(ص 1 - 30)

 

موسوعة النظرية الاجتماعية (1)

مباني

النظرية الاجتماعية

في الاسلام

السيد زهير الاعرجي

-----------------------

المطبعة العلمية ـ قم المشرفة

الطبعة الاولى ـ  1417 هـ 

حقوق الطبع محفوظة للناشر

-----------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

  (كانَ الناسُ أمَّةً واحدةً فبعثَ اللهُ النبيين مبشرين ومنذرين وأنـزل معهم

الكِتَابَ بالْحَقِّ ليَحْكُمَ بيْنَ النَّاسِ فِيما اختَلَفُوا فيِهِ ...) سورة البقرة : الآية 213 .

 ---------------------------

مقدمة الكتاب

          لاشك ان قدرة المجتمعات الانسانية على معالجة مشاكلها الاجتماعية المتغيرة مع تغير الزمن تنبع من قابليتها على استنباط تصور شامل للعلاقة الواقعية بين الفرد والجماعة. فما لم تكن تلك العلاقة قائمة على اُسس سليمة، فإنّ المجتمع سيغرق في مشاكل إجتماعية ذات وجوه، أبرزها الفقر، والتفاوت الطبقي، والتخلف الثقافي، والإنحلال الاخلاقي. و«المشكلة الاجتماعية» التي نحن بصددها لها أسبابها وتأثيراتها وحلولها. فغياب النظام الاخلاقي الذي تدعمه الرسالة الدينية، وعدم الإهتمام بالتربية والتعليم في المجتمع، وعدم وضوح طبيعة الاُجور كلها تؤدي الى ظهور تلك المشكلة. ولاشك ان المشكلة الاجتماعية لا تنحلّ إلاّ عن طريق البحث عن نظرية إجتماعية يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي. فالنظرية الاجتماعية وسيلة فكرية واخلاقية مستمدة من احكام الشريعة لمعالجة المشاكل المتجددة التي يعاني منها المجتمع بسبب تغير الزمان والمكان. وبطبيعة الحال، فان للنظرية الاجتماعية جانبين : فلسفي وديني.         

          فالجانب الفلسفي للنظرية يبحث في طبيعة شخصية الفرد الاجتماعية، وقابلية السلوك البشري على التكامل مع الآخرين. بينما يتناول الجانب الديني الصيغة الاخلاقية للعلاقة بين الفرد ونفسه، وبين الفرد والجماعة، وبين الفرد وربه. فالدين يبني لنا طريقين في مراحل حياتنا الانسانية. الاول: الطريق الروحي والتعبدي، ويعلّمنا طبيعة صلتنا بالخالق عز وجل وطرقها واساليبها. والثاني: الطريق الاجتماعي، ويعلّمنا تفادي الاصطدام مع بقية الافراد على الصعيدين الحقوقي والتكليفي.

          وفي ضوء هذا التصور، فان الرسالة الدينية تجلب سعادة عظمى للافراد الذين يعيشون على تراب المجتمع الديني عبر حفظ حقوقهم الاعتبارية، وتنظيم واجباتهم، وبناء طريق يوصلهم الى خالقهم عز وجل. ولكن إبتعادنا عن زمن النص، وظهور أشكال جديدة من الحياة الاجتماعية جعلنا نقف امام مشكلة رئيسية، حول طبيعة الوظيفة الشرعية للجماعة، كإقامة الحدود، وتأسيس المجتمع والدولة على ضوء احكام الاسلام. بل ان تعيين الوظيفة الشرعية للفرد المكلّف اصبحت - في بعض الاحيان- تحتاج الى بذل جهد غير قليل من اجل استنباطها. كل ذلك حصل بسبب تغير طبيعة الحياة البشرية، وتبدل جهات الملكية الشخصية وتغير طبيعة الحقوق والواجبات للافراد.

          وسوف نتناول بالبحث في هذه المقدمة بعض الموضوعات التي لها علاقة مباشرة بقضايا النظرية الاجتماعية، وهي:

1- المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة.

2- الأهمية الشرعية والفلسفية لصياغة النظرية الاجتماعية.

