(ص 1 -38)

  التقية في الفكر والدين

                                                    السيد زهير الاعرجي

 ---------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

          قال تعالى : (مَنْ كَفَرَ باللهِ من بعدِ ايمانهِ إلاّ مَنْ اُكرِهَ وقلبُهُ مطمئنٌ بالايمان...)سورة النحل : آية 106.

         وقال ايضاً : (لا يتَّخِذِ المؤمنُونَ الكافرينَ اوليآءَ من دونِ المؤمنينَ ومن يَفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاّ أنْ تتقُوا منهُم تقاةً...) سورة آل عمران : آية 28.

          وورد عن رسول الله (ص) في حديث الرفع : (رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه...) كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق ص 417 باب 9.

---------------------------

الطبعة الأولى  1417هجرية

قم المشرفة

---------------------------

 المقدمة

           هذا الكتاب يخاطب العقل البشري في موضوع مهم من مواضيع الدين والاجتماع وهو موضوع "التقية"؛ ويعبّر عن محاولة لاكتشاف التضافر الموضوعي بين الدليلين الشرعي والعقلي في استنباط الحكم الاسلامي الخاص بتلك الرخصة الشرعية. وهي رخصة اُريد لها ان تحفظ الدين في قلوب المؤمنين رغم كل محاولات الباطل محو الخير واهله من ساحة الوجود.

          ولاشك ان موضوعاً شائكاً كهذا يحتاج الى قدر عظيم من الدقة العقلية والشرعية في معالجة ابوابه والاحاطة باطرافه وتشخيص حدوده بشمولية وعمق. ولذلك جاء هذا الكتاب بادلة ستة وهي: الدليل الفلسفي، والنفسي، والاجتماعي، والتأريخي، والفقهي، والاصولي. وحاول صهرها في فكرة واحدة وهي: فكرة الضرورة الشرعية والعقلية في الاخذ برخصة التقية في موارد الاكراه والظلم، بحيث يبقى القلب مودِعاً للايمان ومُستقَراً للعقيدة. وهنا يمكن القطع بان التقية ليست فكرة عارضة في التأريخ، بقدر ما هي رخصة شرعية منحتها السماء لمعالجة قضية الاكراه الموجّه ضد المكرَهين المعذَبين في الارض.

           اللهم انك تعلم انني لم ابذل هذا الجهد الا ابتغاءَ وجهك الكريم. فسدده بتسديدك واجعله ذخيرة لنا يوم نلقاك، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

 زهير طالب الاعرجي

الحوزة العلمية ـ قم المشرفة

النصف من شوال 1417 هـ .

---------------------------

محتويات الكتاب:

    الفصل الاول : الدليل الفلسفي.

الفصل الثاني : الدليل النفسي.

     الفصل الثالث : الدليل الاجتماعي.

الفصل الرابع : الدليل التأريخي.

 الفصل الخامس : الدليل الفقهي.

   الفصل السادس : الدليل الاصولي.

النظرية الامامية في التقية

---------------------------

 توطئة

           تعبّر "التقية" في مجملها عن قضية خطيرة في حياة الانسان. فقد يعيش الانسان بعض الحالات الاستثنائية تحت ظروف من القهر والإكراه والاستعباد. وعندها يتساءل: ما هي الوظيفة الشرعية المناطة بي تحت تلك الظروف؟ وما هو دور قلبي في حفظ العقيدة التي اعتقد بها اذا تعرض جسدي للإكراه والضرر الجسيم؟ تقدم الشريعة اجوبة لذنيك التساؤلين وغيرهما، وتعرض نظرية في غاية الواقعية والشمول، مفادها : اتفاق المكلّف مع خالقه عز وجل قلبياً، عبر رخصة شرعية، على عدم الاتفاق مع الظالم. وهي النظرية التي عبّرنا عنها بنظرية "الإتفاق على عدم الإتفاق". وتلك النظرية تعبّر عن جوهر فكرة "التقية" وروحها، والتي نحن بصددها الآن.

          ولاشك ان التقية بمفهومها الواسع الرحيب اُستخدمت في التاريخ الاسلامي من قبل المؤمنين في مكة مع المشركين من قريش، ومن قبل المؤمنين في ظروف اخرى مع مطلق الكفار، ومن قبل الموالين لاهل بيت النبوة (ع) مع السلاطين الظالمين الذين انكروا ولاية ائمة اهل البيت (ع).

          وقد انحصرت التقية وانكمشت مع الصنفين الاولين، لكنها عاشت حية ولفترة طويلة مع الصنف الثالث، وهي التقية مع الحاكم الظالم الذي كان يحاول ولايزال - وبكل قوة - فرض الإكراه المذهبي والولائي على اتباع اهل البيت (ع).

          ومن اجل فهم موضوعي مستقل لفكرة التقية حاولنا دراستها على مختلف الاصعدة التي يمكن تصورها عقلياً، وهي: الصعيد الفلسفي، والنفسي، والاجتماعي، والتأريخي، والفقهي، والاصولي. ومن تشعبات تلك الدراسة استقرأنا النظرية الامامية في التقية وما ارتبط بها من مفاهيم حول الحرية والاختيار، وعدم الإكراه والقهر، والعدالة والظلم.

 ---------------------------

 الفصل الاول

 الدليل الفلسفي

الإكراه ومشروعية التقية* المسؤولية الاخلاقية والشرعية* العلاقة الوثيقة بين النية والتقية* التقية وسلطة الحاكم الظالم* الحرية وحرمة التقية* التقية ومشكلة القلب والجسد.

---------------------------

           لا يمكن بحث فكرة التقية وشرعيتها على الصعيد الفلسفي ما لم تبحث الافكار الفلسفية الخاصة بالإكراه، والظلم السياسي، والمسؤولية الاخلاقية والشرعية، والنية، وقضية الارتباط بين القلب والجسد. فالتقية بمفهومها الشرعي والفلسفي غير منفصلة عن تلك الافكار، ولاتستطيع ان تحقق اهدافها بمعزل عن الظروف الاستثنائية التي يحاول الإكراه أو القهر أو الاستعباد فرضها على المكلّف.

 الإكراه ومشروعية التقية

          يمكننا اولاً، ان نفترض صياغة فرضية فلسفية تعدُّ مدخلاً لمناقشة الإكراه ودور التقية في مكافحة آثاره السلبية. تلك الفرضية تفصح عما يلي: اذا كانت حرية الانسان في ممارسة الايمان الغيبي حقاً طبيعياً تكوينياً، فلابد ان تكون التقية حقاً تشريعياً يحفظ المكلف من الاذى النازل به في ظروف استثنائية. فالإكراه، مهما كان حجمه او شدته، يمثل لوناً صارخاً من الوان التأثير على السلوك الانساني. والتهديد بالجبر او القهر ينتهك حرمة الاخلاقية الدينية ويزعزع فكرة العدالة الدينية التي جاءت بها الرسالة السماوية. ولذلك ندد القرآن المجيد بالإكراه القلبي. فقال عز وجل مخاطباً نبيه (ص) بصورة الاستفهام الانكاري، وفي معرض الحديث عن مشيئته تعالى بعدم ايمان جميع الناس بالرسالة: (...أفأنتَ تُكرِهُ الناسَ حتى يكُونُوا مؤمنينَ)[1] . وقال عز وجل في موضع آخر: (لا إكراهَ في الدينِ...)[2]. والاعتقاد بالدين من الامور القلبية التي لايحكم فيها الجبر او الإكراه، لأن الإكراه يؤثر على الاعمال الظاهرية والافعال الجسدية فحسب.

 العلاقة الفلسفية بين الشريعة والاكراه والتقية:

          لاشك ان الايمان القلبي بالدين وما يتبعه من حتمية الالتزام بالاوامر والنواهي الشرعية يدعونا الى التساؤل عن العلاقة الفلسفية في المثلث القائم بين: الشريعة وما تمثله من إلزامات، والإكراه الذي يؤدي الى الضرر، والاخلاقية الدينية المنعكسة هنا بفكرة التقية. فاذا كانت الشريعة السماوية تستنكر الإكراه في الايمان الابتدائي، فما هو موقفها يا تُرى من إكراه المؤمن على انتزاع عقيدته التي آمن بها، من قبل طرف ظالم حاد عن رسالة السماء؟ واذا كانت اخلاقية الشريعة تستنكر الإكراه فما هو علاجها العملي له؟ لاشك ان استيعاب تلك التساؤلات ومن ثم التفتيش عن ردّ عليها يرتبط – قهراً - بقضية الطاعة والمعصية. فهل يكون العبدُ مطيعاً في الحالات التي يُكره فيها على اداء أمر مخالف، حتى اذا كان قلبه مطمئناً بالايمان؟ ام انه يكون عاصياً اذا اُكره على الكفر بعقيدته، لفظاً، بغض النظر عما اعتمل في قلبه من افكار ومشاعر؟

          وكما تعاملت الشريعة مع العقود، والايقاعات، والملكية، والعقوبات، والحقوق، والواجبات، والالزامات الاخلاقية، فانها تعاملت ايضاً مع الفعل والنية والقصد. ولولا تشريع التقية، واخذ نية الانسان واطمئنانه بما يعتقده كأصل، لأصبح الإكراه مشكلة اخلاقية تهدد اصل الدين والمؤمنين به. لان هدف المُكرِه هو محو صورة الدين من لوح الواقع واستئصال المؤمنين به من الوجود.

