات الدالة على اجزاء العمل وقت التقية:

          ولاشك ان الاوامر الاضطرارية كالصلاة مع الطهارة الترابية تدل على الإجزاء بلا اشكال ولايجب اعادتها. ولكن الكلام هنا، ان الاضطرار لو لم يستوعب تمام الوقت، فهل تجب الاعادة خلال الوقت فيما اذا زال الاضطرار؟

          في الجواب على ذلك لابد من ترتيب النقاط التالية:

1- ان القاعدة هي: انه لو كان هناك اطلاق فيه دلالة على جواز العمل بالتقية تحت الاضطرار ولو في بعض الوقت، اجزأه ذلك العمل ولاتجب الاعادة في الوقت اذا ارتفع سبب التقية. اما اذا لم يكن  هناك اطلاق او عموم على ذلك، فلايجزي الاكتفاء بذلك العمل وقت التقية، بل لابد له من الاعادة خلال الوقت المتبقي للعبادة. وعلى ذلك نفهم ان المدار في جواز البدار في اول الوقت هو ترافق العذر مع اول الوقت برجاء زواله في آخره.

2- ان دليل جواز العمل بالتقية ورد بالصور التالية:

أ- على نطاق العبادة بعنوانها العام، كقوله (ع): (التقية من ديني ودين آبائي)[10].

ب- على نطاق العبادة بعنوانها الخاص كالصلاة مثلاً او الافطار يوم الشك، كقوله (ع): (...ثلاثة لا اتقي فيهن احداً: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج)[11]. وهي رواية تامة سنداً. ومفهومها جواز التقية في بقية العبادات. ويستظهر من ذلك الإجزاء.

ج- على نطاق عام لكنه غير مخصوص بعبادة معينة، كقوله (ع) في رواية معتبرة: (التقية في كل شيء يضطـر اليـه ابن آدم فقد احله الله له)[12]. ولكن هذا الحديث يدل على الحكم التكليفي وجواز العمل عند الضرورة فحسب، ولايدل على الحكم الوضعي. وهذا بمفرده لايدل على الإجزاء، لانه لايدخل تحت ادلة  الاوامر الاضطرارية.

          وعلى اي تقدير، فخلاصة القول: ان كانت ادلة جواز التقية ناظرة الى العبادات فان حكمها حكم الاوامر الاضطرارية الواردة في اجزاء العبادات وشرائطها.

          وإن كانت ادلة جواز التقية بعنوان الاضطرار مطلقاً ودون تخصيصه بالعبادات، فلا دلالة لها على الاجزاء.

3- ان الروايات الواردة في التقية على قسمين: ما يدلّ على الإجزاء في العبادات، وما يدلّ على عنوان عام، بضمنها العبادات.

أ- ما يدل على الإجزاء في العبادات:

1ً- رواية زرارة بسند صحيح قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: (ثلاثة لا اتقي فيهن احداً: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج)[13]. ومفهوم الرواية يدل على جواز التقية في بقية العبادات من غير التي ذكرها الحديث. ويستكشف من عمومها الإجزاء.

2ً- عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة. قال: (إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اخرى وينصرف، ويجعلهما تطوعاً، وليدخل مع الامام في صلاته كما هو. وإن لم يكن امام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول: "اشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له، واشهد ان محمداً عبده ورسوله"، ثم ليتمّ صلاته معه على ما استطاع. فان التقية واسعة، وليس شيء من التقية الا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله)[14]. وفي سند الرواية "عثمان بن عيسى" العامري الكلابي شيخ الواقفة، توبته لم تثبت ولكنه مع ذلك ثقة. وقد وثّقه الشيخ الطوسي في (عدة الاصول). فالرواية موثقة، ويمكن الاستدلال بها على جواز التقية في العبادات والاكتفاء بها كما هو الحال في الاوامر الاضطرارية كالتيمم ونحوه.

ب- ما يدل على عنوان عام، وبضمنها العبادات:

1ً- رواية زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: (التقية في كل ضرورة، وصاحبها اعلم بها حين تنـزل به)[15]. وسند الرواية تام.

