(ص 49 - 64)

الفصل الثالث

 الدليل الاجتماعي

 التقية و"الاتفاق على عدم الاتفاق"* التقية في اللغة والمصطلح* التقية وديمومة المجتمع* التقية والظالم: من وجهة نظر اجتماعية* التقية والتفاعل الاجتماعي.  

-----------------------------

         لاشك ان للتقية آثاراً اجتماعية على الحاكم والمحكوم والمجتمع بصورته الكلية الرحيبة. فالإكراه والقهر يؤديان الى صراع فكري وثقافي ومذهبي، او الى معركة "ضمائر" تشترك في خوضها الفئة المُكرَهة باطارها الجماعي - وليس الفردي المجرد - ضد السلطان الجائر.

          وعلى الصعيد الفكري فاننا لانستطيع ان نشخص الطبيعة الفكرية للتقية ما لم نفهم الربط العقلي بين معنى التقية في اللغة والمصطلح وبين الادراك الداخلي الذي يراه القلب او الضمير.

          ولاشك ان التفاعل الفكري بين المُكرَه والمُكرِه ليس صراعاً اجتماعياً محضاً، بقدر ما هو صراع فكري مع الادراك الذاتي للنفس ايضاً. فعدم القدرة على الاختيار يتطلب وضعاً فكرياً خاصاً للنفس في الحذر والحيطة من الضرر.

 التقية و"الاتفاق على عدم الاتفاق"

          من الطبيعي ان كل مجتمع انساني لابد ان يعيش إحدى حالتين: اما حالة التكامل والانسجام، واما حالة الصراع والتنافس. وتبرز حالتا الانسجام او الصراع كلما يلتقي فردان ويحصل بينهما تفاعل اجتماعي من نوع ما. ولكن عندما يتكاثر عدد الافراد وتزداد النوايا المتضاربة وتتضارب الدوافع المتباينة، فان حالة الصراع تشتد، وتصبح الحاجة الى نظام ديني وعقلائي قوية اكثر من اي وقت مضى. واذا لم يبادر الدين لحل المشاكل الاجتماعية التي يولدها الصراع، فان العلاقات الانسانية ستتكسر وتتحطم على صخرة المصالح الشخصية المتضاربة.

          ومن وجهة نظر فكرية، فان كل فردين يريدان تفاعلاً اجتماعياً من نوع ما، فانهما يجب ان يختارا احد تلك العلاقتين: اما علاقة انسجامية (اي تعاون ومساعدة وتآخي) واما علاقة صراعية (اي قهر وإكراه وتسابق غير مشروع)، وهذه الحالة يمكن توسيع حدودها من نطاق هذين الفردين الى نطاق المجتمع ككل.

          والرسالة الدينية نظرت إلى العلاقتين فشجعت العلاقة الانسجامية بما فيها من تعاون ومساعدة وتآخي، وادانت العلاقة الصراعية، ووضعت ضوابط لمنع حدوثها.

          ولم تتوقف الرسالة الالهية عند إدانة العلاقة الصراعية بل انها وضعت شروطاً للتعامل معها متى ما حصلت في ظروف استثنائية. ومن تلك الشروط شرط الإعداد القلبي للمواجهة. فهنا يمكن ان نعتبر التقية - على الصعيد الفكري- رخصة آلهية للفرد على عدم الاتفاق قلبياً مع الظالم، فكأنها (إتفاق على عدم الإتفاق)، كما المحنا الى ذلك في مقدمة  هذا الموضوع.

          وبطبيعة الحال فان الإكراه الخارجي يتطلب تفاعلاً اجتماعياً بين المُكرِه والمُكرَه. وقد يكون الطرفان (المُكرِه والمُكرَه) شخصين بصفتهما المجردة، وقد يكون الإكراه بين فرد ظالم ومجموعة من الافراد، وقد يكون بين مجموعتين من الافراد. وعلى اي تقدير، فان مقدمات الإكراه تحصل عندما يقوم الطرفان بمحاولة تحقيق اهدافهما بشكل متعاكس تماماً. فالظالم يريد ان يحقق هدفه في السيطرة السياسية او الاجتماعية عن طريق استخدام القوة والارعاب، بينما يريد الافراد تحقيق اهدافهم في ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية عن طريق الممارسة العلنية. فهنا يحصل التعاكس والاصطدام. ولما كان الظالم يملك وسائل القوة والتسلط فانه قادر مادياً على كبت اهداف الافراد في ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية. فاذا حصل ان الجماعة قد غُلبت على امرها عن طريق حاكم ظالم، فان ذلك الصراع سيتحول الى صراعين:

الاول: مع الظالم.

