(ص 87 - 112)

رابعاً: عصر الامام علي بن الحسين (ع) (استشهد سنة 95 هـ)

          وكان ظرفه (ع) من الظروف العصيبة في التأريخ الاسلامي. فقد تناوب على الحكم في عصر امامته عدّة من خلفاء بني امية وامرائهم الذين اشتهروا بالظلم والبطش السياسي امثال: مروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، والحجاج الذي كان اميراً على الحجاز والعراق. وقد قتل في تلك الفترة من رجالات الشيعة: سعيد بن جبير، وكميل بن زياد، وقنبر مولى امير المؤمنين (ع)، والمختار ورجاله، وغيرهم. ولم يكن الظلم السياسي والمذهبي الذي عانى منه الشيعة مخططاً من قبل خلفاء بني امية فقط، بل ان بعض مناوئي بني امية من اولاد الزبير: عبد الله ومصعب كانا من القساوة ضد الشيعة بحيث ارتكبا من الجرائم ما ارتكبه الامويون.

          يقول المسعودي في (مروج الذهب) ان مصعب بن الزبير "تتبع الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها. وأتى بحرم المختار فدعاهن الى البراءة منه ففعلن الا حرمتين له احداهما بنت سَمُرة بن جندب الفزاري والثانية ابنة النعمان بن بشير الانصاري. وقالتا : كيف نتبرأ من رجل يقول ربي الله؟ كان صائماً نهاره قائماً ليله، قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلةِ ابن بنت رسول الله (ص) واهله وشيعته، فأمكنه الله منهم حتى شفى النفوس. فكتب مصعب الى اخيه عبد الله بخبرهما وما قالتاه. فكتب اليه: إن هما رجعتا عما هما عليه وتبرأتا منه فذاك، والا فاقتلهما. فعرضهما مصعب على السيف، فرجعت بنت سمرة وتبرأت منه... وأبت ابنة النعمان بن بشير، وقالت: شهادة ارزقها فأتركها؟ كلا. انها موتة ثم الجنة والقدوم على الرسول (ص) واهل بيته (ع). والله لا يكون، آتي مع ابن هند فأتبعه واترك ابن ابي طالب ؟ اللهم اشهد اني متبعة لنبيك وابن بنته واهل بيته وشيعته. ثم قدمها فقتلت صبراً" [1]. فلم يكن ابن الزبير بأقل ظلماً من حكام بني امية، مع ان الطرفين كانا في نزاع على السلطة. فالصراع بينهما لم يكن على الدين او تطبيق احكامه، بل كان صراعاً من اجل السيطرة السياسية. ولذلك كانت شيعة اهل البيت (ع) هدفاً لسهامهم وسهام غيرهم.

 الحجاج رمز الظلم وسفك الدماء:

          وكان الحجاج سفاكاً يحب الدماء اختاره (عبد الملك بن مروان) ليوطد الملك في الحجاز والعراق. وكانت تهمة التشيع مبرراً اخلاقياً عنده لضرب الاعناق. وفي عهده كان احب الى الانسان ان يقال له: زنديق او كافر من ان يقال له: شيعي!

          لقد تأمر الحجاج على الناس عشرين سنة، و"اُحصي من قتله صبراً سوى من قتل في عساكره وحروبه، فوجد مائة وعشرين الفاً. ومات الحجاج وفي حبسه خمسون الف رجل، وثلاثون الف امرأة منهن ست عشرة الفاً مجردة [2]. وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد. ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر والبرد في الشتاء، وكان له غير ذلك من العذاب" [3].

          وكان سجنه "مجرد حائط يحوط السجناء، ويمنعهم من الخروج، ولا سقف له، فاذا آوى المسجونون الى الجدران يستظلون بها من حر الشمس رمتهم الحرس بالحجارة. وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد، وكان لايلبث الرجل في سجنه الا يسيراً حتى تسود بشرته..." [4].

          وقام الحجاج بجملة من اعمال القتل والتعذيب خلال فترة امارته نعرض بعضاً منها كشواهد تأريخية على الظلم الاموي:

1- كان (كميل بن زياد) من خواص امير المؤمنين (ع)، فطلبه الحجاج فهرب منه. فحرم قومه عطاءهم. فلما رأى كميل ذلك قال: انا شيخ كبير، وقد نفذ عمري، ولاينبغي ان اكون سبباً في حرمان قومي، فاستسلم للحجاج. فلما رآه قال له: كنت احب ان اجد عليك سبيلاً. فقال له كميل: لاتبرق ولاترعد، فو الله مابقي من عمري الا مثل الغبار. فأقضِ، فان الموعد لله عز وجل، وبعد القتل الحساب. ولقد اخبرني امير المؤمنين (ع) انك قاتلي. فقال الحجاج: الحجة عليك اذن. فقال: ذاك إن كان القضاء لك. قال: بلى اضربوا عنقه .

2- وكان (سعيد بن جبير) من التابعين وكان معروفاً بالزهد والعبادة وكانت صلاته خلف الامام زين العابدين (ع). فاعتقله (خالد بن عبد الله القسري) عامل عبد الملك بن مروان ومن ثم عامل الوليد بن عبد الملك على مكة، وارسله الى الحجاج في العراق. فلما رآه قال له: انت شقي بن كسير. فقال: امي اعرف باسمي منك. قال له الحجاج: ما تقول في ابي بكر وعمر، هما في الجنة  او في النار؟ قال: لو دخلت الجنة لعلمت من فيها، ولو دخلت النار ورأيت اهلها لعلمتُ من فيها. قال: ما تقول في الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل. قال: ايهم أحب اليك ؟ قال: ارضاهم لله. قال: فأيهم ارضى لله؟ قال: علمُ ذلك عند ربي يعلم سرهم ونجواهم. قال: أبيت ان تصدقني. قال: بل لم احب ان اكذب.

          فأمر الحجاج بقتله، فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً مسلماً وما انا من المشركين. فقال الحجاج: شدوه الى غير القبلة. فقال: اينما تولوا فثم وجه الله، فقال: كبوه على وجهه. قال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى، ثم ضربت عنقه[5] . وكان ذلك خلال خلافة الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ).

3- وكان (عبد الله بن هاني) من خواص الحجاج، وكان دميماً شديد الادمة، مجدوراً، في رأسه اعجر[6]. وكان مائل الشدق احول قبيح الوجه وحش المنظر. فزوجه الحجاج بقوة السيف امرأتين من الاشراف هما: بنت (اسماء بن خارجة) سيد بني فزارة، وبنت (سعيد بن قيس) الهمداني رئيس اليمانية. فقال الحجاج له يوماً فيما قال: زوجتك بنت سيد فزارة وبنت سيد اليمانية، وما انت هناك. فقال له: لا تقل ذلك، فان لنا مناقب ليست لأحد من العرب. قال الحجاج: وما هي هذه المناقب ؟

          قال: ما سُب عثمان في ناد لنا قط. قال الحجاج: هذه والله منقبة. قال: وشهد منا صفين مع معاوية سبعون رجلاً، وما شهدها مع ابي تراب الا رجل واحد، وكان والله ما علمته امرأ سوء. قال الحجاج: وهذه والله منقبة. قال: وما من احد تزوج امرأة تحب ابا تراب ولا تتولاه. قال: وهذه والله منقبة. قال: وما منا امرأة الا نذرت إن قتل الحسين ان تنحر عشرة جزر لها ففعلت. قال الحجاج: هذه والله منقبة. قال: وما منا رجل عرض عليه شتم ابي تراب ولعنه الا فعل وقال وازيدكم ابنيه الحسن والحسين وامهما فاطمة. قال الحجاج: وهذه والله منقبة[7].