2ً- ما رواه في الكافي عن زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما قالوا سمعنا ابا جعفر (ع) يقول: (التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد احله الله له)[16]. والرواية معتبرة سنداً.

3ً- رواية مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (ع) في حديث قال: (...وكل شيء يعمله المؤمن بينهم لمكان التقية مما لايؤدي الى الفساد في الدين فانه جائز)[17]. والسند تام.

          وهذه الروايات الثلاث تدل على جريان التقية في كل ما يضطر اليه المكلف. وظاهرها يدلّ على الجواز على صعيد الحكم التكليفي، وعمومها يدلّ على جريانها في العبادات ايضاً. وسكوت تلك العمومات عن الاشارة الى وجوب القضاء او الاعادة عندما يؤتى بها ناقصة وقت التقية، يورث اطمئناناً بجواز الاكتفاء بالعمل الالزامي وقت الاضطرار، من جهة التقية.

4- ونستنتج من تلك الموارد ان الروايات متعاضدة في جواز الاكتفاء بالعبادة التي يؤتى بها تقية في مواردها، كما هو الحال في الاوامر الاضطرارية.

                    ----------------------------                          

 النظرية الامامية في التقية

          يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (لا يتَّخِذِ المؤمِنُونَ الكافرينَ اوليآءَ من دوُنِ المؤمنينَ ومن يَفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلا أن تتقُوا منهُم تُقاةً ويُحذِّرُكُم اللهُ نفسَهُ وإلى اللهِ المصير) [18].

          وفي ضوء هذه الآية القرآنية الكريمة نطرح التقية باعتبارها احد متبنيات المدرسة الامامية.

        فيعتبر حكم التقية استثناءً منقطعاً من الامور التالية:

1- عموم شرط الكفر بعد الايمان.

2- عموم ولاية الكافر دون المؤمن.

3- عموم ولاية الظالم دون العادل عن طريق التظاهر اللفظي او السلوكي العملي بما يخالف ما استقر عليه القلب من ايمان.

      والعنوان الاولي الذي اوجب استخدام التقية هو الإكراه. فالإكراه في ضوء كونه "موضوعاً" انما يسبق التقية "كحكم" في الرتبة، باعتبار ان الإكراه مقدمة موضوعية استثنائية لوجود ذلك الحكم الشرعي.

          ولاشك ان اخضاع حكم التقية الى الاحكام التكليفية الخمسة: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهية، والاباحة، مستنبط من الارتكاز العقلائي الذي نستلهمه من مذاق الشارع الحكيم. فليس في الدليل القرآني او الروائي تصريح بتلك التقسيمات، الا ان ارجاع التقية في الاحكام التكليفية الى تقدير المكلف من حيث شدة الظرف وحجم الاكراه وقساوة الظالم هو الذي أعان الفقهاء في الاطمئنان على صحة تلك التقسيمات.

          والدليل الروائي اثبت ان التقية في ظروف القهر والإكراه تعادل الايمان، وان لا ايمان لمن لا تقية له، وان التقية ترس المؤمن وحرزه. بل هي من اعظم الفرائض.

          وادلة التقية بشكلها الواسع حاكمة على ادلة الواجبات والمحرمات الاخرى. واذا كانت التقية واجبة في بعض الموارد فانها محرمة في موارد اخرى، وبالخصوص في موردين:

الاول: الدماء، حيث لايجوز القتل تقيةً. والضابطة فيها ان المؤمنين تتكافأ دماؤهم؛ والتقية انما شرّعت لحقن الدماء، فاذا بلغت الدم فلايكون هناك مبرر من تشريعها فضلاً عن استخدامها. لان حفظ دم فرد لايستوجب هدر دم فرد آخر.

الثاني: فيما اذا ترتب عليها فساد في الدين. فملاك التقية اذاً حفظ الدين من شرور الطغاة والظالمين. اما اذا صار فساد الدين ثمرة من ثمرات التقية، فان الهدف من تشريع ذلك الحكم قد انتفى بانتفاء الموضوع وعندها تكون محرمة بالقطع.

