|
(ص 1 - 30)
موسوعة النظرية الاجتماعية (1) مباني النظرية الاجتماعية في الاسلام السيد زهير الاعرجي ----------------------- المطبعة العلمية ـ قم المشرفة الطبعة الاولى ـ 1417 هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر ----------------------- بسم الله الرحمن الرحيم (كانَ الناسُ أمَّةً واحدةً فبعثَ اللهُ النبيين مبشرين ومنذرين وأنـزل معهم الكِتَابَ بالْحَقِّ ليَحْكُمَ بيْنَ النَّاسِ فِيما اختَلَفُوا فيِهِ ...) سورة البقرة : الآية 213 . --------------------------- مقدمة الكتاب لاشك ان قدرة المجتمعات الانسانية على معالجة مشاكلها الاجتماعية المتغيرة مع تغير الزمن تنبع من قابليتها على استنباط تصور شامل للعلاقة الواقعية بين الفرد والجماعة. فما لم تكن تلك العلاقة قائمة على اُسس سليمة، فإنّ المجتمع سيغرق في مشاكل إجتماعية ذات وجوه، أبرزها الفقر، والتفاوت الطبقي، والتخلف الثقافي، والإنحلال الاخلاقي. و«المشكلة الاجتماعية» التي نحن بصددها لها أسبابها وتأثيراتها وحلولها. فغياب النظام الاخلاقي الذي تدعمه الرسالة الدينية، وعدم الإهتمام بالتربية والتعليم في المجتمع، وعدم وضوح طبيعة الاُجور كلها تؤدي الى ظهور تلك المشكلة. ولاشك ان المشكلة الاجتماعية لا تنحلّ إلاّ عن طريق البحث عن نظرية إجتماعية يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي. فالنظرية الاجتماعية وسيلة فكرية واخلاقية مستمدة من احكام الشريعة لمعالجة المشاكل المتجددة التي يعاني منها المجتمع بسبب تغير الزمان والمكان. وبطبيعة الحال، فان للنظرية الاجتماعية جانبين : فلسفي وديني. فالجانب الفلسفي للنظرية يبحث في طبيعة شخصية الفرد الاجتماعية، وقابلية السلوك البشري على التكامل مع الآخرين. بينما يتناول الجانب الديني الصيغة الاخلاقية للعلاقة بين الفرد ونفسه، وبين الفرد والجماعة، وبين الفرد وربه. فالدين يبني لنا طريقين في مراحل حياتنا الانسانية. الاول: الطريق الروحي والتعبدي، ويعلّمنا طبيعة صلتنا بالخالق عز وجل وطرقها واساليبها. والثاني: الطريق الاجتماعي، ويعلّمنا تفادي الاصطدام مع بقية الافراد على الصعيدين الحقوقي والتكليفي. وفي ضوء هذا التصور، فان الرسالة الدينية تجلب سعادة عظمى للافراد الذين يعيشون على تراب المجتمع الديني عبر حفظ حقوقهم الاعتبارية، وتنظيم واجباتهم، وبناء طريق يوصلهم الى خالقهم عز وجل. ولكن إبتعادنا عن زمن النص، وظهور أشكال جديدة من الحياة الاجتماعية جعلنا نقف امام مشكلة رئيسية، حول طبيعة الوظيفة الشرعية للجماعة، كإقامة الحدود، وتأسيس المجتمع والدولة على ضوء احكام الاسلام. بل ان تعيين الوظيفة الشرعية للفرد المكلّف اصبحت - في بعض الاحيان- تحتاج الى بذل جهد غير قليل من اجل استنباطها. كل ذلك حصل بسبب تغير طبيعة الحياة البشرية، وتبدل جهات الملكية الشخصية وتغير طبيعة الحقوق والواجبات للافراد. وسوف نتناول بالبحث في هذه المقدمة بعض الموضوعات التي لها علاقة مباشرة بقضايا النظرية الاجتماعية، وهي: 1- المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة. 2- الأهمية الشرعية والفلسفية لصياغة النظرية الاجتماعية. 3- المعركة ضد النظرية الاجتماعية. المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة: إن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد ويحتاج الى دقة وعمق في الإجابة هو: هل يريد الاسلام منّا، في عصر غيبة الامام المعصوم (ع)، أن نكون افراداً مسلمين مؤمنين فقط أم يريد منا أن نشكّل مجتمعاً اسلامياً تُحقق فيه العدالة وتُقام فيه الحدود؟ وبتعبير آخر: هل يريد منّا الاسلام - في زمن الغيبة- بناء الفرد المؤمن أم تشكيل الجماعة المؤمنة، وبناء الدولة الاسلامية ؟ لاشك ان المشكلة الاجتماعية كانت تُعالَج زمن النص بشكل مباشر من قبل النبي (ص) أو الامام المعصوم (ع). فقد بقي المجتمع الاسلامي ينعم ـ وعلى مدى ثلاثة قرون ـ بمعالجات نصية شرعية للمشاكل التي كان يواجهها الافراد والنظام الاجتماعي. فقد كان رسول الله (ص) يدير دولته الشرعية في المدينة بشكل مباشر. وكان أمير المؤمنين (ع) منشغلاً بتثبيت الولاية الشرعية، وإقرار الأمن الاجتماعي، وتحقيق العدالة بين الافراد. وكان الامام الحسن (ع) يعالج الفتنة وإنصراف الناس عن الدين. بينما عالج الامام الحسين (ع) مشكلة الظلم والإنحراف السياسي بالسلاح والدماء. وثبّت الامام السجاد (ع) اُسس العلاقة بين الفرد والخالق عز وجل. بينما تناول الصادقان عليهما السلام الاطار العلمي التأسيسي للفقه الاسلامي. وقد عالج الامام الكاظم (ع) والرضا (ع) والجواد (ع) والهادي (ع) والعسكري (ع) والحجة(عج) مشاكل أزمانهم. وقد نقل لنا التأريخ بأمانة منقطعة النظير كماً هائلاً من الروايات والنصوص التي تضمنت أحكاماً شرعية ثابتة فيما يخص العبادات والمعاملات. وكانت الغيبة الصغرى التي أمتدت من سنة 260 هـ ولحد سنة 329 هـ والتي كان يتصل فيها الامام بالسفراء الأربعة بمثابة تهيئة الاُمة لمواجهة مشاكلها الاجتماعية والدينية عبر الإتصال غير المباشر بالمعصوم (ع). ولكن الحاجات الانسانية الثابتة التي تناولها فقهاء أهل البيت (ع) في القرون العشرة التي تلت الغيبة الكبرى قد رافقتها تدريجياً حاجات اخرى متغيرة في التعليم والتطبيب والنقل والسكن والإدارة الجماعية. وتبدلت ـ بتأثير تغير الزمان والمكان ـ حقوق الافراد والجماعة وتبدلت واجباتهم الشخصية والاجتماعية. وأصبح الإتجاه الفقهي الاسلامي يواجه سلوك أحد طريقين لا ثالث لهما. الطريق الاول : الإنصراف الى النصوص الشرعية التي تناولت الحاجات الانسانية الثابتة في العبادات وجانب يسير من المعاملات فقط وإهمال الحاضر بكل معطياته الثقافية والحضارية والمعاشية. وكاد هذا المنحى ان يسبب إنفصاماً خطيراً بين نظرة الفرد نحو المجتمع بمشاكله الاجتماعية التي يعاني منها، والنظرة الفردية للدين التي كرسها ذلك الإتجاه. والطريق الثاني : الإهتمام بالنصوص الشرعية التي تناولت الحاجات الانسانية الثابتة والمتغيرة معاً. بمعنى البحث عن كل ما يوصل المكلّف الى الكشف عن وظيفته الشرعية بالرغم من إختلاف الزمان والمكان. ولاشك ان هذا المنحى تطلب فهماً واسعاً للمدلولات الاجتماعية للنصوص الشرعية وملاحظة