|
(ص 135 - 158) الفصل الخامس الدليل الفقهي حكم التقية على الصعيد التكليفي* حكم التقية على الصعيد الوضعي* بعض التنبيهات حول احكام التقية* التحليل الفقهي للتقية. ------------------------ مقدمة ان البحث في مشروعية التقية على الصعيد الفقهي يتطلب مناقشتها في اربعة مقامات: الاول: حكم التقية على الصعيد التكليفي. الثاني: حكم التقية على الصعيد الوضعي. الثالث: بعض التنبيهات حول احكام التقية. الرابع: التحليل الفقهي للتقية : أ - حرمة الكذب. ب- سلب الكذب عن التورية. ج- جواز الكذب عند الاكراه تقيةً. د- حرمة معونة الظالمين. هـ- حرمة ولاية الظالمين. و- هل ان الاكراه يسوّغ ولاية الظالم ؟ المقام الاول: حكم التقية على الصعيد التكليفي اشتهر بين الفقهاء ان التقية، بحسب حكمها التكليفي، تنقسم الى خمسة اقسام هي: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهية، والإباحة. فالواجب منها ما كان لدفع الضرر الواجب فعلاً ومصداقه حفظ النفس من القتل مثلاً. والمستحب ما كان فيه التحرز عن معارض الضرر بان يكون تركه مفضياً تدريجاً الى حصول الضرر كترك المداراة مع العامة وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فانه ينجر غالباً الى حصول المباينة الموجب لتضرره منهم. والمباح ما كان التحرز عن الضرر وفعله مساوياً في نظر الشارع كالتقية في اظهار كلمة الكفر على ما ذكره جمع من الاصحاب ويدل عليه الخبر الوارد في رجلين اخذا بالكوفة واُمرا بسب امير المؤمنين (ع)، والاخبار الواردة في عمار بن ياسر. والمكروه ما كان تركها وتحمل الضرر اولى من فعلها كما ذكر ذلك بعضهم في اظهار كلمة الكفر وان الاولى تركها لمن يقتدي به الناس اعلاءً لكلمة الاسلام. فالمراد بالمكروه حينئذ ما يكون ضده افضل. والمحرم منه ما كان في الدماء [1]. وقد نوقش[2] في تلك التقسيمات بدعوى ان ترك المستحب ليس بمكروه مع ان نقيضه افضل. والتحقيق ان من الانصاف القول بان تقسيم الشيخ الانصاري (قدس سره) مبني على الارتكاز العقلائي اكثر من بنائه على الدليل الروائي. فلم تتناول الروايات تقسيم احكام التقية الى الاحكام التكليفية الخمسة، بل وضعت تلك الروايات عمومات في الوجوب والحرمة وتركت للمكلف تحت ظروف القهر والاستعباد تقديرها. ولاشك ان دقة تقدير الحكم في التقية عن طريق تشخيص الموضوع في الاكراه، ترجع الى دقة فهم المكلف لمذاق الشارع الحكيم في مساحة تطبيق الاحكام الشرعية. ومن هنا جاء التعبير بالكراهية والاستحباب على ضوء تلك الدقة العقلية في فهم الحكم الشرعي. الاستدلال على جواز التقية ونستدل على جواز التقية بدليلين: قرآني، وروائي. وفي كلا الدليلين براهين شرعية قوية على جوازها، بل وجوبها في الموارد التي تستدعي ذلك. 1 ـ الدليل القرآني: وهو العمدة في الاستدلال على شرعيتها، وقد انتخبنا من ذلك ثلاث آيات شريفات للتدليل على شرعية تلك الرخصة الالهية. الاولى: (مَن كَفَرَ باللهِ من بعدِ إيمانهِ إلا من اُكرِهَ وقلبُهُ مطمئِنٌ بالإيمانِ ولكِن مَّنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً فعلَيْهِم غَضَبٌ مِنَ اللهِ ولهُمْ عذَابٌ عظيمٌ)[3]. وهي مكية نزلت في بداية الدعوة للاسلام. وفي الآية استثناء من عموم شرط الكفر بعد الايمان، يتعلق بالإكراه. فالإكراه هنا هو الاجبار على كلمة الكفر والتظاهر به، بشرط ان لاتصل تأثيرات الاكراه الى القلب. فالمراد من الآية انه استثني من اُكرِهَ على الكفر بعد ايمانه فكَفَرَ في الظاهر ولكن قلبه كان مطمئناً بالايمان. وقد ذكر المفسرون وجوهاً تأريخية عديدة في شأن هذه الآية الشريفة. الا ان المشهور ان سبب نزولها هو ان عمار بن ياسر عندما اخذه بنو مخزوم وعذبوه عذاباً شديداً لم يتحمل ذلك فقارب بعض ماندبوه اليه، "فانه ممن اظهر ذلك تقية" [4]، فنـزل قول الله سبحانه فيه: (...