          وبطبيعة الحال، فان اختلاف الاحكام التكليفية للتقية من وجوب او حرمة باختلاف الزمان والمكان والظروف الموضوعية هو الذي دفع بعض المؤمنين بالولاية الى تحدي الظالم والاستشهاد في سبيل الحق، ودفع آخرين الى استخدام تلك الرخصة الشرعية من اجل الحفاظ على الحق ايضاً. ولاشك ان اختلاف تلك التطبيقات مستمدٌ بذاته من طبيعة الحكم الشرعي في التقية الذي ارجع تقدير موضوع الاكراه الى المكلف بغية تقدير الحكم الشرعي في الوجوب او الحرمة او الاستحباب او الكراهية. ولكن تقدير الامام المعصوم (ع) لاستثمار التقية يبقى تقديراً نوعياً - وليس شخصياً - يلحظ فيه قضية التوازن التأريخي بين الحق والباطل، ويلحظ فيه ايضاً عنوان حفظ الدين بصورته الشمولية الكلية الى يوم القيامة.

          وإن كانت التقية قد فُهمت بعنوان كلي وهو حفظ التوازن التأريخي بين الحق والباطل، الا ان احكامها التفصيلية قد بُحثت بدقة من قبل فقهاء المدرسة الامامية.

فـ (منها): شمول جريان التقية في الاحكام (كالتكفير أي التكتف في الصلاة) مثلاً والموضوعات (كالحكم برؤية هلال ذي الحجة بالنسبة للحج) ايضاً. وقد اُشير الى ان العمل على طبق موازين التقية في الموضوعات الخارجية رافع للتكليف.

و(منها): عدم اعتبار نفي المندوحة، بلحاظ ان التقية انما شرعت تسهيلاً للامر على المكلفين ورفع الحرج عنهم. ولم تأمرهم بتأخير الفعل عن اول وقته من اجل تحقيق الامن وارتفاع الخوف، او اثقال ظهورهم بتكاليف اضافية.

و(منها): ان  طبيعة الضرر، الذي كان الهدف تقليل حجم آثاره عن طريق استخدام التقية، يشمل الاضرار الشخصية والنوعية والرسالية.

          وملاك التقية هو حفظ الفرد والجماعة والرسالة السماوية من الاضرار التي يريد ان ينـزلها الظالم بالمظلومين وما يمثلونه.

          ولاشك ان التحليل الفقهي للتقية يدعونا الى الايمان بان الامراض الاجتماعية كالظلم والإكراه ونحوها تستدعي علاجاً مرّاً لابد من استخدامه. فالحلف كذباً والكفر والسب كلها اعمال قبيحة، ولكن الإكراه والظلم اكثر قبحاً واشد ظلاميةً. فالتقية جوّزت ارتكاب اقل القبيحين في الفترة الاستثنائية التي يختبرها المُكرَه المظلوم او المضطر. فاذا دار الامر بين ان يرتكب الكذب حتى ينقذ فرداً من الهلاك او القتل وبين ان يصدق فيُقتل ذلك الفرد، فلاريب ان الكذب متعين ويسقط قبحه. ولاشك ان اليمين الظاهرية غير الصادقة امام الظالم من اجل انقاذ نفس مؤمنة، او انقاذ مال من سطوة ظالم او نحوها تدخل تحت عنوان التقية بمعناها الواسع الرحيب. ولذلك فقد اطلق الفقهاء القول بلغوية كل ما اُكره عليه من العقود والايقاعات والاقوال المحرمة كالسب والتبري.

          فظلم الغير يأتي في الغالب عن طريق القصد والتصميم على انزال الاذى بالآخرين او منع حقوقهم الشرعية والاعتبارية من اجل تحقيق منافع شخصية للظالم. ومن هنا عُدَّ الظلم مشكلة اجتماعية تستدعي حلاً شرعياً يتمثل في امرين:

الاول: تقية الظالمين، من خلال اضمار الايمان في قلوب المظلومين. والثاني: حرمة معونة الظالمين وحرمة ولايتهم. وقد حصرت الروايات الحرمة في اعانة الظالم على المحرمات. والمشهور بين فقهاء الامامية انهم قيدوا المعونة المحرمة بكونها في الظلم. وبتعبير ثان عدم حرمة معونة الظالمين في غير المحرمات، باعتبار ان المعونة تصبّ في صالح النظام الاجتماعي ايضاً، وليس الظالم وحده.