3- المعركة ضد النظرية الاجتماعية.

 المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة:

          إن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد ويحتاج الى دقة وعمق في الإجابة هو: هل يريد الاسلام منّا، في عصر غيبة الامام المعصوم (ع)، أن نكون افراداً مسلمين مؤمنين فقط أم يريد منا أن نشكّل مجتمعاً اسلامياً تُحقق فيه العدالة وتُقام فيه الحدود؟ وبتعبير آخر: هل يريد منّا الاسلام - في زمن الغيبة- بناء الفرد المؤمن أم تشكيل الجماعة المؤمنة، وبناء الدولة الاسلامية ؟

          لاشك ان المشكلة الاجتماعية كانت تُعالَج زمن النص بشكل مباشر من قبل النبي (ص) أو الامام المعصوم (ع). فقد بقي المجتمع الاسلامي ينعم ـ وعلى مدى ثلاثة قرون ـ بمعالجات نصية شرعية للمشاكل التي كان يواجهها الافراد والنظام الاجتماعي. فقد كان رسول الله (ص) يدير دولته الشرعية في المدينة بشكل مباشر. وكان أمير المؤمنين (ع) منشغلاً بتثبيت الولاية الشرعية، وإقرار الأمن الاجتماعي، وتحقيق العدالة بين الافراد. وكان الامام الحسن (ع) يعالج الفتنة وإنصراف الناس عن الدين. بينما عالج الامام الحسين (ع) مشكلة الظلم والإنحراف السياسي بالسلاح والدماء. وثبّت الامام السجاد (ع) اُسس العلاقة بين الفرد والخالق عز وجل. بينما تناول الصادقان عليهما السلام الاطار العلمي التأسيسي للفقه الاسلامي. وقد عالج الامام الكاظم (ع) والرضا (ع) والجواد (ع) والهادي (ع) والعسكري (ع) والحجة(عج) مشاكل أزمانهم. وقد نقل لنا التأريخ بأمانة منقطعة النظير كماً هائلاً من الروايات والنصوص التي تضمنت أحكاماً شرعية ثابتة فيما يخص العبادات والمعاملات. وكانت الغيبة الصغرى التي أمتدت من سنة 260 هـ ولحد سنة 329 هـ والتي كان يتصل فيها الامام بالسفراء الأربعة بمثابة تهيئة الاُمة لمواجهة مشاكلها الاجتماعية والدينية عبر الإتصال غير المباشر بالمعصوم (ع).

          ولكن الحاجات الانسانية الثابتة التي تناولها فقهاء أهل البيت (ع) في القرون العشرة التي تلت الغيبة الكبرى قد رافقتها تدريجياً حاجات اخرى متغيرة في التعليم والتطبيب والنقل والسكن والإدارة الجماعية. وتبدلت ـ بتأثير تغير الزمان والمكان ـ حقوق الافراد والجماعة وتبدلت واجباتهم الشخصية والاجتماعية. وأصبح الإتجاه الفقهي الاسلامي يواجه سلوك أحد طريقين لا ثالث لهما.

          الطريق الاول : الإنصراف الى النصوص الشرعية التي تناولت الحاجات الانسانية الثابتة في العبادات وجانب يسير من المعاملات فقط وإهمال الحاضر بكل معطياته الثقافية والحضارية والمعاشية. وكاد هذا المنحى ان يسبب إنفصاماً خطيراً بين نظرة الفرد نحو المجتمع بمشاكله الاجتماعية التي يعاني منها، والنظرة الفردية للدين التي كرسها ذلك الإتجاه.

