(ص 159 - 180)

 المقام الثاني: حكم التقية على الصعيد الوضعي

          وقد برز سؤال مهم على نطاق الحكم الوضعي للتقية وما يترتب عليه من صحة او فساد. فهل يجزي العمل الإلزامي الناقص الذي يقوم به المكلف وقت التقية؟ او عليه ان يعيد ذلك العمل الإلزامي عندما تنتهي الظروف التي اجبرته على استخدام التقية؟ وبمعنى آخر ان المكلف لو توضأ وضوءاً يخالف ما استقر عليه مذهبه او صلى صلاة مغايرة للاصل، او افطر يوم الشك تقية، فهل ان الاخلال بتلك الاجزاء او الشرائط وقت الاضطرار يُجزي المكلف امام ربه او لا؟ سوف نبحث الجواب على ذلك في الفصل السادس: الدليل الاصولي، في بحث الاجزاء باذنه تعالى.

 المقام الثالث: بعض التنبيهات حول احكام التقية

          ومن الطبيعي ان التقية تجري في الاحكام كما تجري في الموضوعات. وقد بُحثت في شرعية التقية امور مثل: مراعاة عدم المندوحة، وطبيعة الضرر الذي اوجب الرخصة، والملاك المتعلق بشرعية التقية واختصاصه بحفظ المكلف. وفي ضوء ذلك نرتب التنبيهات بالصورة التالية:

 1- شمول جريان التقية في الاحكام والموضوعات:

          لاشك ان احكام التقية تجري في الاحكام كالتكفير (التكتف) في الصلاة ونحوه كما تجري في الموضوعات كالحكم بهلال شهر شوال بالنسبة للافطار والحكم بهلال ذي الحجة بالنسبة للحج. والموضوعات على قسمين:

الاول: الموضوعات الشرعية وهي التي يكون بيانها بيد الشارع كذهاب الحمرة المشرقية وقت المغرب الشرعي مثلاً.

الثاني: الموضوعات الخارجية المحضة كرؤية الهلال.

          وترجع الموضوعات الشرعية الى الاحكام، بينما تبقى الموضوعات الخارجية محل البحث والنقاش.

          فمن ناحية الحكم التكليفي، فان العمل على طبق موازين التقية في الموضوعات الخارجية رافع للتكليف، خصوصاً بالنسبة الى الحج وثبوت الهلال فيه التي استقرت السيرة فيه في جميع العصور. قال صاحب الجواهر في معرض مناقشته لـ (حكم من وقف في غير التاسع خطأً): "بقي هنا شيء مهم تشتد الحاجة اليه وكأنه اولى من ذلك كله بالذكر. وهو انه لو قامت البينة عند قاضي العامة وحكم بالهلال على وجه يكون التروية عندنا عرفة عندهم، فهل يصح للامامي الوقوف معهم ويجزي لانه من احكام التقية ويعسر التكليف بغيره، او لايجزي لعدم ثبوتها في الموضوع الذي محل الفرض منه، كما يومىء اليه وجوب القضاء في حكمهم بالعيد في شهر رمضان الذي دلّت عليه النصوص التي منها: (لأن افطر يوماً ثم اقضيه احب الي من ان يضرب عنقي ]ولايعبد الله[ )؟ لم اجد لهم كلاماً في ذلك ولايبعد القول بالإجزاء هنا إلحاقاً له بالحكم، للحرج، واحتمال مثله في القضاء. وقد عثرت على الحكم بذلك منسوباً الى العلامة الطباطبائـي، ولكن مع ذلك فالاحتيـاط لاينبغـي تركه والله العالم" [1].

          واُورِدَ على استنتاجه (رضوان الله عليه) ان قياس الوقوف في الحج بقضاء احد ايام شهر رمضان التي افطروا فيها، مشكل. فان المكلّف في الحج انما اتى بعمل عبادي على وجه التقية، وليس فيه اعادة لإجزائه كما سنبحثه في بحث الاجزاء. اما في افطار احد ايام شهر رمضان فهو ان المكلف قد ترك العمل على وجه التقية، فلا وجه لسقوط قضاء ذلك اليوم عن المكلف. نقطة اخرى ترد وهي ان مجرد الحرج لايدلّ على صحة العمل او تماميته، بل يدل على جواز التكليف وعدم الحرمة.

          اما على صعيد افطار احد ايام شهر رمضان تقية، فقد وَرَدَ تحت عنوان (الإكراه في إفطار الصيام). قال صاحب الجواهر بخصوص ما اذا وجر في حلق الصائم شيء إكراهاً: "الاولى الاستدلال ]على الفساد ووجوب القضاء في الإكراه[ بما دلّ على حكم اليوم الذي يفطر للتقية اذ هو في معنى الإكراه كمرسل رفاعة عن الصادق (ع) انه قال: دخلتُ على ابي العباس بالحيرة فقال: يا ابا عبد الله (ع) ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلتُ: (ذلك الى الامام إن صمتَ صمنا وإن افطرتَ افطرنا. فقال: ياغلام عليّ بالمائدة، فأكلتُ معه وانا اعلم والله انه من شهر رمضان، فكان افطاري يوماً وقضاؤه ايسر عليّ ان يضرب عنقي ولا أعبد الله) وفي آخر: (افطر يوماً من شهر رمضان احبُ اليّ من ان يضرب عنقي) حيث اطلق عليه اسم الافطار..."[2]. وفيه انه لا وجه للتفريق بين مسألتي الإكراه والتقية. فالتقية حكم شرعي والإكراه موضوع مرتبط بذلك الحكم. والشك في شمول اطلاقات ادلة التقية مرجعه الى الموضوع مصداقاً او مفهوماً لا الى الحكم.

          اما من ناحية الحكم الوضعي، فان اطلاقات الإجزاء في التقية والعبادات التي تؤتى على طبقها لاتقصر عن شمول الموضوعات. فكما انها تدل على صحتها في الاحكام كالوضوء والصلاة، فهي تدلّ على صحتها في الموضوعات كثبوت الهلال في مناسك الحج. ولكن لإفطار احد ايام شهر رمضان تقيةً خصوصية متعلقة بترك العمل ذاته مما يتوجب القضاء.

 2- عدم اعتبار نفي المندوحة:

          والمندوحة تعبيـر عن امكانية اداء الصلاة صحيحة تامة في مكان وزمان غير المكان والزمان الذي يستوجب التقية. كأن يصلي في داره مفرداً ثم يخرج الى المسجد ليصلي معهم تقية، او يتخفى عنهم ليؤدي صلاته بشكلها الصحيح.

