(ص 65 - 86)

 الفصل الرابع

 الدليل التأريخي

   الوظيفة التأريخية للتقية* نماذج من التأريخ الامامي* الفترات المظلمة التي عاصرها ائمة اهل البيت (ع) .

 ----------------------------

           من المؤكد ان فهم الحوادث التأريخية وتحليل مضامينها ومداليلها يمنحاننا بُعداً ايجابياً في فهم طبيعة الإكراه والظلم والقهر الذي كان يتعرض له الموالون للولاية الشرعية المتمثلة بائمة الهدى (ع) الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. فمعرفة حجم الإكراه يعني فهم افضل لمبررات تطبيق "التقية" عبر التأريخ، خصوصاً وان ذلك التأريخ كان مشحوناً بصفحات مؤلمة لايقوى على هضمها الا من له قلب قادر على التحسس العميق للمعاناة والالم الانسانيين.

 الوظيفة التأريخية للتقية

          لاشك ان الطبيعة العدوانية للظالم، على اختلاف العصور، تكشف عن رغبة ذاتية عند الظالم لاستخدام العنف ضد المناوئين قتلاً وانتقاماً وارعاباً. فالسلوك العدواني منسجم تماماً مع البيئة الضيقة التي يعيشها الحاكم الظالم بين جدران قصر يدير من خلاله ظلمه للرعية. وسلوك الظالم المُكرِه لايعتبر سلوكاً، بالمعنى التأريخي، بقدر ما يعتبر موقفاً ناتجاً من فساد رؤيته للمصالح الاجتماعية والدينية. فهو يرى الدين والمؤمنين به من زاوية سلطته السياسية وبقائه في سدة الحكم،  لا من زاوية حق الفرد بالايمان بالغيب وما يتبع ذلك الايمان من مقتضيات وتبعات ومسؤوليات. ولذلك فهو إن احس بان هؤلاء المؤمنين سائرون على خط العدالة ومناوئة الظلم، فلابد ان يبطش بهم.

          ونستلهم من قراءة التأريخ ان للتقية وظائف تأريخية خطيرة منها:

1- حفظ التوازن الاجتماعي بين الحق والباطل. فلو انتصر الباطل، وليس هناك من يحفظ الايمان والولاء في القلوب لتحقق هدف الظالم النهائي وهو: محقُ الدين ورسالة العدالة السماوية من الوجود. اذن فان التقية تؤدي لاحقاً، وبعد زوال الإكراه والظلم وتقليص دور الباطل، الى انسجام اجتماعي ينعم به الافراد في المجتمع، وتماسك اجتماعي بين القلة المضطهدة زمن  الإكراه.

2- ان مشروعية التقية تسلب جزءً من الهموم التأريخية الثقيلة التي يولدها الإكراه الخارجي على الجماعة المُكرَهة. فاحساس تلك الجماعة في ذلك الظرف الاستثنائي بانها تستطيع ان تحافظ على ايمانها قلبياً وتعلن، في الوقت نفسه، إنكاراً ظاهرياً للولاية او كلمة الجحود يساعدها على معايشة المحنة الصعبة معايشة واقعية. فهذه الرخصة الشرعية تجعل الجماعة تمارس حياة اجتماعية طبيعية في ظرف حالك، في الوقت الذي تخبي فيه ايماناً قوياً بمبدأها. فموقفها مثل النار المشتعلة تحت ذلك الرماد الظاهري. وتلك وظيفة تأريخية مهمة للاجيال المتلاحقة، فما ان يزول الرماد حتى ترجع شعلة الايمان والولاء متقدة في السلوك الخارجي للمؤمنين.

3- ان التقية تجرد الظالم من احد اهم اركان ظلمه، وهي انها تضع للمظلوم املاً وتعلّمه بان وقت الظلم محدود ومؤقت، ولابد للإكراه من ان ينقضي وتنهار آثاره السلبية. وهذا الامل يجعل التيار الفكري للطائفة المضطَهدة جارياً ببطىء وحذر، لكنه غير منقطع، كما اراد الظالم ذلك.

 نماذج من التأريخ الامامي

          وقد التزم ائمة اهل البيت (ع) وفقهاؤهم بمبدأ التقية على الصعيد الاجتماعي عندما تعرضوا للظلم والاضطهاد والتعذيب والتشريد والتقتيل. وكان قد اخبرهم بذلك رسول الله (ص) قائلاً: (إنا أهلُ بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا. وإن اهل بيتي سيلقونَ بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً...)[1] . وقد لقوا ما نبأهم به رسول الله (ص) بعد وفاته خصوصاً في العهدين الاموي والعباسي. فاستثمروا الرخصة الشرعية استثماراً تاماً من اجل صيانة الرسالة وايصالها الى الاجيال اللاحقة.