الاكراه وحدود السيطرة على العقل والروح:

          ولاشك ان فكرة "الإكراه" تتطلب بحثاً معمقاً دقيقاً حول حدود السيطرة على عقل الانسان وروحه. فالسلطة الظالمة قد تحكم المجتمع فترة ليست بالقصيرة بحيث تنجح احياناً في السيطرة على عقول الافراد فيما يتعلق بالرأي والنظر والتوجه والرغبة. فتصبح رغبة الافراد في المجتمع مطابقة الى حد ما لرغبة الحاكم الظالم. فهنا يتحول الإكراه الاولي الى قناعة ثانوية. فما كان يطمح اليه الظالم، قد تحقق عبر القهر والظلم والاستعباد. وحتى لو فشل في تحقيق ما اراده في الجيل الاول، فانه قد ينجح الى تحقيق ما اراده في الجيل الثاني. وهنا تحول الإكراه الذي فُرض على الجيل الاول، الى حالة من القناعة والاستسلام عند الجيل الثاني. في هذه الحالة بالذات ، نلحظ القيمة الشرعية والفلسفية للتقية وهي تعمل عملها في منع ذلك المنهج التخريبي للعقائد. فالذي يرفض الإكراه بصورة قلبية، يستطيع ان ينفذ الاوامر والنواهي المحدودة المفروضة عليه، حسب مفهوم التقية؛ ولكن يبقى قلبه محطة للحرية حيث تتفاعل فيه قضايا الايمان والولاء. ولايتوقف فعل التقية عند ذلك، بل ان الايمان والولاء مرشحان للانتقال الى النطاق العملي متى ما خفّت وطأة الإكراه. وحتى لو لم تخفّ وطأة الإكراه، فان الفرد يستطيع - بتكتم- نقل عقيدته القلبية الى اجياله المتعاقبة التي تنتظر بترقب استلام عقيدتها وتمحيصها والايمان بها.

          فالتقية الشرعية كافحت اذاً كل ما اراده "الإكراه" من اعمال تخريبية ضد عقيدة الانسان وايمانه بالدين. لأن كلَّ ما اراده الإكراه من عوامل خارجية وقفت له التقية بالمرصاد، من الزاوية القلبية الايمانية.

الاكراه وصعوبة اختيار البديل:

          ولايتوقف "الإكراه" على تنفيذ اوامر الظالم ونواهيه بالقوة، بل يتعدى ذلك الى الوضع النفسي الخانق الذي يعيشه المؤمن تحت ادارة الظالم. فالفرد في ذلك الجو الخانق لايستطيع ان يختار البدائل الواقعية لما يعتقده الافضل للقيادة والانسب للتنفيذ. فالحكم الظالم لايفسح مجالاً للافراد لاختيار البديل، فاذا رأى من فرد ميولاً نحو من يمثّل الرسالة الدينية مثلاً، فانه يتعامل مع تلك الميول باقصى درجة من درجات العنف. والعنف - وحده – لايؤدي الى جني ثمار الإكراه في نظر الظالم، بل لابد من مخطط واسع لإبقاء الامة في حالة قاتمة من الجهل والسطحية والسذاجة في التفكير.

          فمن الطبيعي ان تثقيف الافراد وتعليمهم الفكر الديني والعلوم المذهبية يوسعان من نطاق الاختيار وحرية القرار لديهم. ولذلك، فان الثقافة الدينية وبضمنها المعارف الاجتماعية تعتبـر احد شروط حرية التعبير ومنع عمليات الإكراه والقسر الجماعي. وقد كان الطغاة، على مر التأريخ، على وعي تام لتلك الحقيقة. فصمموا للامة وضعاً من الجهالة والسطحية وعدم الوعي، بينما ابقوا "فقهاء" البلاط وما يمثلونه من فكر مزعوم تحت سيطرتهم المباشرة. ولم يتوقف الوضع عند هذا الحد، بل كان تشويه الحقائق وقلب الوقائع سياسة ثابتة لهم في كل الاحوال. وبذلك فقد كان سب امير المؤمنين (ع) من على منابر الامويين مدة قرن كامل من المحاولات التي كان هدفها غلق ابواب البديل  امام الناس. ولذلك، لم يكن لسواد الناس، تحت ذلك الوضع  الارهابي الخانق، من خيار غير خيار الخضوع للسلطان الاموي الظالم.

التقية وامكانية اختيار البديل:

          ان التقية جعلت من قضية اختيار البدائل قضية واقعية. فتحتَ ظروف الإكراه لايتوفر للانسان خيار غير خيار الظالم؛ فيتظاهر باختيار الظالم تقيةً. ولاشك ان التقية هنا تركت ابواب الاختيار القلبي مفتوحة. فالمؤمن يستطيع ان يختار ايمانه وولائه في الوقت الذي يستخدم فيه تلك الرخصة من اجل ان يبقى على بساط الوجود، وهو يحمل همّ تسليم تلك العقيدة التي اطمأنَّ بها قلبه الى الجيل الجديد.

"الاكراه" اللغوي و"الاكراه" الفلسفي:

          ولاشك ان "الإكراه" الفلسفي لايحمل اختلافاً جوهرياً عن معنى "الإكراه" اللغوي او الشرعي. فالمعنيان: الشرعي واللغوي لعملية الإكراه، يكشفان عن فكرة سلب الارادة، والقهر الجسدي دون القلبي. وفي ذلك قال اهل اللغة ان "الإكراه، مشتق من كَرَه، والاسم: الكَره - بالفتح، وهو كل ما أكرهك غيرك عليه. والكُره - بالضم: المشقة، يقال: قمتُ على كُره، اي: على مشقة. ويقال: أقامني فلان على كَره، اذا اكرهك عليه. فالكُره بالضم هو فعل المختار، والكَره بالفتح هو فعل المضطر" [3].

          فالإكراه اذاً "اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه، او يفسد به اختياره" [4]. ولكن الإكراه لايصل الى القلب مهما كانت الظروف. فما ان ينتهي ظرف الإكراه وتنتهي الرخصة، حتى يعود التكليف العملي الذي نعبّر عنه بـ "المطابقة الايجابية بين الظاهر والباطن" الى وضعه الطبيعي.

          وقد عقّب سبحانه وتعالى بعد ان ذكر آية التقية :(...إلا أن تتَّقُوا مِنهُم تُقاةً...)[5] ، قائلاً :(قل إن تُخفوُا ما في صُدُورِكُم أو تُبدُوه يعلَمْهُ اللهُ ويعلَمُ ما في السمواتِ وما في الارضِ واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ)[6]. بمعنى "انه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين اولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر، أتبع ذلك بالوعيد على ان يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية؛ وذلك لان من أقدم عند التقية على اظهار الموالاة فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن. فلا جرم بيّن تعالى انه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد انه لابد ان يجازيه على ما عزم عليه في قلبه" [7].

          وهذا التحذير الشرعي له مبناه الفلسفي الذي يكشف عن ان المطابقة بين الظاهر والباطن، دينياً، ينبغي ان تتم بشكلها الايجابي في الظروف الطبيعية. وجوهر تلك المطابقة هو عقد النية على العمل، وترجمة الايمان القلبي الى سلوك عملي يلمسه المجتمع ويتوقعه من المؤمن. ولكن اذا تحول السلوك الظاهري الموالي للكافر والمخالف للباطن الى اداة تأثير على القلب ذاته، فان ذلك الموقف السلبي الخطير يفجر فكرة الرخصة الشرعية من الداخل ويدمرها. لان الهدف من الرخصة هو حفظ الايمان حتى يزول الإكراه، لا ان يكون الإكراه وسيلة من وسائل تغيير القلب ومجاراة ما اراده المُكرِه على الصعيدين الخارجي والداخلي.

سلبيات اسقاط الرخصة الشرعية:

          ولاشك ان عدم استثمار الرخصة الشرعية في مكافحة الظالم عبر الايمان بشرعية "التقية" تؤدي بنا الى سلبيات اجتماعية على نطاق العقيدة، خصوصاً اذا نظرنا الى الامر من زاوية الفترة الزمنية المديدة التي قد يعيشها الإكراه ضد الجماعة. ومن تلك السلبيات:

1- ان الانسان سيصبح من المعصية اقرب منه الى الطاعة في حالات الجبر والإكراه. لأن الإكراه يولّد حالة من حالات عدم التحمل الجسدي والعقلي عند المكلّف. وعندها ينهار البناء الروحي والنفسي الذي بناه خلال الظروف الطبيعية. وهذا يمثل ظلماً للفرد لايرتضيه الاسلام.