          وقد اختلف الفقهاء في اعتبار عدم المندوحة في التقية فمنهم من قال بعدم اعتبارها مطلقاً [3]. ومنهم من فصلّ بين الدليل الخاص والدليل العام[4]. فاذا ورد دليل خاص كغسل الرجلين في الوضوء والتكفير للصلاة مثلاً صحت صلاته في كلا الحالتين اي بوجود المندوحة او بعدمها. اما اذا كان الدليل متعلقاً بعمومات التقية بانها في كل ضرورة وإكراه وإضطرار، فعندئذ لايصح العمل الا عند عدم المندوحة، لعدم صدق الضرورة بدونه.

          ويرجع الفضل في ترتيب هذه المسألة بصورتها الشمولية للشيخ الانصاري (قدس سره)، فاوضح بان هناك ثلاث صور:

الاولى: ما اذا كان المتقي قادراً على الامتثال الواقعي من دون تعويض في الزمان والمكان كما اذا كان عمله في الظاهر على وفق مذهب المتقى منه، مع اتيانه بالعمل الصحيح الاختياري واقعاً. مثلاً انه يمكنه عند ارادة التكفير للتقية من الفصل بين يديه بان لايضع بطن احداهما على ظهر الاخرى بل يقارب بينهما، من دون اي محذور. فهذا مما لايصح التقية فيه لوجود المندوحة بلا حاجة الى تغيير زمانه او مكانه.

الثانية: عدم التمكن من العمل على طبق الواقع في مجموع الوقت المضروب لذلك العمل، حتى لايصح العمل تقية الا لمن لم يتمكن في مجموع الوقت من الذهاب الى موضع مأمون. فلو اراد الصلاة مثلاً في اول وقتها لم يمكنه الا بالتقية. فهذا صحيح مجز كما قال الفقهاء، ولايعتبر عدم المندوحة في تمام وقتها.

الثالثة: ما اذا اُريد عدم المندوحة حين العمل من تبديل موضوع التقية بموضوع الأمن، كأن يكون في سوقهم ومساجدهم، ولايتمكن في ذلك الحين من العمل طبق الواقع الا بالخروج الى مكان خال. او كمن لايقدر على ترك التقية في مسجد النبي (ص) او المسجد الحرام مع قدرته على العمل الصحيح التام في غيرهما، وهذا ايضاً مجز فلايعتبـر عدم المندوحة في كل مكان[5]. ويمكن اجمال رأي الشيخ الانصاري (رض) على ضوء الدلالات التالية:

1- العمومات الدالة على التقية في كل شيء يضطر اليه الانسان.

2- ان تأخير الفعل عن اول وقته من اجل تحقيق الامن وارتفاع الخوف مما لا دليل عليه.

3- عدم اعتبار نفي المندوحة في الفترة الزمنية التي يوقع فيها الفعل هي الارجح في جملة من الموارد. فالتقية انما شرعت تسهيلاً للامر على المكلفين ورفع الحرج عنهم، لا ان يثقل ظهر المكلف بتكاليف اضافية.

 3- التقية وطبيعة الضرر:

          عندما يستخدم المكلف رخصة التقية في الحالات الاستثنائية فانه تارة يخاف على نفسه وماله وعرضه، وهذا هو الذي يترتب عليه ضرر شخصي. وتارة يخاف على جماعة من اهل الحق قد يحصرون في ايدي اعدائهم فيعاقبون من جراء عمل تُركت فيه التقية. وتارة ثالثة يخاف على مجمل الرسالة السماوية من ان يمحيها الطغيان من لوح الوجود. والظاهر ان التقية تشمل جميع تلك الموارد. ومن اجل توضيح ذلك لابد من تسطير الموارد التالية:

اولاً: ان ملاك التقية هو حفظ المكلّف والجماعة من الضرر الذي يسببه الإكراه والظلم والإضطرار لهم. ولاريب انه احد مصاديق تقديم الاهم على المهم.

ثانياً: ان عمومات التقية تدل على جوازها في كل ضرورة. ولاشك ان الضرر المحتمل على الفرد او الجماعة او الرسالة تصدق عليه الضرورة.

ثالثاً: ان بعض الاخبار الواردة في هذا السياق تدخل في شمول التقية للاضرار النوعية والشخصية. فقد اورد الحر العاملي (رض) في  (الوسائل) في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باب 28 تحت عنوان: (وجوب الاعتناء والاهتمام بالتقية وقضاء حقوق الاخوان المؤمنين) 13 خبراً استقاها من التفسير المنسوب للامام العسكري (ع). ولايمكن الاطمئنان الى اسانيد كل تلك الاخبار. الا ان مداليلها تفصح عن شمول التقية للضررين النوعي والشخصي. ومنها قول امير المؤمنين (ع): (التقية من افضل اعمال المؤمن يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين...)[6]، ونحوها.

رابعاً: لاحظنا خلال دراستنا للدليل التأريخي ان ائمة اهل البيت (ع) كانوا محاصرين من قبل السلطة الظالمة. وكان اعداؤهم يتقربون الى الحكام بحضور مجلس الامام المعصوم (ع) ويسألونه عن حكم شرعي وعيون السلطة مبثوثة بينهم فيضطر الامام (ع) الى استعمال التورية في الجواب تقية. فيجيب على طبق مذاهبهم، وكان اصحاب الائمة (ع) يعرفون ذلك من لحن الامام (ع) وطبيعة السائل. وكان المقام الرفيع للولاية والامامة يقتضي بيان جميع الاحكام مرة على وجه الواقع، ومرة على وجه التقية. فكان المناسب لشأنهم (ع) ان يذكروا حكماً على مذهب السلطان الظالم مثلاً من دون نصب قرينة. فاذا قال الامام (ع): (لابأس بالصلاة في ثوب اصابه الخمر)[7]. وهو على مذهب العامة[8]، فانه اراد به جواز الصلاة في ذلك الثوب عند تعذر الغسل، والاضطرار الى لبس ذلك الثوب لشدة البرد مثلاً. او عندما قال (ع) في خبر الساباطي : ان النافلة فريضة ففزعنا وفزع السائل، فقال ابو عبد الله (ع): (انما اعني صلاة الليل على رسول الله (ص)، ان الله يقول: (ومِنَ الليلِ فَتَهجَّدْ بهِ نافلةً لكَ)[9](....[10]. وهي نافلة الليل التي كانت واجبة عليه (ص) وحده.