4- لما فرغ الحجاج من ابن الزبير قدم المدينة، واساء الى اهلها، وختم ايدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافاً بهم، منهم جابر بن عبد الله الانصاري، وسهل بن سعد[8]. قال الطبري في تاريخه: بل ختم اعناقهم . وكان الحجاج ينـزل الجند في بيوت الناس، من اجل هتك سرائرهم، وهو اول من فعل ذلك. واصبحت سنّة من بعده[9].

5- ان الحجاج اصبح ذات يوم وهو يرغب ان يصيب رجلاً من اصحاب ابي تراب. فقال جلاوزته[10] : ما نعلم احداً كان اطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعث في طلبه. وقال له: انت قنبر؟ قال: نعم. قال له: ابرأ من دين علي. فقال: هل تدلني على دين افضل منه؟ قال: اني قاتلك. فاختر اية قتلة احب اليك. قال: قد صيرت ذلك اليك. قال: ولم ذلك. قال: اخبرني امير المؤمنين (ع) ان منيتي تكون ذبحاً ظلماً بغير حق. فاُمر به فذبح كما تذبح الشاة .

 الدلالات التأريخية:

          وهذا التصرف الاجرامي للحجاج له دلالات مهمة، وهي:

1- ان سفك دماء المعارضين للحكم الاموي، وبالخصوص من الشيعة الصابرين المؤمنين باهل بيت النبوة (ع)، اصبح سياسة رسمية علنية للحكم الاموي. فكان العرف العقلائي يدعو الناس للتستر على عقائدهم واستثمار الرخصة الشرعية.

2- ان اسلوب الحجاج في سفك الدماء كان اسلوباً وحشياً بعيداً عن كل اعراف العرب وسيرة العقلاء فضلاً عن احكام الشريعة. وكان هدفه بالدرجة الاولى ارعاب الناس من اجل قطع دابر المعارضة الدينية او السياسية ضد الظالم.

3- عالج الامام زين العابدين (ع) الوضع السياسي الخانق بنشر المفاهيم الواقعية للدعاء، وطبيعة الصلة بين المخلوق والخالق عبر التوسل بطلب المغفرة والمناجاة والابتهال. وقد اصبح الدعاء خلال فترات الظلم وسيلة من وسائل اسقاط الظالمين وتدمير حكمهم. فقد كان ولا يزال آلة من آلات بناء العلاقة الصامتة في القلب بين المخلوق وخالقه.

4- لولا تقية شيعة اهل البيت (ع) من هؤلاء المجرمين لانقرض التشيع وانهار الدين الحنيف. ولكن التقية حفظت الشريعة، فكان في استخدامها مصلحة كليـة في استمراريـة الرسالـة السماوية الى يوم القيامة.

 من قال برأسه كذا قلنا بسيفنا كذا:

          ولاشك ان الحجاج لم يكن ليصل الى هذا المستوى من سفك دماء اتباع اهل بيت النبوة (ع)، لولا انه استطاع تسفيه افكار الناس واغلاق ابواب البديل امامهم. فهو الذي قال لاهل الكوفة يوماً: (يا اهل الكوفة اني اريد الحج، وقد استخلفت عليكم ولدي محمداً، واوصيته ان لايقبل من محسنكم، ولايتجاوز عن مسيئكم)[11]. و"لما شعر عبد الملك بهلاكه قال لاولاده: واوصيكم بتقوى الله، واكرام الحجاج فانه الذي وطد لكم المنابر، ودوخ البلاد، واذل الاعداء" [12]. ولاشك ان هذا المنحى الخطير يؤكد على استمرار نهج الظلم الاموي خلال الاجيال، عبر محاربة اهل الولاية الشرعية (ع) وشيعتهم.

          وتمثل خطبة عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ) طبيعة الوضع السياسي الخانق ومستوى الارهاب الذي وصلت اليه حكومة الامويين. قال في خطبة للناس: (ايها الناس اني والله ما انا بالخليفة المستضعف[13]، ولا بالخليفة المداهن[14]، ولا بالخليفة المأفون[15]، فمن قال برأسه كذا[16]، قلنا بسيفنا كذا[17]، ثم نزل)[18]. وجاء في كتاب (عبد الملك بن مروان) الذي ولى فيه (خالد بن عبد الله القسري) على مكة: (اما بعد: فاني وليتُ عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له واطيعوا. ولايجعلن امرؤ على نفسه سبيلاً، فانما هو القتل لا غير. وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام). ثم التفت خالد الى اهل مكة وقال: (والذي نحلفُ به ونحجُ اليه، لا أجده في دار أحد الا قتلته، وهدمتُ داره، ودار كل من جاوره، واستبحتُ حرمته، وقد أجلّتُ لكم فيه ثلاثة ايام...)[19].

          وكان الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ) جباراً عنيداً، ظلوماً غشوماً. وكان قد اوصاه ابوه ]عبد الملك بن مروان[ "ان يكرم الحجاج... ويضع سيفه على عاتقه، فمن ابدى ذات نفسه ضرب عنقه" [20]. وفي ايام الوليد قتل الحجاجُ سعيدَ بن جبير.

 الى كم يغلب باطلنا حقكم ؟

          واستخدم ولاة (الوليد بن عبد الملك) نفس الاسلوب الذي سار عليه بنو امية من قبل. فهذا خالد بن عبد الله القسري عامل الوليد على مكة يخاطب اهلها قائلاً: (ايها الناس ايهما اعظم خليفة الرجل على اهله[21] او رسوله اليهم[22] ؟ والله لم تعلموا فضل الخليفة... ان ابراهيم خليل الرحمن استسقاه، فسقاه ملحاً اجاجاً[23]، واستسقى الخليفة فسقاه عذباً فراتاً[24] !)[25]. وفي خطبة اخرى يخاطب بها اهل مكة: (الى كم يغلب باطلنا حقكم ؟ اما آن لربكم ان يغضب لكم. لو أمرني امير المؤمنين[26] نقضتُ الكعبة حجراً حجراً، ونقلتها الى الشام. والله لأمير المؤمنين اكرم على الله من انبيائه)[27]. وكان "خالد زنديقاً، وامه نصرانية، فكان يولي النصارى والمجوس على المسلمين، ويأمرهم بامتهانهم وضربهم. وقد اباح للنصارى ان يشتروا الجواري المسلمات وينكحوهن" [28].

          وكان خالد القسري يقول على المنبر: (اللهم العن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم صهر رسول الله على ابنته، وابا الحسن والحسين). ثم يقبل على الناس، ويقول: هل كنيت ؟ ثم يتبع سب علي بسب الحسن والحسين. فقال عبيد الله السهمي يهجوه:

                          لعن الله من يسب علياً            وحسيناً من سوقة وامامِ

أيسب المطهرون جدوداً            والكرام الآباء والاعمام

ويأمن الطير والحمام ولا        يأمن آل الرسول عند المقام

طبتُ بيتاً وطاب اهلك اهلاً      اهل بيت النبي والاسلام

رحمة الله والسلام عليهم          كلما قام قائم بسلامِ[29]

 الدلالات التأريخية:

          واستشهد الامام زين العابدين (ع) سنة 95 للهجرة حيث دس له الوليد بن عبد الملك الُسم[30]. وفي موقف الامام زين العابدين (ع) من السلطة الاموية الظالمة دلالات نذكرها بالترتيب:

1- طلب المحاربون في الثورات التي قامت للانتقام لدم الامام الحسين (ع)، طلبوا من الامام زين العابدين (ع) النهوض ضد بني امية فابى عليهم اشد الإباء. لأنه كان (ع) يرى ان موقفه الشرعي يتطلب البقاء من اجل حفظ المذهب وشريعة سيد المرسلين. فقد كان انصرافه عن العمل السياسي المسلح من جهة التقية، خصوصاً بعد ان لاحظنا حجم الارهاب والعنف الذي استخدمه بنو امية ضد المناوئين لحكمهم.