2- ان ذلك قد يتسبب في فناء الشريعة بفناء المرتبطين بها. فكان على المُكرَه ان يقول الحق حتى لو خشي الضرر الجسيم، وهو القتل. وهذا الوضع الاجتماعي يمحو المؤمنين بالرسالة من الخارطة الاجتماعية، ويفسح المجال - بالتأكيد- للاشقياء بتلبس لباس الدين وادارة المجتمع. فاذا فرغت الساحة السياسية والدينية كلياً من المؤمنين، فان للظالم حقاً فلسفياً في ادارة المجتمع. وهذا، دون شك، يخالف المباني التكوينية للدين والمجتمع والافراد الذين يعيشون على ترابه.

3- ان  ذلك الطريق السلبي الناتج عن انكار شرعية التقية او عدم استثمارها عندما يتوجب ذلك يعتبر ظلماً من نوع ما، على المكلفين على اختلاف ظروفهم الاجتماعية. فاننا لانستطيع - فلسفياً - تفسير المساواة الالهية بين المُكرَه والعاصي في قضية العقاب. وعندها تتزعزع فكرتنا حول عدالة الرسالة الدينية!

          فعلى ضوء الافتراض الذي لايحكم بعدالة بين المُكرَه والعاصي، نستطيع ان ننظر الى الواجب الشرعي من زاويتين:

الاولى: الزاوية الوصفية. وجوهرها ان طاعة الله عز وجل ورسوله (ص) واهل بيت النبوة (ع) واجب شرعي، والفشل في امتثال تلك الطاعة - تحت الإكراه - يؤدي بنا الى شكل من اشكال العقوبة الآخروية.

الثانية: الزاوية المعيارية. وجوهرها ان طاعة الله ورسوله (ص) واهل بيت النبوة (ع) واجب شرعي، والفشـل في امتثـال تلك الطاعة -اختياراً - يؤدي بنا الى شكل من اشكال العقوبة الآخروية.

          فهنا وقع تناقض واضطراب في تحليل الواجب الشرعي. وكأننا وضعنا المعصية الاختيارية للمكلف العاصي على درجة واحدة متساوية مع الإكراه الخارجي الذي ادى بالمكلف المؤمن الى تجميد عمله العبادي، مع ان قلبه لازال نابضاً بالايمان بعقيدته. فهنا لايمكن تصحيح ذلك الخلل المبنائي الذي يظلم الطرف المُكرَه، الا بالايمان بالتقية كترخيص يحفظ ايمان المؤمن المُكرَه ويجمّد عمله الخارجي مؤقتاً.

          فالدين اثبت لنا عبر التمييز بين المُكرَه والعاصي، انه يمثل صورة الكمال في العدالة الحقوقية. فالمُكرَه الذي يكون قلبه مطمئنّاً بالايمان له رخصة بالتظاهر، بينما يعاقب العاصي لأن عصيانه بدأ بالقلب باختياره.

4- خلال عملية الإكراه، تتبدل نفسية الانسان ومشاعره واحاسيسه. فاذا كان الحكم الشرعي ثابتاً بغض النظر عن الإكراه او عدمه، فمعنى ذلك ان الدين لم يفهم الحالة التكوينية للانسان! ولكن ذلك الافتراض باطل كما هو ظاهر لان الدين عالج واقعاً حالة الإكراه. وعرض في تلك الحالة الاستثنائية حكماً استثنائياً مؤقتاً تعامل فيه مع تبدل احاسيس الانسان، فكانت التقية التي تسمح له بالتظاهر. ولاشك ان التظاهر الخارجي يخفف من وطأة آثار الإكراه النفسي الذي يقوم به الظالم، فيبقى عندها قلب المظلوم ثابتاً مطمئنّاً بالايمان.

5- ان الإكراه يمثل ملاقاة من نوع ما بين عقلي الطرفين (المُكرِه والمُكرَه) ونيتيهما. ولما كانت النيات أو العقول مما لايستطيع الوصول اليها احد من الافراد خارج الذات الانسانية، فان الجسد وما يؤديه من افعال يصبح قضية ثانوية. بينما يتصدر القلب بما فيه من نية، القضية الاولية. ولذلك سأل رسولُ الله (ص) عمارَ بن ياسر عندما جاءه معتذراً عما اظهره بلسانه: كيف ترى قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان. فقال (ص): (ياعمار إن عادوا فعُد)[8] . فعدم استثمار الرخصة يعني تحطيم عقل الفرد المُكرَه خلال فترة الإكراه وما بعدها، وعندها يسيطر المُكرِه لا على جسد المُكرَه فحسب بل وعلى روحه ايضاً. وتلك من اعظم السلبيات.

 المسؤولية الاخلاقية والشرعية

          ولاشك ان التقية تُجمِّد - وبصورة مؤقتة- الشخصية الشرعية الخارجية للمكلّف. لكنها تُبقي الجانب القلبي الاطمئناني نشطاً. ففي تلك الحالة التي قد يختبرها الانسان تحت ظروف القهر والاستبداد، تظل قضية الالزام الاخلاقي والمسؤولية الشرعية قائمة بطبيعتها، حتى يتحقق القصد من اجراء التقية، وهو إتقاء الضرر. فاذا اُتقي الضرر وزال الاستثناء عاد الإلزام الشرعي كما هو، وسقط الترخيص.

الدين والحفاظ الاستثنائي على المكلّف:

          فالمسؤولية الشرعية هنا لم تقتصر على التكليف المجرد فقط، بل انها اندمجت مع المسؤولية الاخلاقية للرسالة ذاتها، عن طريق حفظ المؤمن المُكرَه في الظروف الاستثنائية عن الضرر الذي قد أحاق به. وهذه الرخصة الشرعية عرضت الواجب الشرعي كواجب اخلاقي، بفضيلة إقرار السلوك الخارجي الذي يحفظ المكلف في نفسه وماله وعرضه حتى لو كان ذلك السلوك مخالفاً للتكليف الابتدائي الذي أقره الدين.

          ولاريب ان الشريعة قد اخذت بعين الاعتبار - عند لحاظها تلك الرخصة- طبيعة الحياة الاجتماعية وتغيرها، ونظرت أيضاً الى احتمالية تسلط الاشقياء على دفة الحكم لإدارة المجتمع الانساني. فالتقية، حدّدت الواجب الشرعي ضمن اطار قدرة الانسان على اداء التكاليف في مختلف الظروف، مع شرط بقاء النية أو الايمان القلبي سليماً في كل الاحوال.

ثبوت المسؤولية الاخلاقية:

          واذا انحلّت المسؤولية الشرعية مؤقتاً من اجل دفع الضرر عن النفس او العرض او المال في اطار تلك الرخصة، فان المسؤولية الاخلاقية تبقى ثابتة في ضمير الانسان. فالفرد حتى لو كتم ايمانه واعلن البراءة او الجحود من أجل أن يدفع الضرر عن نفسه، فان مسؤوليته الاخلاقية تبقى تعمل عملها في تثبيت ذلك الايمان القلبي الذي امتلكه. وما ان ينتهي ذلك الظرف الاستثنائي حتى تدفعه مسؤوليته الاخلاقية الى الرجوع الى مسؤوليته الشرعية في المطابقة الايجابية بين الظاهر والباطن، واعلان الايمان بعد ان تراجع عن إعلانه في فترة الاستثناء.

العلاقة الوثيقة بين النية والتقية

          ان تمييز الشريعة بين الحالات النفسية او العقلية كالجنون والاضطراب العقلي والإكراه في انشاء العقود وفرض العقوبات، طرح تساؤلاً لتوضيح معنى (الإرادة) و(النية) و(الدافع). فماذا نريد بالنية حال الإكراه؟ وماذا نريد بالإرادة او الدافع في الحالات الاستثنائية؟

صور التلازم بين النية والدافع والارادة:

          لاشك ان (النية) السليمة في اداء العمل تُظهر سلامة الفرد الجسدية والعقلية. فهي نتيجة ذاتية من نتائج (الدافع) و(الارادة). فالدافع يأتي اولاً ثم تأتي الإرادة ثانياً، وتأتي النية ثالثاً. قال فخر المحققين في رسالته الفخرية ان حقيقة النية "هي الارادة من الفاعل للفعل" [9] انتهى. ولكن النية والارادة ليستا في مرتبة واحدة، بل انهما مختلفتان في الرتبة والدرجة. فعندما يتحرك دافع الانسان وتصمم ارادته، تُعقد عندها النية على العمل.