الثاني: مع النفس.

       وقدرة الظالم على لوي ذراع الجماعة يحصر الصراع مؤقتاً بالصراع الثاني وهو صراع المظلوم مع نفسه اللوامة. فكانت شرعية الرخصة ناظرة الى تخفيف هذا الصراع النفسي الذي قد يحرق الذات وما فيها من معتقدات وافكار.

          ومما لاشك فيه ان الظلم يسلب القدرة على الاختيار. بمعنى ان الفرد يجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ القرار بالايمان العلني بعقيدة او بمذهب ما بسبب تعرضه الى ظلم يدفعه الى طريق معاكس لطريقه الاول الذي اختاره بنفسه. فالعمل بالتقية هنا هو تنفيذٌ لحكم شرعي تكليفي يخفف من حجم الاصطدام الذاتي الناشىء من إكراه الظالم. لأن المظلوم إن اعلن ولاءه الذاتي للظالم فقد خرج عن الدائرة التي وضعها له الدين.  وإن اعلن مخالفته الصريحة للظالم قُتل واباد بذلك مجتمعه الايماني الصغير الذي كبّل بالقيود، وهو عين ما اراده المُكرِه الظالم. فكان "الاتفاق على عدم الاتفاق" الوسيلة الفعالة لمعالجة ظلم الظالمين وتحطيم ظلمهم لاحقاً.

          ومن اجل فهم أدق لمعنى التقية على النطاق الاجتماعي، كان لابد من تشريح معنى الكلمة لغوياً وتقديم تعاريفها العلمية.

 التقية في اللغة والمصطلح

          لم يكن مصطلح "التقية" بعيداً عن معاني العرب وفهمهم، وقد استخدمه القرآن الكريم بمعناه الحقيقي عندما صرح (...إلا أن تتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً...)[1] . وقالت العرب: (الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضرّه، يقال وقيتُ الشيء أقيه وقاية ووقاء...)[2]. و(وزن تُقاة فُعَلَة، مثل تُؤَدة، وتخمة ونكأة وهي مصدر اتقى تقاة، وتقية، وتقوى، واتقاء)[3]. والتقية هي: (الحذر والحيطة من الضرر، والاسم: التقوى، واصلها: إوتقى، يوُتقي، فقُلبت الواو الى ياء للكسرة قبلها، ثم اُبدلت الى تاء واُدغمت، فقيل: اتقى، يتقي)[4]. وقد ورد في الحديث: (تَبَقَّهْ وَتَوقَّهْ) بمعنى استبقِ نفسك ولاتعرضها للتلف، وتحرّز من الآفات واتّقها[5]. وفي المأثور: "قلتُ: وهل للسيف من تقية؟ قال: (نعم؛ تقية على إقذاء، وهدنة على دخن). ومعناه: إنهم يتقون بعضهم بعضـاً، ويُظهرون الصلح والاتفاق، وباطنهم بخلاف ذلك"[6].

 تعريفات التقية :

          وقد تضافر علماء الاسلام من المدرستين السنية والشيعية على تقديم افضل ما يمكن تقديمه من تعاريف للتقية.

        اخترنا ثلاثة منها من المدرسة السنية وهي:

1- "التقيـة: الحـذر من اظهار ما في النفس من معتقد وغيره، للغير" [7]. وذلك عن طريق "ان يقي الانسان نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه" [8].

2- هي "ما يقال او يُفعل مخالفاً للحق لأجل توقي الضرر" [9].

3- "ان يقول الانسان، او يفعل ما يخالف الحق؛ لاجل التوقي من ضرر الاعداء، فيما يعود الى النفس، او العرض، او المال" [10].

          واخترنا ثلاثة تعاريف من المدرسة الامامية وهي:

1- "التقية: كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين او الدنيا. وفرض ذلك اذا علم بالضرورة، او قوي في الظن؛ فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحق، ولا قوي في الظن ذلك، لم يجب فرض التقية" [11]. وذكر ايضاً: "وقد أمر الصادقون (عليهم السلام) جماعة من اشياعهم بالكف والإمساك عن اظهار الحق والمباطنة والستر له عن اعداء الدين والمظاهرة لهم بما يزيل الريب عنهم في خلافهم وكان ذلك هو الاصلح لهم. وأمروا طائفة اخرى من شيعتهم بمكالمة الخصوم ومظاهرتهم ودعائهم الى الحق لعلمهم بانه لاضرر عليهم في ذلك. والتقية تجب بحسب ماذكرناه ويسقط فرضها في مواضع اخرى على ما قدمناه" [12].