إلا من اُكرِهَ وقلبُـهُ مطمئِنٌّ بالإيمانِ...). وتفصيل ذلك ان عماراً قد "أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سُميّة وصهيباً وبلالاً وخَبّاباً وسالماً فعذبوهم، ورُبطت سمية بين بعيرين ووُجِىءَ قُبُلها بحربة، وقيل لها انك اسلمت من اجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما اول قتيلين في الاسلام. واما عمار فاعطاهم ما ارادوا بلسانه مُكرَهاً، فشكا ذلك الى رسول الله (ص)، فقال له رسول الله (ص): (كيف تجد قلبك؟) قال: مطمئن بالايمان. فقال رسول الله (ص): (فإن عادوا فَعُدْ)[5]. وتأويل الكلام ان "من كفر بالله من بعد ايمانه ]فانه يعاقب على كفره[، الا من اُكرِه على الكفر. فنطق بكلمة الكفر بلسانه، وقلبه مطمئن بالايمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه غير مفسوح الصدر بالكفر. ]اما[ من شرح بالكفر صدراً، فاختاره وآثره على الايمان، وباح به طائعاً فعليهم غضب الله ولهم عذاب عظيم. قال ابن عباس: فاما من اُكرِه فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه؛ لان الله سبحانه انما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم" [6]. واحتج ابن قدامة في (المغني) بهذه الآية على جواز التقية عند الإكراه عليها، قائلاً: "وانما اُبيح له فعل المكره عليه، دفعاً لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد" [7]. والآية تدل على جواز التقية باظهار كلمة الكفر عند الضرورة دون قصد الكفر قلبياً. والعنوان الاولي للآية الكريمة هو الإكراه المباشر، وعنوان التقية هو خوف الضرر على النفس الناتج من عملية إكراه تمّت بصورة مباشرة او غير مباشرة. الا ان الحق عدم الفرق بين العنوانين "اي المباشرة وعدم المباشرة" من حيث الملاك والهدف. وقد ساد اعتقاد خاطىء مفاده ان الاكراه والتقية في رتبة واحدة مع اختلاف في العنوان والمورد. والتحقيق، ان الاكراه والتقية يختلفان في الرتبة، فالإكراه مقدمة لوجود الحكم الشرعي وهو التقية. ويمكن تمثيل الإكراه والتقية بصورتي المرض والعلاج. ولاشك ان المرض يسبق العلاج. فالاختلاف بينهما اذاً في الرتبة لا في العنوان والمورد فقط. والآية الكريمة وإن اختصت بمورد الكفر والايمان، الا ان الوارد لايخصص المورد، كما سنرى. فان حكمها يجري في موارد اوسع تشمل بالاضافة الى الكفر والايمان: الاكراه المذهبي والولاية الشرعية، بل كل ما يتعلق بحفظ جوهر الدين وتعبيد الناس لله سبحانه وتعالى من خلال حفظ النفس والعرض والمال. الثانية: (لايتَّخِذِ المؤمنُونَ الكافرِينَ أولياءَ مِنْ دوُنِ المؤمنِينَ ومَنْ يفعَلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلا أن تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ والى اللهِ المصيرُ)[8]. في الآية الشريفة نهي صريح عن موالاة الكافرين وإيثار حبهم على حب المؤمنين والركون اليهم والاتصال بهم والانفصال عن المؤمنين. ولكنه استثنى، استثناءً منقطعاً، مقام التقية بقوله: (إلا أن تتَّقُوا منهم تُقاةً). ففي هذا المقام جوّز مجاراة اعداء الدين او اولئك الذين خالفوا الحق، تقيةً. فالجواز ورد لاحقاً في الرتبة الثانية حيث كان منهياً عنه بحسب الحكم الاولي. وكل ذلك كان من اجل حفظ المصلحة الكلية للدين. ومعنى الآية: "الا ان يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين، فيخافهم المؤمن ان لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له اظهار مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منه ودفعاً عن نفسه من غير ان يعتقد ذلك. وفي هذه الآية دلالة على ان التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس. قال اصحابنا انها جائزة في الاحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح. وليس تجوز من الافعال في قتل المؤمن ولأن يعلم او يغلب على الظن انه استفساد في الدين" [9]. واستدل الشيخ الطوسي (قدس سره) بالآية على وجوب التقية. فقال: "والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها. روى الحسن ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين من اصحاب رسول الله (ص) فقال لاحدهما: أتشهد ان محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد اني رسول الله؟ قال: نعم. ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد ان محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فقال له: أتشهد اني رسول الله؟ قال: اني أصم. قالها ثلاثاً كل ذلك يجيبه بمثل الاول، فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فقال: اما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، واخذ بفضله فهنيئاً له. واما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه. فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح عن الحق فضيلة، وظاهر اخبارنا يدل على انها واجبة وخلافها خطأ..." [10]. ولكن التقية ليست منحصرة بالوجوب في كل الظروف، بل ان المشهور انها تخضع للاحكام التكليفية الخمسة في الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهية والاباحة، كما اشرنا الى ذلك سابقاً، لاختلاف المواقف والازمنة وحجم الضرر النازل على المكلف او على الرسالة الالهية بصورتها الكلية الشمولية. وطبيعة التقية وظروفها تستدعي "ان يتكلم ]الفرد[ بلسانه وقلبه مطمئن بالايمان، ولايقتل ولايأتي مأثماً. قال الحسن: التقية جائزة للانسان الى يوم القيامة، ولاتقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: (الا ان تتقوا منهم تقية)الآية . وقيل: ان المؤمن اذا كان قائماً بين الكفار فله ان يداريهم باللسان اذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطمئن بالايمان. والتقية لاتحلّ الا مع خوف القتل او القطع او الايذاء العظيم. ومن اكره على الكفر فالصحيح ان له ان يتصلب ولايجيب الى التلفظ بكلمة الكفر؛ بل يجوز له ذلك ]كما ورد [بيانه في سورة النحل" [11]. الثالثة: (وقالَ رجُلٌ مُؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتمُ إيمانَهُ أتقتُلُونَ رجُلاً أن يقولَ ربّي اللهُ وقد جآءَكُم بالبيّناتِ من ربِّكُم وإن يَكُ كاذباً فعليهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صادقاً يُصِبْكم بعضُ الذي يَعِدُكُم إنَّ اللهَ لايهدي مَنْ هو مُسرِفٌ كذَّابٌ)[12]. وهذه الآية الشريفة تحكي احتجاج مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم ايمانه بلسان القبول والرضا. وفيها دلالة قوية على ان كتمان الايمان عند الخوف على النفس من القتل جائز شرعاً. وهذا الرجل الذي كان يكتم ايمانه كان قد آمن بنبوة موسى (ع) ولكنه كان يكتم ايمانه خوفاً على نفسه من فرعون واعوانه. فكانوا لايعلمون بايمانه لكتمانه إياهم ذلك تقيةً. "قال ابو عبد الله (ع) التقية من ديني ودين آبائي ولادين لمن لاتقية له والتقية ترس الله في الارض لان مؤمن آل فرعون لو اظهر الاسلام لقُتل. قال ابن عباس لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي انذر موسى فقال: ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" [13]. وسبب قوله هذا انه علم بما قاله فرعون لقومه في موسى (ع)، كما حكاه لنا القرآن الكريم بالقول: (وقالَ فرعَونُ ذَرُوني أقتُلْ مُوسى وليدعُ ربَّهُ إني أخافُ أن يُبَدِّلَ دينَكُم أو أن يُظهِرَ في الأرضِ الفَسَادَ) [14]. وعندما قال فرعون: (ذروني أقتُلْ موسى) لم يصرح ذلك المؤمن بانه على دين موسى بل أوهم انه مع فرعون وعلى دينه، وانه لايهمه امر موسى (ع) بقدر ما تهمه مصلحة فرعون وقومه كما في قوله: (وإن يَكُ صَادِقاً يُصبْكُم بعضُ الذي يَعِدُكُم). وكان هذا المؤمن يُشعر قومه باقواله هذه بانه منهم وعلى دينهم واعتقادهم. وقد اثنى الله عليه حيث "كتم ايمانه وأسرّه، فجعله الله تعالى في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر" [15]. وقوله : (أتقتُلُونَ رجُلاً أن يقُولَ ربّي اللهُ): "استدراج الى الاعتراف بالبينات بالدلائل على التوحيد... ولما صرح بالإنكار عليهم غالطهم بعد ان قسّم أمره الى كذب وصدق، وأبدى ذلك في صورة احتمال ونصيحة، وبدأ في التقسيم بقوله: (وان يكُ كاذباً فعليه كذبه) مداراة منه، وسلوكاً لطريق الإنصاف في القول، وخوفاً اذا أنكر عليهم قتله أنه ممن يعاضده وينصره، فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شره، ويكون ذلك ادنى الى تسليمهم" [16]. وبذلك فقد سلك