          وعلى اي تقدير فـ (الدافع) نحو اداء الفعل قضية اخلاقية الزامية كما هي قضية فلسفية.

          بل ان فكرة (الدافع) تتلخص بجملة "اُريد ان اعمل ذلك العمل". فالاحساس بالمسؤولية الشرعية هو الذي (يدفع) الفرد نحو (ارادة) انشاء (النية). فالاحساس مثلاً بوجوب الصلاة هو الذي يدفع المكلّف نحو انشاء النية ثم اداء ذلك العمل العبادي الواجب. والدافع الديني يختلف بشكل جوهري عن الدافع الفلسفي عند الانسان. إذ انَّ الدافع الديني يدفع الانسان نحو التضحية ونكران الذات والاحساس بالواجب الشرعي، اما الدافع الفلسفي فهو الدافع الذي يدفع الانسان نحو تحقيق اكبر قدر ممكن من اللذة والتمتع واقل قدر ممكن من الالم والخسارة. ويشترك الدافعان، الديني والفلسفي، في نتيجة مشتركة وهي محاولة تحقيق الغرض او الوصول الى الهدف من انشاء ذلك الدافع وما تبعه من ارادة ونية. الا ان نتيجة الدافع الفلسفي تتناسب مع غرائز الانسان البيولوجية، بينما تتناسب نتيجة الدافع الديني مع سمو الجانب الروحي والاخلاقي عند الانسان.

          والتحقيق ان النية الدينية في اداء العمل العبادي او التعبدي يولّدها الدافع الديني عند المكلّف الذي يحرّكه كتاب الله المجيد او سنّة نبيه (ص) او سيرة ائمة اهل البيت (ع).

النية وطبيعة الاختيار:

          ولكن النية ليست متلازمة عقلياً مع الاختيار، فقد ينوي الانسان عمل شيء ولكن يضطره الإكراه الى عمل شيء آخر يختلف تماماً عما نواه في البداية. والاختلاف بين النية الداخلية والسلوك الخارجي يحصل في الغالب في حالات الإكراه. فالنية التي يكون مصدرها القلب او العقل، يمكن الحفاظ عليها في الذات باعتبارها عنصراً عقلياً بعيداً عن منأى الإكراه الخارجي. وبهذا اللحاظ فان نية الفرد في الثبات على عقيدته، وقت الإكراه، تجعل السلوك اللفظي او الجسدي الخارجي قضية مستقلة يتعامل معها الجسد المُكرَه بشكل منفصل.

          ومن الطبيعي فان النية تتعلق دائماً بقصد الفرد على القيام بعمل ما في الواقع الخارجي، وتتضمن عموماً: الافكار، والعقائد، والرغبات، والاغراض. وامثلتها:

1- نية الفرد باداء الصلاة قربة الى الله تعالى.

2- القصد والتصميم لإكرام العلماء مثلاً.

3- ارتكاب مخالفة بقصد مسبق ونية مبيّتة.

          ولايختلف القصد عن النية على المستويين اللغوي والاصطلاحي، ولكن اصطلاح (النية) يُستخدم اكثر من اصطلاح (القصد) في الامور الشرعية كالعبادات والمعاملات. ولذلك كان استخدامنا لمصطلح (النية) هو الغالب هنا.

          وبطبيعة الحال، فان النية محطُّها القلب؛ فاذا انعقدت النية على الايمان بشيء اطمأنَّ القلب بها وثبت عليها. وهذه قضية دينية الزامية، بدون ادنى شك. لكن الاهتمام الفلسفي بالنية نشأ من خلال محاولة فهم العلاقة بين النية والاعمال التي ينوي الفرد القيام بها. فالجسر الموصل بين النية والعمل المنجز هو الذي يحدد الطبيعة العقلية والاختيارية للانسان. وقد يعيش الناس، لو استطاع فرد من الاطلاع على قلوبهم، بنيّات مختلفة. ولكن اعمالهم الاجتماعية الخارجية قد تباين نواياهم الداخلية او قد تطابقها. ومفهوم هذه القاعدة الفلسفية ليس بعيداً عن منحى الفهم الديني. فالنية، في الشريعة، ينبغي ان تطابق العمل الخارجي عند المؤمن في ظروف طبيعية. بمعنى ان المؤمن يستطيع ان ينوي القيام بعمل ما، في وقت ما، وفي مكان ما، وتحت ظروف معينة. فتتطابق النية مع العمل المنجَز. فعندما ينوي المكلف القيام بصلاة الظهر مثلاً، وقت الزوال، وفي المسجد، اختياراً وبدون إكراه او اضطرار، تنطبق نيته تلك تماماً على ذلك العمل العبادي. واي اختلال لتلك الشروط المذكورة يجعل المطابقة بين النية والعمل الخارجي غير تامة.

النية واولويات المكلّف:

          ومن الطبيعي، فان النية التي يعقدها الفرد في نفسه تعتمد على اولوياته الحياتية والعقائدية. فاذا كانت نية المكلف اداء صلاة الظهر، فانه من الصعب التنبؤ بالخطوات الشرعية التي سيقوم بها من وضوء واذان واقامة وسبل اليدين عند القراءة ما لم يتم التعرف على مذهبه وطبيعة فهمه لواجبه الشرعي. والقاعدة هنا ان التنبؤ بما سيفعله الفرد يقوم على معرفة اولوياته العقائدية. ولكن الاولويات العقائدية لايمكن ان يعرضها الفرد على الملأ في جميع الحالات والظروف الاجتماعية ما لم يطمئن على سلامة الوضع السياسي والمذهبي. واذا كان الخطر على النفس جدياً، بسبب اداء الصلاة طبق مذهب اهل البيت (ع) مثلاً، فان الروح تستطيع ان تحصّن نفسها عن السلوك الخارجي للجسد لفترة مؤقتة عن طريق التقية.

          فالتقية نسفت مؤقتاً الجسر الموصل بين النية والعمل الخارجي. فعن طريق إبقاء الاطمئنان الايماني ثابتاً في القلب، فان السلوك الخارجي تحت الإكراه عكس عملاً سلبياً مجرداً خالياً عن الروح. ولم يحمل السلوك الخارجي هنا غير معنى العمل العلاجي لحالة الإكراه المُسلط من قبل الظالم. ولكن المحور الاساس يبقى "نية" القلب على الايمان والاطمئنان بقوتها وثبوتها.

          ان عقد النية على العمل، كعقد نية الايمان بولاية اهل البيت (ع) على الالتزام العملي بالاحكام الشرعية مثلاً، يعني ان الفرد الناوي قد وضع نية الايمان تلك في خطة عمله التي سيقوم بتنفيذها. وفي المأثور عن رسول الله (ص): (انما الاعمال بالنيات)[10]، يوحي بأن الفعل الخارجي لايتم ما لم يضع الانسان نية القيام بذلك الفعل في خطة عمله التي صممها من اجل القيام بالعمل وتنفيذه. فالنية هنا "فكرة" عملية تنتظر من الجسد القيام بها. ولكن الظلم عرقل التنفيذ العملي للفكرة عبر إكراه ذلك الجسد على مخالفة النية القلبية المعقودة. ومن هنا نفهم التفسير الفلسفي للرخصة الشرعية في حفظ النية الايمانية حية نابضة بحيث لايستطيع الإكراه الوصول اليها او مسها بسوء.

الكيان الموضوعي للنية القلبية:

          ولاشك ان للنية القلبية كياناً موضوعياً تركن اليه النفس. بمعنى ان القلب لا يمكن ان يعقد النية على شيء لايشكل موضوعاً في الواقع الخارجي، بل انه يتصور دائماً كياناً موضوعياً خارجياً ثم يعقد النية على ذلك. فلولا وجود الامر الالهي باداء الصلاة في الخارج لما استطاع المكلّف ان ينوي اقامة الصلاة؛ لان العقل الانساني يحتاج الى تصور كيان موضوعي خارجي يستطيع على ضوئه استحداث تلك النية في الفعل او الترك. فالدين، وباعتباره رسالة سماوية، يشكل كياناً موضوعياً كلياً في الخارج تتمثل اوامره ونواهيه في انشاء نوايا واقعية في عقل الانسان من اجل امتثال تلك الاوامر او تجنب تلك النواهي.

          وفي هذا المورد، نستقرئ رواية من طرقنا فيها دلالة قوية على طبيعة النية ودورها في عملية التقية. فعن "علي بن ابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لابي عبد الله (ع): ان الناس يروون ان علياً (ع) قال على منبر الكوفة: ايها الناس انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم تدعون الى البراءة مني فلا تبرؤوا مني. فقال: ما اكثر ما يكذب الناس على علي (ع)، ثم قال: انما قال: انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم ستدعون الى البراءة مني واني لعلى دين محمد؛ ولم يقل: لاتبرؤوا مني. فقال له السائل: ارأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال: والله ما ذلك عليه وما له الا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكرهه اهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان، فانزل الله عز وجل فيه: (...إلا مَنْ اُكرِهَ وقلبـُهُ مطمئِنٌّ بالايمانِ...) فقال له النبي (ص) عندها: يا عمار إن عادوا فعُد، فقد انزل الله عز وجل عذرك وامرك ان تعود إن عادوا" [11].