2- ان الامام زين العابدين (ع) لاحظ عن قرب ما منيت به الامة من الجهل والفساد الذي صممه الحكم الاموي لها، فانبرى (ع) الى تأسيس مدرسة علمية في الفقه والحديث على مذهب اهل البيت (ع). وكان ذلك في الوقت الذي نشطت فيه المدرسة السنية في الافتاء، بحيث سُمي ذلك العصر بعصر الفقهاء السبعة في المدينة.

3- كان انصرافه الى العبادة والدعاء هو الطريق الامثل لبث علوم آل محمد (ص) وتثبيت دعائمه. فكانت الخسارة التي خسرها ذلك الجيل في تلك الفترة المظلمة من التاريخ بانشغاله بالتقية ومكافحة الارهاب الاموي، قد عوضت بصورة ما عن طريق الانشغال بالدعاء والعلم. وفي ذلك رواية عن الامام الباقر (ع) يقول فيها: (كان ابي اذا نظر الى الشباب الذين يطلبون العلم أدناهم اليه وقال: مرحباً بكم انتم ودائع العلم، ويوشك اذا انتـم صغـار قوم ان تكونوا كبار آخرين)[31].

 خامساً: عصر الامام محمد الباقر (ع) (استشهد سنة 114 هـ)

          والامام الباقر (ع) الذي عايش تلك الاجواء الصعبة، كان قد درب اصحابه واتباعه من شيعة اهل بيت النبوة (ع) على استخدام التقية بشكل فعال للحفاظ على المذهب. وفي ذلك رواية عنه (ع) تكشف طبيعة الجو الذي كانت تعيشه الطائفة تحت الظلم والإكراه. يقول (ع) لبعض اصحابه بشأن ظلم حكام بني امية للشيعة: (...لم نزل - اهل البيت (ع)- نُستذل ونُستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء اوليائنا... وكان عُظْمُ ذلك وكُبْرهُ زمن معاوية بعد موت الحسن (ع)، فُقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقُطعت الايدي والارجل على الظنة. وكان من يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن او نُهب ماله، او هُدمت داره. ثم لم يزل البلاءُ يشتد ويزداد، الى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (ع)، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنّة وتهمة، حتى ان الرجل ليقال له زنديق او كافر أحبّ اليه من ان يقال شيعة علي)[32].

 الهدوء الذي سبق العاصفة:

          ولكن تلك الفترة الصعبة في تأريخ الشيعة تخللها فترة هدوء نسبي استمرت سنتين وخمسة اشهر وخمسة ايام وهي فترة خلافة عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ ) التي اوقف فيها لعن علي بن ابي طالب والحسن والحسين عليهم السلام جميعاً، و"جعل مكانه: (إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمُنكَرِ والبَغْي يعِظُكُم لعلَّكُم تَذكَّرُون)[33] " [34] . وارجع فدكاً الى اولاد فاطمة، وسلمها الى الامام محمد الباقر (ع). فاجتمع عنده رهط من اهل الشام وقالوا: لقد طعنت بفعلك هذا على ابي بكر وعمر اللذين منعا فاطمة فدكاً، ونسبتهما الى الظلم والغضب. قال: (صح عندي ان فاطمة ادعت فدكاً، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله، وهي سيدة نساء اهل الجنة. واني بفعلي هذا اتقرب الى الله ورسوله، وارجو شفاعة فاطمة والحسن والحسين، ولو كنت مكان ابي بكر لصدقت فاطمة، ولم اكذبها في دعواها)[35].

          ولابد ان نتوقف قليلاً عند هذا المفترق. فكيف تهيأ لعمر بن عبد العزيز ان يقف هذا الموقف، وهو الاموي نسباً ونشأةً ؟ ذكر ابن الاثير في حوادث سنة تسع وستين حادثة لها مغزاها في حياة (عمر بن عبد العزيز). يقول عمر: وكنت اقرأ القرآن على بعض ولد عتبة ابن مسعود، فمر بي معلمي يوماً، وانا العب مع الصبيان ونحن نلعن علياً. فكره ذلك، ودخل المسجد، فتركتُ الصبيان، وجئت اليه، لادرس عليه. فلما رآني قام فصلى، وأطال في الصلاة شبه المعرض عني، حتى أحسست منه ذلك. فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي. فقلتُ له: ما بال الشيخ؟ فقال: انت اللاعن علياً منذ اليوم؟ قلت: نعم. قال: متى علمت ان الله سخط على اهل بدر وبيعة الرضوان بعد ان رضي عنهم؟ فقلت: هل كان علي من اهل بدر؟ قال: ويحك، وهل كانت بدر كلها الا له؟ فقلتُ: لا اعود. فقال: تعطيني عهد الله انك لاتعود. قلت: نعم. فلم العنه بعدها[36].

          والدلالة في ذلك ان (عبيد الله بن عبد بن عتبة بن مسعود) استاذ عمر بن عبد العزيز كان مؤمناً بالولاية كاتماً ايمانه تقيةً. ولكن ما ان سنحت الفرصة حتى وظف علمه في خدمة مذهبه الحق الذي آمن به. وهذا الموقف النسبي العادل من قبل عمر بن عبد العزيز، لا يبـرأه من اغتصاب الخلافة من اهلها الشرعيين وهم ائمة اهل البيت (ع) في عصره.

          ولكن التغيير الذي حاول عمر بن عبد العزيز احداثه لم يكن ميسوراً، خصوصاً انه كان يعيش في وسط اموي ظالم تمرس على ظلم الناس ومعاداة اهل بيت النبوة (ع). فعندما ترك عمر بن عبد العزيز سب علي (ع) في الجمعة والجماعة، قام اليه عمرو بن شعيب، يقول: يا امير المؤمنين، السنّة السنّة! يحرضه على السب[37].

 عودة الظلم السياسي والاكراه المذهبي من جديد:

          ولكن عهد عمر بن عبد العزيز لم يستمر طويلاً حتى جاء يزيد بن عبد الملك (ت 105 هـ )، فافتتح عهده بالتمرد على كل ما انجزه سلفه فيما يتعلق بالابتعاد عن الباطل وتعليق سب ذرية النبي (ص)، فارجع الحكم مرة اخرى الى دوامة الظلم والارهاب. فقال في كتابه الى ولاته يجبرهم على جبي الخراج: (اما بعد، فان عمر بن عبد العزيز كان مغروراً، غررتموه انتم واصحابكم. وقد رأيت كتبكم اليه في انكسار الخراج وضريبته، فاذا اتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، واعيدوا الناس الى طبقتهم الاولى، اخصبوا ام اجدبوا، احبوا ام  كرهوا، احبوا ام ماتوا. والسلام)[38]. ثم انتزع فدكاً من ابناء فاطمة بعد ان ردها اليهم سلفه.

          وعندما هلك يزيد بن عبد الملك (ت 105 هـ)، افتتح خلفه هشام بن عبد الملك (ت 125 هـ) عهداً جديداً من الظلم والفساد السياسي استمر عشرين عاماً، فكتب الى عامله بالمدينة خالد بن عبد الملك ان يحبس بني هاشم ويمنعهم من الخروج منها. وهدم دار الكميت شاعر اهل البيت (ع)، وأمر عامله بالكوفة يوسف بن عمر الثقفي ان يقطع لسانه لانه مدح آل رسول الله (ص). وازداد ضغط السلطة على الامام الباقر (ع).

          وهناك نص تأريخي له دلالات. يخاطب احد المقاتلين اصحابه، داعياً لهم الثبات على راية الموالاة لآل البيت (ع): (انكم تُقتلون، وتقطع ايديكم وارجلكم، وتُسمل اعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب اهل بيت نبيكم، وانتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم)[39]. واستشهد الامام الباقر (ع) بالسُم على يد الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك سنة 114 للهجرة.