2- وهي "الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس" [13].

3- وهي "التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول او فعل مخالف للحق" [14].

 الدلالات العلمية للتعاريف:

          وتلك التعاريف لها دلالات علمية يمكن تلخيصها بالموارد التالية:

أ- ان ظرف وجوب التقية يتحقق عندما يكون هناك: حقٌ ينبغي كتمانه، وسلوك ظاهري ينبغي ان يسلك من طرف المكلّف، وظالمٌ يريد إكراهاً بالمظلومين بما يعقب ضرراً في الدين او الدنيا. والمناط في الوجوب هو حفظ جوهر الدين من عبث الظالم الذي لايتورع عن محو الرسالة الالهية من الخارطة الاجتماعية.

ب- اطمئنان النفس على الحق والدفاع عنه ذاتياً، عن طريق التظاهر بفعل يخالف ما انطوى عليه القلب. والاطمئنان على الشيء يعني الثبات والرسوخ. ولاشك ان الفعل الظاهري المخالف لايزعزع ذلك الاطمئنان الداخلي ولا يشتته.

ج- توقي الضرر المعتبر على الصعيدين الديني والدنيوي. فهذه الرخصة الشرعية اعطت المكلّف اجازة نفسية وعقلية بالحذر والحيطة من وقوع ذلك الضرر.

د- وجود الظالم او المُكرِه، بقوة، في تلك الاجواء التي استدعت فرض التقية.

          فهو وإن لم يُذكر منطوقاً في تعاريفهم، الا ان المفهوم يوحي بان وجود الظالم والمخافة من فعله بضرر ديني او دنيوي هو الذي اوجب تلك الرخصة الشرعية.

          ولاشك ان سعة تلك التعاريف او ضيقها قد تباينت من فقيه لآخر، لانهم لم يكونوا بصدد تعريف جامع مانع يجمع الشتات ويمنع الاغيار. بل كان تطابق لفظ "التقية" على معناه المعرَّف واضحاً الى درجة اننا لم نلمس اعتراضاً ذا قيمة من قبل احدهم عليها.

 التقية وديمومة المجتمع

          كان الصراع الاجتماعي التأريخي بين السلطات الاموية والعباسية الظالمة من جهة وائمة اهل البيت (ع) من جهة اخرى قائماً على شرعية القيم الدينية والاخلاقية. ففي حين كان ائمة اهل البيت (ع) يطمحون لإقامة مجتمع العدالة الالهية كان الحكام الظلمة يحاولون بشتى الاساليب السيطرة على منابع القوة والسلطة السياسية والمواقع الاجتماعية المتميزة. إذ حاول الطرف الاموي ثم العباسي تحييد، ثم جرح، ومن ثم قتل الطرف الشرعي بكل ما يمثله من ثقل فكري وقدسية ممتدة الى رسول الله (ص). بل حاول ذلك الطرف الظالم محو وجود ائمة اهل البيت (ع) من الساحة الدينية والفكرية لضمير الفرد المسلم.

 ايجابية الصراع ضد الباطل:

          ولكن ذلك الصراع، لم يكن في كل الاحوال سلبياً، بل كان ايجابياً يصبّ في مصلحة المدرسة الشيعية الامامية. فقد كان الإكراه من قبل الظالم - بالعنوان الثانوي- وسيلة من وسائل تماسك اتباع مدرسة اهل البيت (ع) على قلّتهم في العدد والمورد، حتى ان ذلك الإكراه جعلهم كالبنيان المرصوص في مواجهة المحن والمصائب الجماعية. خصوصاً وان التركيبة الاجتماعية في تلك العصور كانت توالي الظالم، لانها كانت مبنية على القبلية وعلى بعض الاعراف الجاهلية كالولاء العشائري والخضوع للقوي، خلافاً لتعاليم الاسلام السمحة في العدالة والايمان والتقوى والاخاء الاجتماعي.