مناسبات الحكم والموضوع، وإدراك أبعاد تأثير العرف الاجتماعي ـ المتبدل دوماً مع تبدل الزمان والمكان ـ على طبيعة الملازمة بين الدليلين العقلي والشرعي. وهذا الطريق هو الذي إختاره ائمة أهل البيت (ع) ودرّبوا اصحابهم عليه خلال زمن النص. ولكن الفقه الإستدلالي لم يكن لينهض بهذه المهمة الجليلة لولا حصول تطور في كليات وقواعد علم آخر وهو علم «اصول الفقه». فعن طريق استمرارية ممارسة الاجتهاد تطورت عملية الإستنباط في المدرسة الإمامية تطوراً متناغماً ومتناسقاً مع التطور الاجتماعي الذي إختبره الانسان في القرون الاخيرة. وكان «الفقيه» الجامع للشرائط والقادر على فهم شروط تأثير الزمان والمكان على المجتمع أكثر الافراد قدرة على حفظ حقوق الافراد والدفاع عن حرماتهم، على الصعيد الظاهري على الأقل. أما موضع العدالة الواقعية، فهذا ما لا يستطيع الفقيه إدراكه. لأنه - مهما سما في العلم - لن يتعدى إدراكه ظواهر النصوص وظواهر الاشياء. أما المعصوم (ع) فهو يدرك بطبيعة وظيفته الشرعية القضايا الواقعية. ولذلك فقد لا نستطيع معالجة المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة معالجة تامة، على الصعيد الواقعي. ولابد ان نفهم بأن المجتمع الاسلامي في عصر الغيبة يختلف تماماً عن المجتمع الاسلامي في عصر الظهور، وهو عصر تحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الواقعي. وفي فهم ذلك الإختلاف آثار جسيمة على طبيعة نظرتنا الشخصية والجماعية تجاه الشريعة. فقد يصحح الفقيه احياناً فتاواه وأحكامه بموجب فهمه الجديد لبعض الموضوعات، فيتغير الحكم الشرعي بموجب ما رآه الفقيه على ضوء المعطيات الجديدة. وقد يكون في ذلك لونٌ من ألوان التقصير الظاهري لبعض الحقوق. إلاّ اننا، وبسبب طبيعتنا الانسانية المبنية على النقص وعدم الإحاطة الشاملة لجميع الاشياء، قاصرون - وضمن مساحة الجهد العلمي - من الوصول الى الكمال المطلق في فهمنا لمصاديق ومفردات تطبيق الشريعة. ولذلك، فإننا عندما نلحظ قصوراً في حق أو واجب في مجتمع اسلامي زمن الغيبة، فإنما نفسره من زاوية عدم عصمة الفقيه. وما اشتهر في المأثورات من ان الحاكم اذا اجتهد فاخطأ فله أجر وإن اصاب فله أجران يَرِدُ عليه : اولاً : انه ليس وارداً في رواياتنا واخبارنا. وثانياً : انه لا يبرر عصمة الفقيه، وإلتماسه الاحكام الواقعية. أما في زمن حاكمية الامام المهدي (عج) فإننا سنلحظ، قطعاً، عدالة واقعية تعمّ الارض بكل من فيها. وتلك العدالة الواقعية في الحقوق والواجبات والإلزامات لن تتحقق إلاّ بتسديد رباني إستثنائي ينهض بمسؤوليته الامام المعصوم (ع) وحده. وهذا الفرق بين عدالة الفقيه الولي زمن الغيبة وبين عدالة الامام المعصوم (ع) زمن الحضور من الضروري إدراكه لئلا نقع في خطأ أو وهم، مفاده اننا ـ كأفراد ـ قادرون على تحقيق العدالة الواقعية التي جاء بها الاسلام. فإننا بذلك الفهم الخاطىء سنحمّل سلبيات إدراكنا الناقص، بسبب قصورنا الذاتي الانساني، على الاسلام. وهو أمر لا يطابق الواقع أبداً. ونستظهر من مرسلة محمد بن يحيى عن المعلى بن خنيس عن الامام الصادق (ع) : «ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال»[1] ، عجز العقل البشري عن إدراك حقائق التشريع. فالعجز يلازم طبيعتنا البشرية في إدراك الاشياء. وهذا العجز لا يعكس نقصاً في الشريعة، بقدر ما يعكس آثار قصورنا في فهم الكمال الالهي المتمثل في شريعة سيد المرسلين «صلى الله عليه وآله». وجوهر الجواب على التساؤل الذي طرحناه في بداية هذا القسم يتلخص بأن الفرد لا يستطيع ان يحيا حياته الدينية الالزامية ما لم يكن هناك لون من الوان التنظيم الجماعي للاُمة. وحتى في احلك الفترات المظلمة التي مرت بها الاُمة، لم يستطع العدو ان يزعزع ذلك الرباط العقائدي الذي ربط الافراد بعقيدة التوحيد والامامة ومظلومية اهل بيت النبوة (ع). ولكن المجتمع - بلحاظ قضية العداوات بين الافراد وتجاوز بعضهم على بعض في الحقوق والمزايا الاجتماعية - لا يمكن ان يعيش بسلام وأمان ما لم تمتد يد شرعية مبسوطة لمنع الانحرافات الدينية والاجتماعية عبر تطبيق الحدود، ومنع الظلم الاجتماعي عبر توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد بالعدالة. وهذه الملازمة العقلية بين أمن الجماعة واطمئنان الفرد في التوجه نحو خالقه وبارئه لا يمكن انكارها او رفضها، خصوصاً اذا تحققت القدرة على اداء تلك المهمّة في تأسيس المجتمع الذي يدين بحاكمية الاسلام. يضاف الى ذلك ان الاسلام ـ كدين آلهي ـ ليس مختصاً بزمان الظهور. خصوصاً اذا اخذنا بعض القواعد الاُصولية بنظر الاعتبار كقاعدة « عدم اختصاص الحكم بالمشافهين»، وقاعدة «الاشتراك في الحكم بيننا وبين من خوطب به»، واطلاقات ادلة احكام الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فاننا نلمس ان الاسلام يُريد منا ان نشكّل الجماعة المؤمنة التي تُحَقق فيها العدالة وتُقام فيها الحدود. وهذا هو ما يفهم من فكرة تشكيل الدولة الاسلامية زمن الغيبة. الأهمية الشرعية والفلسفية في صياغة النظرية الاجتماعية : إن الأهمية الفلسفية في صياغة النظرية الاجتماعية تكمن في صيانة حقوق الافراد من تجاوزات الآخرين، وهي أهمية مطابقة لبناء العقلاء. أما الأهمية الشرعية فإنما تنعكس في تقريب المكلّف من فهم وظيفته التكليفية. ولاشك، فاننا عندما ندعي إمتلاك نظرية اجتماعية، فإننا نعني إمتلاك القدرة أو الصلاحية على تطبيقها في المجتمع. وبطبيعة الحال فان تحقيق قدر نسبي ظاهري من العدالة الاجتماعية، والأمان الجماعي، وتعيين الحقوق والواجبات سوف يؤدي الى تقريب الانسان الى خالقه عز وجل. لأن إشباع الحاجات الاساسية للفرد يفسح المجال لتنشيط جنبتيه الروحية والاخلاقية. وبطبيعة الحال، فان دراسة نشوء الانسان على الارض من وجهة نظر اسلامية تقودنا الى نتيجة مهمة تفصح عن ان التزاحم والعداوة بين الافراد أشبه ما تكون بالقضية التكوينية. يقول عز وجل في معرض الحديث عن هبوط الانسان الى الارض : (قالَ اهبِطُوا بعضُكُم لبعض عدوٌ ولكم في الارضِ مُستقرٌ ومتاعٌ الى حين...)