          ومن حيث السند، فان الرواية تامة سنداً . وتواتر حديث إكراه عمار بن ياسر من طرق المدرستين[12] واخذه اخذ المسلّمات من قبل علماء الفريقين يورثنا الاطمئنان بصحتها.

          اما دلالة منطوق الحديث، فيما نحن فيه، فيمكن تلخيصها بالموارد التالية:

1- ان النية على عقد الايمان القلبي بالولاية للرسالة الدينية وبضمنها الولاء لاهل البيت (ع) هي الاصل والمحور زمن الإكراه الذي لايطيقه المكلّف عادةً. فثبات القلب على العقيدة يجعل الفعل اللفظي كالسب والبراءة امراً ثانوياً، لا اثر شرعي له.

2- ان الحفاظ على حياة المكلّف المؤمن بولاية اهل البيت (ع) له الاولوية الشرعية فيما اذا استدعى الإكراه مزاحمة من نوع ما بين القتل والبراءة. وهذه الاولوية الشرعية تمثل جوهر فكرة "التقية" التي رخصها الشارع في تلك الحالة الاستثنائية.

3- ان فكرة "التقية" مع انها حالة علاجية مؤقتة لامر استثنائي وهو الإكراه، الا  ان تشريعها مستمر ومرهون بتكرار الإكراه او القهر مرة اخرى. فاذا تكرر الموضوع وهو الإكراه، تكرر الحكم وهو الرخصة الشرعية حتى يزول ذلك الموضوع المفروض على المكلّف من دون اختياره.

          واما دلالة مفهوم الحديث على النية القلبية، فيمكن تلخيصها بالموارد التالية:

1- نية الثبات على العقيدة والنطق بما خالفها في حالة الاستثناء.

2- نية العودة الى التقية لو عادوا.

3- نية الثبات على العقيدة والعمل بما يقتضيه الايمان بها في الحالات الاعتيادية. وهي الضابطة الطبيعية التي تشخّص بالقياس لها، الحالات غير الطبيعية.

          فالنية الاولى، هي مصداق حالة التقية. فعندما تعرض عمار بن ياسر الى الإكراه الذي لم يطق تحمله، فان الشريعة نظرت الى قلبه او عقيدته في الوقت الذي فُرض عليه ذلك الظلم الخارجي، وحكمت على نيته الداخلية.

          والنية الثانية، في حالة التهيؤ النفسي للثبات عند الحالات التي يرتقبها الانسان عن كثب ويتوقعها. فكان التأكيد ظاهراً على تكرار استخدام التقية إن عادوا الى استخدام ذلك اللون من الإكراه.

          والنية الثالثة التي نستنتجها من مفهوم الحديث، تتبلور في الحالة الطبيعية التي يعمل بها المؤمن، ويكون فيها سلوكه مطابقاً لنيته. وهذه الحالة هي التي يستطيع فيها العقل ان يقدّر مقدار التحكم في ظروف الظلم والإكراه قبل ان يستخدم الرخصة الشرعية في فصل النية عن السلوك الخارجي.

 التقية وسلطة الحاكم الظالم

          بعد استشهاد امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) وتولي معاوية الحكم اصبح يطلق على طبيعة السلطة على الولايات التي كان يحكمها معاوية اسم "الخلافة الاموية". وهذا التغيير لم يكن منحصراً في المصطلح فحسب، بل كان يشمل صميم المؤسسة السياسية وشبكة العلاقات الاجتماعية والدينية ايضاً. وبذلك تغيرت النظرة العرفية نحو الحقوق والواجبات السياسية للفرد المكلف. وبسبب ذلك التغير اصبح سيف الظلم والإكراه مسلطاً على رقاب الناس، عبر العنف والارهاب السياسي ضد المناوئين لبني امية.

 الارادة الفردية للظالم:

          وكانت سياسة الخلافة الاموية ترى ان الافراد يجب ان يخضعوا لطاعة الامير الاموي اكثر من خضوعهم لطاعة الدولة ونظامها الديني والحقوقي العام. فانحصرت الامارة السياسية في العائلة الاموية، واخذ الامراء او المتلبسون بالخلافة يتوارثونها أباً عن جد. وبذلك اصبح القانون الذي يحكم الافراد هو قانون الإرادة الفردية للخلافة. واصبح النظام السياسي بتركيبته السلطوية محصوراً بمجموعة من الرجال الذين اعلنوا بيعتهم للحاكم، وحاولوا تذويب شخصية الدولة بنظرتها الحقوقية الرحيبة للافراد في شخصية الخليفة الاموي الظالم الذي لايتورع عن ارتكاب ادنى المحرمات وهو في موقعه "الشرعي" المزعوم. ولم يكن الظلم السياسي محصوراً بخلفاء بني امية، بل تعدى الى خلفاء بني العباس وغيرهم من عشرات الحكام الذين استخدموا الظلم الاجتماعي كوسيلة من وسائل السيطرة السياسية على رقاب المستضعفين.

          فكان الحق الادنى للانسان المكلف الذي عاش تلك الفترات المظلمة من التاريخ ان يتمتع بحق التقية بعد ان اُنكرت جميع حقوقه الدينية والمدنية. فالحاكم الظالم كان يهتم ببقائه في السلطة عن طريق الاستئثار بالثروة الاجتماعية، وحصرها بالقلّة المنتَخَبة من قبله. وامام هذا الوضع اصبح اهتمام الحاكم منصبّاً على معاقبة الناس على عدم الطاعة اكثر من اهتمامه بشؤونهم الحياتية وحقوقهم الدينية والاجتماعية.

 التقية ومعالجة الظلم الاجتماعي والسياسي:

          ولكن التقية حفظت اجساد المؤمنين وقلوبهم، وبذلك حفظت فقه الاسلام على مذهب اهل البيت (ع) الذي كانوا يحملونـه، وصانت فكرهـم (ع) وتعاليمهـم ونظرتهـم التربوية والاخلاقية للمجتمع. وحفظت ايضاً النظام الاجتماعي لاولئك المضطهدين وساهمت في تماسكه. نستلهم من قول الامام امير المؤمنين (ع) في كتاب (الاحتجاج) ما يدلل على ذلك. قال (ع) في حديث: (وآمرك ان تصون دينك، وعلمنا الذي اودعناك، فلا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد. ولاتفش سرنا الى من يشنّع علينا. وآمرك ان تستعمل التقية في دينك فان الله يقول: (لايتَّخِذِ المؤمنُونَ الكافرينَ أوليآءََ مِن دوُنِ المؤمنينَ ومَن يَفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلا أن تتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً...)[13]. وقد اذنتُ لكم في تفضيل اعدائنا إن الجأك الخوف اليه، وفي إظهار البراءة ان حملك الوجل عليه، وفي ترك الصلوات المكتوبات [14] إن خشيت على حشاشة[15] نفسك الآفات والعاهات، فإن تفضيلك اعداءنا عند خوفك لاينفعهم ولايضرنا، وان اظهارك براءتك منا عند تقيتك لايقدح فينا ولاينقصنا. ولئن تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موالٍ لنا بجنانك، لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تمسكها. وتصون من عرف بذلك اولياءنا واخواننا، فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح اخوانك المؤمنين. وإياك ثم إياك ان تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شائط بدمك ودماء اخوانك، معرّض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في ايدي اعداء دين الله. وقد أمرك الله باعزازهم. فانك إن خالفت وصيتي كان ضررك على اخوانك ونفسك أشد من ضرر الناصب لنا، الكافر بنا)[16].

          والمشكلة السندية في هذه الرواية ان الشيخ الطبرسي (رضوان الله عليه) نقلها عن امير المؤمنين (ع) مرسلاً بدون ذكر السند، فارسالها يسقطها عن الحجية. وقد ذُكرت الرواية ايضاً في تفسير العسكري، وهو لايغير من طبيعة ارسالها ايضاً.

          وعلى اي تقدير، فلو تمت حجيتها، فاننا نستظهر من هذا النص الشريف دلالات فكرية وشرعية لها مغزى كبير:

1- دور التقية في صيانة الدين في الظروف الاستثنائية عن طريق حفظ ارواح المؤمنين به وصيانة اموالهم.

2- الاذن بسلوك خارجي مخالف لما استقر عليه القلب، كتفضيل الاعداء لفظاً، وإظهار البراءة، وترك الصلوات المكتوبات في الظروف التي توجب التقية.