 الدلالات التأريخية:

          عالج الامام الباقر (ع) موضوع الإكراه والارهاب الاموي عبر التقية عن طريقين:

الاول: وهو الصعيد الفردي، حيث طلب من شيعته المؤمنين الصابرين الى اخفاء الحق من اجل التحرز من الموت والهلاك. فخاطبهم (ع): (التقية في كل ضرورة، وصاحبها اعلمُ بها حين تنـزل به)[40]، و(التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم، فقد احله الله له)[41].

الثاني: وهو الصعيد الفقهي العام، فقد دعا المؤمنين بالولاية الشرعية، في حالات الشك في صدور الحديث منه بداعي التقية، الى مخالفة احكام العامة او بتعبير ادق مخالفة الخط الفقهي المداهن للسلطة الاموية الظالمة. كما ورد في (غوالي اللآلي) عن العلامة الحلي مرفوعاً الى زرارة عندما سئل الامام الباقر (ع) عند ورود حديثين متعارضين عن ائمة اهل البيت (ع) فبأيهما يأخذ، فقال (ع): (...انظر ما وافق منهما العامة فاتركه، وخُذ بمـا خالـف فإن الحق فيما خالفهم....)[42]. وهذا الحديث المبنائي خطير للغاية، لانه وضع جداراً فاصلاً بين الاحكام الشرعية التي صدرت بسبب التقية مخافة محو اصل الدين وبين الاحكام الشرعية الواقعية التي تصدر من اجل تبيين وظيفة المكلّف الشرعية في مقام الامتثال.

  سادساً: عصر الامام جعفر الصادق (ع) (استشهد سنة 148 هـ)

          امتدت امامة الامام السادس من ائمة اهل البيت (ع) جعفر الصادق (ع) الى حوالي 34 سنة. وهي فترة طويلة نسبياً، حيث عايش انحطاط الدولة الاموية وبروز الدولة العباسية. ففي زمن امامته توالى على الحكم الاموي: هشام بن عبد الملك (ت 125 هـ)، والوليد بن يزيد بن عبد الملك(ت 126هـ )، ومروان الحمار الذي قتل سنة 132 هـ وانتهت بمقتله الدولة الامويـة. وابتدأت منذ ذلك التأريخ الدولة العباسية. ومن خلفائها الذين عايشهم الامام (ع): السفاح (ت 136 هـ) الذي اشتهر بهذا اللقب لكثرة ما سفك من الدماء، والمنصور الدوانيقي (ت 158 هـ) الذي دس السم للامام (ع) فُقتل مسموماً سنة 148 هـ .

          وسار هشام بن عبد الملك على نفس سياسة الظلم والطغيان التي استخدمها اسلافه. فخرج زيد بن علي في ثورة واسعة اشترك فيها خلق كثير مـن الاشراف والعلماء والمؤمنين، ولكنه واجه جيشاً اموياً قوي العدة والعدد. فقتلوا زيداً واصحابه المؤمنين الصابرين. وكان يحيى بن زيد حريصاً على دفن ابيه بسرعة بحيث لايُعلم بموضعه. ولكن الامويين علموا بموضعه فنبشوا القبر، واخرجوا الجثمان ومثلوا به فقطعوا رأسه وصلبوه على خشبة. وبقي خمس سنوات مصلوباً حتى جاء الوليد بن يزيد فكتب الى عامله بالكوفة أن احرق زيداً بخشبته، وأذر رماده. ففعل واذرى رماده على شاطىء الفرات[43].

          اما الوليد بن يزيد بن عبد الملك (ت 126 هـ) فكان متهتكاً خليعاً، ومن شعره:

انما الكأس ربيع باكر             فاذا لم نذقها لم نعش

          وفي مروج الذهب: ان الوليد قرأ ذات يوم قوله تعالى: (واستَفْتَحُوا وخَابَ كُلُّ جبّارٍ عنيدٍ من ورائهِ جهنَّمُ ويُسقَى من مآءٍ صديدٍ)[44]، فدعا بالمصحف ونصبه غرضاً للنشاب، واقبل يرميه ويقول:

أتُوِعدُ كلَّ جبـار عنيـد         فها انا ذاك جبّار عنيـد

اذا ما جئِتَ ربك يومَ حشر      فقل يارب خَرّقَنِي الوليـد[45]

بروز الدولة العباسية:

          وعندما اضمحلت سلطة الامويين استغل بنو العباس سخط الرعية على بني امية ومعارضة الشيعة لحكمهم، فتظاهروا بالالتفاف حول راية اهل البيت (ع) ومحاولة اسقاط الامويين من اجل ارجاع حقوق بني فاطمة (ع). ولكن ما ان تسلموها حتى عادت ذكريات ظلم بني امية الى الساحة السياسية والاجتماعية، بل اصبح الظلم الذي مارسه بنو العباس اشد ضراوة من ظلم بني امية.

 الشواهد التأريخية على ظلم السفاح والمنصور:

1- ان السفاح ارسل (محمد بن صول) والياً على الموصل، فامتنع اهلها عن طاعته. وسألوا السفاح ان يولي عليهم غيره، فارسل اليهم اخاه (يحيى) في اثني عشر الف مقاتل، فخافه اهل الموصل. فنادى بالامان، ولما أمنوا على انفسهم قتلهم قتلاً ذريعاً، واسرف في التقتيل حتى غاصت الارجل في الدماء. فلما كان الليل سمع (يحيى) صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فأمر بقتل النساء والاطفال. واستمر التقتيل ثلاثة ايام[46].

2- كان المنصور يجلس، ويُجلس الى جنبه واعظاً، ثم تأتي الجلاوزة في ايديهم السيوف، يضربون اعناق الناس. فاذا جرت الدماء، حتى تصل الى ثيابه يلتفت الى الواعظ ويقول له: عظني! فاذا ذكرّه الواعظ بالله اطرق المنصور كالمنكسر، ثم يعود الجلاوزة الى ضرب الاعناق، فاذا ما اصاب الدماء ثياب المنصور ثانية، قال لواعظه: عظني[47].

3- ان المنصور قد جمع ابناء الحسن (ع)، وأمر بجعل القيود والسلاسل في ارجلهم واعناقهم وحملهم في محامل مكشوفة وبغير وطاء، ثم اودعهم مكاناً تحت الارض لايفرقون فيه ضياء النهار وسواد الليل... فاشكل عليهم اوقات الصلاة، فجزأوا القرآن خمسة اجزاء. فكانوا يصلّون على فراغ كل واحد منهم من حزبه... وكانوا يقضون الحاجة في مواضعهم. فاشتدت عليهم الرائحة...]فكان الواحد منهم يموت[ مرضاً وعطشاً وجوعاً[48].

4- دعا المنصور محمد بن عبد الله العثماني وكان اخاً لابناء الحسن من امهم، فأمر بشق ثيابه... ثم ضرب مائة وخمسون سوطاً، فاصاب سوط منها وجهه فقال: ويحك اكفف عن وجهي. فقال المنصور للجلاد: الرأس الرأس، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً واصاب احدى عينيه سوط فسالت الدماء على وجهه، ثم قتله[49].

5- ان المنصور احضر محمداً بن ابراهيم بن الحسن (ع)، وكان احسن الناس صورة، فقال له: انت الديباج الاصفر، لاقتلنك قتلة لم اقتلها احداً. ثم أمر به فبُني عليه اسطوانة، وهو حي، فمات فيها [50].

6- دلّ المنصور امرأة ابنه المهدي وولي عهده على بيت، واستحلفها ان لاتفتحه الا بعد وفاته بحضور زوجها. وبعد هلاكه فتحه المهدي واذا فيه رؤوس من قتل من الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها انسابهم وفيهم اطفال[51].