       وفيما يلي نعرض نماذج منتخبة لما جرى على ائمة الهدى (ع) من آل الرسول (ص) واتباعهم المؤمنين بولايتهم من ظلم وإكراه. والهدف من هذا العرض هو اعطاء فكرة تأريخية واضحة حول المبررات الشرعية التي دعت ائمة اهل البيت (ع) واتباعهم ومحبيهم الى ممارسة التقية خلال تلك العصور:

 اولاً: عصر أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) (استشهد سنة 40 هـ)

          في حياة امير المؤمنين (ع) فترتان:

الاولى: فترة الصبر على نقض عهد الولاية، التي عاشها (ع) خلال حكم الخلفاء الثلاثة واستمرت مدة خمس وعشرين سنة.

والثانية: فترة الفعل والحكم السياسي التي استمرت اربع سنين وتسعة اشهر.

 أ ـ فترة الصبر على نقض العهد:

          لاشك ان كل الشواهد التأريخية تدل على ان الامام امير المؤمنين (ع) كان قد فوجئ ببيعة الخليفة الاول في وقت كان (ع) مشغولاً فيه بتكفين رسول الله (ص) ودفنه. وعندها، أحس (ع) ان الخلافة الشرعية التي اوصى بها رسول الله (ص) يوم الغدير قد سُلبت من اصحابها. وكان ذلك واضحاً من سلوك القوم تجاه السلطة السياسية والدين. ولكنه (ع) لم يطالب بالخلافة بالسيف حين تولاها ابو بكر لانه كان (ع) يعلم ان قضية الصراع لم تكن وليدة الامس، بل ان هناك من كان يخطط لذلك حتى في عهد رسول الله (ص). فاشار (ع) الى ذلك قائلاً: (والله ما منعني الجبن، ولا كراهية الموت، ولكن منعني عهد اخي رسول الله (ص) اذ قال: يا ابا الحسن ان الامة ستغدر بك، وتنقض عهدي، وانت مني بمنـزلة هارون من موسى. فقلتُ: ماذا تعد إليَّ يا رسول الله اذا كان ذلك؟ فقال: إن وجدت اعواناً فبادر اليهم وجاهدهم، وإن لم تجد اعواناً فكفّ يدك وإحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً. ثم قال: ان لي اسوة بسبعة انبياء:

اولهم: نوح، إذ قال: (...أني مَغلُوبٌ فانتَصِرْ)[2].

والثاني: ابراهيم الخليل، حيث قال: (وأعتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِن دوُنِ اللهِ...)[3].

والثالث: ابن خالته لوط، الذي قال لقومه: (...لو أنَّ لي بِكُم قُوَّةً أو آوِى إلى رُكنٍ شَديدٍ)[4].

والرابع: يوسف، إذ قال: (...رَبِّ السِّجنُ أحَبُّ إليَّ مما يدعُونَني إليهِ...)[5].

والخامس: موسى، حيث قال: (فَفَررتُ مِنكُم لمَّا خِفْتُكُمْ...)[6]. والسادس: هارون، الذي قال: (...إنَّ القومَ استضعَفُوني وكادُوا يَقتُلُونَني...)[7].

والسابع: محمد (ص) لما هرب من المشركين الى الغار).

          ويشير (ع) ايضاً في خطبته الشقشقية: (وطفقتُ ارتئي بين ان اصول بيد جذاء[8] ، او اصبر على طخية عمياء[9] يهرمُ فيها الكبير ويشيبُ فيها الصغير ويكدحُ فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيتُ ان الصبر على هاتا احجى)[10].

          وفي تلك النصوص التأريخية دلالات على ان الامام امير المؤمنين (ع) رأى ان السكوت الظاهري عن وظيفته الشرعية في ادارة امور المسلمين بعد وفاة رسول الله (ص) كان امراً شرعياً واجباً. وهذا يعبّر - في بعض الوجوه - عن اظهار فعل مخالف لما استقر عليه القلب من ايمان راسخ بالوظيفة الشرعية للمعصوم (ع) في ادارة المجتمع. وهو بذاته يعكس جوهر فكرة التقية التي نحن بصددها.