3- ان السلوك الخارجي الظاهري المخالف للايمان والولاء وقت الاكراه ليس له اثر شرعي او عقائدي.

4- ان ترك التقية اذا كانت واجبة، له انعكاسات خطيرة على دماء المؤمنين واموالهم.

5- ان المدار في التقية، على المدى البعيد، هو عدم منفعة الظالم وعدم الإضرار بفكرة الولاية الشرعية. فما ان ينقطع الاستثناء ويفنى الظالم حتى يرجع محل "الولاية الشرعية" في سلوك الفرد المكلف الى وضعه الطبيعي.

          ونستظهر من الرواية ان هناك ترجيحاً على اختيار البراءة اللفظية. وسوف نبحث ذلك لاحقاً في الدليل الفقهي باذنه تعالى.

 الانتماء الاجتماعي وقت الظلم:

          ومن الطبيعي فان الافراد في عالم التكوين، لم يكن لهم خيار في الانتساب لمجتمع ما في زمان ومكان معينين. فهم يولدون في بيئة ليست من اختيارهم، وينشأوون في مجتمع لابد لهم من التعامل معه في كل الظروف. فالظروف الاجتماعية قد تخلق حاكماً ظالماً يفرض سلطته على الافراد في قطعة معينة من الارض وفي زمان معين. وفي تلك الظروف التي يعيش فيها الافراد مكرهين تحت نظر تلك السلطة الظالمة تتجلى قيمة تلك الرخصة التي تحفظ ايمانهم وولاءهم في الصدور. فما لم تكن هناك فسحة من الامل بمعالجة قضية الإكراه معالجة دينية، فان فكرة الانتماء الاجتماعي والديني للفرد ستتحطم على صخرة الكبت والقهر الذي لاترتضيه الشريعة لمكلفيها المغلوب على أمرهم.

          وبطبيعة الحال، فان الفرد، وباعتبار مواطنيته وانتمائه الاجتماعي والديني، لابد ان يساهم بحد ادنى في المشاركة في النشاط الاجتماعي الذي ينهض به الافراد من اجل التضافر المعيشي. والمرء، لايستطيع ان يعيش منعزلاً - بدعوى ضغوط الإكراه - بل لابد له من المشاركة الاجتماعية في العمل والتكسب والتفاعل الاجتماعي مع بقية الافراد. فاذا منعه الحاكم الظالم بالإكراه من مزاولة عقيدته الدينية والمذهبية، فكيف يمكنه المحافظة على تلك العقيدة والعيش جنباً الى جنب مع الآخرين؟ هنا تأتي التقية لتولّد عالماً شرعياً نشطاً يعمل في الداخل تحت غشاء عالمنا الظاهري الفاسد. فعالم الصدور والاعتقادات القلبية لاتصلها يد الظالم. فما استطاع ان يظهره ذلك المُكرَه من موالاة ظاهرية، انما يحفظ تلك العقيدة القلبية في موقع مُحكَم.

 الظالم والمؤسسة السياسية:

          ولاشك، فاننا عندما نتحدث عن حكم الظالم واساليب الإكراه التي يستخدمها فانما نتحدث ايضاً عن المؤسسة السياسية التي يديرها. فالظالم لوحده لايستطيع ادارة المجتمع ما لم يكن له جهاز متكامل يخضع تماماً لاوامره في تحقيق اهدافه المعلنة في النظام الاجتماعي. ولذلك فان شرعية وجود الدولة او عدم شرعيتها متلازم مع شرعية الحاكم او مع عدم شرعيته في السلطة.

          واذا كانت الدولة الظالمة لاتمثل الفرد المظلوم - بسبب الاضطهاد والإكراه - وليست مصداقاً من مصاديق عدالة الاسلام، فان الولاء القلبي للعدالة لابد ان يكون كافياً في سد الحاجة الروحية والاخلاقية للانسان بحيث يستغني عن دور الدولة في تنظيم مصلحته الدينية. ونظام التقية وقت الإكراه، يتعامل مع القلب تعاملاً تكوينياً هو اقرب الى الفطرة منه الى التشريع. ولاضيـر، فان التشريع يتناغم مع فطرة الانسان وينسجم معها انسجاماً تاماً.

       فالتقية رخصة دينية او بطاقة سماح لرؤية الواقع من خلال نظام داخلي فطري مقابل للنظام السياسي او الاجتماعي الخارجي الظالم. مع فارق مهم وهو ان النظام الظالم ينظر الى ممارسة الظلم من زاوية المصلحة المؤقتة لبقاء النظام وما يتلوها من منافع، بينما ينظر نظام التقية الى حفظ المصالح الدينية والمذهبية من موقع "النهايات الموضوعية" التي تستمر مع الاجيال الى يوم القيامة.

       فالنهايات الموضوعية للتكاليف تلتمس قدرة المكلّف على اداء وظيفته التكليفية، بما تسمح له صورته التكوينية القادرة على فعل الاشياء وتنفيذ الاوامر. وبتعبير آخر ان الشريعة، وبلحاظ نظرتها الى المكلفين من يوم نزول الرسالة وحتى آخر يوم على وجه هذه الارض، صبّت جل اهتمامها على ايصال رسالة الايمان والولاء الى الاجيال المتعاقبة حتى وان كانت السلطة السياسية أو الاجتماعية ظالمة ومستبدة. وبتعبير ثالث ان هدف الرسالة السماوية من التقية هو الوصول الى النهاية المثالية للبشرية عن طريق حفظ الرسالة وايصالها اليهم، على الرغم من جميع العوائق السياسية والاجتماعية التي تمر على الافراد باختلاف الزمان والمكان.

التقية وصراع المصالح بين الظالم والمظلوم:

          وحتى لو آمنا بان المجتمع يعيش لوناً من الوان "صراع المصالح" بين الظالم والمظلوم، فان التقية تخدم الهدف الديني للجماعة المؤمنة في المجتمع. فمن الواضح ان "صراع المصالح" يخدم الافراد الذين يمثلون تلك المصالح. وصراع من هذا القبيل قد يولد شكلاً من اشكال الإكراه والاضطرار. وصراع الافراد من اجل تحقيق اكبر قدر ممكن من المنافع يضر - دون شك- بالقضية الدينية. لان رسالة الدين العادلة تجلب اقصى قدر من الانسجام والتوافق والسلام بين الناس. فصراع المصالح اذاً يخرب الالتئام الاجتماعي، لان هدفه المعلن هو خدمة مصلحة طرف ما ضد الطرف الآخر. والدين لايُكرِه الافراد على دفن مصالحهم، بقدر ما يولد فيهم باعثاً نحو تقليص شرههم نحو كمية المنافع الدنيوية التي يطمحون الى تحقيقها، وينمي فيهم روح البناء للآخرة عبر التضحية والايثار والتعاون. ولكن اذا كان من مصلحة الظالم محو صورة الدين من الوجود، وكان من مصلحة المؤمن اقامة حكم الله عز وجل في النظام الاجتماعي، فان صورة الصراع تصبح صراع وجود او عدم.

       وربما نستطيع ان نعبّر عن صورة الصراع مجازاً بـ "صراع المصالح"، لان من مصلحة الدين اقامة العدالة الاجتماعية وتعبيد المكلفين للخالق سبحانه ومصلحة الظالم الاستئثار بالسلطة والثروة الاجتماعية. ولكن هذا الصراع، بصورته الكلية الواقعية، هو صراع وجود او عدم. ولذلك فقد كانت الرخصة باضمار الايمان او الولاء واظهار الموالاة للظالم متناسبة مع حجم ذلك الصراع الخطير وجديته.

 التقية صمام امان الصراع:

          ولاشك ان الحق التكويني الذي ينبغي ان يتمتع به الانسان هنا، هو ان يكون له صمام أمان قلبي يجنبه الحطام الذي يخلفه صراع المصالح. فبفضيلة القدرة العقلية يستطيع الفرد ان يأخذ قدر ما يحتاجه من تلك الرخصة الشرعية من اجل ان يعيش بسلام مع ذاته، او ان يعيش بسلام مع ايمانه عن طريق حقه التكويني في مواجهة الصراع الخارجي، والمحافظة على السلام الداخلي في النفس. فالتقية تساهم في تثبيت الحق التكويني للفرد من خلال بناء السلام الذاتي بما يعتقده، حتى لو كان العالم الخارجي من حوله في صراع وإكراه مستمر. والتقية هنا لاتُفهم على اساس انها امتحان آلهي مجرد بقدر ما هي وسيلة من وسائل الترخيص لجعل المكلف يتمتع بعقيدته الايمانية والولائية بحرية في اخص موقع يحمله الجسم البشري وهو القلب.