          وبكلمة أعمّ واكثر وضوحاً، ان المواجهة بين المُكرِه والمُكرَه كانت على اشدها عندما تحول ذلك الصراع الى صراع فكري قاده امام معصوم ضد سلطة جائرة بعيدة كل البعد عن الدين ورسالته الاخلاقية في المجتمع. فالمعركة الفكرية، مع وجود الإكراه من طرف واحد، تحولت الى "معركة ضمائر" بين الافراد. وعندها اصبح الإكراه الاجتماعي بالنسبة للمضطهدين قضية تستحق، على اقل تقدير، خوضها بكل الوسائل والتضحية من اجلها. فالشيعي المُكرَه هنا لم يكن فرداً مجرداً بل اصبح يمثل الوجود الشيعي في ضميره وفكره وقلبه. واصبحت معركته في الصمود امام الإكراه والظلم والقهر لاتصب في مصلحته الشخصية بل تصبّ في مصلحة الجماعة المؤمنة ككل.

          وفي ظل ذلك الصراع العقائدي والولائي المحتدم خرج من كان يفكر بمصالحه الشخصية عن اطار الدائرة المذهبية، وبقي في الميدان من كان يفكر بمصلحة الجماعة المؤمنة. فالتقية هنا صانت اولئك الصابرين الذين كان يهمهم نقل العقيدة والولاء الى الاجيال القادمة حتى لاتنقطع تلك الاجيال الشابة عن شجرة آل محمد (ص).

 صراع المبادئ وليس صراع الشخصيات:

          ان الصراع الفكري بين الظالم والمظلوم سلط الاضواء على دور القيادة الفكرية والشرعية في ذلك الصراع. ولاشك ان القيادة الفكرية والشرعية للمظلوم تمثلت بانصع صورها في الامام المعصوم (ع). ولكن الظالم حاول ان يجعل الصراع صراعاً شخصياً بين المعصوم (ع) وخصمه، كما فعل ابو سفيان مع رسول الله (ص)، ومعاوية مع الامام امير المؤمنين (ع) والامام الحسن (ع)، ويزيد مع الامام الحسين (ع)، والمنصور الدوانيقي مع الامام الصادق(ع)، وهارون الرشيد مع الامام الكاظم (ع)، والمتوكل مع الامام الهادي (ع). الا ان ائمة الهدى (ع) غيروا شكل ذلك الصراع وعكسوه، واعلنوه صراع مبادئ وليس صراع شخصيات. وانتزاع اللباس الشخصي الموهوم لذلك الصراع، عن طريق تطبيق التقية، وضع المعركة في موضعها الصحيح. اي وضعها في نطاق الجهاد من اجل عرض الحقائق النهائية الواقعية للدين امام المكلفين في كل زمان ومكان. ولم ينتهِ دور ائمة الهدى (ع) في ذلك، بل ان الامام الحجة المنتظر (ع) قد وكلَ للفقهاء العدول في عصر الغيبة الاستمرار في رؤية الصراع مع الظالمين على انه صراع مبادئ لا صراع شخصيات.

          ومن اجل ذلك، كانت التقية، عملية مثمرة من اجل ديمومة المجتمع الشيعي. فالصراع بين قوى الخير والشر يفرز دائماً قيماً اخلاقية حول موازين العدالة، والثروة الاجتماعية، والسلطة وكيفية المشاركة الجماعية في تنميتها. ولكن الشر يحاول حصر الثروة الاجتماعية والسلطة السياسية في دائرته الضيقة؛ بينما تحاول قوى الخير فتح الابواب لجميع الافراد باستثمار الثروة الاجتماعية وتخصيص السلطة الشرعية لمن هو اهل لها بالتكليف الالهي او بالوصاية النبوية.

 التقية وقضية التمييز بين الحق والباطل:

          ومن هنا كان الصراع بين الخير والشر، او بين المؤمن والكافر، او بين الولاية الشرعية والسلطة الظالمة عملاً بنّاءً - بالعنوان الثانوي- من اجل الاجيال اللاحقة. وما يريده الشر -كعنوان كلي- محو الخير واهله من الوجود حتى تضيع على الاجيال اللاحقة قضية التمييز بين الحق والباطل، وتختلط عليهم الاوراق بين الوجود والعدم. فكانت التقية وسيلة من وسائل الحفاظ على الحق، عن طريق الحفاظ على اهله، في ظروف اجتماعية استثنائية.

