|
(ص 1 -38) التقية في الفكر والدين السيد زهير الاعرجي --------------------------- بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى : (مَنْ كَفَرَ باللهِ من بعدِ ايمانهِ إلاّ مَنْ اُكرِهَ وقلبُهُ مطمئنٌ بالايمان...)سورة النحل : آية 106. وقال ايضاً : (لا يتَّخِذِ المؤمنُونَ الكافرينَ اوليآءَ من دونِ المؤمنينَ ومن يَفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاّ أنْ تتقُوا منهُم تقاةً...) سورة آل عمران : آية 28. وورد عن رسول الله (ص) في حديث الرفع : (رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه...) كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق ص 417 باب 9. --------------------------- الطبعة الأولى 1417هجرية قم المشرفة --------------------------- المقدمة هذا الكتاب يخاطب العقل البشري في موضوع مهم من مواضيع الدين والاجتماع وهو موضوع "التقية"؛ ويعبّر عن محاولة لاكتشاف التضافر الموضوعي بين الدليلين الشرعي والعقلي في استنباط الحكم الاسلامي الخاص بتلك الرخصة الشرعية. وهي رخصة اُريد لها ان تحفظ الدين في قلوب المؤمنين رغم كل محاولات الباطل محو الخير واهله من ساحة الوجود. ولاشك ان موضوعاً شائكاً كهذا يحتاج الى قدر عظيم من الدقة العقلية والشرعية في معالجة ابوابه والاحاطة باطرافه وتشخيص حدوده بشمولية وعمق. ولذلك جاء هذا الكتاب بادلة ستة وهي: الدليل الفلسفي، والنفسي، والاجتماعي، والتأريخي، والفقهي، والاصولي. وحاول صهرها في فكرة واحدة وهي: فكرة الضرورة الشرعية والعقلية في الاخذ برخصة التقية في موارد الاكراه والظلم، بحيث يبقى القلب مودِعاً للايمان ومُستقَراً للعقيدة. وهنا يمكن القطع بان التقية ليست فكرة عارضة في التأريخ، بقدر ما هي رخصة شرعية منحتها السماء لمعالجة قضية الاكراه الموجّه ضد المكرَهين المعذَبين في الارض. اللهم انك تعلم انني لم ابذل هذا الجهد الا ابتغاءَ وجهك الكريم. فسدده بتسديدك واجعله ذخيرة لنا يوم نلقاك، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. زهير طالب الاعرجي الحوزة العلمية ـ قم المشرفة النصف من شوال 1417 هـ . --------------------------- محتويات الكتاب: الفصل الاول : الدليل الفلسفي. الفصل الثاني : الدليل النفسي. الفصل الثالث : الدليل الاجتماعي. الفصل الرابع : الدليل التأريخي. الفصل الخامس : الدليل الفقهي. الفصل السادس : الدليل الاصولي. النظرية الامامية في التقية --------------------------- توطئة تعبّر "التقية" في مجملها عن قضية خطيرة في حياة الانسان. فقد يعيش الانسان بعض الحالات الاستثنائية تحت ظروف من القهر والإكراه والاستعباد. وعندها يتساءل: ما هي الوظيفة الشرعية المناطة بي تحت تلك الظروف؟ وما هو دور قلبي في حفظ العقيدة التي اعتقد بها اذا تعرض جسدي للإكراه والضرر الجسيم؟ تقدم الشريعة اجوبة لذنيك التساؤلين وغيرهما، وتعرض نظرية في غاية الواقعية والشمول، مفادها : اتفاق المكلّف مع خالقه عز وجل قلبياً، عبر رخصة شرعية، على عدم الاتفاق مع الظالم. وهي النظرية التي عبّرنا عنها بنظرية "الإتفاق على عدم الإتفاق". وتلك النظرية تعبّر عن جوهر فكرة "التقية" وروحها، والتي نحن بصددها الآن. ولاشك ان التقية بمفهومها الواسع الرحيب اُستخدمت في التاريخ الاسلامي من قبل المؤمنين في مكة مع المشركين من قريش، ومن قبل المؤمنين في ظروف اخرى مع مطلق الكفار، ومن قبل الموالين