          وبكلمة، فان من اهداف تلك الرخصة تلافي الاضرار التي يلحقها بالافراد، تجاوز السلطة السياسية او الاجتماعية لنشاطاتهما القانونية خارج النطاق العرفي او العقلائي او الديني المتفق عليه ضمنياً بين الافراد. فالدولة باجهزتها مكلفة بحفظ حقوق الافراد التكوينية والاعتبارية. فاذا مارست الدولة الإكراه والارهاب من اجل إنكار حقوق الافراد في عقيدتهم وولائهم، تصبح التقية صمام الامان لحفظ تلك الحقوق.

الحرية وحرمة التقية

          ان الإكراه المذكور في الآية القرآنية الشريفة: (مَن كَفَرَ باللهِ مِن بعدِ إيمانهِ إلا من اُكرِهَ وقلبُهُ مطمئنٌ بالايمانِ...)[17] والذي اُستدل به على شرعية التقية، يدعونا الى مناقشة ماهية عدم الإكراه: اي الوضع الاجتماعي الطبيعي للفرد حيث لا موجب لاستخدام التقية فترتفع عندها الرخصة، وتكون التقية محرمة. وعدم الإكراه يعني "الحرية". ونحن نفهم "الحرية" على اساس انها فكرة اخلاقية واجتماعية ودينية، تتعلق بطبيعة الانسان الاجتماعية عندما يتحرك ويتفاعل مع انسان آخر على نفس الارض الاجتماعية. وقد يتسع مفهوم الحرية وقد يتضيق، ولكن ما يهمنا هنا هو فهم طبيعة "الحرية" حتى نستطيع فهم طبيعة الضد وهو "الإكراه" الذي جوّز رخصة الشارع في استخدام التقية.

 الحرية والاختيار المذهبي:

          فالحرية تعني وضعاً اجتماعياً ونفسياً لايتحقق فيه الإكراه الخارجي من قبل الظالم او من قبل السلطة الظالمة على الآخرين. والانسان الحر يستطيع ان يختار، بملء ارادته، عقيدته الايمانية وولائه المذهبي وسلوكه العبادي الخارجي في الوضوء والصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج.

          وبمعنى اخص ان تكون له الحرية في اعلان انتمائه لآل بيت النبوة (ع) وهو لايخشى على نفسه وعرضه وماله الانتهاك او السلب. فالاختيار الكامل يساوي الحرية الكاملة، وسلب القدرة على الاختيار الايماني والولائي مع الضرر يساوي الإكراه. فاذا كان الاختيار الايماني او الولائي بيد الحاكم الظالم، فان الحرية هنا تنتفي ويتحقق الإكراه، وبالخصوص اذا كان مع ذلك العمل تهديد بالقتل وهتك للعرض او سلب للمال او ارعاب او ارهاب.

          وبطبيعة الحال فان دوافع الانسان وإرادته تولد معه عند ولادته. فهو يعيش - تكوينياً- بحريته وإرادته الشخصية التي تدفعه الى فعل الاشياء او الايمان بها. ولكن اذا اراد الظالم فرض ارادته، فان الوضع التكويني للمظلوم في قضية الحرية الشخصية يختل هنا ويتزلزل ما لم تقدم الشريعة علاجاً شرعياً تعالج به تلك الحالة الطارئة. وهكذا كان، فقد قدمت لنا الشريعة تلك الرخصة التي ذكرناها من اجل علاج ذلك الاختلال الذي اراد الإكراه احداثه بقصد مسبق ونية مبيّتة.

          ولاشك ان الحرية التي نحن بصددها لاتقتصر على مجرد حرية الفكر والخطابة، بل تتعدى الى حرية التجمع والعبادة والحركة والاختيار. وفي كل لون من الوان تلك الحريات يتحقق امل الانسان في العيش بأمان وهو يمارس المستلزمات العملية للايمان الذي يعتقد به أو الولاء الذي يوالي فيه. ولكن الإكراه ينغص تلك الحريات بكل ما يحمله من انتهاك لحرمة الانسان في النشاط الاجتماعي والديني. وهذا الحد يمثل جوهر الفكرة الفلسفية حول الحرية الاجتماعية او الدينية.

          ولكننا هنا لانتوقف عند هذا الحد، بل نضيف لوناً آخر من الحرية، وهي الحرية من الخوف. وهذه الحرية تعكس اختيار الفرد في اتخاذ قراره الايماني أو الولائي دون الخشية او الخوف من التعرض لما ينتهك حرمة نفسه وعرضه وماله. ولاشك ان الخوف هو نتيجة من نتائج الإكراه العام. والا، فكيف يتولد الخوف عند الانسان اذا كان الوضع الاجتماعي والسياسي والديني وضعَ سلام وامان؟

 فكرة الحرية تحت نظر الشريعة:

          ان العلاقة بين السلطة السياسية وفكرة الحرية - اذا لم تحكمها قوانين الشريعة واحكامها- تصبح علاقة شك وريبة بين المحكوم والحاكم، وعلاقة صراع بين الحق والباطل. فإكراه الظالم للمؤمنين هو في الحقيقة حرب من طرف الظالم للسيطرة على منابع الثروة الاجتماعية، ولمنع المؤمنين من تحقيق العدالة الدينية والحقوقية بين الناس. وصراع من هذا القبيل يؤدي لاحقاً - عند انتصار الظالم- الى قضية انحصار البدائل الدينية والاجتماعية، ومن ثم يؤدي الى انتهاك حرمة الاختيار والحرية التي منحها الخالق عز وجل لعباده بالتكوين.

          وبطبيعة الحال فان الافراد الذين يحرمون من السلطة، سيحرمون بالنتيجة من الحرية التي ينبغي ان يتمتعوا بها. وبتعبير آخر، ان الافراد الذين يحوزون على السلطة ويسيطرون على مقاليد الامور، بعيداً عن ارشادات الرسالة السماوية، تكون لهم خيارات اكثر من اقرانهم الذين يحرمون منها قسراً. وهذا يعني ان الشخص الذي يستحوذ على السلطة، دون تخويل شرعي، يستطيع تقليص حريات الآخرين وحرمانهم من اختيار البديل. لان في ذلك خدمة لمصالحه الشخصية التي قد تضرها عملية الاختيار الجماعية. والضابطة الفلسفية الكلية ان الظلم السياسي يؤدي الى ظلم في الحريات الدينية والمدنية. ولاشك فاننا عندما نتحدث عن الإكراه السياسي او الاجتماعي او المذهبي، فاننا لانتحدث عن حرمان الفرد عن المشاركة السياسية او الاجتماعية او المذهبية، بل نقصد ابعد من ذلك وهو اكراه الفرد على تغيير عقيدته او ولائه او مذهبه قهراً ودون شروط اخلاقية مسبقة.

          ويمكن القول على سبيل الإجمال، ان المشاركة السياسية الواسعة للافراد في الحكم وإدارة المجتمع تعني شكلاً من اشكال الحرية وعدم الإكراه، لسببين:

الاول: ان فسح المجال للجميع بالمشاركة الحرة في القضايا السياسية يعني خلق ظروف عادلة للحقوق والفرص التي يستطيع ان يغتنمها المكلفون بدون شروط مذهبية مبيّتة.

الثاني: ان تحقق الحرية السياسية يعني، ولحد ما، تحقق الحريات المدنية في الحياة الاجتماعية كحرية الاعتقاد والتعبير والنقاش والتجمع ونحوها.

          وهذه المشاركة السياسية في الادارة الاجتماعية، والانطلاق في التعبير والنقاش وممارسة الاعمال العبادية بحرية مما لم يشهده التأريخ الاسلامي الا في سنوات قليلة متمثلة في عهدي رسول الله (ص) في المدينة وأمير المؤمنين (ع) في الكوفة. وما بقي من تأريخنا الشيعي الامامي من فترات مديدة الا شاهداً على ظلم لايطاق في الحريات الدينية والمدنية من قبل الحاكم ضد المحكوم. وعند عدم تحقق المشاركة السياسية في الحكم، فان الإكراه يكون الوسيلة القوية لإذلال المعارضين واجبارهم على الرضوخ لحكم الحاكم الظالم.

          ونستطيع ان نستخلص من كل ما سبق ان الانسان يكون حراً عندما تكون له القدرة على الاختيار، والقدرة على المبادرة، والقدرة على تحمل مسؤولية افعاله الخارجية. ولكن اذا انتفت تلك القدرات لموضوع خارجي - وهو الإكراه - اصبح ذلك الفرد مهيّئاً لاستثمار الرخصة التي أحلّها له الشارع، وهي التقية.

        بمعنى ان القدرة الكلية على المبادرة الخارجية لاعلان عقيدته اذا انتفت، فلابد له ان يستثمر القدرة الجزئية على المبادرة القلبية الداخلية التي تحافظ على عقيدته حية نابضة في القلب الى أجل استثنائي مؤقت، اي الى ان يرتفع الإكراه ويهبّ نسيم الحرية على الساحة الاجتماعية مرة اخرى.