          ولم يكن التفصيل الفقهي في التقية ليصل الى تلك الدرجة من الدقة العقلية والشرعية، لولا استناده ـ بالاضافة الى الدليل القرآني ـ على قاعدة اصولية متينة محورها حديث الرفع المروي عن رسول الله (ص). وجوهر حديث الرفع يدلّ على رفع التكليف الالزامي الشرعي في الوجوب والحرمة في حالات الاضطرار والاكراه وعدم العلم ونحوها من الحالات الاستثنائية المذكورة في متن الحديث. ورفع التكليف في الحالات الاستثنائية يعني - وفي مورد الامتنان على الامة- رفع آثار التشريع في تلك الحالات. ولاشك ان مورد حديث الرفع بالنسبة لافعال المكلّف وقت الإكراه والاضطرار وعدم التحمل حاكمة على ادلة الاحكام الاولية بعناوينها الاولية. وبذلك يكون الرفع الاولي رفعاً واقعياً مصمّماً من قبل الخالق عز وجل لازالة الآثار السلبية للاكراه والاضطرار وعدم التحمل ونحوها.

          ومن دراسة العمومات الدالّة على إجزاء العمل وقت التقية نستنتج امرين:

الاول: إن كانت ادلة جواز التقية ناظرة الى العبادات، فان حكمها حكم الاوامر الاضطرارية الواردة في اجزاء العبادات وشرائطها، اي الإجزاء.

والثاني: إن كانت ادلة جواز التقية بعنوان الاضطرار مطلقاً ودون تخصيصه بالعبادات، فلا دلالة لها على الإجزاء.

          ومن الطبيعي فان فهم التقية على صعيدي الفقه والاصول لايغنينا عن مناقشتها فلسفياً، وفهم آثارها النفسية والاجتماعية، وإدراك مداليلها التأريخية. فلاشك ان الإكراه مشكلة اخلاقية تهدد اصل الدين والمؤمنين به. لان هدف المُكرِه او الظالم محو صورة الدين من لوح الواقع واستئصال المؤمنين به من الوجود. وعندها لاتتوفر للفرد، تحت ضغوط الإكراه، فرصة اختيار البدائل الواقعية لما يعتقده الافضل للقيادة والانسب للتنفيذ. وقد كانت اساليب محاربة ائمة اهل البيت (ع) من المحاولات السياسية من قبل الظالمين التي كان هدفها غلق ابواب البديل امام الناس. فلم يكن لسواد الناس، امام ذلك الوضع الخانق، من خيار غير خيار الخضوع للسلطان الظالم. ولكن التقية تركت ابواب الاختيار القلبي مفتوحة، في الوقت الذي يستطيع المؤمن فيه استخدام تلك الرخصة الشرعية من اجل البقاء على بساط الوجود، وهو يحمل همّ تسليم العقيدة التي آمن بها الى الاجيال القادمة.

          وحتى لو ارتفع الحكم الشرعي خلال استثمار رخصة التقية فان المسؤولية الاخلاقية تبقى قائمة وثابتة حتى يتحقق القصد من اجراء التقية وهو اتقاء الضرر. وما ان ينتهي ذلك الظرف الاستثنائي الذي يمر به المكلّف حتى تدفعه مسؤوليته الاخلاقية الى الرجوع الى مسؤوليته الشرعية في المطابقة الايجابية بين الظاهر والباطن، واعلان الايمان بعد ان تراجع عن اعلانه في فترة الاستثناء.