          والطريق الثاني : الإهتمام بالنصوص الشرعية التي تناولت الحاجات الانسانية الثابتة والمتغيرة معاً. بمعنى البحث عن كل ما يوصل المكلّف الى الكشف عن وظيفته الشرعية بالرغم من إختلاف الزمان والمكان. ولاشك ان هذا المنحى تطلب فهماً واسعاً للمدلولات الاجتماعية للنصوص الشرعية وملاحظة مناسبات الحكم والموضوع، وإدراك أبعاد تأثير العرف الاجتماعي ـ  المتبدل دوماً مع تبدل الزمان والمكان ـ على طبيعة الملازمة بين الدليلين العقلي والشرعي. وهذا الطريق هو الذي إختاره ائمة أهل البيت (ع) ودرّبوا اصحابهم عليه خلال زمن النص. ولكن الفقه الإستدلالي لم يكن لينهض بهذه المهمة الجليلة لولا حصول تطور في كليات وقواعد علم آخر وهو علم «اصول الفقه».

          فعن طريق استمرارية ممارسة الاجتهاد تطورت عملية الإستنباط في المدرسة الإمامية تطوراً متناغماً ومتناسقاً مع التطور الاجتماعي الذي إختبره الانسان في القرون الاخيرة. وكان «الفقيه» الجامع للشرائط والقادر على فهم شروط تأثير الزمان والمكان على المجتمع أكثر الافراد قدرة على حفظ حقوق الافراد والدفاع عن حرماتهم، على الصعيد الظاهري على الأقل. أما موضع العدالة الواقعية، فهذا ما لا يستطيع الفقيه إدراكه. لأنه - مهما سما في العلم - لن يتعدى إدراكه ظواهر النصوص وظواهر الاشياء. أما المعصوم (ع) فهو يدرك بطبيعة وظيفته الشرعية القضايا الواقعية. ولذلك فقد لا نستطيع معالجة المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة معالجة تامة، على الصعيد الواقعي. ولابد ان نفهم بأن المجتمع الاسلامي في عصر الغيبة يختلف تماماً عن المجتمع الاسلامي في عصر الظهور، وهو عصر تحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الواقعي. وفي فهم ذلك الإختلاف آثار جسيمة على طبيعة نظرتنا الشخصية والجماعية تجاه الشريعة. فقد يصحح الفقيه احياناً فتاواه وأحكامه بموجب فهمه الجديد لبعض الموضوعات، فيتغير الحكم الشرعي بموجب ما رآه الفقيه على ضوء المعطيات الجديدة. وقد يكون في ذلك لونٌ من ألوان التقصير الظاهري لبعض الحقوق. إلاّ اننا، وبسبب طبيعتنا الانسانية المبنية على النقص وعدم الإحاطة الشاملة لجميع الاشياء، قاصرون - وضمن مساحة الجهد العلمي - من الوصول الى الكمال المطلق في فهمنا لمصاديق ومفردات تطبيق الشريعة.

          ولذلك، فإننا عندما نلحظ قصوراً في حق أو واجب في مجتمع اسلامي زمن الغيبة، فإنما نفسره من زاوية عدم عصمة الفقيه. وما اشتهر في المأثورات من ان الحاكم اذا اجتهد فاخطأ فله أجر وإن اصاب فله أجران يَرِدُ عليه : اولاً : انه ليس وارداً في رواياتنا واخبارنا. وثانياً : انه لا يبرر عصمة الفقيه، وإلتماسه الاحكام الواقعية. أما في زمن حاكمية الامام المهدي (عج) فإننا سنلحظ، قطعاً، عدالة واقعية تعمّ الارض بكل من فيها. وتلك العدالة الواقعية في الحقوق والواجبات والإلزامات لن تتحقق إلاّ بتسديد رباني إستثنائي ينهض بمسؤوليته الامام المعصوم (ع) وحده.

          وهذا الفرق بين عدالة الفقيه الولي زمن الغيبة وبين عدالة الامام المعصوم (ع) زمن الحضور من الضروري إدراكه لئلا نقع في خطأ أو وهم، مفاده اننا ـ كأفراد ـ قادرون على تحقيق العدالة الواقعية التي جاء بها الاسلام. فإننا بذلك الفهم الخاطىء سنحمّل سلبيات إدراكنا الناقص، بسبب قصورنا الذاتي الانساني، على الاسلام. وهو أمر لا يطابق الواقع أبداً. ونستظهر من مرسلة محمد بن يحيى عن المعلى بن خنيس عن الامام الصادق (ع) : «ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال»[1] ، عجز العقل البشري عن إدراك حقائق التشريع. فالعجز يلازم طبيعتنا البشرية في إدراك الاشياء. وهذا العجز لا يعكس نقصاً في الشريعة، بقدر ما يعكس آثار قصورنا في فهم الكمال الالهي المتمثل في شريعة سيد المرسلين «صلى الله عليه وآله».