 السكوت من اجل اعلاء كلمة الحق:

          لقد وجد امير المؤمنين (ع) نفسه وحيداً بعد دفن رسول الله (ص)، حيث يقول في كتاب له الى اهل مصر: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيتُ إن لم انصر الاسلام واهله ان ارى فيه ثلماً او هدماً يكون المصيبة به عليَّ اعظم من فوت ولايتكم، التي انما هي متاعُ ايام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب. فنهضتُ في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه)[11].

     وهذه التقية من مولى الموحدين التي كان قوامها النهوض بعد زوال الباطل، كان هدفها حفظ الاسلام. لان الدين كان في خطر وهو لا يزال غضاً جديداً، وحالة الانحراف والارتداد ممكنة. فآثر السكوت على مواجهة القوم. فكان سكوتاً من اجل اعلاء كلمة الحق. وهذا هو روح فكرة التقية في الاسلام، كما لمسنا ذلك سابقاً.

      ولقد كان امير المؤمنين (ع) يعي دوره الخطير في حفظ شوكة الاسلام في وقت لم يكن الدين قد تمكن من نفوس الكثير من المسلمين الذين كانوا قريبي عهد بالاسلام. فلو ثار على الخط السياسي الجديد بعد سقيفة بني ساعدة لاصبحت تلك الثورة مدعاة لتشتت كلمتهم، وهم على ما هم عليه من ضعف في العقيدة وقلّة في العدد مع كثرة الاعداء من الروم والفرس. وقد كان الخط السياسي الجديد على وعي من تلك الحقيقة؛ إذ "كان ابو بكر وعمر وابو عبيدة وجماعة من الاصحاب لايمرون بأحد الا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد ابي بكر يبايعه شاء ذلك او ابى" [12] . ولما تأكدوا من ان الامام لايقاتل بحال، لقلة الناصر وضعف العقيدة بين الناس، خيروه بين القتال وبين المبايعة. فبايع مكرهاً دفعاً لاخطر الضررين.

      وسكت (ع) عن حقه الشرعي مدة خمس وعشرين سنة، وكان شعاره : (لأسلِّمنَّ ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن فيها جور الا عليَّ خاصة إلتماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زهوه وزبرجه)[13].

الدلالات التأريخية:

          وفي تلك المواقف والاحداث دلالات، منها:

1- ان الامام امير المؤمنين (ع) كان يلمس واقعاً ان خروجه المسلح على القوم فيه هدمٌ لاركان الدين وشريعة سيد المرسلين (ص). فآثر سلوكاً خارجياً مخالفاً لما كان يعتقده ويجزم به من ايمان بالوصاية الشرعية من قبل رسول الله (ص).

2- ان الاعتزال عن القوم او الهجرة المعبَّر عنها بالهرب او الفرار في ظروف استثنائية من اجل حقن الدم وحفظ العقيدة، كان قد عمل بها رسل الله (ص) وانبياؤه كنوح وابراهيم ولوط ويوسف وموسى وهارون عليهم السلام جميعاً. وعندما هاجر رسول الله (ص) من مكة الى المدينة، فانه (ص) كسر حاجز الخوف من المشركين. وهذه كلها حالات مؤقتة للخروج من الحالة الاستثنائية التي احدثها الظالم ضد المؤمنين. وما ان تكسرت قيود الظلم، حتى ارتفعت مبررات التقية.

3- ان الامام امير المؤمنين (ع) كان ينظر الى القضية الكلية للاسلام. فتقيته في قضية الولاية في عهد الخلفاء الثلاثة كانت تنبع من خشيته على ثلم الاسلام. خصوصاً وان الوضع الجديد بعد وفاة رسول الله (ص) كان لايتورع عن إلحاق الضرر بمباني الاسلام في العقيدة والاحكام الشرعية.

 ب ـ فترة الحكم والمحنة السياسية:

          وعندما تولى امير المؤمنين (ع) الخلافة بعد مقتل عثمان، اتخذ الخط السياسي الجديد تصعيداً غريباً في النـزاع. فبعد ان اغتصبوا حقه (ع)، وخيّروه بين القتال والمبايعة، وقرنوه في الشورى مع من لايجمعه واياهم جامع شرعي او عرفي، اصبح الموقف الجديد يتمثل بالمطالبة بدم الخليفة المقتول عثمان. وكان ذلك من المواقف التي تبناها الامويون لتقويض الخلافة الشرعية لامير المؤمنين (ع). فكانت الشام، على صعيدي المال والجنود، قاعدة لذلك. وكان معاوية بن ابي سفيان العقل المدبر على صعيد المكر والدهاء والتآمر. اما بقية الامصار الاسلامية كالعراق والحجاز واليمن ومصر وفارس فقد كانت تحت سيطرة الامام (ع). ولذلك، فان الامويين واجهوا جبلاً صلداً من المقاومة المؤمنة ضد خططهم السياسية والعسكرية. فلم يكن لهم خيار الا الارهاب والارعاب والسلب والنهب والتآمر، وقد استخدموه بفعالية وبصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الاسلامي.