لاهل بيت النبوة (ع) مع السلاطين الظالمين الذين انكروا ولاية ائمة اهل البيت (ع). وقد انحصرت التقية وانكمشت مع الصنفين الاولين، لكنها عاشت حية ولفترة طويلة مع الصنف الثالث، وهي التقية مع الحاكم الظالم الذي كان يحاول ولايزال - وبكل قوة - فرض الإكراه المذهبي والولائي على اتباع اهل البيت (ع). ومن اجل فهم موضوعي مستقل لفكرة التقية حاولنا دراستها على مختلف الاصعدة التي يمكن تصورها عقلياً، وهي: الصعيد الفلسفي، والنفسي، والاجتماعي، والتأريخي، والفقهي، والاصولي. ومن تشعبات تلك الدراسة استقرأنا النظرية الامامية في التقية وما ارتبط بها من مفاهيم حول الحرية والاختيار، وعدم الإكراه والقهر، والعدالة والظلم. --------------------------- الفصل الاول الدليل الفلسفي الإكراه ومشروعية التقية* المسؤولية الاخلاقية والشرعية* العلاقة الوثيقة بين النية والتقية* التقية وسلطة الحاكم الظالم* الحرية وحرمة التقية* التقية ومشكلة القلب والجسد. --------------------------- لا يمكن بحث فكرة التقية وشرعيتها على الصعيد الفلسفي ما لم تبحث الافكار الفلسفية الخاصة بالإكراه، والظلم السياسي، والمسؤولية الاخلاقية والشرعية، والنية، وقضية الارتباط بين القلب والجسد. فالتقية بمفهومها الشرعي والفلسفي غير منفصلة عن تلك الافكار، ولاتستطيع ان تحقق اهدافها بمعزل عن الظروف الاستثنائية التي يحاول الإكراه أو القهر أو الاستعباد فرضها على المكلّف. الإكراه ومشروعية التقية يمكننا اولاً، ان نفترض صياغة فرضية فلسفية تعدُّ مدخلاً لمناقشة الإكراه ودور التقية في مكافحة آثاره السلبية. تلك الفرضية تفصح عما يلي: اذا كانت حرية الانسان في ممارسة الايمان الغيبي حقاً طبيعياً تكوينياً، فلابد ان تكون التقية حقاً تشريعياً يحفظ المكلف من الاذى النازل به في ظروف استثنائية. فالإكراه، مهما كان حجمه او شدته، يمثل لوناً صارخاً من الوان التأثير على السلوك الانساني. والتهديد بالجبر او القهر ينتهك حرمة الاخلاقية الدينية ويزعزع فكرة العدالة الدينية التي جاءت بها الرسالة السماوية. ولذلك ندد القرآن المجيد بالإكراه القلبي. فقال عز وجل مخاطباً نبيه (ص) بصورة الاستفهام الانكاري، وفي معرض الحديث عن مشيئته تعالى بعدم ايمان جميع الناس بالرسالة: (...أفأنتَ تُكرِهُ الناسَ حتى يكُونُوا مؤمنينَ)[1] . وقال عز وجل في موضع آخر: (لا إكراهَ في الدينِ...)[2]. والاعتقاد بالدين من الامور القلبية التي لايحكم فيها الجبر او الإكراه، لأن الإكراه يؤثر على الاعمال الظاهرية والافعال الجسدية فحسب. العلاقة الفلسفية بين الشريعة والاكراه والتقية: لاشك ان الايمان القلبي بالدين وما يتبعه من حتمية الالتزام بالاوامر والنواهي الشرعية يدعونا الى التساؤل عن العلاقة الفلسفية في المثلث القائم بين: الشريعة وما تمثله من إلزامات، والإكراه الذي يؤدي الى الضرر، والاخلاقية الدينية المنعكسة هنا بفكرة التقية. فاذا كانت الشريعة السماوية تستنكر الإكراه في الايمان الابتدائي، فما هو موقفها يا تُرى من إكراه المؤمن على انتزاع عقيدته التي آمن بها، من قبل طرف ظالم حاد عن رسالة السماء؟ واذا كانت اخلاقية الشريعة تستنكر الإكراه فما هو علاجها العملي له؟ لاشك ان استيعاب تلك التساؤلات ومن ثم التفتيش عن ردّ عليها يرتبط – قهراً - بقضية الطاعة والمعصية. فهل يكون العبدُ مطيعاً في الحالات التي يُكره فيها على اداء أمر مخالف، حتى اذا كان قلبه مطمئناً بالايمان؟ ام انه يكون عاصياً اذا اُكره على الكفر بعقيدته، لفظاً، بغض النظر عما اعتمل في قلبه من افكار ومشاعر؟ وكما تعاملت الشريعة مع العقود، والايقاعات، والملكية، والعقوبات، والحقوق، والواجبات، والالزامات الاخلاقية، فانها تعاملت ايضاً مع الفعل والنية والقصد. ولولا تشريع التقية، واخذ نية الانسان واطمئنانه بما يعتقده كأصل، لأصبح الإكراه مشكلة اخلاقية تهدد اصل الدين والمؤمنين به. لان هدف المُكرِه هو محو صورة الدين من لوح الواقع واستئصال المؤمنين به من الوجود. الاكراه وحدود السيطرة على العقل والروح: ولاشك ان فكرة "الإكراه" تتطلب بحثاً معمقاً دقيقاً حول حدود السيطرة على عقل الانسان وروحه. فالسلطة الظالمة قد تحكم المجتمع فترة ليست بالقصيرة بحيث تنجح احياناً في السيطرة على عقول الافراد فيما يتعلق بالرأي والنظر والتوجه والرغبة. فتصبح رغبة الافراد في المجتمع مطابقة الى حد ما لرغبة الحاكم الظالم. فهنا يتحول الإكراه الاولي الى قناعة ثانوية. فما كان يطمح اليه الظالم، قد تحقق عبر القهر والظلم والاستعباد. وحتى لو فشل في تحقيق ما اراده في الجيل الاول، فانه قد ينجح الى تحقيق ما اراده في الجيل الثاني. وهنا تحول الإكراه الذي فُرض على الجيل الاول، الى حالة من القناعة والاستسلام عند الجيل الثاني. في هذه الحالة بالذات ، نلحظ القيمة الشرعية والفلسفية للتقية وهي تعمل عملها في منع ذلك المنهج التخريبي للعقائد. فالذي يرفض الإكراه بصورة قلبية، يستطيع ان ينفذ الاوامر والنواهي المحدودة المفروضة عليه، حسب مفهوم التقية؛ ولكن يبقى قلبه محطة للحرية حيث تتفاعل فيه قضايا الايمان والولاء. ولايتوقف فعل التقية عند ذلك، بل ان الايمان والولاء مرشحان للانتقال الى النطاق العملي متى ما خفّت وطأة الإكراه. وحتى لو لم تخفّ وطأة الإكراه، فان الفرد يستطيع - بتكتم- نقل عقيدته القلبية الى اجياله المتعاقبة التي تنتظر بترقب استلام عقيدتها وتمحيصها والايمان بها. فالتقية الشرعية كافحت اذاً كل ما اراده "الإكراه" من اعمال تخريبية ضد عقيدة الانسان وايمانه بالدين. لأن كلَّ ما اراده الإكراه من عوامل خارجية وقفت له التقية بالمرصاد، من الزاوية القلبية الايمانية. الاكراه وصعوبة اختيار البديل: ولايتوقف "الإكراه" على تنفيذ اوامر الظالم ونواهيه بالقوة، بل يتعدى ذلك الى الوضع النفسي الخانق الذي يعيشه المؤمن تحت ادارة الظالم. فالفرد في ذلك الجو الخانق لايستطيع ان يختار البدائل الواقعية لما يعتقده الافضل للقيادة والانسب للتنفيذ. فالحكم الظالم لايفسح مجالاً للافراد لاختيار البديل، فاذا رأى من فرد ميولاً نحو من يمثّل الرسالة الدينية مثلاً، فانه يتعامل مع تلك الميول باقصى درجة من درجات العنف. والعنف - وحده – لايؤدي الى جني ثمار الإكراه في نظر الظالم، بل لابد من مخطط واسع لإبقاء الامة في حالة قاتمة من الجهل والسطحية والسذاجة في التفكير. فمن الطبيعي ان تثقيف الافراد وتعليمهم الفكر الديني والعلوم المذهبية يوسعان من نطاق الاختيار وحرية القرار لديهم. ولذلك، فان الثقافة الدينية وبضمنها المعارف الاجتماعية تعتبـر احد شروط حرية التعبير ومنع عمليات الإكراه والقسر الجماعي. وقد كان الطغاة، على مر التأريخ، على وعي تام لتلك الحقيقة. فصمموا للامة وضعاً من الجهالة والسطحية وعدم الوعي، بينما ابقوا "فقهاء" البلاط وما يمثلونه من فكر مزعوم تحت سيطرتهم المباشرة. ولم يتوقف الوضع