          وعلّق صاحب كتاب (النـزاع والتخاصم) على ذلك قائلاً: "واين هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمدية، وسيرة ائمة الهدى؟ اين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من رحمة النبوة. وتالله ما هذا من الدين في شيء. بل هو من باب قول الله سبحانه: (فهَلْ عسَيتُمْ إن تَولَّيتُمْ أن تُفْسِدُوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحَامَكُم. أولئِكَ الذينَ لَعَنهُمُ اللهُ فأصمَّهُم وأعمى أبصَارَهُم)[52] " [53] .

7- لما بنى المنصور الابنية ببغداد جعل يطلب العلويين طلباً شديداً، ويضع من ظفر به منهم في الاسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر. فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه عليه شعر اسود، من ولد الحسن بن علي ابن ابي طالب (ع). فسلمه الى البناء الذي كان يبني له، وامره ان يجعله جوف اسطوانة ويبني عليه. ووكل عليه من ثقاته من يراعي ذلك. وحين اراد البنّاء ان يدخله حياً في الاسطوانة اخذته الرقة والرحمة، فترك في الاسطوانة فرجة يدخل منها الريح، فقال للغلام: لا بأس عليك فاصبر فاني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة اذا جنّ الليل.

          ولما جنّ الليل اتاه، واخرجه من الاسطوانة. وقال له: اتق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيّب شخصك، فاني انما اخرجتك خوفاً ان يكون جدك رسول الله (ص) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل. فقال له الغلام: فان كان هذا هكذا فعرّف امي اني قد نجوت وهربت لتطيب نفسها ويقلّ جزعها. فقال البنّاء: فانتهيتُ اليها في الموضع الذي دلني عليه، فسمعت دوياً كدوي النحل من البكاء فعلمتُ انها امه، فدنوت منها وعرّفتها خبر ابنها، واعطيتها شعره وانصرفت[54].

8- عن محمد الاسقنطوري انه قال: "دخلتُ يوماً على المنصور الدوانيقي، فوجدته في فكر عميق. فقلتُ له: ما هذا الفكر؟ قال: قتلتُ من ذرية فاطمة بنت محمد الفاً او يزيد، وتركتُ سيدهم ومولاهم. فقلتُ: ومن ذاك؟ قال: قد عرفت انك تقول بإمامته، وانه امامي وامامك وامام جميع هذا الخلق..."[55]. وعندها كتب المنصور الى عامله ان يحرق على الامام الصادق (ع) داره، ثم دس اليه السم فمات مسموماً [56] سنة 148 هـ .

 اسلوب الامام الصادق (ع) في مواجهة ظلم الدوانيقي:

          وامام هذا الجو السياسي الماكر الذي تزول من مكره الجبال، كان الامام الصادق (ع) محتاطاً اشد الاحتياط. فمن اجل الحفاظ على المذهب والطائفة، فقد استخدم الامام (ع) بعض الاساليب لمواجهة المحنة:

1- التأكيد الشديد على فكرة "التقية" عبر تعليمات موجهة لاتباعه من شيعة اهل البيت (ع). ومن تلك التعليمات:

أ- رواية ابو بصير عن الامام الصادق (ع) قال: (لا خير فيمن لا تقية له، ولا ايمان لمن لا تقية له) [57]. والرواية تامة سنداً.

     وهناك روايات اخرى غير تامة السند، نعرضها فيما يلي كمؤيد للرواية الاولى. منها:

ب- رواية عبد الاعلى بن اعين، قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول: (انه ليس احتمال امرنا التصديق له والقبول فقط. من احتمال امرنا ستره وصيانته عن غير اهله، فاقرئهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترّ مودة الناس الينا، حدثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ماينكرون)[58]. ولكن هذه الرواية ضعيفة سنداً بـ (محمد بن سنان) الذي لم تثبت وثاقته.

ج- رواية معلّى خنيس قال: قال ابو عبد الله (ع): (يا معلّى اكتم امرنا ولاتذعه فانه من كتم أمرنا ولم يذعه اعزه الله به في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده الى الجنة. يامعلّى من اذاع أمرنا ولم يكتمه اذله الله به في الدنيا، ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمةً تقوده الى النار. يامعلّى ان التقية من ديني ودين آبائي، ولادين لمن لاتقية له...)[59]. والرواية غير تامة سنداً بـ (عبد الله بن يحيى) الذي لم يرد توثيق له في كتب الرجال.

د- رواية القاسم شريك المفضل قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول: (خلق في المسجد يشهرونا ويشهرون انفسهم، اولئك ليسوا منّا، ولا نحن منهم، انطلق فاُداري واستر فيهتكون ستري، هتك الله ستورهم...)[60]. وسند الرواية غير تام بالراوي نفسه (القاسم الصيرفي شريك المفضل) الذي لم يوثقه علماء الرجال، مع انه قد وصف في رجال سند هذه الرواية بانه رجل صدق. ولكن ذلك غير كاف في توثيقه. وسياق الرواية لايتناسب مع بلاغة المعصوم (ع) ومذاقه الشرعي في مخاطبة الناس.

          ودلالة تلك الروايات ينمّ عن فكرة التشديد على حكم التقية، الذي قد وصل الى مرحلة الوجوب في تلك الفترة الدقيقة من عمر الاسلام ومذهب اهل البيت (ع).

2- اعطاء احكام خاصة تخالف الاحكام الواقعية، مخافة انزال الضرر بالمؤمنين.

          وفي ذلك رواية عن سلمة بن محرز قال: قلتُ لابي عبد الله (ع): ان رجلاً... مات واوصى إليَّ بتركة، وترك ابنته. قال: فقال: (أعطها النصف). قال: فاخبرتُ زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، انما المالُ لها. قال: فدخلتُ عليه بعد ذلك فقلتُ: أصلحك الله، ان اصحابنا زعموا انك اتقيتني. فقال: (لا والله ما اتقيتك، ولكني اتقيتُ عليك ان تضمـن. فهل علـم أحد؟) فقلت: لا. قال: (اعطها ما بقي)[61].

3- امضاء تستر الاصحاب. فكان الموقف الدقيق يقتضي ذلك التستر، وفي ذلك وثيقة تأريخية تفصح عن ان (هارون بن خارجة الانصاري) اراد زيارة الامام الصادق (ع)، وكان (ع) انذاك بالحيرة. وقد منع ابو العباس السفاح الدخول عليه. فذهب هارون ولم يقدر على لقائه. فرأى بائع خيار يلبس جبة صوف. فاشترى منه الخيار كله واستعار جبته وذهب ينادي على الخيار حتى دنا من ابي عبد الله (ع)، فدخل عليه وسأله عما اراد...[62]. فامضى الامام (ع) اسلوب تستره عن عيون السلطة الظالمة.

4- القدح في خواص الاصحاب من اجل حفظ حياتهم وحقن دمائهم.

          وفي ذلك رواية عن عبد الله بن زرارة قال: قال لي ابو عبد الله (ع): (اقرأ مني على والدك السلام، وقل له: اني انما اعيبك دفاعاً مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون الى كل من قرّبناه وحمدنا مكانه لإدخال الاذى في من نحبه ونقربه، ويذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون ادخال الاذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عيبناه نحن...

          فانما اعيبك لانك رجل اشتهرت بنا وبميلك الينا، وانت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الاثر لمودتك لنا ولميلك الينا، فاحببت ان اعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منا دفع شرهم عنك، يقول الله عز وجل: (أمَّا السّفِينةُ فكانَتْ لمساكينَ يعمَلُونَ في البحرِ فأردتُ أنْ أعِيبَها وكانَ ورآءَهُم مَّلِكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصباً)[63]. هذا التنـزيل من عند الله. ]السفينة[ صالحة، لا والله ما عابها الا لكي تسلم من الملك ولاتعطب على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ، والحمد لله. فافهم المثل يرحمك الله...)[64].