          وجوهر الجواب على التساؤل الذي طرحناه في بداية هذا القسم يتلخص بأن الفرد لا يستطيع ان يحيا حياته الدينية الالزامية ما لم يكن هناك لون من الوان التنظيم الجماعي للاُمة. وحتى في احلك الفترات المظلمة التي مرت بها الاُمة، لم يستطع العدو ان يزعزع ذلك الرباط العقائدي الذي ربط الافراد بعقيدة التوحيد والامامة ومظلومية اهل بيت النبوة (ع). ولكن المجتمع - بلحاظ قضية العداوات بين الافراد وتجاوز بعضهم على بعض في الحقوق والمزايا الاجتماعية - لا يمكن ان يعيش بسلام وأمان ما لم تمتد يد شرعية مبسوطة لمنع الانحرافات الدينية والاجتماعية عبر تطبيق الحدود، ومنع الظلم الاجتماعي عبر توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد بالعدالة. وهذه الملازمة العقلية بين أمن الجماعة واطمئنان الفرد في التوجه نحو خالقه وبارئه لا يمكن انكارها او رفضها، خصوصاً اذا تحققت القدرة على اداء تلك المهمّة في تأسيس المجتمع الذي يدين بحاكمية الاسلام. يضاف الى ذلك ان الاسلام ـ كدين آلهي ـ ليس مختصاً بزمان الظهور. خصوصاً اذا اخذنا بعض القواعد الاُصولية بنظر الاعتبار كقاعدة « عدم اختصاص الحكم بالمشافهين»، وقاعدة «الاشتراك في الحكم بيننا وبين من خوطب به»، واطلاقات ادلة احكام الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فاننا نلمس ان الاسلام يُريد منا ان نشكّل الجماعة المؤمنة التي تُحَقق فيها العدالة وتُقام فيها الحدود. وهذا هو ما يفهم من فكرة تشكيل الدولة الاسلامية زمن الغيبة.

 الأهمية الشرعية والفلسفية في صياغة النظرية الاجتماعية :

          إن الأهمية الفلسفية في صياغة النظرية الاجتماعية تكمن في صيانة حقوق الافراد من تجاوزات الآخرين، وهي أهمية مطابقة لبناء العقلاء. أما الأهمية الشرعية فإنما تنعكس في تقريب المكلّف من فهم وظيفته التكليفية. ولاشك، فاننا عندما ندعي إمتلاك نظرية اجتماعية، فإننا نعني إمتلاك القدرة أو الصلاحية على تطبيقها في المجتمع. وبطبيعة الحال فان تحقيق قدر نسبي ظاهري من العدالة الاجتماعية، والأمان الجماعي، وتعيين الحقوق والواجبات سوف يؤدي الى تقريب الانسان الى خالقه عز وجل. لأن إشباع الحاجات الاساسية للفرد يفسح المجال لتنشيط جنبتيه الروحية والاخلاقية.