 معاوية : رمز العصيان والفساد السياسي 

          لقد جمع معاوية من حوله مجموعة من الاشقياء امثال: سفيان بن عوف، والضحاك ابن قيس، والنعمان بن بشير، وبسر بن ارطأة، وعمرو بن العاص واشباههم الذين استخدموا اساليب الارعاب والارهاب لترويع المسلمين الآمنين. وكانت تلك الاساليب عوامل حاسمة في تحقيق حلم ابي سفيان في ارجاع السلطة الى احفاده وذريته، وابعاد ذرية رسول الله (ص) عن المسرح السياسي والاجتماعي والديني لدولة المسلمين.

          فسفيان بن عوف الغامدي حاول ارعاب الناس وسلبهم وقتلهم تنفيذاً لاوامر سيده معاوية التي قال فيها: (اني باعثك في جيش كثيف ذي اداة وجلادة، فإلزم لي جانب الفرات، حتى تمر بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جنداً فأغر عليها، وامضِ حتى تغير على الانبار. فإن لم تجد بها جنداً فامضِ حتى تغير على المدائن. ثم اقبل إليّ. واتقِ ان تقرب الكوفة، واعلم انك إن أغرت على اهل الانبار واهل المدائن، فكأنك غرت على اهل الكوفة. ان هذه الغارة ياسفيان على اهل العراق ترعب قلوبهم، وتجريء كل من كان له هوىً منهم، وتدعو الينا كل من كان يخاف الدوائر. وخرب كل ما مررت به من القرى، واقتل كل من لقيته ممن ليس على رأيك، واحرب الاموال[14] فانه شبيه بالقتل، وهو اوجع للقلوب)[15] . وعندما تم قتل الآمنين الموحدين وتم سلب اموالهم وترويعهم، رجع سفيان ابن عوف الى معاوية هاتفاً: (...فو الله ما غزوتُ غزاةً كانت أسلمَ ولا أقرّ للعيون، ولا أسرّ للنفوس منها. وبلغني والله انها أرعبت الناس)[16] ! فكان جواب معاوية: (كنت عند ظني بك، لا تنـزل في بلد من بلداني الا قضيتَ فيه مثل ما يقضي فيه اميرُهُ...)[17] !

          وكان الامام امير المؤمنين (ع) كلما اراد قتال هؤلاء الاشقياء، تباطأ اهل الكوفة في الخروج معه، ورأوا الحرب حملاً ثقيلاً فخاطبهم وفي قلبه (ع) مرارة: (...الا واني قد دعوتكم الى جهاد عدوكم ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً. وقلت لكم: اغزوهم قبل ان يغزوكم، فو الله ما غُزي قوم قط في عقر دارهم الا ذُلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم... حتى شُنت عليكم الغارات في بلادكم، ومُلكت عليكم الاوطان. وهذا اخو غامد[18]  قد وردت خيله الانبار. فقتل اشرس بن حسان، فازال مسالحكم[19] عن مواضعها. وقتل منكم رجالاً صالحين. ولقد بلغني ان الرجل من اعدائكم كان يدخل على المرأة المسلمة، والمعاهدة، فينتزع خلخالها من ساقها، ورُعثها[20] من أذنها فلا تمتنع منه، ثم انصرفوا وافرين... فيا عجباً عجباً! والله يميثُ[21] القلب ويجلب الهم، ويسعر الاحزان من اجتماع هؤلاء على باطلهم وتفرّقكم عن حقكم... فحتى متى؟ والى متى؟ يا اشباه الرجال ولا رجال، وياطغام الاحلام، احلام الاطفال، وعقول ربات الحجال[22]. والله يعلم لقد سئمتُ الحياة بين اظهركم، ولوددتُ ان الله يقبضني الى رحمته من بينكم، وليتني لم اركم ولم اعرفكم...)[23]. واذا كان هذا حال اهل العراق مع امير المؤمنين (ع)، فان اهل الباطل كانوا اكثر تحمساً لتنفيذ مآربهم الشخصية التي كانت تتنافى حتى مع اعراف عرب الجاهلية فضلاً عن اخلاق الدين الحنيف.