عند هذا الحد، بل كان تشويه الحقائق وقلب الوقائع سياسة ثابتة لهم في كل الاحوال. وبذلك فقد كان سب امير المؤمنين (ع) من على منابر الامويين مدة قرن كامل من المحاولات التي كان هدفها غلق ابواب البديل امام الناس. ولذلك، لم يكن لسواد الناس، تحت ذلك الوضع الارهابي الخانق، من خيار غير خيار الخضوع للسلطان الاموي الظالم. التقية وامكانية اختيار البديل: ان التقية جعلت من قضية اختيار البدائل قضية واقعية. فتحتَ ظروف الإكراه لايتوفر للانسان خيار غير خيار الظالم؛ فيتظاهر باختيار الظالم تقيةً. ولاشك ان التقية هنا تركت ابواب الاختيار القلبي مفتوحة. فالمؤمن يستطيع ان يختار ايمانه وولائه في الوقت الذي يستخدم فيه تلك الرخصة من اجل ان يبقى على بساط الوجود، وهو يحمل همّ تسليم تلك العقيدة التي اطمأنَّ بها قلبه الى الجيل الجديد. "الاكراه" اللغوي و"الاكراه" الفلسفي: ولاشك ان "الإكراه" الفلسفي لايحمل اختلافاً جوهرياً عن معنى "الإكراه" اللغوي او الشرعي. فالمعنيان: الشرعي واللغوي لعملية الإكراه، يكشفان عن فكرة سلب الارادة، والقهر الجسدي دون القلبي. وفي ذلك قال اهل اللغة ان "الإكراه، مشتق من كَرَه، والاسم: الكَره - بالفتح، وهو كل ما أكرهك غيرك عليه. والكُره - بالضم: المشقة، يقال: قمتُ على كُره، اي: على مشقة. ويقال: أقامني فلان على كَره، اذا اكرهك عليه. فالكُره بالضم هو فعل المختار، والكَره بالفتح هو فعل المضطر" [3]. فالإكراه اذاً "اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه، او يفسد به اختياره" [4]. ولكن الإكراه لايصل الى القلب مهما كانت الظروف. فما ان ينتهي ظرف الإكراه وتنتهي الرخصة، حتى يعود التكليف العملي الذي نعبّر عنه بـ "المطابقة الايجابية بين الظاهر والباطن" الى وضعه الطبيعي. وقد عقّب سبحانه وتعالى بعد ان ذكر آية التقية :(...إلا أن تتَّقُوا مِنهُم تُقاةً...)[5] ، قائلاً :(قل إن تُخفوُا ما في صُدُورِكُم أو تُبدُوه يعلَمْهُ اللهُ ويعلَمُ ما في السمواتِ وما في الارضِ واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ)[6]. بمعنى "انه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين اولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر، أتبع ذلك بالوعيد على ان يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية؛ وذلك لان من أقدم عند التقية على اظهار الموالاة فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن. فلا جرم بيّن تعالى انه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد انه لابد ان يجازيه على ما عزم عليه في قلبه" [7]. وهذا التحذير الشرعي له مبناه الفلسفي الذي يكشف عن ان المطابقة بين الظاهر والباطن، دينياً، ينبغي ان تتم بشكلها الايجابي في الظروف الطبيعية. وجوهر تلك المطابقة هو عقد النية على العمل، وترجمة الايمان القلبي الى سلوك عملي يلمسه المجتمع ويتوقعه من المؤمن. ولكن اذا تحول السلوك الظاهري الموالي للكافر والمخالف للباطن الى اداة تأثير على القلب ذاته، فان ذلك الموقف السلبي الخطير يفجر فكرة الرخصة الشرعية من الداخل ويدمرها. لان الهدف من الرخصة هو حفظ الايمان حتى يزول الإكراه، لا ان يكون الإكراه وسيلة من وسائل تغيير القلب ومجاراة ما اراده المُكرِه على الصعيدين الخارجي والداخلي. سلبيات اسقاط الرخصة الشرعية: ولاشك ان عدم استثمار الرخصة الشرعية في مكافحة الظالم عبر الايمان