          وبتعبير اجتماعي علمي، ان الاسلام لحظ في مشروعية التقية مسألة التغيير الاجتماعي. فالإكراه والقهر لايمكن ان يستمران الى فترة غير محدودة. بل لابد لنظام الظلم والإكراه ان يتفسخ وتنحل تركيبته  السياسية والاجتماعية. وعندما يتغير النظام الاجتماعي القديم، فان شبكة العلاقات السياسية ستتغير، وتتبدل المؤسسات الاجتماعية، وتتغير ايضاً القيم الاخلاقية. وفي تلك المرحلة الحساسة من الزمن تبرز قيمة التقية كمشروع لحفظ الحق من ضربات الباطل. ولذلك فعندما سنحت الفرصة لائمة اهل البيت (ع) - من خلال التغيير الاجتماعي - لبثّ الافكار الحقيقية للاسلام على مذهب الولاية الشرعية، استثمروا تلك الفرصة وقاموا بالاعلان والدعوة الى عقيدتهم عن طريق الوسائل العرفية، كالرسائل والمحاورات وبيان الاحكام الشرعية شفهياً. وكان ذلك الوضع الجديد يعكس انجازاً مهماً من منجزات التقية. فالامامان محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) عايشا فترة ضمور الدولة الاموية وظهور الدولة العباسية سنة (96- 148 هـ)، فكانت تلك الفترة اختباراً حقيقياً لمشروعية التقية. بحيث اينعت ثمارها - بعد قرن كامل من استخدام تلك الرخصة خلال الظلم الاموي- بمدرسة فكرية فقهية اسلامية كاملة نعيش تحت ظلالها الوارفة اليوم.

 التقية والظالم: من وجهة نظر اجتماعية

          ويعبَّر عن الحاكم الظالم في المصطلحات الاجتماعية الحديثة بـ(الحاكم المطلق). وفي المصطلح الحديث شيء من الاضطراب وعدم الدقة العلمية، لان الحاكم المطلق قد يكون عادلاً، وربما قد جاء الى الحكم بتفويض الهي كما هو الحال في النبي (ص) او الامام المعصوم (ع). ولكن كلمة (الحاكم المطلق) في المصطلح العلمي الاجتماعي تعني (الديكتاتور). ومن اجل حل ذلك الاضطراب فاننا سنستخدم لفظ (الحاكم الظالم) تعبيراً عن (الديكتاتور) بمعناه العلمي. ونقول ان علياً (ع) كان حاكماً مطلقاً عادلاً، ومعاوية كان حاكماً مطلقاً ظالماً.

          والحاكم الظالم هو الذي يستطيع تحويل قوته السياسية الى سيطرة غير محدودة على الافراد او على الجماعة بشكل كلي. فالظلم السياسي الذي يمارسه الظالم لاينحصر بمبدأ النظام السياسي الذي ينشؤه، بل يتعدى الى النظام الفكري والديني وسلوك الافراد ايضاً. واهم صفات الظالم هي: الطغيان، والاستبداد، وحكم الفرد الذي يصطلح عليه بـ (الاوتوقراطية)، والطغيان العسكري الذي يصطلح عليه بـ (القيصرية)، واخضاع الفرد في المجتمع كاملاً لمصلحة (النظام) المتمثل بالحاكم الظالم والذي يصطلح عليه بـ (الفاشية). فكان معاوية طاغياً، مستبداً، اوتوقراطياً، فاشياً.

 الصفات المشتركة للظالمين:

          ان استقراء طبيعة المجتمعات الانسانية يقودنا الى الاستنتاج بان الحكام الظالمين يشتركون في صفات متشابهة حتى مع ابتعاد المسافة الزمنية بين حكوماتهم، واختلاف ظروف مجتمعاتهم. ومن تلك الصفات المشتركة:

1- العشوائية او الاعتباطية في ممارسة السلطة السياسية. فالظالم يحاول تغييب الامة عن المشاركة السياسية، ويقوم باجهاض المنافسة السياسية الشرعية، ويبذل جهداً من اجل تركيز السلطة بيده او بيد عائلته او عشيرته او مقربيه على سبيل الحصر. فتكون الادارة السياسية بيد النخبة الفاسدة التي ينتخبها ذلك الحاكم الظالم.

2- تقييد او الغاء الحريات المدنية كحرية التعبير والرأي والمذهب. وإلغاء الحريات المدنية يعني إكراه الافراد في المجتمع على الالتزام بسياسة الظالم تجاه الدين والمذهب والثقافة والخطابة والرأي والعمل والتكسب.