          وبطبيعة الحال، فان دراسة نشوء الانسان على الارض من وجهة نظر اسلامية تقودنا الى نتيجة مهمة تفصح عن ان التزاحم والعداوة بين الافراد أشبه ما تكون بالقضية التكوينية. يقول عز وجل في معرض الحديث عن هبوط الانسان الى الارض : (قالَ اهبِطُوا بعضُكُم لبعض عدوٌ ولكم في الارضِ مُستقرٌ ومتاعٌ الى حين...)[2]. قال المفسرون في تفسير الآية : « ان العدو نقيض الولي. والعداوة المصدر. وأصله من المجاوزة... فأما على الوجه الذي يتضمن ان الخطاب يختص بآدم وحواء فالمراد به أن ذريتهما يعادي بعضهم بعضاً وعلق الخطاب بهما للإختصاص بين الذرية وبين أصلها»[3]. ومعالجة العداوة تقتضي لوناً من ألوان التهذيب الديني، وطريقة قضائية لحل الخصومات، ومعْلَماً واضحاً لتثبيت الحقوق. وقد جاءت الرسالة الاسلامية بفهم مترابط ومتكامل في كليات الحقوق والواجبات. ولكن تغير الزمان والمكان وضعنا امام متطلبات جديدة لفهم الحقوق المتغيرة التي عالجتها القواعد الكلية الدينية. وفهم المتغيرات الجديدة في طبيعة التزاحم ومشقة العيش يستدعي إنشاء نظام حقوقي على ضوء تلك القواعد الكلية الدينية يتناسب مع تلك المشاكل الجديدة التي لم يختبرها أحد من قبل.

          ولاشك ان تأسيس مجتمع اسلامي في عصر الغيبة على ضوء نظرية اجتماعية دينية سوف يقلّص الفجوة الواسعة بين المجتمع الديني والمجتمع العلماني، أو قل بين المجتمع الاسلامي والمجتمع الجاهلي الجديد. فان المجتمع الذي تعيش في جوارحه وشعوره الداخلي مضامين الدين الحقيقية، ويتنعم بولاية الفقيه الجامع للشرائط يكون اكثر قدرة على نصرة الامام المعصوم (ع) من مجتمع بعيد تماماً عن روح الاسلام ونظامه الاخلاقي في الحكم والسياسة.

          وبطبيعة الحال، فان بعض الموارد في الشريعة تساعد على هذا الفهم، وهو ان ملاكات الاحكام الشرعية الثابتة تصب في خدمة الجماعة من أجل تسهيل طبيعة التجمع الانساني. بتقريب ان ذلك التيسير ـ الذي ينبغي ان يتم ـ يساعد المكلّف على أداء وظيفته التكليفية الشرعية على صعيدي العبادات والمعاملات. ومن تلك الموارد :

          اولاً : تنوع الاحكام الشرعية الى عينية تعينية، وكفائية. فالاحكام العينية تهمّ المكلّف بما هو فرد كالواجبات المحضة في الصلاة والصيام والحج والنفقة، وكذلك المحرمات الشرعية كشرب الخمر والسرقة والقتل. أما الاحكام الكفائية فهي التي تهم المكلّف باعتباره عضواً في الجماعة. فلا تسقط من ذمة المكلفين إلاّ بعد قيام فرد بادائها. والاحكام الكفائية تتطلب دائماً لوناً من ألوان العمل النظامي أو المؤسسي، من قبيل المؤسسة القضائية، والدفاعية، وإدارة الاموال العامة، وإستثمارات الدولة في موارد المياه والمعادن والثروات الطبيعية الاخرى.

          ثانياً : الاستمرارية في تطبيق الاحكام الشرعية كضرورة دينية. وفي ذلك آية قرآنية لها مغزى ودلالة خاصة : (وما مُحمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَت من قبلهِ الرسلُ. أفإن ماتَ، أو قُتِلَ انقَلبتُم على أعقابِكُم ؟ ومَن يَنقَلِب على عَقِبَيهِ فلن يَضُرَّ اللهَ شيئاً، وسيجزِي اللهُ الشاكرِينَ)[4]. هذه الآية نزلت بعد معركة «اُحد»، وإنهزام مجموعة من المسلمين امام المشركين بسبب ظنهم بأن رسول الله (ص) قد قتل. فقال بعضهم : «ليت لنا رسولاً الى (عبد الله بن اُبي) ليأخذ لنا أماناً من (أبي سفيان) ! يا قوم إنّ محمداً قد قتل، فارجعوا الى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم»[5]. فبينّت الآية ان رسول الله (ص) ليس إلاّ رسولاً قد سبقه رسل ماتوا أو قتلوا واستمرت الرسالة من بعدهم. فالرسالة قضية ثابتة لن تتغير ولن تزول بموت الرسول. والإستفهام الإستنكاري في الآية الكريمة يدلّ على لزوم الإستمرار في النهج الذي وضعه النبي (ص) وسار عليه في حياته.