5- عدم الاشتراك بالثـورة التي قادها زيد بن علي(ت 121 هـ)  ضد هشام بن عبد الملك (ت 125 هـ). لان الامام الصادق (ع) كان يدرك على ضوء رؤيته المسددة آلهياً مسؤولياته الشرعية في بناء الاساس العلمي للمدرسة الفقهية الامامية التي ستستمر شامخة الى قيام يوم الدين.

 الدلالات التأريخية:

1- ان المعركة السياسية بين الظالم والمظلوم تعدت مرحلة الإكراه السياسي الى مرحلة الإكراه المذهبي. فقد نشطت في تلك المرحلة قضايا الفتاوى والآراء الفقهية المناوئة لاهل البيت (ع)، خصوصاً تلك التي اتخذت مباني مغايرة تماماً لمباني الاستنباط عند فقهاء اهل البيت (ع). وقد اُريد لتلك الفتاوى المبنية على القياس والمصالح المرسلة ان تكون في قبال النص الذي كان لايزال مستمراً في المدرسة الشيعية. فاصبح الوضع المعقد بحاجة الى لون من التقية يحافظ فيها على روح النص الشرعي من جهة ويحافظ فيها على ارواح المؤمنين بالولاية الشرعية من جهة اخرى. ومن هذا المنظار نفهم طبيعة احكام التقية التي استخدمها الامام الصادق (ع).

2- ان سلوك الامام الصادق (ع) في تلك الفترة كان متطابقاً مع جوهر فكرة التقية الداعية الى حفظ المذهب على المدى البعيد. فعن طريق مدرسة الامام الصادق (ع) الفقهية استعاد مذهب اهل البيت (ع) نشاطه الفكري، واخضرّت شجرة النبوة، وازدهرت الولاية الشرعية حتى مع ذلك الضغط والإكراه السياسي الذي لمسناه ونحن نقرأ الشواهد التأريخية التي تحدثت عن الارهاب الدموي الذي استخدمه بنو امية وبنو العباس.

3- ان انصراف الامام الصادق (ع) الى الجانب العلمي يكشف عن ان العلم كان ويبقى وسيلة فعالة من وسائل مكافحة الظالمين. فعدم الاشتراك بالثورات والانتفاضات، تقيةً، عوضها التعمق بالجانب العلمي والاخلاقي للرسالة السماوية. فما ارادته الثورات والانتفاضات من حلم نشر التشيع وتحقيق العدالة بين الناس، حققه العلم عن طريق تثبيت اسس الدين في النفوس ومن ثم نقل المعارف الدينية الى الاجيال القادمة.

سابعاً: عصر الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) (استشهد سنة 183 هـ)

          عاصر الامام الكاظم (ع) زمن امامته جزءً من خلافة المنصور (ت 158 هـ)، وخلافة كل من: المهدي (ت 169 هـ)، والهادي (ت 170 هـ)، وجزءً من خلافة الرشيد (ت 193 هـ). وقد كانوا جميعاً يضمرون العداء لآل البيت (ع)، خصوصاً الرشيد الذي كان "شديد الوطء على العلويين وشيعتهم يتتبع خطواتهم ويقتلهم" [65]. و"كان يكره الشيعة منذ صباه... فلما تولى الخلافة أمر باخراج الطالبيين جميعاً من بغداد الى المدينة" [66].

 صور من واقع الارهاب العباسي:

          في عصر المهدي (ت 169 هـ )، كان الوضع السياسي على اشده من حيث الارهاب السياسي والكبت والقهر. الا ان المهدي كان مسرفاً مع اهل الغناء والفجور، فقد "بسط يده في العطاء، فاذهب جميع ما خلّفه المنصور، وكان ستمائة مليون درهم، واربعة عشر مليون دينار سوى ما جباه في ايامه..." [67].

        وتعكس قصة عيسى بن زيد الثائر التي نقلها ابو الفرج الاصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين) طبيعة الوضع السياسي الخانق. وفي القصة دلالات لايمكن تجاهلها. يقول ابو الفرج: "كان عيسى افضل من بقي من اهله ديناً وعلماً، وورعاً، وزهداً، وتقشفاً، واشدهم بصيرة في امره ومذهبه، مع علم كثير، ورواية للحديث...

          هرب عيسى من الخليفة المهدي، واختبأ في الكوفة في دار بعض الشيعة، وهو علي ابن صالح. ثم رأى ان يتخذ عملاً يعتاش منه، ولايكون كلاً على احد. وكان اهل الكوفة ينقلون الماء من الفرات الى بيوتهم على الجمال وسائر الحيوانات. فاتفق عيسى مع صاحب جمل على ان يستقي على الجمل، ويدفع له كل يوم اجراً معيناً، ويتقوت هو بما يبقى. وهكذا بقي امداً طويلاً، وهو متنكر، وتزوج امرأة من فقراء الكوفة لاتعرفه هي ولا اهلها.

          وكان لعيسى اخ اسمه الحسين بن زيد، وكان لهذا الاخير ولد يدعى يحيى. فقال يحيى يوماً لابيه: يا ابه، اني ارغب ان ارى عمي عيسى؛ فانه يقبح بمثلي ان لايلقى مثله من اشياخه. فقال له: ان هذا الامر يثقل عليه واخشى ان ينتقل من منـزله كراهية للقائك اياه، فتزعجه. فما زال يحيى يلح على ابيه، حتى طابت نفسه وقال له: اذهب الى الكوفة فاذا بلغتها فسل عن دور بني حي. وهناك سكة تسمى كذا، وسترى داراً لها باب صفته كذا. فاجلس بالقرب منها، فانه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه، قد اثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يسقي الماء على جمل، لايضع قدماً ولايرفعها الا ذكر الله، ودموعه تنحدر. فقم وسلم عليه وعانقه، فانه سيذعر منك كما يذعر من وحش. فعرّفه نفسك وانتسب له. فانه يسكن اليك ويحدثك طويلاً، ويسألك عنا جميعاً ويخبرك بشأنه، ولايضجر بجلوسك معه. ولاتطل عليه، ودعه، فانه سوف يستعفيك من العودة اليه. فافعل ما يأمرك به من ذلك، فانك ان عدت اليه توارى عنك، واستوحش منك، وانتقل من موضعه، وعليه من ذلك مشقة.

          قال يحيى: ذهبت الى الكوفة، وفعلت ما امرني به ابي، وحين عانقت عمي عيسى ذعر مني كما يذعر الوحش من الانس ]كما قال ابي[. فقلت: يا عم انا يحيى بن الحسين بن زيد، انا ابن اخيك. فضمني اليه وبكى. ثم اناخ حمله، وجلس معي. فجعل يسألني عن اهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة، وصبياً صبياً. وانا اشرح له اخبارهم، وهو يبكي. ثم قال: يابني، انا استقي على هذا الجمل الماء، فاصرف ما اكتسب من اجرة الجمل الى صاحبه، واتقوت باقيه. وربما عاقني عائق عن استقاء الماء، فاخرج الى البرية فالتقط ما يرمي الناس به من البقول، فاتقوته.

          وقد تزوجت الى رجل ابنته، وهو لايعلم من انا الى وقتي هذا. فولدت مني بنتاً. فنشأت وبلغت، وهي ايضاً لاتعرفني، ولاتدري من انا. فقالت لي امها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء، وهو رجل من جيراننا، فانه ايسر منا، وقد خطبها. وألحت عليَّ، فلم ازل استكفي الله امرها، حتى ماتت البنت بعد ايام. فلم اجدني آسي على شيء من الدنيا أساي على انها ماتت، ولم تعلم بموضعها من رسول الله (ص). قال يحيى: ثم اقسم عليّ عمي ان انصرف، ولا اعود اليه، وودعني[68].

          وفي هذه القصة دلالات تكشف عن ابعاد الوضع المأساوي للطائفة الشيعية في القرن الثاني الهجري، وهي:

1- ان الوضع الامني كان يجبر علماء اهل البيت (ع) ومن الذرية الطيبة الطاهرة على التخفي عن انظار الناس والعمل الشاق من اجل كسب لقمة العيش.