3- تطبيق الطرق الاستبدادية للسيطرة الاجتماعية والسياسية. وتلك الطرق تتمثل في استخدام وسائل التعذيب والقتل والارعاب من اجل فرض قانون الطاعة المطلقة للظالم. وتساعد تلك الطرق اساليب اخرى للدعاية والترويج للحاكم الظالم، كالاعلام والتعليم المدرسي ونحوها.

4- الطبيعة العدوانية في اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي. فسياسة الظالم مرتكزة على جوهر النشاط السياسي العدواني، الذي لايعترف بحقوق الفرد او الجماعة.

5- إبطال مفعول القوة القضائية. فالحكم العادل مثلاً يحاول ان يجعل منصة القضاء حاكمة على مصالح جميع الافراد، بحيث تستطيع حل المنازعات بينهم حتى لو كانت مع الخليفة او الحاكم نفسه. وهو عين ما حصل مع شريح القاضي في عهد الامام علي (ع) في حل لخصومة بين امير المؤمنين (ع) واليهودي الذي نازعه درعه. فحكم القاضي لصالح اليهودي ضد امير المؤمنين علي (ع)، لعدم اكتمال البينة عند ذلك القاضي [15]. اما الحاكم الظالم فلا يمكن ضبط طبيعته السياسية باطار قانوني او قضائي معين.

          ولو طبقنا تلك الخصائص او الصفات - بصورتها الكلية- على الحكام الظلمة على مر التأريخ لرأيناها منطبقة الى حد ما على جميع اولئك الذين حكموا الامة بالحديد والنار، ابتداءً بابي سفيان والحكم الجاهلي، ومروراً بمعاوية وبقية خلفاء بني امية وبني العباس الى ظلمة عصرنا الراهن.

 الظلم الذي لن يدوم:

          ولاشك ان الظلم، بمعناه الكلي، قد يصيب مجموعة قليلة من الافراد وقد يصيب الامة على نطاقها الشامل. وفي كلا الحالتين ينبغي ان يكون الحكم الشرعي الذي يعالج مبدأ الظلم واساليب الظالم شاملاً لإطار تلك الحالتين. فلو نفّذت الاقلية المظلومة حكم التقية، فان ذلك لايعني ان حكم التقية لاينطبق على الاكثرية اذا ظُلمت في وقت آخر. بل ان الحكم الشرعي الخاص بالتقية ينطبق على كل حالة يتعرض فيها الفرد او الجماعة لإكراه لايطاق فيما يتعلق بالعقيدة او المذهب مع ضرر معتبر في المال والنفس والعرض.

          ومن الطبيعي أن الظلم ليس مرشحاً للخلود - مع انه قد يستمر فترة غير قصيرة - ولكنه لايدوم، لان الظالم يحاول ان يحقق اهدافه الشخصية اكثر مما يحاول تحقيق اهداف الامة في الامن الاجتماعي والمعاشي، او اهداف الرسالة الدينية في العدالة الاجتماعية. وهذا المنحى لايمنح الظلم خلوداً. والظلم لايدوم، لان الظالم ليس لديه نظرية اخلاقية في التعامل مع الناس بقدر ما لديه من اوامر صارمة جاهزة لتطويع الناس بالقوة والإكراه. ولذلك فان التقية ينبغي ان تفهم على اساس انها علاج لتلك الفترة التي كُتب عليها عدم الدوام.

 مدى "شرعية" حكم الظالم:

          ولاشك ان الظالم لايحكم بمعزل عن جهازه السياسي، وحزبه الفعال المكوّن من النخبة الفاسدة، والحركة الاجتماعية التي يحاول خلقها في المجتمع. فهو يستثمر اقتصاد المجتمع، والفكر السياسي والديني، والنظام القضائي لتبرير بقائه في السلطة. وهو، بكلمة اجمالية، مشرف على عصابة منظّمة تعمل بكل ما تراه مناسباً من اجل بقائه في الحكم. وليس هناك فرق بين الظَلَمة في قديم التأريخ وظلمة اليوم الا اللهم في فن السيطرة على المبنى العقلائي للامة. فقد اصبحت سيطرة الظالم على المجتمع قضية علمية لها ابحاثها ونظرياتها الحديثة. ولكن الضابطة العلمية ان الظالم - ومن اجل البقاء في الحكم - يستخدم كل الوسائل التي تساعده على طغيانه: كالقوة، والإكراه، والتهديد، والتجسس، والملاحقة، والقتل، والمكر والخداع السياسي، والمكافأة الاجتماعية للاعوان.