[2]. قال المفسرون في تفسير الآية : « ان العدو نقيض الولي. والعداوة المصدر. وأصله من المجاوزة... فأما على الوجه الذي يتضمن ان الخطاب يختص بآدم وحواء فالمراد به أن ذريتهما يعادي بعضهم بعضاً وعلق الخطاب بهما للإختصاص بين الذرية وبين أصلها»[3]. ومعالجة العداوة تقتضي لوناً من ألوان التهذيب الديني، وطريقة قضائية لحل الخصومات، ومعْلَماً واضحاً لتثبيت الحقوق. وقد جاءت الرسالة الاسلامية بفهم مترابط ومتكامل في كليات الحقوق والواجبات. ولكن تغير الزمان والمكان وضعنا امام متطلبات جديدة لفهم الحقوق المتغيرة التي عالجتها القواعد الكلية الدينية. وفهم المتغيرات الجديدة في طبيعة التزاحم ومشقة العيش يستدعي إنشاء نظام حقوقي على ضوء تلك القواعد الكلية الدينية يتناسب مع تلك المشاكل الجديدة التي لم يختبرها أحد من قبل. ولاشك ان تأسيس مجتمع اسلامي في عصر الغيبة على ضوء نظرية اجتماعية دينية سوف يقلّص الفجوة الواسعة بين المجتمع الديني والمجتمع العلماني، أو قل بين المجتمع الاسلامي والمجتمع الجاهلي الجديد. فان المجتمع الذي تعيش في جوارحه وشعوره الداخلي مضامين الدين الحقيقية، ويتنعم بولاية الفقيه الجامع للشرائط يكون اكثر قدرة على نصرة الامام المعصوم (ع) من مجتمع بعيد تماماً عن روح الاسلام ونظامه الاخلاقي في الحكم والسياسة. وبطبيعة الحال، فان بعض الموارد في الشريعة تساعد على هذا الفهم، وهو ان ملاكات الاحكام الشرعية الثابتة تصب في خدمة الجماعة من أجل تسهيل طبيعة التجمع الانساني. بتقريب ان ذلك التيسير ـ الذي ينبغي ان يتم ـ يساعد المكلّف على أداء وظيفته التكليفية الشرعية على صعيدي العبادات والمعاملات. ومن تلك الموارد : اولاً : تنوع الاحكام الشرعية الى عينية تعينية، وكفائية. فالاحكام العينية تهمّ المكلّف بما هو فرد كالواجبات المحضة في الصلاة والصيام والحج والنفقة، وكذلك المحرمات الشرعية كشرب الخمر والسرقة والقتل. أما الاحكام الكفائية فهي التي تهم المكلّف باعتباره عضواً في الجماعة. فلا تسقط من ذمة المكلفين إلاّ بعد قيام فرد بادائها. والاحكام الكفائية تتطلب دائماً لوناً من ألوان العمل النظامي أو المؤسسي، من قبيل المؤسسة القضائية، والدفاعية، وإدارة الاموال العامة، وإستثمارات الدولة في موارد المياه والمعادن والثروات الطبيعية الاخرى. ثانياً : الاستمرارية في تطبيق الاحكام الشرعية كضرورة دينية. وفي ذلك آية قرآنية لها مغزى ودلالة خاصة : (وما مُحمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَت من قبلهِ الرسلُ. أفإن ماتَ، أو قُتِلَ انقَلبتُم على أعقابِكُم ؟ ومَن يَنقَلِب على عَقِبَيهِ فلن يَضُرَّ اللهَ شيئاً، وسيجزِي اللهُ الشاكرِينَ)[4]. هذه الآية نزلت بعد معركة «اُحد»، وإنهزام مجموعة من المسلمين امام المشركين بسبب ظنهم بأن رسول الله (ص) قد قتل. فقال بعضهم : «ليت لنا رسولاً الى (عبد الله بن اُبي) ليأخذ لنا أماناً من (أبي سفيان) ! يا قوم إنّ محمداً قد قتل، فارجعوا الى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم»[5]. فبينّت الآية ان رسول الله (ص) ليس إلاّ رسولاً قد سبقه رسل ماتوا أو قتلوا واستمرت الرسالة من بعدهم. فالرسالة قضية ثابتة لن تتغير ولن تزول بموت الرسول. والإستفهام الإستنكاري في الآية الكريمة يدلّ على لزوم الإستمرار في النهج الذي وضعه النبي (ص) وسار عليه في حياته. ثالثاً : أن الدوافع الفطرية التي تدفع الانسان نحو التجمع وتنظيم الحياة الاجتماعية متوافقة تماماً مع الاحكام الشرعية، كما نستظهر ذلك من صحيحة «زرارة بن اعين» عن الامام الصادق (ع) : «حلال محمد حلال ابداً الى يوم القيامة، وحرامه حرام ابداً الى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره»[6]. وقد حثّت الشريعة في كثير من المواطن على فهم التغير الاجتماعي وطبيعة التبدل المستمر في العلاقات الانسانية وفحوى التغير في التركيب العرفي والارتكاز العقلائي. وفي ذلك عدد من الروايات، منها : 1 ـ صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الامام الرضا (ع) : «علينا إلقاء الاصول وعليكم التفريع»[7]. 2 ـ التوقيع المعروف الصادر عن صاحب الزمان (ع) الى الشيخ المفيد : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله»[8]. وسند الرواية تام. 3 ـ وعن أمير المؤمنين (ع) : «ان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا : (إنَّ اولى الناسِ بابراهيمَ للذيِنَ اتَّبعُوهُ وهذا النبيُّ والذين آمَنُوا)[9] ، ثم قال : انّ ولي محمد من اطاع الله وإن بعُدت لحمته، وانّ عدو محمد من عصى الله وإن قرُبت قرابته»[10]. 4 ـ رواية محمد بن عمر الكشي في مقدمة رجاله بإسناد صحيح عن الامام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) : «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وإنتحال الجاهلين»[11]. 5 ـ رواية منصور بن يونس عن الامام الصادق (ع) : «على العاقل ان يكون عارفاً بزمانه»[12]. ولكن الرواية ضعيفة سنداً بالحسن بن علي، وعثمان بن عيسى. فالحسن بن علي مردد بين «الحسن بن علي بن ابي مغيرة الزبيدي الكوفي» وهو ثقة وبين «الحسن بن علي الاحمري الكوفي» الذي لم توثقه كتب الرجال. اما عثمان بن عيسى فهو «عثمان بن عيسى ابو عمرو العامري الكلابي الرواسي الكوفي» وهو ضعيف. 6 ـ مرفوعة مفضل بن عمر عن ابي عبد الله (ع) : «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس ... »[13]. والرواية ضعيفة بـ «مفضل بن عمر الجعفي الكوفي». المعركة ضد النظرية الاجتماعية : وقد واجهت النظرية الاجتماعية الدينية معركة ضارية قامت بها قوى ذات دوافع مختلفة تماماً عن بعضها البعض. وكان وقود المعركة يتمثل في رأي يقول بأن الاسلام غير قادر على إدارة الحياة الاجتماعية. وقد إنتظمت تلك الآراء المعادية للنظرية الاجتماعية تحت لواء معسكرين : الاول : وهو الذي افتقد النص والدليل على مشروعية الإدارة الاجتماعية للاسلام في غياب المعصوم (ع). فالولاية المطلقة للنبي (ص)، او للامام المعصوم (ع) ولا ولاية لأحد على آخر. والاحكام الشرعية انما إختصت في زمان معين ولا نستطيع ان نربط بين احكام شرعية ثابتة ومواضيع متغيرة. ومن اهم النظريات التي انضوت الى كَنِفْ هذا المعسكر هي : النظرية المعطلّة. فتلك النظرية زعمت بتعطيل الاحكام الشرعية الاجتماعية في عصر الغيبة، مع بقائها ثابتة في الشريعة. وقد رُدَّ على تلك النظرية بالقول بان حرمة تعطيل التشريع واضحة لما ينجم عن التعطيل من ارتكاب المحرمات، وانتشار الجرائم، وشيوع الموبقات. وقد أشار العلامة الحلي (ت 726 هـ ) الى ذلك قائلاً : «ان تعطيل الحدود يفضي الى ارتكاب المحارم، وانتشار الفساد. وذلك مطلوب الترك في نظر الشرع»[14]. وقد كان الشهيد الثاني (ت 965 هـ ) أكثر صراحة، فقال : «ان اقامة الحدود ضرب من الحكم، وفيه مصلحة كلية، ولطفٌ في ترك المحارم، وحسم لإنتشار المفاسد»[15]. ولاشك ان هذه النظرية ـ على بطلان مبانيها الفكرية ـ عملت بموجب الدليل الذي ادركته. أي انها حاولت ـ وضمن حدود تفكيرها ـ الحفاظ على بيضة الاسلام. الثاني : وهو المعسكر الذي ضمر أشد العداء للاسلام ورسالته الروحية والاجتماعية. وقد جمع هذا الميدان نظريتين هما : النظرية النافية، والنظرية النفسية. 