(ص 218 - 238)

المقام الثاني: في مفاد القاعدة

          والمراد هنا فقه حديث «لا ضرر ولا ضرار» عبر إستيضاح معنى الكلمات الثلاث في هاتين الجملتين، وهي : «ضرر، وضرار، وكلمة لا ». وفيها قسمان : الاول : بيان معنى الضرر والضرار لغوياً. والثاني : إستيضاح المراد التركيبي من الحديث.

القسم الاول : بيان معنى الضرر والضرار لغوياً. فقد ورد في بعض كلمات اللغويين ما يوضح معنى الحديث. ففي كتاب «المصباح المنير» : «الضّر ـ بفتح الضاد ـ مصدر ضّره يضّره. من باب قتل، إذا فعل به مكروهاً وأضّر به. يتعدّى بنفسه ثلاثياً وبالباء رباعيّاً، والإسم : الضرر، وقد أطلق على نقص يدخل الأعيان. وضارّه مضارّةً وضراراً بمعنى ضرّه»[1]. وفي كتاب «النهاية» قال إبن الأثير : «معنى قوله (ع) (لا ضرر) : لا يضّر الرجل أخاه بأن يُنقصه شيئاً من حقوقه. والضرار فعال من الضرّ. أي : لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الإثنين، والضرر إبتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. وقيل : الضرر أن تضرّ صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضرّه من غير أن تنتفع به. وقيل : هما بمعنى واحد. والضرار للتأكيد»[2]. وقال الأزهري : «روي عن النبي (ص) أنه قال لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. ولكل واحدة من اللفظتين معنى غير الآخر، فمعنى قوله (لا ضرر) أي لا يضر الرجل أخاه فينقص شيئاً من حقه أو مسلكه، وهو ضد النفع، وقوله (لا ضرار) أي لا يضار الرجل أخاه مجازاة فينقصه ويدخل عليه الضرر في شيء فيجازيه بمثله، فالضرار منهما معاً والضرر فعل واحد».

          فالظاهر أنّ مفاد مادة «ض ر ر» عند اللغويين هو نقص في الحق[3]، والنقص في الأعيان والفقر والشدة[4]، وسوء الحال[5]. وتنبثق من هذه المعاني العامة معان أكثر خصوصية بمثابة مصاديق للمعاني العامة كالمرض والعمى والإيذاء ونحوها. قال الراغب في «المفردات» : «الضر سوء الحال، إما في نفسه كقلّة العلم والفضل والفقه، وإما في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلّة مال وجاه»[6]. وسوء الحال مفهوم لغوي مشترك لسلب الحقوق المؤدية الى الضيق والنقص، لأنّ إنتهاك الحقوق الناتجة عن الضرر تؤدي قطعاً الى سوء الحال. ولكن أنسب الأقوال هو أنّ الضرر مرتبط بالنقص في الحقوق أو الأعيان. والمقصود بالنقص هو نقص الشيء عما ينبغي أن يكون عليه. فمرّة يكون النقص في المال، ومرّة يكون في العين كنقص عضو من الأعضاء، ومرّة يكون في الحقوق الإعتبارية كعدم مراعاة حقوق بقية الأفراد في المجتمع وأنصع أمثلتها قضية «سمرة بن جندب» الذي إنتهك حق الأنصاري في حرمة بيته بالدخول عليه من دون إستئذان.

          وأما «الضرار» فهو مصدر على وزن «فعال» لباب «فاعل يفاعل». فالإضَرارُ حملُ الإنسانِ على ما يضُرُّه وهو في التعارُفِ حملُه على أمر يكرهُه[7]. أي ان «الإضرار» مصدر يحتوي على نسبة صدورية من الفاعل الذي ينوي الإضرار بالآخرين. وهناك مصدر آخر لهذا الباب وهو «المفاعلة» فيقال : ضاره يضاره مضارة وضراراً. وقيل أن باب المفاعلة موضوع للمشاركة، أي أنّ كلاً من الطرفين فعل بالآخر مثلما فعله الآخر به، كما في المثال التالي : «قاتل زيدٌ عمرواً»، بشرط أن تكون إحدى النسبتين في «المفاعلة» أصلية والاُخرى تبعية. فالإضرار بالغير ـ على فرض صحة موضوع المشاركة ـ يستتبع الضرر على النفس ضرراً إجتماعياً، فيتحقق موضوع المفاعلة.

          ولكن هذا الوجه ضعيف لأنّ باب «المفاعلة» غير محصور بالمشاركة، بل أنّ هناك كلمات في باب المفاعلة مما لا تصلح لمعنى المشاركة، مثل كلمة : سافر، سارع، وبادر ونحوها. بمعنى أنّ باب «المفاعلة» ليس فعلٌ للإثنين كما توهمه بعض النحويين. وأول من إلتفت الى ذلك العلامة الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني[8]. فهيئة «المفاعلة» إنما وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادة، وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل. ومن الشواهد على ذلك آيتان شريفتان :

          الاولى : قوله تعالى : (يُخادِعُونَ اللهَ والذِينَ آمنُوا وما يَخدَعُونَ إلا أنفُسَهُم وما يشعُرُونَ)[9]. فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إستحداث خدعة، ثم ذكر بأنّ خدعتهم لا تقع إلاّ على أنفسهم. فقد عبّر في الجملة الاولى بهيئة المفاعلة، لأن الله تعالى لا يكون مخدوعاً بخدعتهم، لأن المخدوع ملزوم للجهل، وتعالى المولى العظيم عنه علواً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرد، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لا محالة.

