|
(ص 39 - 48) الفصل الثاني الدليل النفسي التقية والصراع النفسي* النية والتقية: من وجهة نظر نفسية* التقية والادراك القلبي الداخلي. -------------------------- ان الانكسار النفسي الذي تنتجه عملية القهر أو الإكراه له تأثيرات سلبية على شخصية المقهور او المُكرَه وعلى ايمانه وعقيدته واسلوب حياته الاجتماعية والفكرية. والانكسار النفسي هو حلم الظالم الذي يسعى لتحقيقه بكل ما اوتي من قوة فكرية او مادية. ولو تحقق الانكسار النفسي في كل حالة إكراه لما بقي للعقيدة او الولاء وجود. والتقية - هنا - عالجت حالة الانكسار النفسي وحولته الى صمود وصبر وانتصار بعيد الاجل، من اجل العقيدة. التقية والصراع النفسي والابعاد النفسية للصراع الاجتماعي كلها تتعلق بالدوافع والنيات التي يحملها الناس تجاه بعضهم البعض. فطبيعة الصراع الاجتماعي، خصوصاً على صعيد الحكم والسلطة، تستدعي وجود مستويات متعددة من الدوافع والنوايا المتضاربة. ومن تلك المستويات: اولاً: مستوى الصراع الذاتي: فالجندي الخائف، في ساحة المعركة، قد يعيش حالة نفسية ثنائية تحاول تمزيقه؛ إحداهما ترغّبه بالهروب من المعركة، والاخرى ترغّبه بالبقاء مخافة الوصم بالعار والجبن. وتلك الحالة تعبّر عن حالة صراع داخلي بين نوايا الفرد المختلفة. ثانياً: مستوى الصراع الاجتماعي المحدود: وهي حالة نفسية تعبّر عن صراع اجتماعي محدود ومثالها الصراع الذاتي الذي ينتاب الحاكم الظالم بين ان يعيّن في مناصب الدولة من عشيرته من هو غير كفوء ولايصلح لتلك المهمة وبين ان يعيّن الافراد الكفوئين من خارج الدائرة العائلية المحيطة به. ثالثاً: مستوى الصراع الاجتماعي الواسع: وهي الحالة النفسية التي تصحب الصراع الاجتماعي الواسع النطاق، وتتمثل في بسط الحاكم الظالم سطوته على جميع اطراف المجتمع؛ وبالتالي بسط سلطته على كل نواحي سلوك الافراد على المستوى الخارجي. وتتشقق من هذه الحالة حالات فرعية ثلاث: أ- على المستوى اللفظي: فالفرد الذي يريد ان ينطق بالحقيقة التي يعتقدها يخاف على نفسه وماله وعرضه من التلف والإضرار. فعندها ينحسر النشاط اللفظي الذي يعبّر عن الحق، الى دائرة ضيقة للجماعة. ب- على المستوى الرمزي: وهو مستوى صراع الافكار كنتيجة من نتائج الارهاب الذي ينظمه ذلك الظالم ضد الافراد المناوئين له. فالصراع السياسي يولد صراعاً فكرياً غايته تحطيم الوجود الفكري والثقافي للمعارضين. ج- على المستوى العاطفي: وهو ان ارهاب الظالم يسبب حالة شديدة من حالات الخوف والقلق النفسي. وامام كل حالة من تلك الحالات النفسية القاسية يقف الايمان الداخلي حارساً منيعاً لتأثيرات السلطة الظالمة وتأثيرات الصراع الاجتماعي الذي تنتجه عملية الاستئثار بالثروة الاجتماعية. فالقلب هو محطة الاطمئنان النهائي على العقيدة والثبات على الولاء الديني والمذهبي، اذا كانت كل العوامل الخارجية تعمل ضد واقع الانسان الاجتماعي والديني. التضميد الشرعي لتأثيرات مطرقة الاكراه: ولاشك ان الوجود الاجتماعي للانسان يولّد انواعاً مختلفة من الصراع في كل زمان ومكان. وهذه الفكرة غير مقيدة بمجتمع دون غيره، او