          ونفهم التقية في كلامهم (ع) اذا ارادوا المجاز واخفوا القرينة. بمعنى ان التقية تتأدى بإرادة المجاز وإخفاء القرينة. فاذا لم ينصب (ع) قرينة على البيان، فاننا نفهم انه لم يرد (ع) منا ان نفهم البيان بمعناه الحقيقي وهو الوجوب، بل اراد (ع) ان نفهم معناه المجازي وهو الاستحباب. ومن ذلك رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: (اذا قبّل الرجل امرأة من شهوة...اعاد الوضوء)[11]. ولاشك ان الرواية محمولة على التقية، وبعض المذاهب تذهب الى نقض الوضوء عقيب ما اعتبروه حدثاً [12]. وجملة (اعاد الوضوء) محمولة على التقية، لأن الوجوب مخالفٌ لإجماع الطائفة. قال الشيخ الانصاري (قدس سره): "انه اذا دار الامر في بعض المواضع بين الحمل على التقية  والحمل على الاستحباب كما في الامر بالوضوء عقيب بعض ما قاله العامة بكونه حدثاً تعين الثاني" [13]. ويرد عليه بان الحمل على التقية هنا اقوى من الحمل على الاستحباب. فالحكم بالوضوء عقيب المس من متبنيات العامة، وليس هناك ما يدل على استحباب اعادة الوضوء عندنا، وسياق الروايات السابقة المذكورة هنا منسجم من كون حكم الوضوء يحمل على التقية لا على الاستحباب.

 المقام الرابع: التحليل الفقهي للتقية

          ولاشك ان العقل والشرع يستهجنان الاعمال القبيحة كالكذب والتظاهر بأمر مخالف على ما استقر عليه قلب الانسان الا في الضرورة كالإكراه والإضطرار ونحوها. ولكن العقل استقل بوجوب ارتكاب اقل القبيحين مع بقاء القبح على قبحه. فالحلف كذباً والكفر والسب كلها قبيحة، ولكن الإكراه والظلم اقبح. فالتقية جوّزت ارتكاب اقل القبيحين في تلك الفترة الاستثنائية التي يختبرها المُكرَه او المضطر.

 أ ـ حرمة الكذب:

          والكذب من الموارد التي يحرم التكسب بها لكونها من الاعمال المحرمة في ذاتها. وقد نوقش موضوع الكذب على صعيدين هما: عقلي وشرعي.

          ولاشك ان الحرمة العقلية للكذب تدور مدار ترتب الضرر او عدمه. فاذا ترتب الضرر من جراء ممارسة الكذب، حَكَمَ العقل بحرمته. واذا لم يترتب الضرر فان العقل يحكم بلغويته. وعليه فان الكذب مطلقاً عملية لا اخلاقية يستنكرها الارتكاز العقلائي، الا في موارد خاصة جداً.

          اما على الصعيد الشرعي، فقد طرحت المسألة على مستويين:

الاول: كونه من الكبائر.

الثاني: في مسوغاته والحالات الاستثنائية التي يجوَّز فيها الكذب، من اجل الحفاظ على الدين عبر الحفاظ على النفس والمال والعرض، ومنها التقية التي نحن بصددها.

          لاشك ان الكذب من الكبائر، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (إنـَّما يفتَري الكذِبَ الذينَ لايُؤمِنُونَ بآياتِ اللهِ...)[14]، فجعل الكاذب على الله كافراً بآيات الله، والكفر بآيات الله من اكبر الكبائر. وتؤيده الرواية التالية التي خصصت الكذب على الله تعالى وعلى رسوله (ص) بالكبائر. ففي موثقة ابي خديجة عن ابي عبد الله (ع): (الكذب على الله وعلى رسوله من الكبائر)[15]. ولكن نستظهر من رواية اخرى ان الكذب الذي لا يتعلق بالله سبحانه ولا بالدين والذي لاتترتب عليه مفسدة لايعدّ من الكبائر. ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلتُ لابي عبد الله (ع): الكذاب هو الذي يكذب في الشيء؟ قال: (لا، ما من احد الا يكون ذاك منه، ولكن المطبوع على الكذب)[16]. وقوله (ع): ما من احد الا يكون ذاك منه، يدل على ان الكذب من اللمم وهو صغائر  الذنوب التي ربما تصدر من الافراد. وقوله (ع): ولكن المطبوع على الكذب، يعني المطبوع على الكذب هو الكذّاب. وعلى اي تقدير، فان الكذب على الله تعالى وعلى رسوله (ص) من الكبائر قطعاً. والآية القرآنية الشريفة محمولة على ان الذين يفترون الكذب وينسبونه الى الله تعالى هم الذين لا يؤمنون بآيات الله، فهم الكاذبون المستمرون على الكذب. ولكن النبي (ص) المؤمن بآيات الله لا يفتري الكذب الذي كانوا يزعمونه.

          اما دون ذلك من وجوه الكذب، فيختلف القول باختلاف الرتبة والنية والفطرة. فالمطبوع على كثرة الكذب من حيث انه يؤدي الى مفاسد اجتماعية ودينية يعدُّ كاذباً قد تصل رتبته الى الكبائر. وما دون ذلك يعدُّ من صغائر الذنوب.

          والكذب يكون مرة من عوارض الخبر مثل الكذب في الرواية، واخرى من الانشاء مثل مدح المذموم وذم الممدوح وتمني المكاره ونحوها. وفي كل الحالات، فان الكذب خبراً كان او انشاءً من الصغائر كان او من الكبائر، تجري عليه الحرمة التكليفية الا في بعض الموارد الاستثنائية كالاصلاح والضرورة.

 ب - سلب الكذب عن التورية:

          وهناك سلوك لفظي آخر اسمه التورية. فالتورية هي اخبار المقابل، بحيث يفهم المخاطَب من كلام المخاطِب امراً مخالفاً للواقع لم يقصده المتكلم من اللفظ. وقد صرح الفقهاء بوجوب التورية عند الضرورة، لأنه يؤدي بما يخرجه عن الكذب[17]. ووجه ذلك ان التورية لاتترتب عليها مفسدة. نعم ان الصدق والكذب في التورية دائران مدار موافقة الخبر لمراد المخبِر ومخالفته للواقع. واذا ترتبت على التورية مفسدة حرُمت من تلك الجهة.