1 ـ النظرية النافية: وهي النظرية الزاعمة بأن أمد التشريع قد انتهى بوفاة النبي (ص). وقد إلتاثت بتراب هذه النظرية الكثير من القوى المعادية بالاصل للرسالة الاسلامية. فالديانات المحرّفة التي لم تعترف بالاسلام أنكرت ان يكون للاسلام دور في إدارة المجتمع. بل زعمت ان الاسلام مجرد نزوة عاطفية جاءت من أجل تحقيق مصالح الرسول فقط، وقد انطفأت جذوتها. فليس هناك مرسِل ولا مرسَل له ! ولكن تلك النظرية لم تستطع الاجابة على الاستفسار القائل: كيف استطاع الاسلام الصمود بوجه كل المتغيرات الاجتماعية والانسانية مدة خمسة عشر قرناً ؟ فلو كان تصميماً فردياً لزال منذ أمد بعيد كما زالت المئات من التصميمات الفردية والنـزعات الروحية التي جاء بها الافراد. 2 ـ النظرية النفسية القاضية بتسفيه قدرة الاسلام على الإدارة الاجتماعية. وقد ابتنت هذه النظرية على مبنيين رئيسيين هما : (1) المعركة النفسية في الوجود والعدم. (2) تغيير اتجاهات الشعوب. المعركة النفسية : فعلى صعيد المعركة النفسية، فقد حاول اعداء الاسلام محاربة الرسالة الدينية عبر الإيهام بان الدين غير قادر على إدارة المجتمع الحديث. خصوصاً بعد التغييرات العظيمة التي حصلت في مباني الدولة الحديثة بتأثير إنتشار المعرفة والعلوم والاختراعات. فقد سُخّر علم «النفس الاجتماعي» للقيام بهذه المهمة الخطيرة. فعلم «النفس الاجتماعي» يدرس طبيعة التفاعلات بين الافراد عبر دراسة سلوكهم وعقائدهم. فالافراد يستجيبون للمؤثرات الخارجية التي تسلط عليهم من قبل الآخرين. فلو إفترضنا ان قدحاً من الحليب وضع أمامنا ، وأن قطرة من المطر قد سقطت، وان رعداً قد زمجر. فما لم ينسكب قدح الحليب على الارض، وما لم تسقط قطرة المطر على وجهنا، وما لم يزمجر الرعد بشكل صاخب فإننا لا نستجيب لتلك الحوافز الخارجية. فإستجابة الافراد نحو تلك الظواهر يعبّر بقدر ما عن طبيعة تأثير المحيط الخارجي علينا. بمعنى ان الذي يستثيرنا نفسياً يرتبط بطبيعة الحافز الخارجي الذي يؤثر على سلوكنا وعلى شكل وصيغة قرارنا المتخذ. واي قوة قادرة على تشكيكنا بعقائدنا ومفاهيمنا قادرة ايضاً على تغيير سلوكنا لاحقاً. وتكمن أهمية علم «النفس الاجتماعي» فيما نحن فيه، ان العلاقة بين السبب والمسبب أو قل بين إنسكاب قدح الحليب وإنزعاجنا وقيامنا بتنظيف ما سببه من آثار، يمكن ان يدرس من زاوية الشعوب وعقائدها ايضاً. فاذا طبقنّا نظرية «الحافز ـ الاستجابة» هنا، وافترضنا ان الطرح الديني كان إيجابياً فكانت فكرة «الحافز» تتلخص : بايماننا باننا نملك نظرية اجتماعية دينية قادرة على إدارة المجتمع، وإقامة الدولة. فإن «الاستجابة» ستكون : أملاً وإندفاعاً نحو صياغة تلك النظرية ومحاولة تأسيس ذلك المجتمع الاسلامي الذي تراودنا احلام تأسيسه. اما اذا كان الطرح الديني سلبياً وان اطروحة «الحافز» تتلخص : بالادعاء باننا لا نملك نظرية اجتماعية دينية، وان الاسلام غير قادر على إدارة المجتمع. فان «الاستجابة» ستكون : دخول اليأس من واقعية تطبيق الاسلام في قلوبنا، ومن ثم فاننا - كمؤمنين بالاسلام- سنترك الجانب الاجتماعي للاحكام الشرعية ونتمسك بالجانب الشخصي، على اعلى التقادير. خصوصاً اذا كانت الاصوات التي تدعي عجز الاسلام عن الادارة كثيرة ومؤثرة. والى هذا الحد، فستحقق المعركة النفسية ضدنا نجاحاً، لأننا سنؤمن بان الاسلام لن يتمكن من تحقيق ما كنا نصبو لتحقيقه. وفي هذا المورد تدخل جميع العناوين التي يراد منها تشكيك الفرد بعقيدته كالإمامة، وظهور الامام القائم (عج)، وامكانية تحقيق العدالة الاجتماعية. وفي النهاية نخرج من المعركة النفسية مندحرين ذاتياً، ولن تقوم لنا قائمة ما لم نبدل شكل مصاديق نظرية «الحافز ـ الاستجابة» التي اُستخدمت ضدنا بالاصل. تغيير إتجاهات الشعوب ومواقفها : ان نزوع الفرد للاستجابة الى الاحداث والافراد والاشياء بصورة سلبية او ايجابية تسمى بـ «الاتجاه» أو «الموقف». وممارسة هذا الميل أو النزوع بشكل مستمر يؤدي الى تشكيل صورة السلوك الذي يسلكه الانسان. فاذا كان موقف المرأة من الحجاب إيجابياً، كان ارتداؤها له يعبّر عن عقيدتها به. فيكون سلوكها ـ عندئذ ـ سلوكاً منسجماً مع طبيعة الحجاب والإلزام الديني في العفة. أما اذا كان موقفها من الحجاب سلبياً وكانت قد اُكرهت على ارتدائه، فيكون سلوكها ـ عندئذ ـ معبّراً عن ذلك الاكراه ومتناقضاً مع طبيعة التعفف الذي حثّ عليه الاسلام. وفي ضوء ذلك الفهم يمكننا تشخيص «موقف» الفرد تجاه اغلب القضايا الاجتماعية والدينية والحياتية العامة. فاذا كان الموقف ايجابياً كان سلوكه منسجماً مع ما يعتقده ويؤمن به، واذا كان الموقف سلبياً كان سلوكه متناقضاً مع ما يعتقده. وتتمثل خطورة «الموقف» أو «الاتجاه» بأن تغييره ـ بتأثير أي مؤثر ـ سوف يؤدي الى تغيير في السلوك. وبتغيير مجموع سلوك الافراد تتغير ببطء التركيبة الاجتماعية للنظام الاجتماعي والمجتمع ككل. بمعنى ان تغيير السلوك الانساني سينتهي الى تغيير مصيري في الادوار الاجتماعية. وعندها تنجح عملية تغيير مواقف الشعوب. وهذا التغيير البطيء لمواقف وإتجاهات الناس يتزامن مع عملية اجتماعية شاملة لتسفيه وجود نظرية اجتماعية في الاسلام. وبالتالي تسفيه الفكرة القائلة بقدرة الاسلام على الإدارة الجماعية. وقد ناقشنا في عرض هذا الكتاب آراء الغرب في الاجتماع الانساني، وحاولنا نقدها ونسف مبانيها العلمية والاخلاقية. وحاولنا طرح مباني نظريتنا الاجتماعية الاسلامية عبر الاستدلال الشرعي والفلسفي لفكرة الاجتماع الانساني. وفي ختام هذه المقدمة، أود ان أورد النقاط التالية المتعلقة بموضوع الكتاب : 1 ـ إن هذا الكتاب يمثل الجهد الاول في سلسلة ابحاث حول النظرية الاجتماعية الاسلامية. ونأمل ـ بأذنه تعالى ـ إتمام جميع البحوث المتعلقة بافكار تلك النظرية. 