معهم "طريق المناصحة والمداراة، فجاء بما هو اقرب الى تسليمهم وأدخل في تصديقهم له، ليسمعوا منه ولايردّوا عليه نصيحته... فقد اثبت انه صادق في جميع ما يَعِدُ. ولكنه اردفه (يُصِبْكُم بعضُ الذي يَعِدُكُم)، ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام؛ ليريهم انه ليس بكلام من اعطاه حقه واثنى عليه، فضلاً عن ان يكون متعصّباً له. وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل" [17]. ولاشك ان مجرد كتمان ايمان مؤمن آل فرعون لايمكن ان يؤدي دوراً ما لم يشترك معهم في بعض اعمالهم وترك بعض وظائفه الخاصة. فعنوان عمله ينطبق على عنوان التقية. وبذلك تكون الآية الشريفة دالة على جواز التقية بصورتها الاجمالية. الاستنتاج: وهذه الآيات القرآنية الثلاث انتخبناها لصراحتها في جواز التقية عند الخوف الناتج عن إكراه مباشر او غير مباشر يتعرض له المكلف من قبل ظالم. ونستلهم من الاستظلال بنور تلك الآيات عدة اضاءات: 1- كما ان الاكراه والاضطرار والظلم استثناء خارجي منفصل عن الطبيعة التكوينية للاشياء والمواضيع في الحرية والاختيار والعدل، فان حكم التقية استثناء منقطع عن بقية الاحكام الشرعية المشرّعة في الحالات الطبيعية والتي تنسجم مع الاصل التكويني للحياة. 2- ان الآيات القرآنية الشريفة دلّت على جواز التقية باظهار كلمة الكفر او المحاباة للكافر او مداراته او مغالطته عن طريق التظاهر بسلوك طريق الحياد، ولكن بشرط كتمان الايمان الراسخ في القلب. 3- جرت احكام تلك الآيات في موارد مختلفة كالكفر والايمان، وولاية الكافر وعدمها، وكتمان الايمان واظهار ما يخالفه. والضابطة الكلية فيها هي شرعية التقية. وورود تلك الآيات في مواضع مختلفة تُظهر ان الوارد لم يخصص المورد. فبقي حكم التقية جارياً على موارد اوسع من تلك التي وردت فيها. 2- الدليل الروائي: وفي تشريع التقية اخبار كثيرة تصل حد التواتر تدل على رجحانها او وجوبها في موارد عديدة. ولايبقى شك في اصل الحكم بجوازها شرعاً اذا توفرت الشروط الشرعية لذلك. فلابد من ترتيب تلك الروايات في ثلاث مجاميع، تشترك كل مجموعة في معنى مشترك: المجموعة الاولى: ودلالتها على ان تطبيق التقية يساوي حفظ الدين، وان لادين لمن لاتقية له، ولا ايمان لمن لاتقية له. ومن تلك المجموعة نعرض الروايات التالية: 1- عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سألتُ ابا الحسن (ع) عن القيام للولاة، فقال: قال ابو جعفر (ع): (التقية من دينـي وديـن آبائي، ولا ايمان لمن لاتقية له)[18]. وسند الرواية تام. 2- احمد بن محمد بن خالد البرقي في (المحاسن)، عن ابيه، عن حماد بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن ابي بصير، عن ابي عبد الله (ع) قال: (لا خير فيمن لا تقية له، ولا ايمان لمن لا تقية له)[19]. والرواية تامة سنداً. ويؤيد الروايات السابقة روايات اخرى غير تامة سنداً، منها: 3- بالاسناد عن هشام بن سالم، عن ابي عمر الاعجمي قال: قال لي ابو عبد الله (ع): (يا ابا عمر ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولادين لمن لاتقية له)[20]. وسند الرواية غير تام، فـ (ابو عمر الاعجمي) مجهول عند علماء الرجال، ولكن ورد اسمه في هذه الرواية فقط. فلايمكن الاطمئنان اليها من جهة السند. 4- عن ابي علي الاشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن جابر المكفوف عن عبد الله بن ابي يعفور، عن ابي عبد الله (ع) قال: (اتقوا على دينكم، واحجبوه بالتقية فانه لا ايمان لمن لا تقية له...)[21]. وسند الرواية ضعيف بـ (جابر المكفوف) وهو فرد مجهول عند علماء الرجال. المجموعة الثانية: ودلالتها على ان التقية حرز المؤمن وجنته عن الاذى. وقد وردت روايات عدة في هذا المعنى منها: 1- عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن حريز، عن ابي عبد الله (ع) قال: (التقية ترس الله بينه وبين خلقه)[22]. والرواية تامة سنداً. 