          ومما دل على سلب الكذب عن التورية روايتان:

1- رُوي في كتاب (الاحتجاج) ان الامام الصادق (ع) سُئل عن قول الله عز وجل في قصة ابراهيم (ع): (...بلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ هذا فاسئلُوهُم إن كانُوا يَنطِقُونَ)[18]. قال (ع): ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم (ع). قيل: وكيف ذلك؟ فقال (ع): انما قال ابراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. اي إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً. فما نطقوا وما كذب ابراهيم[19].

2- سُئل ابو عبد الله (ع) عن قول الله تعالى في يوسف: (...أيتُهَا العِيـرُ إنَّكُمْ لسارِقُونَ)[20]، قال (ع): انهم سرقوا يوسف من ابيه الا ترى انهم قالوا: نفقدُ صواعَ الملك، ولم يقولوا سرقتم صواع الملك .

          وهاتان الروايتان على تقدير صحة سندهما يبرزان قضية مهمة وهي تقية الانبياء (ع)، عن  طريق التورية وقت الضرورة. خصوصاً ابراهيم (ع) الذي نازل الطواغيت في عصره، فكان مصيره (ع) الحكم بالاحراق حيّاً بالنار. ولكن الله سبحانه وتعالى جعلها برداً وسلاماً عليه (ع). اما يوسف (ع) فهو وإن لم يتقِ منهم، الا انه كان يخشى غدرهم وسوء نيتهم به. فقد فعلوا به ما فعلوا من قبل غيرةً وحسداً.

 ج- جواز الكذب عند الإكراه تقية:

          والضرورة من مسوغات الكذب، بالادلة الاربعة وهي:

1- الدليل القرآني: قوله تعالى: (...إلا مَنْ اُكرِهَ وقَلبُهُ مطمئِنٌ بالإيمانِ)[21]، وقوله تعالى: (لايتَّخِذِ المؤمنوُنَ الكافرِينَ اولياءَ مِن دوُنِ المؤمنينَ ومَن يفعَلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلا أن تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً...)[22]. وهي تدل على جواز الكذب عند خوف الضرر في حالة التقية.

2- الدليل الروائي: قوله (ع): (ما من شيء الا وقد احله الله لمن اُضطر اليه)[23]. ودلالة هذا الحديث على جواز الكذب عند الضرورة حالة التقية.

3- دليل الاجماع، وهو ظاهر. فلم نلمس من فقيه جوّز الكذب الا في التقية او اصلاح ذات البين ونحوها. فقد اجمع الفقهاء على جواز التظاهر بشيء مخالف لما استقر عليه القلب.

4- الدليل العقلي القائل باستقلال وجوب ارتكاب اقل القبيحين، وهما: الكذب، وترك المحافظة على النفس او المال او العرض. والكذب اقل القبيحين. فاذا دار الامر بين ان يرتكب الكذب حتى ينقذ فرداً من القتل، وبين ان يصدق فيُقتل ذلك الفرد، فلاريب ان الكذب متعين ويسقط قبحه. وبكلمة فان حكم العقل بقبح الكذب متوقف على تحقق المصلحة الراجحة عليه.

          وقد يفهم صريحاً من مقتضى اطلاقات ادلة الترخيص جواز الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني او المالي عنه او عن اخيه، وفي ذلك روايات:

1- رواية السكوني عن الامام الصادق (ع) عن ابيه عن آبائه عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): (احلف بالله كاذباً ونجّ اخاك من القتل)[24]. وهذه الرواية موثقة. وقد رواها الشيخ الصدوق مرسلة عن امير المؤمنين (ع).

2- صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلّفه لينجو به منه قال: (لا جناح عليه)[25].

3- وسألته هل يحلف الرجل على مال اخيه كما يحلف على ماله؟ قال: (نعم)[26]. وسند الرواية تام مثل سابقتها.

4- عن الفقيه قال: قال الصادق (ع): (اليمين على وجهين... الى ان قال: فأما الذي يؤجر عليها الرجل اذا حلف كاذباً ولم تلزمه الكفارة فهو ان يحلف الرجل في خلاص امرىء مسلم، او خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص، او غيره)[27].

5- موثقة زرارة عن ابن بكير: انا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفوننا على اموالنا وقد ادينا زكاتها. فقال: (يازرارة اذا خفت فاحلف لهم بما شاؤوا. قلت: جعلت فداك بالطلاق والعتاق؟ قال: بما شاؤوا)[28].

6- رواية سماعة عن ابي عبد الله (ع): (اذا حلف الرجل تقية لم يضره اذا هو اُكره واضطر اليه. وقال: ليس شيء مما حرم الله الا وقد احله لمن اضطر اليه)[29].

          ودلالات تلك الروايات ظاهرة في معالجة الوضع الاستثنائي الذي يتركه الظلم على المكلفين. وكل تلك الحالات من اليمين الظاهرية من اجل انقاذ نفس مؤمنة، او انقاذ مال من سطوة ظالم، او نحوها يدخل تحت عنوان التقية بمعناها الواسع. ولذلك فقد اطلق الفقهاء القول بلغوية ما اُكره عليه من العقود والايقاعات والاقوال المحرمة كالسب والتبـري.

          ورواية سماعة تحصر جواز الكذب حصراً لفظياً في موارد الاضطرار او الإكراه. اما بقية الروايات فاننا نفهم منها بالدلالة التضمنية طبيعة الاضطرار او الإكراه الذي يتعرض إليه المكلّف. ولاشك ان للإكراه أو للاضطرار درجات من الشدة والضعف بحيث تُرك تقديرها للمكلف نفسه. وعلى ذلك حمل قول امير المؤمنين (ع) باستحباب تحمل الضرر المالي الذي لايُجحف: (علامة الايمان ان تُؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك)[30].

 د- حرمة معونة الظالمين:

          والمؤكد ان الظلم بذاته من القضايا التي حرمها الدين الحنيف، ويعني في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وهو من الكبائر. واُستدل على ذلك بالادلة الاربعة، وهي:

1- الكتاب: قوله تعالى: (...ولاتَعَاونُوا على الإثمِ والعُدوانِ...)[31]. والاثم والعدوان صور من الظلم. وقوله تعالى: (...ومَن يَظْلِمْ مِّنكُمْ نُذٍقْهُ عذاباً كبيراً)[32]. وقوله تعالى: (وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبوُنَ)[33]. وقوله تعالى: (ولاتَرْكَنُوا الى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمسَّكُمُ النَّارُ وما لَكُم مِن دوُنِ اللهِ من أولياءَ ثم لاتُنصَرُونَ)[34].