2 ـ ان الآراء التي تم انتقاؤها قد انتُخبت بدقة لتمثل المدارس الفقهية والفلسفية والفكرية الاصيلة. فلم نعتمد على مصدر ثانوي من أجل نقل فكرة اساسية لها قيمتها العلمية، بل كان اعتمادنا على المصادر الرئيسية مباشرة، عربية كانت أو أجنبية. 3 ـ ان المباني الفقهية والاُصولية التي اعتمدت في الكتاب نابعة اساساً من فقه ائمة أهل البيت (ع). وقد كانت آراء فقهاء الامامية نجوماً متلألئة في سماء الاستنباط الرحيب. 4 ـ هذه المحاولة المتواضعة لدراسة النظرية الاجتماعية ينبغي ان تلحقها دراسات مكثّفة تخرج من صميم حوزة أهل البيت (ع) العلمية للتدليل ـ نظرياً على الاقل ـ على قدرة الاسلام على إدارة المجتمع وإنشاء المجتمع الممهد لظهور الامام الحجة (عج). 5 ـ ان المصادر المذكورة في الهوامش، إن كانت اجنبية فقد راعينا في ذكرها الاسلوب المتبع في الكتب العلمية الاجنبية. وإن كانت عربية أو اسلامية فقد راعينا في ذكرها الاسلوب المتبع في الكتب العلمية العربية او الاسلامية.
آلهي انت تعلم اني ما بذلتُ هذا الجهد إلاّ إبتغاء فضلك ووجهك الكريم ومغفرتك الواسعة. فاجعل هذا العمل موفقاً وسدده بتسديدك. آلهي لا معين غيرك ولا مسدد سواك، فانت المستعان، ولك الحمد في الاولى والآخرة وما توفيقي إلاّ بك، عليك توكلت واليك انيب. سيد زهير الاعرجي 15 ذو القعدة 1416 هـ . ------------------- اطروحة الكتاب لابد لنا قبل ان نطرح صياغة مفترضة لنظرية اجتماعية مستقاة من منابع الرسالة الدينية، من التفريق ـ فلسفياً ـ بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع. فالنظرية الاجتماعية تمثل مجموعة مترابطة من الافكار التي تفسر بعضها بعضاً، وترشد المؤسسات الاجتماعية نحو هدفها المرسوم في تحقيق العدالة الحقوقية وخدمة الانسان في عالمه الاجتماعي المحيط به. بينما يمثل علم الاجتماع طريقة تجريبية للتحري والتنقيب من أجل جمع المعلومات وتحليلها عبر ربط العلّة بالمعلول في السلوك الاجتماعي، واستنتاج قاعدة كلية تخدم النظرية الاجتماعية. فنحن نفهم علم الاجتماع على اساس انه مؤشر علمي لتشخيص مظاهر ضعف النظرية الاجتماعية أو قوتها، عن طريق تشخيص المشاكل التي يجلبها التطبيق. وفي ضوء ذلك، فاننا لا نستطيع ان نستقريء نظرية اجتماعية من مفردات علم الاجتماع. بل لابد ان نستنبط النظرية الاجتماعية من مبادئ واحكام الرسالة الدينية. أما علم الاجتماع، فاقصى ما نتوقعه منه هو تقريبنا نحو فهم الحقيقة الاجتماعية عن طريق نظرية «الاحتمالات» لا عن طريق «الحقيقة اليقينية». ولكن الرمادية الفلسفية التي خلقها الاتجاه الغربي في «التوفيق» أو «الصراع» أو «التفاعل الاجتماعي»، والضبابية الدينية التي عانى منها علماء الاجتماع الغربيين قد فتحا الطريق امام اضطراب فكري وفلسفي اجتماعي لم يسبق له مثيل. بحيث نحا بعض المفكرين منحى إنكار ان يكون للدين دور في إدارة المجتمع. وقد كان ذلك التوجه أثراً من آثار مثلث فلسفي غربي تمثلت اركانه بثلاث فلسفات هي : الفلسفة الوضعية، والفلسفة الاصلاحية، وفلسفة التطور. إلاّ ان ذلك المثلث الفلسفي لم يستطع تقمص دور الدين في صياغة حقوق الافراد، واحياء القيم الاخلاقية، وبناء التماسك الاجتماعي. ولكنه نجح في سلخ الدين عن العلوم الاجتماعية. فأصبح علم «نشوء الانسان» أو «الانثروبولوجي» يدرس خرافات الشعوب البائدة ويهمل دراسة دور الانبياء والرسل (ع) في هداية تلك المجتمعات وترشيدها الى فهم معاني الوجود والحياة. وأصبح علم «النفس الاجتماعي» يدرس طرق إبعاد الافراد والشعوب عن عقائدهم ومتبنياتهم الفكرية والايمانية. وأصبح علم «الجريمة» يتبنى قضايا الذنب والمسؤولية الاخلاقية في تفسير الجناية ويطرح احكامه المفترضة في العقوبات. وأصبح علم «العلاقات الدولية» اداةً بيد الدول الكبرى لتحديد حريات الشعوب الصغيرة وتدمير طاقاتها الابداعية. ولكن عملية سلخ الدين عن العلوم الاجتماعية الغربية، لم تكن بالضرورة منفصلة عن عملية اخرى كانت تتم في نفس الوقت وهي عملية الاقتباس من الافكار الدينية ذاتها من أجل صياغة النظريات الاجتماعية. فـ «هربرت سبنسر» و«اميلي ديركهايم» إقتبسا من القول المشهور عن رسول الله (ص) : «المؤمنون في تبارّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى»[16] فكرتهما حول النظرية التوفيقية. فادعيا بان للمجتمع تركيباً مشابهاً لتركيب الجسم الانساني. فكما ان لكل عضو من اعضاء الجسم وظيفة توفيقية فان لكل مؤسسة من مؤسسات المجتمع وظيفة توفيقية ايضاً تساهم في الثبات الكلي للنظام الاجتماعي. واقتبست نظرية «الصراع الاجتماعي» التي آمنت بان صراع الطبقات الاجتماعية أهم مصدر من مصادر التغيير الاجتماعي، أفكارها من الآية القرآنية الشريفة : (...قالَ اهبِطُوا بعضُكُم لبعض عدوٌ ولكم في الارضِ مُستقرٌ ومتاعٌ الى حين...)[17]. والعداوة على تقدير اختصاصها بين الذرية نفسها كما ذكره بعض المفسرين[18]، تقتضي صراعاً اجتماعياً من لون صراع المصالح. واقتبس «عمانوئيل كانت» من العدالة الواقعية التي سوف يحققها الامام المهدي (عج) فكرة «مملكة النهايات» وهي المملكة التي يُعامل كل فرد فيها أقرانه وكأنهم نهايات له. بينما اقتبس «جان ـ جاك روسو» من فكرة الميثاق القرآني التي أشار اليها الذكر الحكيم : (الذيِنَ يُوفُون بعهدِ اللهِ ولا يَنقُضُون الميثاقَ)[19] نظرية في العقد الاجتماعي، مع اختلاف في المقصود من طرف واحد وهو ان الميثاق القرآني يستند على اساس الطاعة والتسليم والعبودية لله الواحد القهار، بينما تستند فكرة العقد الاجتماعي على الطاعة والتسليم للدولة. وقد حاولت كل تلك الاقتباسات إسقاط المنحى الإلزامي والشرط الاخلاقي اللذان وضعهما الدين. وحاولت ايضاً الوفود الينا مرة اخرى بلباس غربي جديد وبإصطلاحات جديدة جذابة كالديمقراطية، والعقلانية، وحقوق الانسان، والجماهيرية، والطبقية، والبروليتاريا. وهي