بحضارة دون غيرها، او بعصر دون عصر. فطالما كانت نوايا الافراد في المجتمع الكبير متضاربة كان سلوكهم الاجتماعي متناقضاً. خصوصاً اذا كانت تركيبة المجتمع السياسية بعيدة عن الدين واجواء الهداية السماوية. ولذلك، كان المؤمن- في ظروف الصراع- يبحث عن اسلوب مناسب لمعالجة تأثير ذلك الصراع الاجتماعي على حياته الدينية. فالمكلف، في حالة القهر والإكراه، يصبح وحيداً يسبح ضد التيار الاجتماعي الذي احدثه الظالم. وفي تلك الحالة تختلط على ذلك المظلوم جميع الاوراق ولايدري ما العمل وهو يرى سلوكه الظاهري مخالفاً لما اعتقده قلبه. ولكن الشريعة السمحة لم تتركه يصارع ذاته، بل شخّصت له وظيفته الشرعية، فشرّعت له التقية. ولولا مشروعية التقية لفقد الانسان الثقة بنفسه وبدينه، لان كل ما كان يعتقد به اصبح هشيماً ذرته الرياح في يوم عاصف بئيس. ولولا مشروعية التقية لما استطاع المظلوم - نفسياً- ان يتحمل مطرقة الإكراه والقهر السياسي والديني، وبالتالي فانه لن يستطيع تكييف شخصيته العقلية تجاه ذلك الموقف الشاق. فيتحول عندها الصراع الاجتماعي، وبغياب مشروعية التقية، الى صراع نفسي يعمل عمله المدمر في حياة الانسان. الانكسار النفسي ومساحة المنطقة العقلية: إن الصراع النفسي في ظل الإكراه يمتد الى مساحة أبعد من القلب وهي مساحة المنطقة العقلية، فيسبب اضطراباً عقلياً تتناسب درجته مع قوة الإكراه والضغوط النفسية الموجهة ضد الانسان. والصراع النفسي - اذا لم يُعالَج- فقد يساهم ايضاً في الامراض الاجتماعية الخطيرة كالفشل في التعلم، والعجز عن تحقيق الاستقرار العائلي، والقصور في الاداء الوظيفي والتكسبي للفرد؛ اضافة الى تشجيعه على الانحراف الاجتماعي، وعلى ارتكاب الجنايات، وعلى اليأس من الحياة الدينية. ولولا مشروعية التقية في الاسلام لتحول الإنكسار النفسي الناتج عن الإكراه الى عقدة نفسية تعكس شعوراً بالذنب من دون مبرر. فالشعور بالذنب هنا يمثل التناقض التكويني بين: النية الصادقة والقلب المطمئن بالعقيدة من جهة، والإكراه على سلوك معين مخالف للعقيدة التي آمن بها الفرد من جهة اخرى. وهذا التناقض النفسي لاتقبله الشريعة ولايقبله التكوين الفطري للانسان؛ لانه يولد تمزيقاً نفسياً وتوتراً عقلياً لايتحمله الفرد عادةً. ان اهم علاج يمكن تصوره لمعالجة الآثار التي يتركها الإكراه العقائدي والمذهبي على الفرد هو جعل القلب ساحة للسلام الذاتي للشخصية الانسانية. واذا كان الاسلام قد سمح بالصراع الخارجي مع الظالمين، فانه لايريد للانسان ان يعيش صراعاً ذاتياً مع نفسه. بل لابد للقلب من اطمئنان ذاتي يعصمه من القوى الظالمة على وجه الارض. بمعنى ان انتهاك السلام الذاتي او الطمأنينة القلبية يؤدي الى صراع مدمر بين القلب والضمير في ذات الانسان، او قل انه يؤدي الى صراع مدمر بين النفس المطمئنّة والنفس اللّوامة. وصراع كهذا لا يعطي فسحة امل بان يعيش الانسان حياة روحية مع خالق الوجود، لانه كلما اراد ان يتصل بالخالق عز وجل زعزعه ذلك الاضطراب اللانهائي بين القلب والضمير. والتقية وضعت شروطاً موضوعية لمعالجة القلق والتمزق النفسي الذي