          الثانية : قوله تعالى : (إنَّ اللهَ إشترى مِنَ المؤمِنينَ أنفُسَهُم وأموالَهُم بأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقُتلُونَ وَيُقتَلُونَ...)[10]. ووجه الدلالة على هذه الآية أن تحقق القتل الفعلي من قبل الجانبين قد ذُكِر بعد أن اُورد ذكر تحقق القتال معطوفاً عليه بالفاء. وهذا يدلّ على المغايرة بينهما، أي أنّ معنى القتال هو السعي الى القتل دون نفس القتل الذي ذُكرت تفاصيله لاحقاً.

          وأما كلمة «لا» الداخلة على القاعدة في الجملتين فهي لنفي الجنس. إلاّ أنّ التثبت من ذلك يحتاج الى توضيح موارد إستعمال الجمل المنفية بها في الأحكام الشرعية وفي مقام التشريع، وقد تضافر العديد من فقهاء أهل البيت (ع) على شرحها ونقدها. وهذه الموارد هي :

          الاول : عندما يراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. وتفسيره هو أن الجملة تستعمل في مقام الإخبار عن عدم تحقق شيء في الخارج. ولكن لا بمعنى عدم التحقق مطلقاً بل بمعنى عدم إنطباق الطبيعة على ذلك الفرد. كما في قوله (ع) : «لا غيبة لمن ألقى جلباب الحياء»[11]، وقوله (ع) : «لا بين المرأة وبين زوجها ربا»[12]، وقوله (ع) : «... لا سهو في نافلة...»[13] ، و«... لا على من خلف الامام سهو»[14]. فنفي الغيبة في ذلك المورد، ونفي الربا بين الزوجة وزوجها، ونفي حكم الشك مع النافلة ومع حفظ الامام، كلها تؤدي بنا الى فهم مشترك بأن نفي ثبوت الحكم الإلزامي هنا للفرد يتم عن طريق لسان نفي الموضوع. وفي تلك الموارد فإن النفي يكون نفياً حقيقياً. أما إذا كان النفي إدعائياً، كما في قوله (ع) : «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد»[15]، فإنّ ذلك النفي الإدعائي لا يترتب عليه إلاّ نفي الآثار المأمولة والمعبّر عنه بنفي الكمال.

          الثاني : عندما يراد من الكلام نفياً يراد به النهي. فتكون الجملة مستعملة في مقام الإخبار عن عدم تحقق شيء كناية عن مبغوضيته. وقد بحث الاصوليون ذلك في مبحث الأوامر وقالوا بأن الإخبار عن عدم شيء كالإخبار عن وجوده. فكما يصح قول المعصوم : «يعيد الصلاة» أو «أعاد الصلاة» بمعنى أن المؤمن المكلّف الممتثل يجب أن يؤدي صلاته، كذلك يصح الإخبار عن عدم وجود شيء في مقام النهي عنه أي بمعنى أن المؤمن يجب أن لا يفعل ذلك الشيء[16]. كما ورد في قوله تعالى : (...فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ)[17] ، وما ورد عنه (ص) : «لا غش بين المسلمين»[18].

          الثالث : عندما يُنفى الحكم الذي كان ثابتاً للموضوع في الشرائع السابقة أو في سيرة العرف، فإنّ المراد نفيه في الاسلام. كما في قوله (ع) : «لا رهبانية في الاسلام»، فالرهبانية ربما كانت مشرّعة في بعض الشرائع السابقة المنسوخة. فكان نفيها هنا كناية عن نفي تشريعها في الاسلام. وكذلك نفيه (ع) لحجية القياس التي كانت مرتكزة في أذهان أرباب المذاهب الاُخرى، فقال (ع) : «لا قياس في الدين». وكان الإزدياد في ثمن السلعة من غير قصد شرائها متعارفاً عند الناس في الجاهلية، فنفاه الشارع بقوله (ص) : «...ولا مناجشة» في الاسلام[19]، فنفي المناجشة يعني نفي تشريعها.