          فـ (الضحاك بن قيس الفهري) كان من هؤلاء الذين لم يتورعوا عن تنفيذ ما كان يوكل اليه من قتل ونهب. فدعاه معاوية واغدق عليه بالمال والسلاح وأمره بالسير حتى يمر بناحية الكوفة، ويرتفع عنها ما استطاع فمن وجده من الاعراب في طاعة علي، فيغير عليه. وإن وجد له مسلحة او خيلاً، فيغير عليها. واذا اصبح في بلد فيمسي في اخرى. ولا يقيمنّ لخيل بلغه انها قد سرحت اليه ليلقاها فيقاتلها[24]. ثم جهزه بثلاثة الى اربعة آلاف مقاتل. فاسرف الضحاك في القتل والفتك والسلب والنهب، وعندها دعا الامام امير المؤمنين (ع) حجر بن عدي الكندي وعقد له اربعة آلاف مقاتل. فخرج يتعقب الضحاك حتى لقيه بناحية تدمر فاقتتلوا. ولكن ما ان جن الليل حتى هرب الضحاك الى الشام لايلوي على شيء.

      ولم يكن الغدر والفرار هو الاسلوب الوحيد في معارك هؤلاء الامويين. بل انهم عندما كانوا يتعرضون لسيف الامام (ع) ويواجهون الموت استخدموا اساليب بعيدة عن الاخلاق طمعاً في انصراف الامام (ع) عن قتلهم.

          فقد كان (بسر بن ارطأة) ممن حارب الامام امير المؤمنين (ع) في صفين، حتى اذا قاربه (ع) طعنه، فسقط على الارض فكشف عورته كما فعل عمرو ابن العاص من قبله. فانصرف (ع) عنه مدبراً. وبعد ان نجا بسر بن ارطأة من القتل، جهزه معاوية بثلاثة آلاف مقاتل، وأمره بان يسير حتى يمر بالمدينة، فيطرد الناس، ويخيف من مرَّ به، وينهب اموال كل من يصيب له مالاً، ممن لم يكن دخل في طاعتهم. فاذا دخل المدينة فيريهم انه يريد انفسَهم، ويخبرهم انه لا براءة لهم عنده ولا عذر[25]. فـ "قتل بسر بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرها. وكذلك بالجرف قتل خلقاً كثيراً من رجال همدان. وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً" [26].

          وعندما ترك بسر بن ارطأة المدينة وتوجه الى مكة، قتل في طريقه رجالاً ونهب اموالهم. فبلغ خبره اهل مكة، فهرب اكثرهم خوفاً من جوره وطغيانه. ومر بنجران فقتل جماعة، وقام خطيباً في اهلها، وقال: (يا اهل نجران، يا معشر النصارى واخوان القرود، اما والله إن بلغني عنكم ما اكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل وتهلِكَ الحرث وتخرب الديار)[27]. وقتل، وهو في طريقه الى صنعاء، ابا كرب وهو من رؤوس الشيعة وسيد من كان في البادية من حمدان. وحين دخل صنعاء اعمل في اهلها من القتل والسلب ما لايوصف.

 دلالات الاحداث:

          ولابد ان نتعامل هنا مع دلالات ما حصل ايام فترة خلافة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، على وِفق النقاط التالية:

1- استخدم الامويون وعلى رأسهم معاوية بن ابي سفيان ولاية الشام كقاعدة لزعزعة حكم الامام (ع) على الامصار الاسلامية. وكان حكم الامام (ع) يمثل جوهر العدالة الاجتماعية والحقوقية والدينية التي جاء بها الاسلام.

2- استخدم معاوية جميع اساليب الارعاب والترويع من قتل وسلب وهتك للاعراض، خصوصاً للموالين لاهل بيت النبوة (ع) والمناوئين لحكم آل امية. وكان اسلوب آل امية الغدر ثم الفرار. فلم تكن المعركة متكافئة اخلاقياً. فائمة الهدى (ع) كانوا يمارسون اخلاقاً سماوية في العفو والرحمة والانصراف عن العدو عندما يتوجب اخلاقياً ممارسة تلك الاعمال. بينما كان الطرف الآخر يستخدم اخس الاساليب من اجل النجاة من الموت وتسلق اسوار السلطة لاحقاً.