اصطلاحات تقمصت دور الإرتكاز العقلائي والفلسفي في تنظيم المؤسسات الاجتماعية. ولم يتوقف الغرب عند إنكار قدرة الدين على إدارة المجتمع، بل حاول ان يُعزي إنبثاق الدين الى عوامل نفسية واجتماعية كانت تعتري المؤمنين بافكاره ومبادئه. وقد قامت ثلاث نظريات اوروبية بتوجيه حرابها ضد الدين، وهي نظرية «كارل ماركس»، ونظرية «اميلي ديركهايم»، ونظرية «سيغموند فرويد» . فـ «كارل ماركس» آمن بان الدين إنعكاس فكري للوضع الاقتصادي والمصالح المتصارعة في المجتمع، ولكنه لم يستطع تفسير حقيقة ان الاسلام يدعو الى العدالة الاجتماعية عبر دعوة الافراد الى فهم الثروة المالية على اساس انها وسيلة من وسائل العيش، وليست هدفاً بحد ذاتها. بل ان الاسلام يدعو الى تخفيف الصراع الى ادنى حد عبر الدعوة الى التعاون ومساعدة الآخرين والالتزام بالقيم الاخلاقية. أما «اميلي ديركهايم» فقد زعم بان الدين اجتماعي المنشأ وليس غيبياً. بمعنى ان المجتمع هو الذي يخلق الاديان ويخترعها لتذكير الافراد بهويتهم الاجتماعية. ولكن، لو كان الدين حقيقة اجتماعية، فكيف نستطيع تفسير المعجزات التي تصاحب نزول الرسالات الالهية ؟ بل كيف نستطيع تفسير المعجزة العظيمة التي جاء بها الاسلام، وهي كتاب الله المجيد. والقرآن يتحدانا في عصر العلم ـ بل في كل عصر ـ على الإتيان بآية واحدة مشابهة ولا من مجيب ! أما «سيغموند فرويد» فقد زعم بان الايمان بالله سبحانه تعبير نفسي عن كبح جماح رغبات الفرد الجسدية تجاه ابويه عند الطفولة. ولكنه عجز عن تطبيق نظريته على الايتام الذين يفتقدون ابويهم في حياتهم المبكرة. وقد كان رسول الله (ص) يتيم الابوين، ولم يختبر (ص) اباً في حياته يرعاه او «يخافه» كما يزعم فرويد، فكيف تم الربط بين الخوف من الاب والخوف من الرب في الاسلام ؟ ولم يتهيأ لفرضية «العقد الاجتماعي» من إحتلال دور الدين في ادارة المجتمع، كما كان متوقعاً عند فلاسفة الغرب العلمانيين. لأن تلك الفرضية واجهت تساؤلاً مرّاً لم تستطع الاجابة عليه، وذلك التساؤل يتلخص بالصيغة التالية : هل ان ذلك العقد المزعوم بين الافراد يعبّر عن اتفاقية إرادية أم يعبّر عن اتفاقية جبرية ؟ فإن كانت اتفاقية جبرية، فان ذلك الاتفاق سوف ينتفي بالجبر. وإن كانت إرادية فهل يستطيع الفرد الانسحاب منها والتخلي عن إلزاماتها الاجتماعية أو العقدية ؟ ولم تستطع الفرضية ايضاً تفسير العلاقة بين الفرد والسلطة السياسية وطبيعة الثقة المتبادلة بينهما. اما الفلسفة الاشتراكية فقد كانت الأمل الاخير في الغرب لمعالجة مشكلة العدالة الاجتماعية. فقد انتقدت تلك الفلسفة الظلم الاجتماعي، وأعلنت عالميتها، ودعت الى المساواة في الحقوق، ونادت بالمساواة امام القانون. إلاّ انها ارتكبت أفدح الاخطآء بمهاجمتها الرسالة الدينية الآلهية من جانب، وإنكارها الملكية الشخصية من جانب آخر. فقد رفعت شعاراً مفاده : «ان الملكية الشخصية لون من الوان اللصوصية والسرقة المبطّنة» ، منتهكة بذلك صفة من صفات الفطرة الانسانية في التملك وحيازة الاشياء. ولم تستطع الاشتراكية تحديد أجر مناسب لعمل العامل. فهل أن الأجر العادل ينبغي ان يُدفع حسب القابلية، أم حسب الحاجة، أم حسب الجهد، أم حسب الانتاج ؟ ولم يظفر المؤمنون بالاشتراكية بجواب قاطع يشفي صدورهم في هذا الصدد. ولعل أوهن ما حملته لنا نظريات «إجتماعية المعرفة» الادعاء بان إشتراك الانسان في الحياة الاجتماعية يحمل تأثيراً ملحوظاً على ثقافته الدينية. وبتعبير آخر ان الرسالة الدينية هي نتاج العقلية الاجتماعية وليست أمراً غيبياً أرسله الخالق عز وجل لإسعاد البشرية. ولكن هذا التفكير الفلسفي الغربي يحمل في جوهره تناقضاً صريحاً. فهو يفترض ان الرسالة الدينية الالهية أقل شمولاً وأضيق مساحة من التفكير الاجتماعي. ولكننا لم نلحظ ـ على مر التاريخ ـ ان فكراً اجتماعياً قد صاغ رسالة دينية نظّمت شؤون الفرد والجماعة وأجاب على جميع الاسئلة المتعلقة بالحياة والموت والكون والبعث والنشور، كما هو شأن الرسالة الدينية الالهية. وقد عجزت النظريات الثلاث التي تناولت «إجتماعية المعرفة»، وهي : النظرية المادية والنظرية المثالية والنظرية الفلسفية الاجتماعية، عن تشكيل تصور شامل يفسر تأثير الدين على المعرفة الاجتماعية. فهي لم تكن قادرة حتى على التمييز بين الدين السماوي القادر على بناء الاطار الاخلاقي للثقافة الاجتماعية والدين الوضعي الذي يفشل في تحقيق قدر ادنى من التطابق بين مبنى العقلاء وافكاره الاعتقادية. لقد كان فلاسفة اوروبا العلمانيون أقل حظاً في فهم وتفسير علاقة «المعرفة» الانسانية بالمجتمع. فالفيلسوف «فيلفريدو باريتو» افترض ان علم القيم «وهو العلم الذي يشمل الاخلاق والدين والجمال» يقف حائلاً بين العقل والحقيقة. بينما افترض «اميلي ديركهايم» و«كارل مانهايم» بان الفرد هو مصدر الخطأ والاشتباه، وان المجتمع هو المصدر الموثوق لمعرفة الحقيقة. ولكن هؤلاء المفكرين حادوا عن الجادة حينما افترضوا ان للدين منشأ اجتماعياً مجرداً. وبالتالي كان الدين عندهم مجرد فكرة محتملة قابلة للتكذيب وقابلة للخطأ ايضاً. ولكن «ماكس وبر» برؤيته الدينية الكاثوليكية اقترب من الحقيقة عندما اعترف بأن فلسفة الاخلاق والدين والجمال تؤثر جميعاً على المعرفة الانسانية في المجتمع. ولكنه اخطأها عندما بقي حبيساً بين جدران مذهبه الكاثوليكي الذي لم يستطع ان يقدم لنا نظرة شمولية حول طبيعة التأثير الديني الايجابي على الثقافة الاجتماعية. إلاّ ان الرسالة السماوية منسجمة تماماً مع الطبيعة الفطرية للمجتمع والجماعة. فالدين ـ مع كونه يحثّ الفرد على التعبد والتعامل الاخلاقي ـ إلاّ انه يهدف في نهاية المطاف الى بناء الجماعة المؤمنة القوية بنظامها الاجتماعي العادل على الارض. ومن أجل توضيح ذلك، فلابد من ترتيب النقاط التالية: 1 ـ ان الطبيعة النظامية الفطرية للمجتمع تفسح المجال للافراد ـ كالطلبة مثلاً ـ بالاعداد والتهيئة لإحتلال ادوارهم الاجتماعية في المستقبل دون عوائق أو اتهامات بأنهم مجرد ادوات للإستهلاك لا الإنتاج. واذا علمنا بان الطلبة يشكلون ثلث افراد المجتمع اليوم لأدركنا مدى أهمية الفطرة النظامية والمبنى العقلائي الذي يمتلكه المجتمع الانساني. ولاشك ان المبنى الشرعي يشجع على ذلك التوجه النظامي والطبيعة التناسقية للمجتمع. 