          ولاشك ان النية المعقودة في القلب على اداء العمل الخارجي تعني ان المكلّف قد صاغ "فكرة" عملية ينتظر من الجسد القيام بها. ولكن الظلم الخارجي عرقل التنفيذ العملي للفكرة عبر إكراه ذلك الجسد على مخالفة النية القلبية المعقودة. ومن هنا ندرك التفسير الفلسفي للرخصة الشرعية في حفظ النية القلبية حيّة نابضة حتى لو لم تترجم الى سلوك عملي خارجي. فالتقية وضعت الارادة الشخصية تحت سيطرتها بحيث باتت تحركها حسب مصلحة الدين. فالارادة، وباعتبارها كياناً موضوعياً، تستطيع دفع الجسد في الحالات الطبيعية نحو اداء العمل، وتستطيع ايضاً ثنيّه في الحالات الاستثنائية عن ترجمة النية الى سلوك عملي.

          وعلى اي تقدير، فان السلوك الفردي يرتبط بالصورة الاجتماعية الكلية التي يعيش الفرد في اطارها. وما لم تكن هناك فسحة من الامل بمعالجة قضية الإكراه معالجة دينية، فان فكرة الانتماء الاجتماعي والديني ستتحطم على صخرة الكبت والقهر الذي لاترتضيه الشريعة لمكلفيها المغلوب على امرهم. واذا كانت الدولة الظالمة لاتمثل الانسان المظلوم وليست تعبيراً عن طموحات الاسلام في العدالة، فان الولاء القلبي - عبر التقية- لابد ان يكون كافياً في سد الحاجتين الروحية والاخلاقية للانسان بحيث يستغني عن دور الدولة غير العادلة في تنظيم مصلحته الدينية.

          ولو زُعم بان المجتمع كان يعيش حالة "صراع مصالح" بين الظالم والمظلوم، لكان الجواب اننا حتى لو آمنا بوجود صراع المصالح على سبيل الافتراض فان ذلك لايقلّل من دور التقية على المسرح الاجتماعي. فان للتقية مسلكين في تثبيت ايمان الفرد. الاول: انها خدمت الهدف الديني للجماعة المؤمنة في المجتمع عبر خلق "صمام امان" قلبي يجنب الافراد الحطام الذي يخلّفه صراع المصالح. والثاني: ان التقية ساهمت في تثبيت الحق التكويني للمؤمن من خلال بناء السلام الذاتي بما يؤمن به حقاً، حتى لو كان العالم الخارجي من حوله في صراع دائم وإكراه مستمر.

          والقاعدة ان الظالم اذا اراد فرض ارادته، فان الوضع التكويني للمظلوم سوف يختل ويتزلزل خصوصاً فيما يتعلق بالحرية الشخصية في الاختيار. فكان من حق المظلوم ان يستثمر الرخصة الشرعية في التقية للحفاظ على السلام العقائدي الذاتي للانسان.

          فالتقية، في ظروف الإكراه والإضطرار، تفصل الملازمة بين القلب المطمئن والجسد المُكرَه، الى ان ينتهي الإكراه او الإضطرار وعندها ترجع تلك الملازمة بين القلب المطمئن والجسد المطيع لعقيدته الى وضعها الطبيعي التكويني.

          بيْدَ ان موضوع الإكراه ليس امراً فلسفياً بحتاً، بل هو قضية نفسية ايضاً عنوانها: الانكسار النفسي الذي تنتجه عملية القهر والكبت والإكراه. فالانكسار النفسي هو حلم الظالم الذي يسعى لتحقيقه ضد المظلومين بكل ما اوتي من قوة فكرية او مادية . ولو تحقق الانكسار النفسي في كل حالة إكراه يقوم بها الظالم لما بقي للعقيدة او الولاء وجود.

          فالتقية كانت وتبقى التضميد الشرعي لتأثيرات مطرقة الإكراه والقهر السياسي والمذهبي والاجتماعي. ولولا مشروعية التقية لما استطاع المظلوم ان يتحمل ضغوط الإكراه السياسي والديني، وعندها فانه لن يستطيع تكييف شخصيته العقلية تجاه الإكراه. فيتحول الصراع الاجتماعي عندئذ، وبغياب مشروعية التقية، الى صراع عقلي ونفسي يعمل عمله المدمر في حياة الانسان.