          وهذه الضابطة العلمية تدعونا الى الاستفسار عن مدى شرعية حكم الظالم!

          فان من اهم البحوث التي يمكن اثارتها حول الحاكم الظالم هو قضية "الشرعية". فمن اين جاءت شرعية الحاكم الظالم؟ هل انها استمدت من القانون، او من العرف الاجتماعي؟ لاشك ان كل ظالم يحاول تبرير وجوده الاجتماعي، وطرقه السياسية، وموازينه الاخلاقية عبر التظاهر بشرعية سلطته القانونية او الدينية، مع تلميح او تصريح بالقتل والارعاب والارهاب ضد المناوئين. ومن هنا نلمس ان السلطة الحقيقية للظالم مستمدة من بشاعة وسائل العنف التي يستخدمها ضد معارضيه، لا من أهليته الاجتماعية او العقلائية لإدارة المجتمع.

          فلاشك ان الشرعية الدينية وما يتشعب عنها من احكام وقوانيـن هي اساس سلطة الحكومة، وبدونها لاتملك تلك المؤسسة - بشخصيتها الفردية او الجماعية- الحق في ادارة امور الناس والمجتمع. وشرعية ادارة الافراد والمجتمع، في المدرسة الامامية، مستمدة من تعاليم السماء. فالنبي (ص) او الامام المعصوم (ع) او من ينوبه، لهم الحق في ادارة المجتمع؛ لانهم رُسل العدالة والرحمة في المجتمع الانساني. اما حكم الفرد الذي لاتتوفر فيه تلك الشروط فهو انتهاك صريح لمبادئ الدين في تحقيق العدالة، وتوزيع الحقوق، وتطبيق العقوبات.

 السلطة الشرعية:

          في ظل قيام السلطة الشرعية الاجتماعية والسياسية لايجوز استخدام التقية، فليس هناك مبرر فلسفي او عقلائي فضلاً عن مبـرر شرعي لاستخدامها. فالطاعة، في ظل الادارة الشرعية، ليست ضرورة سياسية فحسب بل هي الزام ديني واخلاقي له آثار خطيرة على صعيدي الفرد والجماعة. ولاشك ان الشرعية السياسية تولّد شرعية مدنية تدير امور الناس في المجتمع؛ وتلك الشرعية المدنية مبنية على اساس الثقة بين الفرد المكلّف والحاكم الشرعي، وليست مبنية على اساس الإكراه الذي يولّده الحاكم الظالم الذي افتقد تلك الشرعية الدينية المذكورة آنفاً.

 التقية: الحل الاخير للضمير الشيعي 

          ومن الواضح ان الحاكم الظالم قادر على تغيير التركيبة الاجتماعية عبر طموحه اللامحدود في الاستئثار بالثروة المالية والبشرية للمجتمع. ولولا التقية لنجح الظالم في تغيير التركيبة الاجتماعية للشيعة الامامية على مر العصور. فالشيعة، كأقلية مذهبية، عانت من الظلم ما لم تعانِهِ اية اقلية دينية في التأريخ. وما حفظ وجودها التأريخي إلاّ استثمارها لتلك الرخصة الشرعية التي سمحت لافرادها في تلك الاوقات الاستثنائية بالتظاهر بالقول والفعل خلافاً لما استقرت عليه قلوبهم واطمئنت به.

          ان التقية جعلت الضمير الشيعي حياً فعالاً واعياً. فكلما ازداد حجم الظلم السياسي والإكراه المذهبي تفتح الضمير الشيعي، عبر التقية، ليجعل ولاءه للثقلين: القرآن الكريم وآل البيت (ع) محور نشاطه الذاتي الكبير. فالتقية جعلت الطائفة المظلومة قوية في فكرها وعقيدتها وولائها، بالرغم من جميع محاولات الظالم في ابادتها وقطعها عن جذورها التأريخية.

 التقية والتفاعل الاجتماعي

          يعيش الافراد في حياتهم الاجتماعية تشابكاً في المصالح والعلاقات يسمى بـ "التفاعل الاجتماعي". فما ان يلتقي فردان ويتحاوران او يتناقشان او يتصارعان حتى يبدأ ذلك التفاعل الاجتماعي. لكن التفاعل الاجتماعي ليس له شكل واحد ثابت، بل هو يتشكل من صورتين:

الاولى: التفاعل الموضوعي: وهو التفاعل الذي يتم بين الافراد على النطاق الاجتماعي الخارجي.