يختبره المُكرَه في تلك الفترة الاستثنائية التي نعرّفها بفترة الإكراه. وتلك الشروط تتلخص بفكرة مفادها ان النية القلبية هي الاصل والمحور في عجلة العقيدة. فمن الدافع الذاتي تتولد النية نحو العمل، ومن تلك النية يتحرك الجسد لتنفيذ ذلك العمل الخارجي. واذا كان الخوف من الضرر ينتهك الحرمة التكوينية للقلب، فان التقية جاءت من اجل صيانة قلب الانسان من ذلك الإكراه. وحتى لو شارك ذلك الانسان في اداء دوره الاجتماعي ضمن مجتمع مُكرَه من قبل ظالم، فان اطمئنانه على ثبات عقيدته في قلبه سيجنبه كل المشاكل الذاتية التي يولدها الإكراه والصراع الاجتماعي كالاضطرابات العقلية والانحرافات الاجتماعية والفشل في التحصيل العلمي والعجز عن ممارسة الادوار والوظائف الحياتية. النية والتقية: من وجهة نظر نفسية والقضية الاهم التي نناقشها هنا تتلخص بالسؤال التالي: هل ان النية قضية عقلية ام قضية شعورية غير عقلية؟ واذا كانت عقلية فكيف يمكن تحصين العقل من الإكراه الخارجي باستخدام رخصة التقية؟ والجواب على ذلك يستدعي تفصيلاً عبر النقاط التالية: اولاً: لو افترضنا ان: (زيداً يفكر في ولاية اهل بيت النبوة (ع)، ولكنه بسبب الإكراه لايستطيع الاعلان عنها؛ بل ينكرها ظاهراً ولكن قلبه مطمئن بالايمان بها). فنية حب اهل البيت (ع) هنا قضية عقلية. ولايستطيع احد ان ينكر الملازمة العقلية بين النية والتفكير. اما اذا افترضنا ان: (زيداً غافلاً عن الولاية مع انه امامي المذهب بالولادة، ولكنه بسبب الإكراه لايستطيع الاعلان عن جذوره المذهبية). فالنية المفترضة هنا قضية غير عقلية، بل هي مقولة فلسفية غير صحيحة، لاننا لانستطيع تصور تشكيل نية حول قضية موضوعية خارجية كالولاية دون التفكير فيها. وبتعبير آخر، ان النية في هذا الافتراض غير موجودة. فالنية السليمة اذاً مرتبطة فلسفياً بالتفكير. ولذلك فاننا نعتبرها قضية عقلية. ثانياً: ان كل نية قلبية يعقدها الانسان تواجهها بالمقابل حصة محددة من المواضيع الخارجية. فاذا كانت نية المكلّف معقودة على الايمان برسالة الدين الحنيف، فهذه نية خاصة مقابل تلك الحصة من الايمان. واذا كانت نية المكلف معقودة على الايمان بولاية اهل البيت (ع)، فهذه نية اخرى خاصة مقابل تلك الحصة من الايمان. واذا كانت نية المكلّف معقودة على اداء الصلاة وفق المذهب الامامي مثلاً، فانها نية ثالثة خاصة مقابل تلك الحصة من الموضوع الخارجي.. وهكذا. واختلاف النيات طولياً عند المكلّف الواحد باختلاف المواضيع الخارجية، يجعل من موضوع النية قضية عقلية تحتاج الى تفكير ووعي ذهني لما ينويه ذلك المكلّف من اعمال. ثالثاً: بعد ان آمنا بان النية السليمة قضية عقلية، فان التقية وهي اظهار المُكرَه موالاته للمُكرِه باللفظ والفعل دون ما ينعقد عليه القلب والضمير، في انسجام تكويني مع الفطرة الانسانية. لان الاعتقاد برسالة الدين واهدافها في الحياة لاتتحقق الا بالتفكير؛ والتفكر في ذات الرسالة وصفاتها واحكامها يستدعي لوناً من الوان انعقاد القلب على نية قلبية ثابتة لاتتزعزع تجاه الالزامات الاخلاقية والشرعية التي يفرضها ذلك