2- السنّة: وفيها روايات وردت في حرمة اعانة الظالم وحرمة قبول ولايته، كما سندرسها لاحقاً باذنه تعالى. ومن الطبيعي فان السنّة الشريفة لم تتعرض لتعريف الظلم، لان معنى اللفظ مفهوم بالتبادر.

3- الاجماع: وقد اجمع الفقهاء على حرمة الظلم على الاطلاق، خصوصاً ظلم الغير.

4- العقل: وقد حكم بقبح الظلم مهما بلغ حتى وإن كان قليلاً، ومهما بلغت صفة المظلوم.

          والاعانة على الظلم شكل آخر من اشكال الظلم يشمله حكم العقل بالقبح ايضاً، وكذلك الكثير من الروايات. فالمحرم من العمل للظلمة هو: الاعانة لهم على ظلمهم، ومَنْ يعتبر من اعوانهم والمنسوبين اليهم مِن الحاشية.

          ومن الروايات في ذلك:

1- عن كتاب الشيخ ورام بن ابي فراس، وهو من اولاد مالك الاشتر وصاحب امير المؤمنين (ع) وجدّ العلامة الشيخ ابن طاووس، قال: قال عليه السلام: (من مشى الى ظالم ليعينه وهو يعلم انه ظالم فقد خرج عن الاسلام)[35]. والراوي ممدوح ولكنه مغفول عن توثيقه. اضافة الى كون الرواية مرسلة. فالرواية من حيث السند لا يمكن الاحتجاج بها.

2- وقال: قال عليه السلام: (اذا كان يوم القيامة نادى مناد: اين الظلمة، اين اعوان الظلمة، اين اشباه الظلمة، حتى من برى لهم قلماً[36] ، ولاق لهم دواة [37]. قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم)[38]. وسند هذه الرواية مثل سابقتها.

3- وفي النبوي: (...ومن علق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعلها الله حيةً طولها سبعون الف ذراع فيسلطه الله عليه في نار جهنم خالداً فيها مخلداً...)[39]. وهذه الرواية موثقة.

          ودلالة تلك الروايات على العمومات في اي مساعدة كانت، ولكن الرواية الاخيرة حصرت الحرمة في اعانة الظالم على المحرمات. والمشهور بين فقهاء الامامية انهم قيدوا المعونة المحرمة بكونها في الظلم. وبمعنى آخر عدم حرمة العمل للظالمين في غير المحرمات، كما هو الحال في معلم المدرسة العامة في مجتمع يحكمه ظالم مثلاً. باعتبار ان تلك المعونة تصب في صالح النظام الاجتماعي ايضاً، لا الظالم وحده. قال الشيخ الانصاري (ت 1281هـ)، بعد ان ذكر المشهور: "والاقوى التحريم مع عدّ الشخص من الاعوان، فان مجرد اعانتهم على بناء مسجد ليست محرمة الا اذا عُدّ الشخص معماراً للظالم..." [40].

          وقد وردت روايات بتحريم العمل للظالم ضمن الدائرة الاستشارية او التنفيذية كما اذا عُدّ الشخص طبيباً للظالم او خياطاً له او اجيراً له بحيث صار ذلك العمل منصباً له في باب السلطان. ومن تلك الروايات:

1- قوله (ع): (ما اقترب عبد من سلطان جائر الا تباعد من الله)[41]. وهذه الرواية موثقة.

2- وعن النبي (ص): (اياكم وابواب السلطان وحواشيها فان اقربكم من ابواب السلطان وحواشيها ابعدكم من الله عز وجل)[42]. وسند هذه الرواية كسابقتها.

3- ورواية محمد بن عذافر عن ابيه قال: قال لي ابو عبد الله (ع): ياعذافر نبئتُ انك تعامل ابا ايوب، والربيع فما حالك اذا نُودي بك في اعوان الظلمة؟ قال: فوجم ابي. فقال له ابو عبد الله (ع) لما رأى ما اصابه: اي عذافر انما خوفتك بما خوفني الله عز وجل به. قال محمد: فقدم ابي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات[43]. والرواية ضعيفة سنداً بـ (سهل بن زياد). ونستظهر من الرواية جهل عذافر بكون عمله مع الظالم حراماً. وقد كان دائباً على التعامل مع الظلمة.

4- رواية صفوان بن مهران الجمال، قال: دخلتُ على ابي الحسن الاول (ع) فقال لي: ياصفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً. فقلتُ: جعلتُ فداك اي شيء؟ قال (ع): اكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون. قلت: والله ما اكريته أشَراً ولابَطَراً [44]، ولا للصيد، ولا للهو. ولكني اكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكة، ولا اتولاه بنفسي ولكن ابعث معه غلماني. فقال لي: ياصفوان أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم جعلتُ فداك. قال: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم. قال: من احب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار. قال صفوان: فذهبتُ وبعتُ جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني. فقال لي: ياصفوان بلغني انك بعتَ جمالك؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: انا شيخ كبير وان الغلمان لايفون بالاعمال. فقال: هيهات هيهات اني لاعلم من اشار عليك بهذا. اشار عليك بهذا موسى بن جعفر. قلتُ: مالي ولموسى بن جعفر؟ قال: دع هذا عنك. فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك[45]. وهذه الرواية موثقة رواها محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في رجاله عن احد مشايخه وهو "حمدويه بن نصير الكشي". وهذه الرواية تدلّ على ان محبة بقاء الظالمين في السلطة كانت محور الموضوع. وتدل ايضاً على تقية صفوان ابن مهران امام هارون الرشيد، عبر الايهام بعدم وجود علاقة بينه وبين الامام الكاظم (ع).

5- في رواية سليمان الجعفري المروية عن تفسير العياشي: (ان الدخول في اعمالهم، والعون لهم، والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر اليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار)[46]. ومن ناحية السند فان (سليمان الجعفري) ثقة، و(محمد بن مسعود العياشي) ثقة ايضاً. ولكن الاخير كان عامياً واكثر النقل عن العامّة ثم استبصر. والغمز في بعض الروايات المنقولة في تفسيره يأتي من هذا الطريق.