الثانية: التفاعل الذاتي: وهو التفاعل الذي يتم داخل ذات الفرد بين افكاره، ومعتقداته، ومشاعره، ونواياه، ودوافعه.

          فعلى صعيد التفاعل الموضوعي، فان الفرد تربطه علاقة (تفاهم) و(معرفة) ببقية الافراد. بمعنى ان شخصية الفرد ترتبط، موضوعياً، ببقية شخصيات الافراد عن طريق جسر من المعلومات الاجتماعية والدينية والثقافية. وتلك المعلومات المتبادلة تنتج شكلاً من اشكال السلوك الانساني في المجتمع.

          وعلى صعيد التفاعل الذاتي، فان طبيعة (المصلحة الذاتية) للانسان تلعب دوراً في صياغة شكل التفاعل الذاتي. فالعقل هو محطة التفاعل الذاتي للافكار الدينية، وهو الذي يحدد طبيعة الاطار الاخلاقي الذي ينبغي ان يطمئن له القلب.

 ثبات التفاعل الانساني الذاتي:

          ولاشك ان الفهم العلمي للواقع الخارجي، يدفعنا الى الاعتقاد بان طبيعة الإكراه تربك التفاعل الموضوعي، لكنها لاتستطيع زعزعة التفاعل الذاتي. خصوصاً اذا حَمَلَ الفرد المُكرَه عقلاً عملياً يجسد طبيعة العارف العقلائي الذي يدرك المصلحة الاخلاقية للذات وما تمثله من معاني. بمعنى ان الفرد المؤمن يعرف تأثير الحقائق الاجتماعية الخارجية على ذاته المملوءة ايماناً وولاءً. واذا كان الإكراه هو احد تلك الحقائق الاجتماعية الخارجية، فان معرفة تأثيره السلبي يعني القدرة على تشخيص حجم المصلحة الذاتية الدنيوية والآخروية التي يجلبها الولاء للولاية الشرعية. وهذا الفهم مهم للغاية في تحصين النفس الداخلية من آثار الإكراه الخارجي. حيث تقوم الذات الواعية والمطمئنة بعقيدتها وولائها بتشخيص سلبيات الظلم وتعيين ايجابيات الولاء.

          والقاعدة، ان تركيبة البيئة الاجتماعية تؤثر بصورة سلبية على شخصية الفرد. ولكن وجود التقية قلب هذه القاعدة الاجتماعية رأساً على عقب. فلولا رخصة التقية، لاصبحت السلطة "الاخلاقية" للظالم هي المسيطرة على افعال المكلّف المُكرَه. ولكن المبادئ الاخلاقية للتقية حطمت تلك السلطة "الاخلاقية" المزعومة للظالم. لان النفس التي حفظتها التقية وقت الإكراه، فهمت طبيعة المصلحة الاخلاقية الذاتية التي جلبها الايمان او الولاء لها. وعندها رفضت كل تفسير اخلاقي مزعوم يقدمه الظالم من اجل تبرير عمله اللااخلاقي في الاكراه والقهر والظلم الاجتماعي والديني.

(نهاية ص 64)

 

السابق              صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية


 

[1]  سورة آل عمران: الآية 28.

[2]  المفردات في غريب القرآن – الراغب الاصفهاني . مادة (وقى).

[3]  التبيان في تفسير القرآن – الشيخ الطوسي . ج 2 ص 434.

[4]  تاج العروس – الزبيدي . ج 10 ص 396. مادة (وَقِيَ).

[5]  النهاية في غريب الحديث – ابن الاثير ج 5 ص 217.

[6]  لسان العرب – ابن منظور ج 15 ص 401.

[7]  فتح الباري بشرح صحيح البخاري –  ابن حجر ج 12 ص 136.

[8]  المبسوط –  السرخسي ج 24 ص 45.

[9]  تفسير المنار- محمد رشيد رضا ج 3 ص 280.

[10]  تفسير المراغي ج 3 ص 137.

[11]  شرح عقائد الصدوق –  الشيخ المفيد ص 241.

[12]  المصدر السابق.

[13]  مجمع البيان –  الطبرسي ج 2 ص 729.

[14]  التقية –  الشيخ الانصاري ص 37.

[15]  تأريخ الخلفاء – السيوطي ص 184.