بشرعية "التقية" تؤدي بنا الى سلبيات اجتماعية على نطاق العقيدة، خصوصاً اذا نظرنا الى الامر من زاوية الفترة الزمنية المديدة التي قد يعيشها الإكراه ضد الجماعة. ومن تلك السلبيات: 1- ان الانسان سيصبح من المعصية اقرب منه الى الطاعة في حالات الجبر والإكراه. لأن الإكراه يولّد حالة من حالات عدم التحمل الجسدي والعقلي عند المكلّف. وعندها ينهار البناء الروحي والنفسي الذي بناه خلال الظروف الطبيعية. وهذا يمثل ظلماً للفرد لايرتضيه الاسلام. 2- ان ذلك قد يتسبب في فناء الشريعة بفناء المرتبطين بها. فكان على المُكرَه ان يقول الحق حتى لو خشي الضرر الجسيم، وهو القتل. وهذا الوضع الاجتماعي يمحو المؤمنين بالرسالة من الخارطة الاجتماعية، ويفسح المجال - بالتأكيد- للاشقياء بتلبس لباس الدين وادارة المجتمع. فاذا فرغت الساحة السياسية والدينية كلياً من المؤمنين، فان للظالم حقاً فلسفياً في ادارة المجتمع. وهذا، دون شك، يخالف المباني التكوينية للدين والمجتمع والافراد الذين يعيشون على ترابه. 3- ان ذلك الطريق السلبي الناتج عن انكار شرعية التقية او عدم استثمارها عندما يتوجب ذلك يعتبر ظلماً من نوع ما، على المكلفين على اختلاف ظروفهم الاجتماعية. فاننا لانستطيع - فلسفياً - تفسير المساواة الالهية بين المُكرَه والعاصي في قضية العقاب. وعندها تتزعزع فكرتنا حول عدالة الرسالة الدينية! فعلى ضوء الافتراض الذي لايحكم بعدالة بين المُكرَه والعاصي، نستطيع ان ننظر الى الواجب الشرعي من زاويتين: الاولى: الزاوية الوصفية. وجوهرها ان طاعة الله عز وجل ورسوله (ص) واهل بيت النبوة (ع) واجب شرعي، والفشل في امتثال تلك الطاعة - تحت الإكراه - يؤدي بنا الى شكل من اشكال العقوبة الآخروية. الثانية: الزاوية المعيارية. وجوهرها ان طاعة الله ورسوله (ص) واهل بيت النبوة (ع) واجب شرعي، والفشـل في امتثـال تلك الطاعة -اختياراً - يؤدي بنا الى شكل من اشكال العقوبة الآخروية. فهنا وقع تناقض واضطراب في تحليل الواجب الشرعي. وكأننا وضعنا المعصية الاختيارية للمكلف العاصي على درجة واحدة متساوية مع الإكراه الخارجي الذي ادى بالمكلف المؤمن الى تجميد عمله العبادي، مع ان قلبه لازال نابضاً بالايمان بعقيدته. فهنا لايمكن تصحيح ذلك الخلل المبنائي الذي يظلم الطرف المُكرَه، الا بالايمان بالتقية كترخيص يحفظ ايمان المؤمن المُكرَه ويجمّد عمله الخارجي مؤقتاً. فالدين اثبت لنا عبر التمييز بين المُكرَه والعاصي، انه يمثل صورة الكمال في العدالة الحقوقية. فالمُكرَه الذي يكون قلبه مطمئنّاً بالايمان له رخصة بالتظاهر، بينما يعاقب العاصي لأن عصيانه بدأ بالقلب باختياره. 4- خلال عملية الإكراه، تتبدل نفسية الانسان ومشاعره واحاسيسه. فاذا كان الحكم الشرعي ثابتاً بغض النظر عن الإكراه او عدمه، فمعنى ذلك ان الدين لم يفهم الحالة التكوينية للانسان! ولكن ذلك الافتراض باطل كما هو ظاهر لان الدين عالج واقعاً حالة الإكراه. وعرض في تلك الحالة الاستثنائية حكماً استثنائياً مؤقتاً تعامل فيه مع تبدل احاسيس الانسان، فكانت التقية التي تسمح له بالتظاهر. ولاشك ان التظاهر الخارجي يخفف من وطأة آثار الإكراه النفسي الذي يقوم به الظالم، فيبقى عندها قلب المظلوم ثابتاً مطمئنّاً بالايمان. 