الاعتقاد. ولاشك ان الالم النفسي الذي يتركه كسر الجسور بين عقد النية واداء الفعل الخارجي وقت الإكراه، ينجبـر - من خلال التقية- بتكثيف الرابطة العقلية بين النية والتفكير. وهذا المنحى الشرعي يخفف الكثير من التأثيرات النفسية التي يعاني منها المُكرَه وقت الإكراه. فتكثيف التفكر والتأمل بموارد الولاية الشرعية مثلاً يعوض النقص الذي يستشعره المظلوم وقت الاكراه، خصوصاً عندما يُكره على سلوك يناقض عقيدته في السب والبراءة ونحوها. نستنتج مما سبق: اننا بعد ان اثبتنا ان النية السليمة أمرٌ عقلي يستدعي تفكيراً بالمنوي فيه، فان استثمار الرخصـة الشرعيـة يعني - في بعض الوجوه- محاولة تركيز التفكير في تثبيت الولاء القلبي والايمان الداخلي من قبل الفرد المُكرَه. وبذلك يتحصن العقل المؤمن بالولاية من الإكراه الخارجي عبر استخدام تلك الرخصة "التقية" حتى يزول الإكراه. وعندها يكون الايمان بالولاية اقوى من ايمان ما قبل الإكراه. التقية والإدراك القلبي الداخلي لاريب ان الافكار أو المشاعر تؤثر على جسد الانسان، وان العوامل الخارجية تؤثر على عقله. ولكن "الحقيقة" الداخلية التي يكوّنها ذهن الانسان تبقى "صورة" شخصية خاصة بالفرد عن العالم الخارجي المحيط به. وبتعبير آخر ان قلب الانسان او ضميره يستطيع ان يصيغ تصوراً شخصياً متميزاً عن الحق او الدين او الولاء حسبما يوصله علمه او ايمانه. وتبقى تلك الصورة القلبية او العقلية متميزة وثابتة طالما كان "إدراك" ذلك الفرد عن عقيدته متماسكاً ذاتياً. والتقية هنا تساهم في فصل الادراك الخارجي الذي يأتي غالباً عن طريق الحواس الخمس، المتمثلة بالبصر والسمع والشم واللمس والذوق، عن الادراك الداخلي الذي يأتي عن طريق انكشاف الذات على عقيدة آمن بها الفرد. والادراك الخارجي الذي يفرضه الظالم عن طريق الضرب او التعذيب او التهديد انما يتشكل ليصل الى الجدار الذي وضعته التقية كحاجز بين ذنيك الادراكين: الخارجي والداخلي، ويتوقف عنده. فالرخصة الشرعية تبني جداراً حاجزاً يفصل بين الادراكين، فما يستلمه الدماغ عن طريق الادراك الخارجي بالضرب والتهديد والتعذيب، يقابله القلب بتشكيل ادراك داخلي حول الولاء او الايمان لا علاقة له بالحواس الخمس. وكلما ازداد ضجيج التعذيب من قبل الظالم وازدادت قسوة الادراك الخارجي، ازداد الادراك الداخلي تماسكاً ووضوحاً وقوة حول معاني الولاء والايمان. واذا كان الادراك الخارجي لايتم ما لم ترتب الحقائق الخارجية ترتيباً زمنياً وفلسفياً معيناً، فان الادراك القلبي الداخلي يستطيع ان يكوّن صورته او ان يرتب اولوياته بذاته دون ترتيب زمني او فلسفي مسبق. وبتعبير آخر ان "الصورة" التي يكوّنها الذهن عن الولاية الشرعية مثلاً لاتحتاج الى شروط الحواس الخمس، او شروط الزمان والمكان، بل تحتاج الى تلك الرؤية القلبية الكاشفة فقط. وعندها يكون تفسير معاني الصورة القلبية للولاية الشرعية ايسر على الضمير، خلال استخدام الرخصة، من تفسير معاني الصورة الخارجية التي يولدها إكراه الظالم. (تليها ص 49 - 64)
اللاحق السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
|