          ثالثاً : أن الدوافع الفطرية التي تدفع الانسان نحو التجمع وتنظيم الحياة الاجتماعية متوافقة تماماً مع الاحكام الشرعية، كما نستظهر ذلك من صحيحة «زرارة بن اعين» عن الامام الصادق (ع) : «حلال محمد حلال ابداً الى يوم القيامة، وحرامه حرام ابداً الى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره»[6].

          وقد حثّت الشريعة في كثير من المواطن على فهم التغير الاجتماعي وطبيعة التبدل المستمر في العلاقات الانسانية وفحوى التغير في التركيب العرفي والارتكاز العقلائي. وفي ذلك عدد من الروايات، منها :

          1 ـ صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الامام الرضا (ع) : «علينا إلقاء الاصول وعليكم التفريع»[7].

          2 ـ التوقيع المعروف الصادر عن صاحب الزمان (ع) الى الشيخ المفيد : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله»[8]. وسند الرواية تام.

          3 ـ وعن أمير المؤمنين (ع) : «ان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا : (إنَّ اولى الناسِ بابراهيمَ للذيِنَ اتَّبعُوهُ وهذا النبيُّ والذين آمَنُوا)[9] ، ثم قال : انّ ولي محمد من اطاع الله وإن بعُدت لحمته، وانّ عدو محمد من عصى الله وإن قرُبت قرابته»[10].

          4 ـ رواية محمد بن عمر الكشي في مقدمة رجاله بإسناد صحيح عن الامام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) : «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وإنتحال الجاهلين»[11].

          5 ـ رواية منصور بن يونس عن الامام الصادق (ع) : «على العاقل ان يكون عارفاً بزمانه»[12]. ولكن الرواية ضعيفة سنداً بالحسن بن علي، وعثمان بن عيسى. فالحسن بن علي مردد بين «الحسن بن علي بن ابي مغيرة الزبيدي الكوفي» وهو ثقة وبين «الحسن بن علي الاحمري الكوفي» الذي لم توثقه كتب الرجال. اما عثمان بن عيسى فهو «عثمان بن عيسى ابو عمرو العامري الكلابي الرواسي الكوفي» وهو ضعيف.

          6 ـ مرفوعة مفضل بن عمر عن ابي عبد الله (ع) : «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس ... »[13]. والرواية ضعيفة بـ «مفضل بن عمر الجعفي الكوفي».

 المعركة ضد النظرية الاجتماعية :

          وقد واجهت النظرية الاجتماعية الدينية معركة ضارية قامت بها قوى ذات دوافع مختلفة تماماً عن بعضها البعض. وكان وقود المعركة يتمثل في رأي يقول بأن الاسلام غير قادر على إدارة الحياة الاجتماعية. وقد إنتظمت تلك الآراء المعادية للنظرية الاجتماعية تحت لواء معسكرين :

          الاول : وهو الذي افتقد النص والدليل على مشروعية الإدارة الاجتماعية للاسلام في غياب المعصوم (ع). فالولاية المطلقة للنبي (ص)، او للامام المعصوم (ع) ولا ولاية لأحد على آخر. والاحكام الشرعية انما إختصت في زمان معين ولا نستطيع ان نربط بين احكام شرعية ثابتة ومواضيع متغيرة. ومن اهم النظريات التي انضوت الى كَنِفْ هذا المعسكر هي : النظرية المعطلّة.

          فتلك النظرية زعمت بتعطيل الاحكام الشرعية الاجتماعية في  عصر الغيبة، مع بقائها ثابتة في الشريعة. وقد رُدَّ على تلك النظرية بالقول بان حرمة تعطيل التشريع واضحة لما ينجم عن التعطيل من ارتكاب المحرمات، وانتشار الجرائم، وشيوع الموبقات. وقد أشار العلامة الحلي (ت 726 هـ ) الى ذلك قائلاً : «ان تعطيل الحدود يفضي الى ارتكاب المحارم، وانتشار الفساد. وذلك مطلوب الترك في نظر الشرع»[14]. وقد كان الشهيد الثاني (ت 965 هـ ) أكثر صراحة، فقال : «ان اقامة الحدود ضرب من الحكم، وفيه مصلحة كلية، ولطفٌ في ترك المحارم، وحسم لإنتشار المفاسد»[15]. ولاشك ان هذه النظرية ـ على بطلان مبانيها الفكرية ـ عملت بموجب الدليل الذي ادركته. أي انها حاولت ـ  وضمن حدود تفكيرها ـ الحفاظ على بيضة الاسلام.