5- ان الإكراه يمثل ملاقاة من نوع ما بين عقلي الطرفين (المُكرِه والمُكرَه) ونيتيهما. ولما كانت النيات أو العقول مما لايستطيع الوصول اليها احد من الافراد خارج الذات الانسانية، فان الجسد وما يؤديه من افعال يصبح قضية ثانوية. بينما يتصدر القلب بما فيه من نية، القضية الاولية. ولذلك سأل رسولُ الله (ص) عمارَ بن ياسر عندما جاءه معتذراً عما اظهره بلسانه: كيف ترى قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان. فقال (ص): (ياعمار إن عادوا فعُد)[8] . فعدم استثمار الرخصة يعني تحطيم عقل الفرد المُكرَه خلال فترة الإكراه وما بعدها، وعندها يسيطر المُكرِه لا على جسد المُكرَه فحسب بل وعلى روحه ايضاً. وتلك من اعظم السلبيات. المسؤولية الاخلاقية والشرعية ولاشك ان التقية تُجمِّد - وبصورة مؤقتة- الشخصية الشرعية الخارجية للمكلّف. لكنها تُبقي الجانب القلبي الاطمئناني نشطاً. ففي تلك الحالة التي قد يختبرها الانسان تحت ظروف القهر والاستبداد، تظل قضية الالزام الاخلاقي والمسؤولية الشرعية قائمة بطبيعتها، حتى يتحقق القصد من اجراء التقية، وهو إتقاء الضرر. فاذا اُتقي الضرر وزال الاستثناء عاد الإلزام الشرعي كما هو، وسقط الترخيص. الدين والحفاظ الاستثنائي على المكلّف: فالمسؤولية الشرعية هنا لم تقتصر على التكليف المجرد فقط، بل انها اندمجت مع المسؤولية الاخلاقية للرسالة ذاتها، عن طريق حفظ المؤمن المُكرَه في الظروف الاستثنائية عن الضرر الذي قد أحاق به. وهذه الرخصة الشرعية عرضت الواجب الشرعي كواجب اخلاقي، بفضيلة إقرار السلوك الخارجي الذي يحفظ المكلف في نفسه وماله وعرضه حتى لو كان ذلك السلوك مخالفاً للتكليف الابتدائي الذي أقره الدين. ولاريب ان الشريعة قد اخذت بعين الاعتبار - عند لحاظها تلك الرخصة- طبيعة الحياة الاجتماعية وتغيرها، ونظرت أيضاً الى احتمالية تسلط الاشقياء على دفة الحكم لإدارة المجتمع الانساني. فالتقية، حدّدت الواجب الشرعي ضمن اطار قدرة الانسان على اداء التكاليف في مختلف الظروف، مع شرط بقاء النية أو الايمان القلبي سليماً في كل الاحوال. ثبوت المسؤولية الاخلاقية: واذا انحلّت المسؤولية الشرعية مؤقتاً من اجل دفع الضرر عن النفس او العرض او المال في اطار تلك الرخصة، فان المسؤولية الاخلاقية تبقى ثابتة في ضمير الانسان. فالفرد حتى لو كتم ايمانه واعلن البراءة او الجحود من أجل أن يدفع الضرر عن نفسه، فان مسؤوليته الاخلاقية تبقى تعمل عملها في تثبيت ذلك الايمان القلبي الذي امتلكه. وما ان ينتهي ذلك الظرف الاستثنائي حتى تدفعه مسؤوليته الاخلاقية الى الرجوع الى مسؤوليته الشرعية في المطابقة الايجابية بين الظاهر والباطن، واعلان الايمان بعد ان تراجع عن إعلانه في فترة الاستثناء. العلاقة الوثيقة بين النية والتقية ان تمييز الشريعة بين الحالات النفسية او العقلية كالجنون والاضطراب العقلي والإكراه في انشاء العقود وفرض العقوبات، طرح تساؤلاً لتوضيح معنى (الإرادة) و(النية) و(الدافع). فماذا نريد بالنية حال الإكراه؟ وماذا نريد بالإرادة او الدافع في الحالات الاستثنائية؟ صور التلازم بين النية والدافع والارادة: لاشك ان (النية) السليمة في اداء العمل تُظهر سلامة الفرد الجسدية والعقلية. فهي نتيجة ذاتية من نتائج (الدافع) و(الارادة). فالدافع يأتي اولاً ثم تأتي الإرادة ثانياً، وتأتي النية ثالثاً. قال فخر المحققين في رسالته الفخرية ان حقيقة النية "هي الارادة من الفاعل للفعل" [9] انتهى. ولكن النية والارادة ليستا في مرتبة واحدة، بل انهما مختلفتان في الرتبة والدرجة. فعندما يتحرك دافع الانسان وتصمم ارادته، تُع& |