3- تقاعس اهل العراق عن نصرة الدين والامام المعصوم (ع). وتلك الحالة تستدعي وقفة للتحليل العلمي. فلاشك اننا نقصد بالمتقاعسين: المجموعة الجديدة من الافراد التي لم تؤمن بعمق بولاية اهل البيت (ع). ولكنها في الوقت نفسه لم تنصب العداء لهم. فهي سالمت بين نقيضين هما:

اولاً: ولاية الامام المعصوم الواجب الطاعة، وما يتبع الايمان بتلك الولاية من جهاد وتقوى وعدالة اجتماعية.

ثانياً: حب المنافع الدنيوية بكل ما تمثله من دعة وراحة وليونة عيش.

          فكان الامام (ع) واضحاً في كشف تناقضهم. فهم يؤمنون بالحق، ولكنهم متفرقون عنه. لان الاجتماع على الحق يعني الجهاد والقتال وطاعة الامام المعصوم (ع) بشكل كلي. فهؤلاء، ليسوا رجالاً، لانهم مشدودون الى قطبين متناقضين:

الاول: حب الدنيا.

الثاني: وجوب التكليف الشرعي.

     مثلهم مثل الصبيان الذين يحبون ما يضرهم ويتركون ما هو سر وجودهم وجوهر حياتهم. فهم كما وصفهم امير المؤمنين (ع): اشباه الرجال ولا رجال، حلوم الاطفال، وعقول ربات الحجال.

4- سيطرة الامويين بشكل كامل على الوضع السياسي والاجتماعي بعد استشهاد الامام امير المؤمنين (ع)؛ لنجاح اساليب القتل والترويع في كم افواه الناس وتقليم اظافرهم.

          وبكلمة، فان اساليب الارهاب والارعاب التي نفذها فريق من الافراد ممن كانت انفسهم مبنية على الانحطاط والخسة وممن اجتذبهم بريق المال، من المحاولات الهامة في تثبيت مباني الظلم والإكراه من قبل حكام بني امية ضد المضطهدين من الامة. وما ان استشهد الامام امير المؤمنين (ع) حتى كان الامام الحسن (ع) على ادراك تام لما سيواجهه وشيعته من ايام صعبة قادمة، حيث يكون المنفذ الوحيد في الخروج من تلك المحنة هو التظاهر بسلوك مخالف لما استقر عليه القلب من ايمان بالاسلام والولاية.

 ثانيا: عصر الامام الحسن بن علي(ع) (استشهد سنة 49 هـ)

          وكان الامام الحسن (ع) مصمماً على قتال معاوية. لكن تخاذل اهل العراق وترجيحهم الدعة والامان على القتال وخيانتهم له، قد اغلقت ابواب الجهاد المسلح ضد الحكم الاموي.

          ويبدو من رسائل الامام الحسن (ع) الى معاوية انه (ع) كان مصمّماً على مواجهة الباطل باي ثمن. ففي كتابه (ع) الى معاوية بعد وفاة امير المؤمنين (ع) والمبعوث مع جندب بن عبد الله الازدي دلالات على عمق فهم الامام (ع) للوضع السياسي الذي كانت تعيشه الامة. يقول الامام الحسن (ع): (...فلما توفي رسول الله (ص) تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته واولياؤه ولا يحلّ لكم ان تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقه. فرأت العرب ان القول كما قالت قريش وان الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد (ص) فأنعمت لهم العرب وسلمت ذلك. ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها. إنهم اخذوا هذا الامر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا اهل بيت محمد (ص) واوليائه الى محاجتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد الله وهو الولي النصير. وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا صلى الله عليه وآله وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين ان يجد المنافقون والاحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به، او يكون لهم بذلك سبب لما ارادوا به من فساده. فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من اهله لا بفضل في الدين معروف ولا اثر في الاسلام محمود وانت ابن حزب من الاحزاب، وابن اعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الله خيّبكَ، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار. تالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلاّم للعبيد...) [28].

          ولكن عندما تبين ان فساد معاوية وخداعه السياسي اخذ يمتد في الآفاق عبر شراء الضمائر والنفوس، بدأت بعض الشخصيات الضعيفة في الكوفة ممن بايعت الامام الحسن (ع) بمغازلة معاوية وخطب وده. فقد راسل معاوية بعضاً من هؤلاء المنافقين امثال: عمرو ب