          الثاني : وهو المعسكر الذي ضمر أشد العداء للاسلام ورسالته الروحية والاجتماعية. وقد جمع هذا الميدان نظريتين هما : النظرية النافية، والنظرية النفسية.

          1 ـ النظرية النافية: وهي النظرية الزاعمة بأن أمد التشريع قد انتهى بوفاة النبي (ص). وقد إلتاثت بتراب هذه النظرية الكثير من القوى المعادية بالاصل للرسالة الاسلامية. فالديانات المحرّفة التي لم تعترف بالاسلام أنكرت ان يكون للاسلام دور في إدارة المجتمع. بل زعمت ان الاسلام مجرد نزوة عاطفية جاءت من أجل تحقيق مصالح الرسول فقط، وقد انطفأت جذوتها. فليس هناك مرسِل ولا مرسَل له ! ولكن تلك النظرية لم تستطع الاجابة على الاستفسار القائل: كيف استطاع الاسلام الصمود بوجه كل المتغيرات الاجتماعية والانسانية مدة خمسة عشر قرناً ؟ فلو كان تصميماً فردياً لزال منذ أمد بعيد كما زالت المئات من التصميمات الفردية والنـزعات الروحية التي جاء بها الافراد.

          2 ـ النظرية النفسية القاضية بتسفيه قدرة الاسلام على الإدارة الاجتماعية. وقد ابتنت هذه النظرية على مبنيين رئيسيين هما : (1) المعركة النفسية في الوجود والعدم. (2) تغيير اتجاهات الشعوب.

 المعركة النفسية :

          فعلى صعيد المعركة النفسية، فقد حاول اعداء الاسلام محاربة الرسالة الدينية عبر الإيهام بان الدين غير قادر على إدارة المجتمع الحديث. خصوصاً بعد التغييرات العظيمة التي حصلت في مباني الدولة الحديثة بتأثير إنتشار المعرفة والعلوم والاختراعات. فقد سُخّر علم «النفس الاجتماعي» للقيام بهذه المهمة الخطيرة. فعلم «النفس الاجتماعي» يدرس طبيعة التفاعلات بين الافراد عبر دراسة سلوكهم وعقائدهم. فالافراد يستجيبون للمؤثرات الخارجية التي تسلط عليهم من  قبل الآخرين. فلو إفترضنا ان قدحاً من الحليب وضع أمامنا ، وأن قطرة من المطر قد سقطت، وان رعداً قد زمجر. فما لم ينسكب قدح الحليب على الارض، وما لم تسقط قطرة المطر على وجهنا، وما لم يزمجر الرعد بشكل صاخب فإننا لا نستجيب لتلك الحوافز الخارجية. فإستجابة الافراد نحو تلك الظواهر يعبّر بقدر ما عن طبيعة تأثير المحيط الخارجي علينا. بمعنى ان الذي يستثيرنا نفسياً يرتبط بطبيعة الحافز الخارجي الذي يؤثر على سلوكنا وعلى شكل وصيغة قرارنا المتخذ. واي قوة قادرة على تشكيكنا بعقائدنا ومفاهيمنا قادرة ايضاً على تغيير سلوكنا لاحقاً.

          وتكمن أهمية علم «النفس الاجتماعي» فيما نحن فيه، ان العلاقة بين السبب والمسبب أو قل بين إنسكاب قدح الحليب وإنزعاجنا وقيامنا بتنظيف ما سببه من آثار، يمكن ان يدرس من زاوية الشعوب وعقائدها ايضاً. فاذ