          ولكن الرسالة الالهية تعاملت مع الصراع الاجتماعي على ضوء ضوابط شرعية متينة: كتشجيع العلاقة التوفيقية الانسجامية بين المؤمنين، وإدانة العلاقة الصراعية للوصول الى السلطة والثروة الاجتماعية، والحث على تنمية الاعداد القلبي لمواجهة الصراع. فكانت "التقية" الرخصة الالهية للمؤمن على عدم الاتفاق قلبياً مع الظالم، فكأنها "اتفاق مع المولى عز وجل على عدم الاتفاق قلبياً مع الظالم". ولذلك كانت التقية بالمرصاد للظالم عبر مواجهته مواجهة حقيقية قد لايفهمها آنياً. فلو افترضنا ان الجماعة المؤمنة قد غُلبت على امرها عن طريق حاكم ظالم. فان الصراع وقتئذ كان قد تحول الى صراعين. الاول: مع الظالم، والثاني: مع النفس. وقدرة الظالم على لوي ذراع الجماعة بالقوة يحصر الصراع مؤقتاً بالصراع الثاني وهو صراع المظلوم مع نفسه اللوامة. فكان "الاتفاق على عدم الاتفاق" الوسيلة القوية لتخفيف الصراع النفسي مؤقتاً وحرق الظالم لاحقاً.

          وبطبيعة الحال فان الصراع بين قوى الخير وقوى الشر يفرز دائماً قيماً اخلاقية حول موازين العدالة، والثروة الاجتماعية، والسلطة وكيفية المشاركة الجماعية في تنميتها. ومن هنا كان ذلك الصراع عملاً بنّاءً - بالعنوان الثانوي- للاجيال اللاحقة. فما يريده الشر، كعنوان كلي، هو محو الخير واهله من الوجود حتى تضيع على الاجيال اللاحقة قضية التمييز بين الحق والباطل، وتختلط عليهم الاوراق بين الوجود والعدم. فكانت التقية الحل الاخير للضمير الشيعي لانها حفظت التوازن الاجتماعي والتأريخي بين الحق والباطل، وساهمت في صيانة الحق من ضربات الباطل، وحطمت السلطة "الاخلاقية" المزعومة للظالم.

          وبكلمة، فان التقية جردت الظالم من احد اهم اركان ظلمه وذلك بانها وضعت للمظلوم بريق امل، معلنة في الوقت نفسه بان وقت الظلم محدود ومؤقت ولابد للإكراه من ان ينقضي وتنهار آثاره السلبية. وكان ذلك الامل المتقد قد جعل التيار الفكري والمذهبي للطائفة المضطهدة جارياً بقوة تحت غشاء عالمنا الظاهري الظالم.

 والحمد لله رب العالمين.

(نهاية ص 202)

 

  صفحة التحميل                  الصفحة الرئيسية


 

[1]  الخصال – الشيخ الصدوق ص 417 (باب 9). والوسائل – كتاب جهاد النفس باب 56 ح 1 . ج 11 ص 295.

[2]  سورة البقرة: الآية 286.

[3]  سورة النحل: الآية 106.

[4]  الوسائل – كتاب الجهاد باب 56 ح 2. ج 11 ص 295.

[5]  المقتضي: المؤثر.

[6]  المقتضى: الاثر.

[7]  الوسائل – كتاب جهاد النفس باب 56 ح 1. ج 11 ص 295.

[8]  المكاسب – رسالة التقية ص 320.

[9]  المكاسب – الفرق بين الاضطرار والاكراه ص 120.

[10]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 24 ح 3. ج 11 ص 460.

[11]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 5. ج 11 ص 469.

[12]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 2. ج 11 ص 468.

[13]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 5. ج 11 ص 469.

[14]  الوسائل – كتاب الصلاة باب 6 من ابواب صلاة الجماعة ح 2. ج 5 ص 458.

[15]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 1. ج 11 ص 468.

[16]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 2. ج 11 ص 468.

[17]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 6. ج 11 ص 469.

[18]   سورة آل عمران: الآية 28.