          والمبالغة في اجتناب مخالطتهم تعني ان لايفضي التعامل مع الظالمين الى صيرورتهم من اعوانهم وحاشيتهم. ولاشك ان "المراد من الظالم المبحوث عن حكم اعانته ليس هو مطلق العاصي الظالم لنفسه بل المراد به هو الظالم للغير كما هو ظاهر جملة من الروايات... بل هو صريح جملة اخرى. وعليه فمورد الحرمة يختص بالثاني" [47]. ويؤيده ان ظلم النفس قد يأتي عن طريق الجهل او الغفلة او غلبة الشهوة كما اشار الى ذلك الذكر الحكيم (...وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولكِن كانُوا أنفُسَهُمْ يَظلِموُنَ)[48]. اما ظلم الغير فهو يأتي في الغالب عن طريق القصد والتصميم على انزال الاذى بالآخرين من اجل تحقيق منافع معينة.

 الاستنتاج:

1- ان المراد من الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والمراد من الظالم هو الظالم للغير. فالظالم بهذا المعنى، هو الذي ينتهك حقوق الآخرين في عقائدهم ومذاهبهم وحرياتهم. وبهذا اللحاظ، فان الظلم مشكلة اجتماعية تستدعي حلاً شرعياً من وجهين:

الاول: تقية الظالمين، من خلال اظهار الافراد ما خالف قلوبهم. الثاني: حرمة معونة الظالمين، وهو طريق فعال لمقاطعتهم اجتماعياً.

2- ان الظلم، بما يستبطن من قبح عقلي، لابد ان يعالج في بعض الحالات بدواء مر متناسب مع قباحته. فالكذب والتورية ومعونة الظالم في غير المحرمات ليست مما يتحمس لعملها الانسان في الظروف الطبيعية، بل انه في الغالب يشمئز من التعامل معها. ولكن في الظروف غير الطبيعية تصبح هي الدواء المر لعلاج ذلك المرض العضال.

3- ان عدم حرمة معونة الظالم في غير المحرمات منسجم مع روايات التقية والتي كان هدفها الحفاظ على الجماعة والرسالة التي تؤمن بها. ومعونة الظالم في غير المحرمات تصب في مصلحة النظام الاجتماعي الى ان يزول الظلم وتفتح ابواب الاختيار والحرية والعدالة.

 هـ- حرمة ولاية الظالمين:

          ومعناها ان يتولى الظالم أمور الناس، أو ان يُنصِّب والياً على شريحة منهم. وهي محرمة، لان في ولاية الوالي الجائر دروس الحق كله، واحياء الباطل كله، واظهار الظلم والجور والفساد، وابطال الكتب، وتبديل سنّة الله وشرائعه كما تضافرت على ذلك روايات اهل البيت (ع). فلذلك حُرِّم العمل مع الظالمين ومعونتهم، الا في حالة الضرورة القصوى واختلاف طبيعة الظلم الذي يمر على الامة.

          والروايات هنا على ثلاث طوائف:

الاولى: كون تلك الولاية محرمة.

الثانية: انها غير محرمة.

الثالثة: انها مستحبة.

الطائفة الاولى: كون الولاية عن الظالم محرمة. والروايات هي:

1- رواية (تحف العقول) من قوله (ع): (واما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، والعمل لهم، والكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله او كثير...)[49].

2- رواية زياد بن ابي سلمة: (ان اهون ما يصنع الله عز وجل بمن تولى لهم عملاً ان يضرب عليه سرادق من نار الى ان يفرغ الله من حساب الخلائق)[50]. وسند الرواية غير تام لان اغلب رجال السند من المجاهيل.

          والدلالة في هاتين الروايتين هي ان حرمة الولاية للظالم من باب المقدمة للظلم. ففي تلك الولاية دروس الحق، واحياء الباطل، وهدم المساجد...

3- صحيحة داود بن زربي قال: اخبرني مولى لعلي بن الحسين (ع) قال: كنتُ بالكوفة فقدم ابو عبد الله (ع) الحيرة فأتيته فقلتُ له: جعلتُ فداك لو كلمتَ داود بن علي، او بعض هؤلاء فادخل في بعض هذه الولايات. فقال (ع): (ما كنتُ لافعل). الى ان قال: جعلت فداك ظننتُ انما كرهت ذلك مخافة ان أجور او اظلم. وان كل إمرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر وعليّ وعليّ إن ظلمت احداً، أو جرتُ على أحد، وإن لم اعدل. قال (ع): كيف قلت؟ فاعدتُ عليه الايمان فرفع رأسه الى السماء فقال: (تناول السماء أيسر عليك من ذلك)[51]. والرواية صحيحة السند.

          ودلالتها ان نيل السماء ايسر على الانسان من ان يعدل في ولاية الظالمين. ونفس ولاية الظالم الذي يترتب عليها ظلم على الآخرين قبيحة محرمة، لانها توجب اعلاء كلمة الباطل  وتقوية شوكة الظالم. ولكن اذا استطاع الفرد ان يلوي ذراع الظالم ويتولى امراً يعدل فيه فذاك. والا، فان العدالة مع ولاية الظالمين بعيدة بعد السماء عن الارض.

الطائفة الثانية: تسوغ الولاية في الموارد التالية:

أ- القيام بمصالح العباد:

1- النبوي الذي رواه الصدوق في حديث المناهي. قال: (من تولى عرَّافة قوم اُتي به يوم القيامة ويداه مغلولتان الى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله تعالى أطلقه الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنم وبئس المصير)[52]. وسند الرواية لايُعتد به، لان جميع رجال السند فيها من المجاهيل.

2- وعن (عقاب الاعمال): (ومن تولى عرافة قوم ولم يُحسن فيهم حُبس على شفير جهنم بكل يوم الف سنة، وحُشر ويده مغلولة الى عنقه. فإن كان قام فيهم بأمر الله اطلقها الله، وإن كان ظالماً هُوي به في نار جهنم سبعين خريفاً)[53]. وهذه الرواية موثقة.

3- رواية زيد الشحام عن ابي عبد الله (ع): (من تولى امراً من امور الناس فعدل وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في امور الناس: كان حقاً على الله عز وجل ان يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة)[54]. والرواية من ناحية السند حسنة، بلحاظ ان (الحسن بن موسى الخشاب) كان وجهاً من وجوه اصحابنا لكنه لم يوثق. فلا اقل من دلالتها على الحسن. وظاهر تلك الروايات اباحة الولاية بشرط العدل بين الرعية والاحسان اليهم.

الطائفة الثالثة: انها مستحبة

1- رواية علي بن يقطين: ان لله تبارك وتعالى مع السلطان اولياء يدفع بهم عن اوليائه[55]. وهي مرسلة اوردها الشيخ الصدوق في (من لايحضره الفقيه).