2 ـ ان فكرة «الجماعة» التي أمضاها الدين، تعبّر عن شعور غريزي فطري عند الافراد للتجمع تحت راية الرابطة الانسانية والعقيدة المشتركة. وهي تختلف عن فكرة «الجمعية» المرهونة بقصد الافراد المشاركين نحو تشكيل ذلك التجمع لاسباب اقتصادية أو ثقافية. فالجماعة تستبطن لوناً من المسؤولية الجماعية ; وروح الجماعة في التعاون والمساندة الاجتماعية تمتد الى مسافة زمنية أبعد من أعمار الافراد. فهي تساهم في نقل العقيدة والثقافة والتاريخ المشترك من جيل لآخر. 3 ـ ان التقليد الاجتماعي العقلائي يختلف عن التقليد العقائدي الذي حرمه الاسلام. فالتقليد الاجتماعي يؤدي الى إكتساب السلوك النافع للفرد، بينما قد يؤدي التقليد العقائدي الى إنتهاك حرمة العقل المؤمن بان للوجود موجداً واحداً وهو الله سبحانه وتعالى. فيتعلم الانسان ـ عن طريق التقليد الاجتماعي ـ طبيعة العلاقات الاجتماعية ومقاصد الافراد في التعامل الاجتماعي. ومن البديهي، فان الاسلام لم يعارض أصلاً طبيعة واسلوب التقليد الاجتماعي. 4 ـ ان «الارادة الجماعية» لها منشأ ديني. فالارادة الجماعية هي مجموع إرادات الافراد المؤمنين بالخالق عز وجل، وهي قادرة على فهم معنى الطاعة السياسية للدولة الشرعية ولمؤسساتها الانسانية باعتبار ان تلك الطاعة منبثقة من طاعة الله سبحانه وتعالى. فالارادة الجماعية الدينية ارادة واقعية وليست افتراضية، وارادة عرفية معيارية وليست وصفية. فالدين يربي الافراد على روح الجماعة والتعاون والتكاتف والعمل والحركة. ولم يكن البحث النظري عن ذلك الانسجام بين الرسالة الدينية والطبيعة النظامية للمجتمع صعباً بطبيعته، فالتفكير العقلائي يرشدنا بيسر الى ذلك التلازم العقلي. إلاّ ان القضية التي كانت ولا زالت تحتاج الى جهد فائق ومستوى معمق من الفهم هي فهم وظيفة المكلّف الشرعية خلال التغيرات الاجتماعية المتلاحقة. فلاشك ان وظيفة المكلّف الشرعية تعتبر المحور الرئيسي الذي تدور حوله الدراسات الفقهية والاُصولية. وقد ادى ابتعادنا عن عصر النص الى ظهور الكثير من حالات الشك والظن فيما يتعلق بالاحكام الشرعية، اما بسبب تغير الموضوع واما بسبب استحداث حقوق جديدة لم تكن موجودة من قبل. وكان السؤال الذي يطرح دوماً هو : ماهي وظيفة المكلّف الشرعية في حالات الشك والظن والقطع ؟ وقد ادى البحث للجواب على هذا السؤال الى التعمق في بحوث الدليل العقلي وتوسيع دائرته ودراسة علاقته بالدليل الشرعي. وكانت الأهمية الشرعية لحجية القطع تنبع من كونها اداةً لالغاء احتمالية تحقق خطأ فلسفي من أي لون كان، بحيث ان القطع الطريقي او القطع الموضوعي يوصلان الفرد المكلّف الى درجة عالية من درجات الاطمئنان على ان ما يقوم به يطابق مؤدى الحقيقة الشرعية. وتنبع اهمية حجية الظن، عند قيام دليل علمي من قبل الشارع على تلك الحجية، من انها تساهم في حل مشكلة «الإنسداد» التي تعبر عن فحوى مفادها ان باب العلم بمعظم المسائل الفقهية مسدود. وبذلك فان حجية الظن قد غطت مساحة واسعة لمعالجة القضايا الموضوعية التي يكون فيها الدليل فاقداً الى التنصيص او التصريح او نحوها. وهذا المقدار من التصميم العلمي الخاص بحجتي القطع والظن له تأثيرات خطيرة على كل ما يمكن استنباطه من احكام شرعية لموضوعات متغيرة قد يختبرها المجتمع الاسلامي لقرون مديدة قادمة. اما الشك، وهو مطلق الجهل بالحكم الشرعي، فقد عولج عن طريق الاصول الاربعة وهي : البراءة، والتخيير، والاحتياط، والاستصحاب. وهذا التطور في الذهنية الاصولية الامامية فتح آفاقاً واسعة لاستثمار المخزون العلمي الخام الذي وصلنا عن طريق أهل بيت النبوة (ع). فلاشك ان البعد الزمني عن عصر النص جعلنا نحس بثقل مسؤولية تغير الزمان والمكان على كاهلنا. فالتغيرات الاجتماعية التي جلبها ذلك التبدل الزمني وضعنا امام سؤال فلسفي وشرعي لابد من الاجابة عنه، وهو: ماذا يعني تغير الزمان والمكان ؟ وما هو ارتباط ذلك التغير بوظيفة المكلّف الشرعية؟ ان الزمن يساهم في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية. فالحقيقة الخارجية التي نواجهها هي تفسير نضعه نحن في مشاعرنا على ضوء قيد «الزمان والمكان» الذي نعيش فيه. ولذلك فان الافراد الذين تختلف ثقافاتهم يفسرون الحقيقة الخارجية بصور مختلفة في ضوء مفاهيمهم في ذلك الزمان والمكان. فالحقائق الخارجية قبل الف عام تبدو لنا بسيطة وساذجة في بعض الاحيان ; ولاشك ان الحقائق التي نراها اليوم ربما كانت لاولئك الناس الذين عاشوا قبلنا غير قابلة للتصديق. وبكلمة، فان الناس الذين يعيشون ضمن حدود ثقافية ودينية متضافرة سوف يشتركون في فهم موحد وذهنية مشتركة تجاه الحقيقة الخارجية. والمخزون الثقافي والديني الذي تركته لنا الشريعة لم يكن ارثاً مجرداً، بل كان نظاماً فكرياً يتكيف مع فكرتي الزمان والمكان. فعندما نقول ان الماضي يمتد ويندمج بالحاضر نعني ان التغير الاجتماعي الذي نلمسه في كل لحظة من لحظات حياتنا البشرية انما هو ركن ركين من ذلك الوجود الذي إمتد الينا وإندمج بنا. فنحن لا نتغير إلاّ بالاطار الذي رسمته لنا الشريعة الاسلامية قبل اربعة عشر قرناً من الزمان. وكل التغيرات الاجتماعية التي نقبلها او نرفضها يجب ان تدخل ضمن تلك المساحة التي حددتها لنا الشريعة. فنحن لا نفهم الحاضر على اساس التغيرات فحسب، بل نفهمه على اساس التكاليف والإلزامات ايضاً. أما «المكان» فيعتبر احد اهم القواعد الرئيسية في بناء العرف الاجتماعي. لان الافراد الذين يشتركون بذهنية موحدة يشتركون ايضاً بالسكن على قطعة واحدة من الارض. وبطبيعة الحال فان التركيب الاجتماعي للزمان والمكان يصاحبه دائماً تركيب لغوي ديني. فلابد ان ندرك ان اللغة الشرعية الخاصة بالاوامر والنواهي والالزامات الاخلاقية على العموم لا تتقيد بزمان ومكان ما، بل ان صيغ الماضي والحاضر والمستقبل كلها تجتمع مع ابعاد المكان لتكوّن تكليفاً مستمراً مع استمرار الحياة البشرية على وجه الارض. وحتى لا تبقى الثوابت من الاحكام الشرعية أسيرة تغير الزمن والتبدل الاجتماعي، فقد أقر الاسلام الاجتهاد المطلق كطريقة طبيعية لمواكبة التغيرات الاجتماعية الناتجة بسبب تبدل الزمان والمكان. بل واوجب تقليد المجتهد الاعلم الحي حتى