2 - عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمد ابن مروان، عن ابي عبد الله (ع) قال: (كان ابي (ع) يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، ان التقية جنـة المؤمن)[23]. وسند هذا الحديث غير تام بالراوي (محمد بن مروان). فمحمد بن مروان مشترك بين عدد من المجاهيل. ولكن الرواية وردت عن طريق البرقي في كتاب (المحاسن)[24] بسند صحيح عن ابن ابي عمير، عن جميل بن صالح، وهما ثقتان. وعلى ضوء ذلك فالرواية يُطمَأنُّ اليها، عن طريق اسناد البرقي. 3- عن ابي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن اسماعيل، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبد الله بن ابي يعفور قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول: (التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا ايمان لمن لاتقية له)[25]. وسند الرواية معتبر. ورجال السند في هذه الرواية ثقات عدا (محمد بن اسماعيل) النيسابوري الذي كان يدعى ايضاً (بندفر البندقي) والذي اُختلف في وثاقته. وعلى اي تقدير فان اكثر روايات الكليني عن محمد بن اسماعيل معتبرة. المجموعة الثالثة: ودلالالتها على انها من اعظم الفرائض. ومن تلك المجموعة الروايات التالية: 1- محمد بن علي بن الحسين في (معاني الاخبار) عن ابيه، عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن هشام بن سالم قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول: (ما عُبد الله بشيء أحبّ اليه من الخبـاء، قلتُ: وما الخباء؟ قال: التقية)[26]. والرواية تامة سنداً. ويؤيد الرواية السابقة روايات غير تامة السند، منها: 2- عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين ابن سعيد جميعاً، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن حسين بن ابي العلاء، عن حبيب بن بشر قال: قال ابو عبد الله (ع) سمعتُ ابي يقول: (لا والله ما على وجه الارض شيء أحبّ اليّ من التقية. يا حبيب انه من كانت له تقية رفعه الله. يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله...)[27]. والرواية ضعيفة بـ (حبيب بن بشر) وهو مجهول عند علماء الرجال. فلايمكن الاعتماد على هذه الرواية في الاستدلال. 3- علي بن محمد الخزاز في (كتاب الكفاية) عن محمد بن علي بن الحسين، عن احمد ابن زياد بن جعفر، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن الرضا (ع) قال: (لا دين لمن لا ورع له، ولا ايمان لمن لا تقية له، وإن اكرمكم عند الله اعملكم بالتقية...)[28]. وسند الرواية ضعيف بـ (علي بن معبد) المجهول. الاستنتاج: ونستنتج من استقراء تلك الروايات الدلالات التالية: 1- كان الامام المعصوم (ع) يعطي قاعدة كلية في شرعية التقية عندما كان اصحابه يسألونه عن بعض المصاديق العملية كالقيام للولاة او العمل لهم ونحوها. فلم يحدد (ع) حكمها التكليفي من وجوب او حرمة. بل كان يتركه للظروف الموضوعية التي كانت تمر بها الطائفة كجماعة، والتي يمر بها المؤمنون كافراد. 2- ان الروايات الصحيحة سنداً تضمّنت نفياً لإيمان المؤمن اذا لم يتقيد بالتقية في تلك الظروف، وليس نفياً لدينه. وهذا المنحى منسجم مع مذاق الشارع في التقية بكونها ايماناً في القلب والباطن ومخالفة في الظاهر والخارج. 3- ان جعل التقية في ميزان على كفة متساوية مع الايمان يحتاج الى وقفة تأمل. فالوضع السياسي او الاجتماعي يهدد احياناً اصل الدين والمؤمنين به، وما لم يستثمر المؤمنون تلك الرخصة الشرعية فانهم يفنون انفسهم ودينهم دون مبرر عقلائي. وقد لاحظنا في دراستنا للدليل التأريخي ان التشيع قد "اُبيد" في شمال افريقيا ايام صلاح الدين الايوبي والصنهاجي، لان ظاهر الامر ان الشيعة لم تستخدم التقية وقتها. والا، فان استثمار الحد الادنى من الرخصة الشرعية يُبقي الطائفة حيّة نابضة تحت غشاء الظلم الاجتماعي الخارجي. وهو الذي قام به ائمة اهل البيت (ع) وشيعتهم في العراق والحجاز، وبقي عندها التشيع قائماً قوياً لحد اليوم. 4- وعلى اي تقدير، فان الروايات التي تم الاطمئنان الى سندها في المجاميع الثلاث التي ذكرناها، تورث اليقين على رجحان التقية او وجوبها اجمالاً في الموارد التي يتطلب فيها اخفاء الحق للمصلحة الدينية الكلية.
|