 التقية ومشكلة القلب والجسد

          ان مشروعية التقية في الاسلام طرحت سؤالاً فلسفياً حول طبيعة التمييز بين القلب (غير المادي) والجسد. فهل هناك فارق فسلجي او فلسفي بين القلب المطمئن والجسد المُكرَه؟

          لاشك ان الجسد البشري يمثل عضواً خارجياً مكوناً من اجزاء مترابطة تعمل بتضافر فيما بينها، فاذا اصاب مكروهٌ جزءً معيناً من الجسم توجه اهتمام الاجزاء الاخرى الى ذلك الجزء المنكوب لمواساته. اما القلب او الضمير او العقل فهو يمثل وصفاً للافكار، والمشاعر، والعقائد، والآمال، والمخاوف، والذكريات، والتوقعات، والامزجة في نفس الانسان. وكل تلك الاوصاف القلبية تشكل ركناً مهماً من شخصية الانسان، خصوصاً على اصعدة الاختيار والدافع والنية والحكم على الاشياء. فيتحرك في القلب عالَم المشاعر والعقائد، ويتحرك في الجسم عالَم الفعل والحركة الخارجية.

 الارتباط والانفصال بين القلب والجسد:

          ان ارتباط النية بالسلوك الخارجي للانسان، في الحالة الطبيعية التكوينية، يعكس عمق المشاعر الداخلية التي تتفاعل في قلبه. فان الحالة الجسدية متلازمة مع الحالة القلبية او العقلية في الظروف الطبيعية التي يعيشها ذلك الانسان. والرسالة الدينية لاتدفع الجسد للتحرك مالم تتحرك دوافع القلب في الايمان بالعقيدة ثم تتحرك بعدها مشاعر الانسان ونياته نحو امتثال الاوامر والنواهي الالهية.

          اما في الحالات الاستثنائية، فان الجسد يستطيع ان يتحرك دون القلب كما هو الحال في صنف من الافراد وصفهم القرآن الكريم بالصم البكم الذين لايعقلون: (إنَّ شَرَّ الدّوابِ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الذينَ لايعقِلُونَ)[18]، او المنافقين الذين وصف الله سبحانه حالهم بالقول: (وليعلَمَ الذينَ نافَقُوا وقيلَ لَهُمْ تعالَوا قاتِلوا في سبيلِ اللهِ أو ادفَعُوا قالُوا لو نعلَمُ قتالاً لاتّبعناكُم هُمْ للكفرِ يومئذٍ أقربُ منهُمْ للإيمانِ يقُولُونَ بأفواهِهِم ما ليسَ في قُلُوبهِم واللهُ اعلمُ بما يكتُمُونَ)[19]. فهؤلاء يتحركون في سلوكهم الخارجي دون ملازمة مع القوة القلبية التي تحمل المشاعر والايمان والآمال.

      وفي اتجاه معاكس تماماً، يتحرك القلب وما يحمله من ايمان وعقيدة ومشاعر بمعزل عن الجسد وقت الإكراه. والتقية في ذلك الظرف الاستثنائي تجيز فصل الملازمة الطبيعية بين القلب والجسد، الى ان ينتهي الإكراه وعندها ترجع تلك الملازمة الى وضعها الطبيعي التكويني.

      وهذان الاتجاهان المتعاكسان يمثلان الفارق الهائل بين شرعية التقية وانحصار نية الايمان والولاء في القلب، وبين حالة النفاق التي هي اغلاق للقلب من جميع النوافذ الايمانية. ومن هنا تتضح شرعية الاولى ووجوبها في مواضع، وحرمة الثانية حرمة مؤبدة.

القلب والتعبيرات الصامتة:

          ومن الطبيعي، فعندما نتحدث عن القلب، فاننا لانعني به ذلك الجهاز العضلي المادي المحصور في صدر الانسان؛ بقدر ما نعني به المكان الذي يضمّ الحقائق العقلية والايمانية، والملكية الفكرية، والمساحة الشعورية، والوقائع العاطفية التي تحرك الانسان. وتلك الحقائق والوقائع تستطيع ان تخلق تعبيراً صامتاً يتحرك في ذات الانسان من دون ان يعلم به احد غير الله سبحانه وتعالى.

          فعندما اقول لنفسي وانا تحت مطرقة التعذيب والإكراه: انني مؤمن بخالقي وبارئي عز وجل، ومؤمن برسالة محمد (ص)، ومؤمن بولاية اهل البيت (ع) ولا احيدُ عن ذلك مهما كان الثمن؛ فهذا الوضع النفسي يعبّر عن حالة قلبية او عقلية ثابتة لاتتزعزع. واذا اخذتُ بالرخصة وتفوهتُ بما يرضي الظالم، ولكن قلبي لازال ثابتاً على الولاية والايمان فانني وضعتُ الوقائع القلبية او العقلية في موضعها الصحيح، وحاولتُ فصل الجسد المُكرَه عن القلب المطمئن الراضي بقضاء الله سبحانه.

       فهنا كان عمل القلب عملاً فطرياً خالياً من المقدمات المنطقية التي نلحظها في سلوكنا الخارجي كالالم مثلاً؛ فالالم الذي نحسه داخل جسدنا، انما يتبع نظام الحواس الخمس التي تكوّن مقدمة من مقدمات احساسنا بالالم. ولكن عمل القلب فيما يتعلق بالايمان بالعقيدة والثبات عليها تحت الإكراه لايتبع الحواس الخمس، بل ان عمل القلب هنا يعبّر عن اذن بالدخول في رحاب "الامتياز الايماني" الذاتي الذي منحه الخالق عز وجل للانسان. وبتعبير آخر ان المنعم سبحانه جعل من القلب البشري موضعاً للامتياز الخاص بالانسان فيما يتعلق بقضايا الايمان والولاء والشعور والامل والرجاء فيما لم نجده في كائن آخر. ولايستطيع الاكراه الخارجي ان ينتهك ذلك الامتياز الالهي للفرد خلال ممارسة ايمانه بعقيدته وولائه تحت اقصى الظروف الخارجية.

          ومع ان القلب والجسد مستقلان في عملهما، الا انهما يتفاعلان في الكثير من الاحيان في الظروف الطبيعية. فبعض الوقائع القلبية تسبب آثاراً جسمية، كالحزن الذي يسبب آلاماً تظهر آثارها على جسد الانسان. وبعض الوقائع التي يقوم بها الجسد تسبب آثاراً قلبية، كالمعصية التي تعذب ضمير مرتكبها. ولكن تلك العلاقة التفاعلية تتوقف الى أجل عندما يمارس المُكرَه او المضطر رخصة التقية. وشرعية هذا التوقف التكويني للعلاقة الصميمية بين القلب والجسد تثبت ان الخالق عز وجل أعلم بمشاعر الانسان وبآماله ومخاوفه وطموحاته التي لا تحدّها الحدود.

(تليها صفحات 39 - 48)

 

 اللاحق                      صفحة التحميل                     الصفحة الرئيسية


 

[1]  سورة يونس: الآية 99.

[2]  سورة البقرة: الآية 256.

[3]  لسان العرب – ابن منظور ج 12 ص 80 مادة "كره".

[4]  المبسوط – السرخسي الحنفي ج 24 ص 38.

[5]  سورة آل عمران: الآية 28.

[6]  سورة آل عمران: الآية 29.

[7]  التفسير الكبير – الفخر الرازي الشافعي ج 8 ص 15.

[8]  اصول الكافي ج 2 ص 219 – كتاب الايمان والكفر، باب التقية حديث 10. وفي مضمون الواقعة اختلاف يسير.       

[9]  الرسالة الفخريـة – فخـر المحققيـن. رسالة قصيرة ضمن كتاب (كلمات المحققين) ص 423.

[10]  وسائل الشيعـة – كتـاب الطهـارة . ابـواب مقدمة العبادات . باب 5 ح 10. ج 1 ص 34.

[11]  اصول الكافي – كتاب الايمان والكفر. باب التقية حديث 10. ج 2 ص 219.

[12]  تفسيـر القرآن العظيم – ابن كثير ج 2 ص 609. وجامع البيان – الطبري ج 14 ص 122. والجامع لاحكام القرآن – القرطبي ج 10 ص 181.

[13]  سورة آل عمران: الآية 28.

[14]  المراد بالتقية في ترك صلاة المختار الذي اُكره على أمر ، أما صلاة المضطر فيمكن اداؤها  بمجرد الايماء والاشارة.

[15]  الحشاشة : بقية الروح.

[16]  الاحتجاج – الطبرسي ج 1 ص 555-556  . والوسائل- كتاب الامر بالمعروف باب 29 ح 11. ج 11 ص 479.

[17]  سورة النحل: الآية 106.

[18]  سورة الانفال: الآية 22.

[19]  سورة آل عمران: الآية 167.