2- رواية زيد الشحام المتقدمة[56]. وسندها حسن.

3- عن رجال النجاشي في ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: (ان لله بابواب الظالمين من نوّر الله به البرهان، ومكّن له البلاد، ليدفع بهم عن اوليائه ويصلح الله بهم امور المسلمين. اليهم ملجأ المؤمنين من الضر، واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة. اولئك المؤمنون حقاً، اولئك امنآء الله في ارضه. اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، ويزهر نورهم لاهل السماوات كما يزهر نور الكواكب الدرية لاهل الارض. اولئك من نورهم يضيء يوم القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم، فهنيئاً لهم. ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله). قال: قلتُ: بماذا جعلت فداك؟ قال (ع): (يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يامحمد)[57]. والظاهر ان موقع الاستحباب في هذه الرواية هو دفع الظلم عن المؤمنين. ولاشك ان العادل عند الظالمين، حتى لوكان بواباً فضلاً عن صاحب المنصب، يستطيع ان ينقذ رقاب المؤمنين من القطع. فهو يستطيع الى حد ما تحقيق ما ارادت التقية من تحقيقه، وهو حفظ الرسالة السماوية عن طريق حفظ المؤمنين بها.

          ولاتعارض بين هذه الرواية وصحيحة داود بن زربي التي قال الامام (ع) فيها: (تناول السماء ايسر عليك من ذلك). فان في هذه الرواية إفصاح عن انقاذ محقق لرقاب المؤمنين، بينما في تلك الصحيحة نلحظ تمثيلاً لارتباط لمن يتولى ولاية الظالم بالعدالة بين الافراد.

          وقد ورد في بعض مصادرنا الفقهية وجوب ولاية الظالمين في حالات خاصة. وهو ما توقف عليه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان. وقيل ان ما لايتم الواجب الا به واجب مع القدرة. وهذا الامر من الصعوبة بمكان لان الظالم عندما يعيّن والياً، فانه مطمئن على ان ذلك الوالي سيقوم مقامه في ظلم الرعية، لا ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. واستقراءاً للتأريخ، لم نجد من انطبقت عليه تلك الصفة.

 الاستنتاج:

1- ان حرمة ولاية الظالم ناظرة الى عدم قدرة المعيّن من قبل الظالم على تحقيق العدالة بين الافراد، حتى بصورتها المحدودة. فاذا لم يستطع الوالي المنصوب من قبل الظالم تحقيق العدالة، كان ذلك مقدمة لدروس الحق واحياء الباطل. وهو محرم في الشريعة بدون شك.

2- اذا استطاع الوالي عن طريق الظالم، اقامة العدل بين الرعية والاحسان اليهم، فان الولاية في تلك الفسحة جائزة.

3- واذا استطاع الوالي دفع الظلم والقتل عن المؤمنين، فتكون الولاية عندها مستحبة.

 و- هل ان الإكراه يسوّغ ولاية الظالم؟

          لاشك ان التقية سوّغت ولاية الظالم المحرمة اذا اُكرِهَ المتولى عليها. شرط ان لايظلم الآخرين ولايدفع ضرر نفسه بالإضرار بالغير، لعموم قوله تعالى: (...إلا أن تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً...)[58]، وهو استثناء من عموم قوله تعالى: (لايتَّخِذِ المؤمنُونَ الكافرِينَ أوليآءَ...)[59]، ولحديث الرفع عن رسول الله (ص): (رُفع عن امتي تسعة: ...وما اكرهوا عليه...)[60]، وقوله (ع): (التقية في كل ضرورة...)[61]، و(التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد احله الله له)[62]. وللروايات المستفيضة في حرمة الظلم ومعاونة الظالم باستثناء الموارد التي ناقشناها سابقاً. ويمكن مناقشة هذه المسألة ضمن النقاط التالية:

1- ان المستفاد من ادلة الإكراه تشريعها لدفع الضرر، فلايجوز دفع الضرر بالإضرار بالغير. فاذا هُدد فرد بالانتهاك فلايباح له انتهاك اعراض الناس واموالهم بدعوى الإكراه. فالتقية انما جاءت من اجل حفظ المؤمنين في العرض والمال والنفس كما ورد عن امير المؤمنين (ع): (واياك ثم اياك ان تترك التقية التي امرتك بها، فانك شائط بدمك ودماء اخوانك... فانك إن خالفت وصيتي كان ضررك على اخوانك ونفسك اشد...)[63].

2- ان حديث الرفع قد ورد في مقام الامتنان على الامة. ولايمكن حصر الامتنان ببعض دون بعض عن طريق الزعم بترخيصه في الإضرار بالغير. والزعم بان عموم دليل نفي الإكراه يشمل جميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم مدفوع بان نفس الإضرار بالغير مرفوع بحديث الرفع. فكيف يتم رفع الإكراه عن فرد عن طريق انزال إكراه آخر بفرد ثان؟ والشريعة واضحة في ذلك: فالمُكرَه اذا اُكرِهَ على نهب مال الغير وإضراره لدفع الضرر عن نفسه، فان ذلك الإكراه لايرفع ضمان مال الغير. لأن المال يبقى في ذمة المُكرَه الاول ويجب الوفاء به عند التمكن من الاداء للمُكرَه الثاني. فحتى لو فهمنا، على سبيل الافتراض، اجازة الشارع في دفع الضرر فقط، فانه لم يجوّز عدم الضمان.

3- ان نسبة الرفع الى الموارد الثلاثة التالية هو بدرجة واحدة. والموارد هي: الإكراه والاضطرار وعدم التحمل. وعموم تلك الموارد في حديث الرفع مختصة بغير الإضرار بالغير من المحرمات.

4- الظاهر من كلمات الفقهاء ان ولاية الظالم تحت الإكراه والإضطرار جائزة تقيةً ما لم تصل حد الدم، وان لايدفع الضرر بالإضرار بالغير. فيقول صاحب (المسالك): "ضابط الإكراه المسوّغ للولاية الخوف على النفس، او المال، او العرض عليه او على بعض المؤمنين" [64]. وقال المحقق الحلي: "اذا اكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخـول، والعمـل بما يأمره، مع عدم القدرة على التفصي منه[65] " [66] . وذكر صاحب (المسالك) شرطين هما: الإكراه، والعجز عن التفصي[67] . فالإكراه شرط في اصل قبول الولاية، وعدم التفصي شرط للعمل بما يأمره.