2- ان العلاج الطبيعي لتلك الحالات النفسية التي صورتها الرواية كان يكمن في شرعية التقية. فلولا التقية لم يبق لاولئك الصابرين أثر يذكر في الاجيال التي لحقت جيلهم البائس.

3- ان رسوخ ارتباطهم بالولاية الشرعية كان ملفتاً للنظر. فلم يكن الالم في ترك الاهل والاحبة محور الكلام، بل كان ألمه ان ابنته ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (ص).

 الهادي العباسي وقتلى فخ:

          وفي عهد الهادي (ت 170 هـ) لقي اهل بيت النبوة (ع) صنوف العذاب، فقد خرج الحسين بن علي بن الحسن على الحكم العباسي الظالم سنة 168 هـ ، فقُتل هو واكثر من كان معه بمكان يسمى فخ على بعد ستة اميال من مكة المكرمة، وبقي القتلى "ثلاثة ايام لم يُواروا حتى اكلتهم السباع والطير، ومن اسر منهـم قُتل صبراً" [69] . والى ذلك اشار الامام محمد الجواد (ع) قائلاً: "لم يكن لنا بعد الطف  مصرع اعظم من فخ" [70].

 ارهاب الرشيد ضد آل الرسول (ص):

          اما الرشيد (ت 193 هـ) فقد كان طاغوت عصره في المكر والخداع السياسي والارهاب، بحيث كان همه افناء المعارضة السياسية والدينية من طرف العلويين. وفي ذلك شواهد:

1- قال (حميد بن قحطبة الطائي الطوسي)[71]: بعث الرشيد رسولاً يطلبني في بعض الليل، وقال لي فيما قال: خذ هذا السيف، وامتثل ما يأمرك به الخادم. فجاء بي الخادم الى دار مغلقة، ففتحها واذا فيها ثلاثة بيوت وبئر. ففتح البيت الاول واخرج منه عشرين نفساً عليهم الشعور والذوائب، وفيهم الشيوخ والكهول والشبان، وهم مقيدون بالسلاسل والاغلال، وقال لي: يقول لك امير المؤمنين اقتل هؤلاء. وكانوا كلهم من ولد علي وفاطمة فقتلتهم الواحد بعد الواحد، والخادم يرمي باجسامهم ورؤوسهم في البئر. ثم فتح البيت الثاني، واذا فيه ايضاً عشرون من نسل علي وفاطمة، وكان مصيرهم كمصير الذين كانوا في البيت الاول. ثم فتح البيت الثالث، واذا فيه عشرون، فالحقهم بمن مضى، وبقي منهم شيخ، وهو الاخير، فقال: تباً لك يا ميشوم اي عذر لك يوم القيامة عند جدنا رسول الله وقد قتلت من اولاده ستين نفساً قد ولدهم علي وفاطمة (ع)؟ فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي. فنظر اليّ الخادم مغضباً وزبرني، فقتلت الشيخ، ورمى به في تلك البئر [72].

2- ان المأمون قال زاعماً: (ما زلت احب اهل البيت (ع)!! واظهر للرشيد بغضهم تقرباً اليه، فلما حج الرشيد كنتُ معه. ولما كان بالمدينة دخل عليه الامام موسى بن جعفر (ع)، فأكرمه، وجثى على ركبتيه، وعانقه يسأله عن حاله وعياله. ولما قام الامام نهض الرشيد وودعه باجلال واحترام. فلما خرج سألت ابي، وقلت له: من هذا الذي فعلت معه شيئاً لم تفعله باحد سواه؟ فقال لي: هذا وارث علم النبيين، هذا موسى بن جعفـر، فان اردت العلـم الصحيح فعند هذا )[73].

          وهذه الرواية تستبطن وجهين:

الاول: حقيقي، وهو الاقرار بعلم الامام موسى الكاظم (ع).

الثاني: مفتعل، وهو الاقرار بحب المأمون لاهل البيت (ع).

         وعن طريق الوجه الحقيقي يراد توصيل الرسالة المفتعلة الى الامة للايحاء بان المأمون والرشيد معتصمان بحبل ائمة اهل البيت (ع). والتحقيق، انهما لو كانا بالفعل بتلك الدرجة من التعلق بالولاية الشرعية وبعلم النبوة، فلمَ أصرّا على سياستهما في التعذيب والمطاردة والقتل والتشريد والاضطهاد؟ وسياق الرواية يدل على انها من مفتعلات السلطة العباسية.

3- كان علي بن يقطين وزيراً للرشيد ولكنه كان شيعياً مقرباً عند الامام الكاظم. "فكتب الى الامام الكاظم (ع) يسأله عن الوضوء؟ فكتب اليه ابو الحسن (ع): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء. والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يديك من اصابعك الى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر اذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك الى الكعبين ثلاثاً، ولاتخالف ذلك الى غيره.

          فلما وصل الكتاب الى علي بن يقطين تعجب مما رسمه له ابو الحسن (ع) فيه مما اجمعت العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي اعلم بما قال، وانا امتثل امره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لامر ابي الحسن (ع).

          وسُعي بعلي بن يقطين الى الرشيد، وقيل: انه رافضي مخالف لك، فامتحنه الرشيد من حيث لايشعر. فلما نظر الى وضوئه، ناداه: كذب من زعم انك من الرافضة. فصلحت حاله عنده. وورد عليه كتاب ابي الحسن (ع): ابتدىء من الآن- يا علي بن يقطين- وتوضأ كما أمرك الله تعالى: اغسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك، والسلام" [74].

          وفي مورد آخر ان علي بن يقطين بعث بهدية للامام (ع) فانه (ع) أخذ شيئاً منها ورد الباقي واوصاه بالاحتفاظ به. حتى حصلت وشاية على علي بن يقطين من قبل خادم له، فبعث خلفه الرشيد وسأله عن الدراعة لعلمه انها اُهديت لموسى بن جعفر، لكن علي ابن يقطين اجاب هي موجودة عندي مختومة بختمي لايفكها أحد. ولما جيء بها ورآها هارون تغيّر وعاد الى وضعه مع علي بن يقطين. وروي ان علي بن يقطين ضاق قلبه من اعمال الظلمة، وكان يراجع الامام (ع) ليأذن له في الترك، فلم يأذن له الامام ويقول له: (لا آذن لك بالخروج من عملهم واتق الله).

          وفي قضية علي بن يقطين دلالات مهمة نستعرض بعضاً منها:

1- وجوب العمل مع الظالم اذا اقتضى ذلك انقاذ رقاب المؤمنين، كما سنبحثه في الفصل الخامس: الدليل الفقهي باذنه تعالى.

2- ان الضابطة في تشخيص الروايات التي وردت تقية هي ما وافقت العامة وهو الخط المائل مع السلطة الظالمة، كما يستظهر ذلك ايضاً من رواية اخرى عن الامام (ع): (...انظر ما وافق منهما العامة فاتركه، وخذ بما خالف فان الحق فيما خالفهم...)[75]. ولكن عندما يرتفع الإكراه وتسنح الفرصة لاظهار الحق، فان الامام (ع) يبادر فوراً الى بيان الحكم الشرعي الطبيعي.

3- ان تصرفات علي بن يقطين ظاهرة في انه كان ينفذ احكام التقية بدقة. فظاهره كان يخالف ما استقر عليه قلبه.

 ابعاد اخرى من الارهاب السياسي ضد اهل البيت (ع):

          وفيما يلي بعض الروايات التي تبيّن اختناق الوضع السياسي:

      قال هشام بن سالم: كنا بالمدينة بعد وفاة جعفر الصادق (ع)، فقعدنا في بعض ازقة المدينة... ونحن كذلك اذ رأيت شيخاً يومىء اليَّ بيده فخفتُ ان يكون عيناً من عيون ابي جعفر المنصور.