تكون قضية «الاجتهاد والتقليد» متناسبة مع تطلعات الاسلام في إدارة التغيرات الاجتماعية. ولم يتوقف الاسلام عند ذلك، بل فوض أمر الادارة الاجتماعية زمن الغيبة الى الفقيه الجامع للشرائط. ولاشك ان الفقيه قادر على معالجة الفرق بين المدلولين اللفظي والاجتماعي للنص الشرعي. ففي ثنايا الشريعة العديد من الاحكام التي تبدو للناظر انها متعارضة في النص. إلاّ ان الواقع العلمي يفصح عن ان ذلك التعارض ليس تعارضاً حقيقياً، بل ان التغير الاجتماعي وتبدل مناسبات الحكم والموضوع هي التي جعلت من ذلك الاختلاف وكأنه تعارض بين الاحكام الشرعية. وقد إلتفت اغلب فقهائنا الاعلام الى تلك الحقيقة المهمة، وهي ان التغير الاجتماعي خلال القرون المتعاقبة قد تستتبعه تغيرات في المواضيع. وبالنتيجة فان الاحكام الخاصة بتلك المواضيع تتبدل ايضاً. وفي ضوء ذلك فاننا لا نلمس مخالفة فكرية او فلسفية للنص الشرعي، بل اننا نلمس ان هناك وعياً شرعياً لدى الفقهاء مفاده ان الاحكام الشرعية انما جاءت لتسهيل وتنظيم امور الافراد والنظام الاجتماعي. والاحكام انما تشرّع لمواجهة مشكلة ما في عرف معين. فاذا تبدل ذلك العرف او الموضوع، فلابد للفقيه ان يجد دليلاً لتشخيص الحكم الشرعي من خلال تشخيصه للعرف والموضوع المتبدلين. وفي ذلك دلالة على ان للزمان والمكان تأثيراً مباشراً على ملاك الحكم وموضوعه لا على الحكم ذاته. وقد بدأت بعض الاصوات العلمية تنطلق من الحوزات الشيعية الامامية تدعو الى بذل الجهود من أجل الاهتمام بالفقه الاجتماعي خلال ممارسة عملية الاجتهاد، والى استثمار القواعد المشتركة في استنباط الاحكام الشرعية التي تهمّ المكلّف في مواطن الابتلاء المتغير مع التغيرات الاجتماعية المستمرة. وكانت من أهم ثمار مناقشة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي هو البحث في قاعدة «نفي الضرر» من قبل المحقق القمي (ت 1231 هـ ) في كتابه المعروف بـ «قوانين الاصول». وقد سار اغلب فقهائنا العظام «رضوان الله عليهم» بعد المحقق القمي في مناقشة قاعدة نفي الضرر على صعيدي السند والدلالة. إلاّ انهم رضوان الله عليهم جميعاً لم يلتفتوا بشكل مباشر الى ارتباط تلك القاعدة بكليات الحقوق والواجبات الخاصة بالافراد في النظام الاجتماعي الاسلامي. وسند خبر «نفي الضرر» من الوثوق بحيث يجعلنا نطمئن بصدوره من المعصوم (ع)، ونشير بالخصوص الى صحيحة «زرارة بن اعين». ولاشك ان دراسة علل القاعدة يثبت انها غير مقيدة بمورد معين. فقد تراوحت العلل بين عذق سمرة بن جندب ودار الانصاري، ومنع فضل الماء، والشفعة، الى هدم الجدار الساتر بين الفرد وبين جاره. فمع ان هذه القضايا التي وردت ضمن سياق قاعدة نفي الضرر كانت كلها قد تناولت مشاكل جزئية، إلاّ ان تعليلها كان مندرجاً تحت كبرى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» فكانت القاعدة الكلية في نفي الضرر تقدم مصاديق عملية لفكرتها القائلة بان نفي حقوق الافراد في الأمان البيتي، والثروة الحيوانية، والملكية في بعض اشكالها، والجيرة ونحوها يسبب اضراراً شخصية لهم. اما مفاد تلك القاعدة فهو مهم في فهم الآثار المترتبة على تطبيقها. فالضرر ـ كلفظ ـ يعبّر عن سوء الحال الذي يرتبط بالنقص في الحقوق او الاعيان. فقوله (ص): «لا ضرر»، يعني نفي التسبيب الى الضرر بجعل الحكم الضرري. وقوله (ص): «لاضرار»، يعني التسبيب الى نفي الإضرار، بمعنى إتخاذ الوسائل لمنع الفاعل «المضار» الذي كان بصدد إيجاد الفعل «الضرر» على الآخرين. فلهذه القاعدة الكلية اذن دلالتان. الاولى: النهي عن الإضرار في عالم الاثبات، وتتفرع منها دلالة ثانوية على تشريع وسائل إجرائية للمنع عن الإضرار في المحيط الاجتماعي. والثانية: نفي الحكم الضرري في عالم الثبوت. ونستشعر من فلسفة النظم ان طبيعة الحقوق في النظام الاجتماعي مرتبطة بالاختيار والتغير الاجتماعي المصاحب للتبدل المستمر في الحياة البشرية وحاجاتها الوظيفية والحقوقية. بينما نستلهم من قاعدة نفي الضرر ومن قواعد فقهية حقوقية اخرى ان للفرد في مجتمع الاسلام حقوقاً اساسية في الأجر والدخل الكافي للمعيشة، وامتلاك السكن اللائق، والتعليم، والتطبيب. وله حقوق اخرى في البيع، والشراء، والتملك، واجراء العقود، والتكسب المشروع، والأمان الجماعي، والنشاط السياسي، والادارة. وأي انتهاك لتلك الحقوق المفترضة يمثل إضراراً معنوياً ومادياً بالافراد المشتركين في العيش على تراب المجتمع الاسلامي. ولاشك ان تطبيق الاحكام الشرعية الاسلامية يؤدي الى الانسجام والتوافق الاجتماعي بعلّة ان حفظ الحقوق المعنوية والمادية ستكون قضية مضمونة ـ على الاقل ـ لجميع الافراد. والشفرة الاخلاقية للدين تدين كل اشكال الاعتداء والظلم والغش والخداع. وبذلك فهي تخلق مناخاً طبيعياً لذلك الانسجام والمودة الجماعية ونكران الذات والتعايش الاخلاقي من أجل هدف أسمى وهو عبادة الخالق عز وجل. (نهاية ص 30)
[1] أصول الكافي – كتاب فضل العلم ج 1 ص 60 ح6. [2] سورة الاعراف: الآية 24. [3] مجمع البيان للطبرسي ج 1 ص 196، 198. [4] سورة آل عمران: الآية 144. [5] تاريخ الطبري ج 3 ص 720. [6] اُصول الكافي – الشيخ الكليني. باب البدع والرأي والمقاييس. ج 1 ص 58 ح 19. [7] وسائل الشيعة – كتاب القضاء، ابواب صفات القاضي. باب 6. ج 18 ص 41 حديث 52. [8] كمال الدين وتمام النعمة – الشيخ الصدوق . ج 2 ص 484. [9] سورة آل عمران: الآية 68. [10] نهج البلاغة – حكمة 96. [11] اختيار معرفة الرجال – الكشي . ج 1 ص 4 ح 5. وايضاً: الوسائل – كتاب القضاء، ابواب صفات القاضي. باب 11 . ج 18 ص 109 رواية 43. [12] اصول الكافي – كتاب الايمان والكفر. باب الصمت وحفظ اللسان. ج 2 ص 116، رواية 20. [13] اصول الكافي – كتاب العقل والجهل. رواية 29 ج 1 ص 26. [14] مختلف الشيعة الى احكام الشريعة – العلامة الحلي. كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. طبعة حجرية. [15] مسالك الافهام الى شرح شرائع الاسلام – الشهيد الثاني. كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. طبعة حجرية. [16] بحار الانوار ج 74 ص 274. وكنـز العمال ج 1 ص 143. [17] سورة الاعراف: الآية 24. [18] مجمع البيان – الطبرسي ج 1 ص 198. [19] سورة الرعد: الآية 20.
|