5- لايجوز قتل المؤمن بدعوى الإكراه، فقد صح عن الصادقين (ع): (انما جعل التقية ليحقن بها الدم فاذا بلغ الدم فلا تقية)[68]. ومقتضى عموم الرواية انه لا فرق بين المؤمنين من حيث العمر، او الذكورة والانوثة، والغنى والفقر، والعلم والجهل ونحوها.

 خلاصة البحث:

1- ان التقية جوّزت ارتكاب بعض المحرمات كالكذب او غير المحرمات كالتورية من اجل انقاذ حياة المؤمنين في حالات الإكراه والإضطرار والجبر والإضطهاد.

2- ان الشريعة قد اعلنت حرمة الظلم ومعونة الظالمين وحرمة ولايتهم، الا في حالات انقاذ حياة المؤمنين او اقامة العدالة الحقوقية بين الافراد.

3- ان التقية، كما انها جوّزت بعض الاستثناءات لمواجهة الظلم، الا انها أكدت على ترسيخ الايمان الذاتي الداخلي في القلب. فهي قد جمعت متناقضات صعبة منها: الايمان في داخل الذات، والتظاهر في الخارج، والامل بزوال الظلم، والرجوع الى الحالة الطبيعية في الحرية والاختيار والعدل المنسجمة جميعاً مع مبادئ التكوين.

(نهاية ص 180)

 

 السابق              صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية


 

[1]  جواهر الكلام ج 19 ص 32.

[2]  جواهر الكلام ج 16 ص 258.

[3]  كالشهيد الاول في (البيان) ص 48 ، والشهيد الثاني في (روض الجنان) ص 37، والمحقق الثاني في (جامع المقاصد) ج 1 ص 222.

[4]  مدارك الاحكام ج 1 ص 223.

[5]  المكاسب – رسالة التقية ص 322.

[6]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 28 ح 3 . ج 11 ص 473.

[7]  الوسائل – كتاب الطهارة باب 38 من ابواب النجاسات ح 2. ج 2 ص 1055.

[8]  بداية المجتهد – ابن رشد الاندلسي.

[9]  سورة الاسراء: الآية 79.

[10]  الوسائل – كتاب الصلاة باب 16 من ابواب اعداد الفرائض ح 6. ج 3 ص 49.

[11]  الوسائل – كتاب الطهارة باب 9 من ابواب نواقض الوضوء ح 9. ج 1 ص 193.

[12]  الفقه على المذاهب الاربعة  ج 1 ص 66- 67.

[13]  المكاسب ص 52.

[14]  سورة النحل: الآية 105.

[15]  الوسائل – كتاب الحج. باب 139 من ابواب احكام العشرة ح 3. ج 8 ص 575.

[16]  الوسائل – كتاب الحج. باب 138 من ابواب احكام العشرة ح 9. ج 8 ص 573.

[17]  قواعد الاحكام – العلامة الحلي. مسألة الوديعة اذا طالبها ظالم.

[18]  سورة الانبياء: الآية 63.

[19]  الاحتجاج  ج 2 ص 104. ط النجف: 1386هـ.

[20]  سورة يوسف: الآية 70.

[21]  سورة النحل: الآية 106.

[22]  سورة آل عمران: الآية 28.

[23]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 18. ج 16 ص 137.

[24]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 4. ج 16 ص 134.

[25]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 1. ج 16 ص 134.

[26]  المصدر السابق.

[27]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 9. ج 16 ص 135.

[28]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 14. ج 16 ص 136.

[29]  الوسائل – كتاب الايمان باب 12 ح 18. ج 16 ص 137.

[30]  نهج البلاغة – شرح محمد عبده ج 3 ص 261 رقم 458. مصر: مطبعة الاستقامة.

[31]  سورة المائدة: الآية 2.

[32]  سورة الفرقان: الآية 19.

[33]  سورة الشعراء: الآية 227.

[34]  سورة هود: الآية 113.

[35]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 15. ج 12 ص 131.

[36]  بري لهم قلماً: نحت لهم قلماً للكتابة.

[37]  لاق من لَوَقَ اي اصلح، ومن لَيَقَ اي جعل شيء من القماش للمحبرة.

[38]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 16. ج 12 ص 131.

[39]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 14. ج 12 ص 131.

[40]  المكاسب – الشيخ الانصاري ص 54. طبعة حجرية – تبريز 1375هـ.

[41]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 12. ج 12 ص 131.

[42]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 13. ج 12 ص 131.

[43]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 3. ج 12 ص 128.

[44]  اي لا فرحاً ولا طاغياً بالنعمة.

[45]  الوسائل – كتاب التجارة باب 42 ح 17. ج 12 ص 131.

[46]  الوسائل – كتاب التجارة باب 44 ح 12. ج 12 ص 138.

[47]  مصباح الفقاهة – السيد الخوئي ج 2 ص 145. طبعة قم.

[48]  سورة النحل: الآية 33.

[49]  تحف العقول – الحراني.

[50]  الوسائل – كتاب التجارة باب 46 ح 9. ج 12 ص 140.

[51]  الوسائل –  كتاب التجارة باب 45 ح 4. ج 12 ص 136.

[52]  الوسائل – كتاب التجارة باب 45 ح 6. ج 12 ص 136.

[53]  الوسائل – كتاب التجارة باب 45 ح 7. ج 12 ص 136.

[54]  الوسائل – كتاب التجارة باب 46 ح 7. ج 12 ص 140.

[55]  الوسائل – كتاب التجارة باب 46 ح 1. ج 12 ص 139.

[56]  الوسائل – كتاب التجارة باب 46 ح 7. ج 12 ص 140.

[57]  رجال النجاشي ص . وتنقيح المقال – المامقاني ج 2 ص 81.

[58]  سورة آل عمران: الآية 28.

[59]  سورة آل عمران: الآية 28.

[60]  الوسائل – كتاب جهاد النفس باب 56 ح 1. ج 11 ص 295.

[61]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 1. ج 11 ص 468.

[62]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 2. ج 11 ص 468.

[63]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 29 ح 11. ج 11 ص 479.

[64]  مسالك الافهام – الشهيد الثاني.

[65]  التفصي منه: اي التخلص منه.

[66]  شرائع الاسلام – المحقق الحلي.

[67]  مسالك الافهام – الشهيد الثاني.

[68]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 31 ح 1 . ج 11 ص 483.