          وفي اخرى: كلما جاء من يسأل الامام (ع) من اصحابه فقال له الامام (ع): سل تُخبر ولاتذع، فإن اذعت فهو ذبح.

          وفي ثالثة: انه قال للسائل: اذا هدأ الرِجل وانقطع الطريق فاقبل[76].

          وخلال اشتداد المحنة عندما اودع الامام الكاظم (ع) السجون، تحذرت الشيعة من الكلام بحيث عندما كانوا يروون عن الامام الكاظم (ع) كانوا يقولون: حدثنا العبد الصالح، او حدثنا العالم، او الرجل وامثال ذلك تقية وتورية.

          وفي سنة 179 هـ ارسل الرشيد جلاوزته الى الامام موسى بن جعفر، وكان يتعبد عند قبر جده رسول الله (ص)، فاخرجوه منه، وقيدوه وهو يقول مخاطباً جده: اليك اشكو يا رسول الله (ص)[77]. وارسله الرشيد الى البصرة، وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عنده سنة. ولما جاءه امر الرشيد بقتل الامام (ع) امتنع عيسى عن ذلك واجاب الرشيد بانه اجتهد ان يأخذ عليه حجة فما قدر على ذلك. فحبسه الرشيد ببغداد عند الفضل بن الربيع، ثم عند الفضل بن يحيى، ثم عند السندي بن شاهك حيث دُس اليه السُم. فاستشهد (ع) مسموماً سنة 183 هـ .

 الدلالات التأريخية:

1- استمرار مأساة اهل البيت (ع) في القرن الثاني الهجري وبضراوة لم يسبق لها مثيل.

2- يعتبر سجن الامام الكاظم (ع) اول تجربة للظالم من هذا النوع في محاربة ائمة اهل البيت (ع). فلم يتجرأ حاكم غير الرشيد ولحد تلك الفترة على سجن احد ائمة اهل البيت (ع). فقد كانت سياستهم دس السم لهم او قتلهم مباشرة.

3- ظهور بوادر تعاون بعض المؤمنين كعلي بن يقطين مع الظالم تقيةً من اجل انقاذ رقاب الشيعة وقضاء حوائجهم الى الحد الذي تسمح به الظروف الاجتماعية والسياسية.

(تليها صفحات 113 - 134)

 

 اللاحق                    السابق                صفحة التحميل               الصفحة الرئيسية


 

[1]  مروج الذهب - المسعودي ج 3 ص 107.

[2]  اي دون ثياب.

[3]  مروج الذهب – ج 3 ص 175.

[4]  تأريخ ابن الجوزي.

[5]  تأريخ ابن الاثير – ج 4 ص 80.

[6]  في رأسه اعجر: أي في رأسه نتوء.

[7]  مروج الذهب ج 3 ص 152.

[8]  تأريخ ابن الاثير – ج 4 ص 26. ط 1357هـ.

[9]  تأريخ ابن الاثير – ج 4 ص 86.

[10]  الجلاوزة: الشرطة.

[11]  شرح نهج البلاغة- ابن ابي الحديد ج 1 ص 114.

[12]  تأريخ ابن الاثير – ج 4 ص 27.

[13]  يريد به عثمان.

[14]  يريد به معاوية.

[15]  يريد به يزيد.

[16]  اي لا.

[17]  اي ضربنا عنقه.

[18]  العقد الفريد – ج 4 ص 171 حوادث سنة 65- 86 هـ. ط 1953م.

[19]  الامامة والسياسة – ابن قتيبة ج 2 ص 60.

[20]  مروج الذهب – ج 3 ص 170.

[21]  يعني الوليد بن عبد الملك.

[22]  يعني النبي ابراهيم (ع).

[23]  يعني بها ماء زمزم.

[24]  يعني البئر التي حفرها الوليد.

[25]  ابن الاثير – حوادث سنة 89هـ.

[26]  يعني الوليد بن عبد الملك.

[27]  الاغاني – ابو الفرج الاصفهاني ج 19 ص 59.

[28]  المصدر السابق.

[29]  شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 3 ص 476 ، ج 1 ص 366.

[30]  الصواعق المحرقة – ابن حجر ، ص 53.

[31]  حلية الاولياء- ج 3 ص 140.

[32]  شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 11 ص 43-44. وقريب منه عن أبان في كتاب (سليم بن قيس) ص 108.

[33]  سورة النحل: الآية 90.

[34]  تأريخ ابن الاثير – حوادث سنة تسع وستين.

[35]  سفينة البحار – ج 2 ص 272. طبعة 1355هـ.

[36]  ابن الاثير – حوادث سنة تسع وستين.

[37]  الامالي الخميسية – ج 1 ص 153.

[38]  العقد الفريد – ج 5 ص 176. ط 1953م.

[39]  تأريخ الطبري – ج 7 ص 104 حوادث سنة 65.

[40]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 25 ح 2. ج 11 ص 468.

[41]  المصدر السابق.

[42]  غوالي اللآلي – ج 4 ص 133.

[43]  مقاتل الطالبيين – ص 90- 98.

[44]  سورة ابراهيم: الآية 15- 16.

[45]  مروج الذهب – ج 2 ص 228.

[46]  تاريخ ابن الاثير – ج 4 ص 340. ط 1357هـ.

[47]  العقد الفريد – ج 1 ص 41.

[48]  مروج الذهب – ج 3 ص 310. والنـزاع والتخاصم بين امية وبني هاشم – المقريزي ص 74 المطبعة الابراهيمية.

[49]  ابن الاثير – ج 4 ص 375.

[50]  ابن الاثير- ج 4 ص 375. ومقاتل الطالبيين ص 136.

[51]  النـزاع والتخاصم ص 76.

[52]  سورة محمد: الآية 22- 23.

[53]  النـزاع والتخاصم ص 76.

[54]  عيون اخبار الرضا (ع) – ج 1 ص 90.

[55]  شرح شافية ابي فراس في مناقب آل الرسول ومثالب بني العباس – ص 171.

[56]  شرح شافية ابي فراس – ص 559. والصواعق المحرقة – ابن حجر.

[57]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 24 ح 29. ج 11 ص 466.

[58]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 32 ح 5. ج 11 ص 484.

[59]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 32 ح 6. ج 11 ص 485.

[60]  الوسائل – كتاب الامر بالمعروف باب 33 ح 1. ج 11 ص 485.

[61]  الكافي – كتاب المواريث. باب ميراث الولد، ح 3. ج 7 ص 86.

[62]  الخرائج والجرائـح –  القطب الراونـدي ج 2 ص 642. وبحـار الانوار ج 47 ص 171، وج 104 ص 154.

[63]  سورة الكهف: الآية 79.

[64]  بحار الانوار ج 2 ص 247. ورجال الكشي ص 138.

[65]  العقد الفريد – ج 1 ص 142.

[66]  الكامل – ابن الاثير ج 6 ص 47.

[67]  مروج الذهب – ج 3 ص 322.

[68]  مقاتل الطالبيين – ص 269.

[69]  مروج الذهب – ج 3 ص 336.

[70]  بحار الانوار – المجلسي ج 48 ص 165.

[71]  مجهول لم تذكره كتب الرجال. والمجهولية لا تعني كذب الحديث، بل تعني عدم كونه حجة الى ان تثبت حجيته.

[72]  عيون اخبار الرضا (ع) –  الشيخ الصدوق. ج 1 ص 89.

[73]  عيون اخبار الرضا (ع) – ج 1 ص 74.

[74]  الارشاد – الشيخ المفيد ج 2 ص 227- 228. ووسائل الشيعة – الحر العاملي  ج 1 ص  444- 445.                   

[75]  غوالي اللآلي – ج 4 ص 133.

[76]  الارشاد – الشيخ المفيد.

[77]  المناقب – ج 2 ص 385.