          ومن أجل إختيار التقريب الصحيح لمفاد كلمة «لا» لابد من مناقشة هذه الموارد بالترتيب :

          أما المورد الأول وهو أن المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهو مختار صاحب الكفاية (ره)، فيكون مفاد «لا ضرر ولا ضرار» أن الأحكام الثابتة لموضوعاتها منفية عنها إذا كانت تلك الموضوعات ضررية. وقد رُدّ على ذلك[20] بأنّ المنفي في المقام هو عنوان الضرر، والضرر ليس عنواناً للفعل الموجب للضرر، بل مسبب عنه ومترتب عليه. فلو كان النفي نفياً للحكم بلسان نفي موضوعه، لزم أن يكون المنفي في المقام الحكم الثابت لنفس الضرر، لا الحكم المترتب على الفعل الضرري، فيلزم نفي حرمة الإضرار بالغير بلسان نفي الإضرار، وهو خلاف المقصود. فإنّ المقصود حرمة الإضرار بالغير.

          والمورد الثاني وهو أن المراد من حديث «لا ضرر ولا ضرار» نفياً اُريد به النهي، بمنـزلة قوله تعالى : (...فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ)[21]. فإنه يُرّد بتقريب أن حمل النفي على النهي لابد أن يتوقف على وجود قرينة صارفة عن ظهور ذلك الحديث النبوي. ففي قوله تعالى : (...فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ)[22] نعلم أن هناك قرينة صارفة عن الظهور وهي أننا نعلم أولاً : تحقق مثل تلك الاُمور كالرفث والفسوق والجدال في الواقع الخارجي، وثانياً : العلم بعدم جواز الكذب على الله سبحانه وتعالى فنحصل على أن هناك قرينة قطعية على إرادة النهي. أما في حديث «لا ضرر ولا ضرار» فإنه يمكن حمل القضية على الخبرية، فلا موجب لرفع اليد عن الظهور ولا  موجب لحمل النفي على النهي.

          وأما المورد الثالث، وهو نفي الحكم الذي كان ثابتاً في الشرائع السابقة بلسان نفيه في الاسلام، فهو خارج عن موضوع البحث.

          هذا تمام الكلام في معاني الكلمات الثلاث «ضرر، ضرار، كلمة لا» التي بحثها فقهاؤنا الاعلام في كتب ومواضع عديدة. ومن أجل إدراك معنى الحديث (لا ضرر ولا ضرار)، لابد من إستيضاح المراد التركيبي لتلك الكلمات مجتمعاً .

          القسم الثاني : إستيضاح المراد أو المفاد التركيبي للحديث. فقد ذهب الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) أن مفاد القسم الاول من الحديث وهو قوله (ص) : «لا ضرر» هو نفي التسبيب الى الضرر بجعل الحكم الضرري. وان مفاد القسم الثاني وهو قوله (ص) : «لا ضرار» هو التسبيب الى نفي الإضرار[23]، بمعنى إتخاذ الوسائل لمنع الفاعل «المضار» الذي كان بصدد إيجاد الفعل «الضرر» على الآخرين. فالقاعدة تحتوي ـ بموجب ذلك الفهم ـ على تشريعين :

          (الأول) : تحريم الإضرار بالمعنى المولوي لا  الإرشادي. أي نفي التسبيب الى الضرر.

          (الثاني) : إتخاذ الوسائل الشرعية التي تحمي ذلك التشريع المذكور في الفقرة الاولى. و«بذلك يتضمن الحديث دلالتين :

1 ـ الدلالة على النهي عن الإضرار.

2 ـ الدلالة على نفي الحكم الضرري. ومضافاً لذلك دلالته على تشريع وسائل إجرائية للمنع عن الإضرار خارجاً»[24]. وهذا هو الرأي المختار.

          وبطبيعة الحال فإنّ جملة «لا ضرر» تتضمن مادة «الضرر». فالضرر معنى اسم مصدري يعبّر ـ مادياً أو نفسياً ـ عن النقيصة النازلة بالمتضرر، ولكنها لا تحتوي على نسبة صدورية من الفاعل. أما «الإضرار» فهو مصدر يحتوي على نسبة صدورية من الفاعل.

          فيكون مناط التحريم في القاعدة الشريفة منع تحقق الضرر الخارجي على الافراد، اضافة الى نفي الحكم الضرري. وبكلمة، فإن مفاد قاعدة نفي الضرر في عالم التشريع هو نفي الحكم الضرري وفي عالم الواقع نفي الضرر الخارجي على الفرد. فهو ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بصورة مفردة، وليس نفياً اُريد به نهي بصورة مفردة، وليس نفياً في شريعة سابقة بلسان نفيه في الاسلام. بل هي قاعدة جمعت حرمة الإضرار بالآخرين في عالم الإثبات، ونفي جعل الحكم الضرري في عالم الثبوت.

          وهذا الإستنتاج مطابق تماماً لما نحن فيه من تحديد طبيعة النظرية الاجتماعية. فدلالة حديث «لا ضرر ولا ضرار» ظاهرة في نفي جعل الحكم الضرري وظاهرة في حرمة إنزال الضرر الخارجي على الافراد، سواء كان ذلك الضرر ناشئاً من نفس الحكم كلزوم البيع الذي أشتمل على غبن ما، أو ناشئاً من متعلق الواجب ومثاله الوضوء الموجب للضرر. ففي الحالة الاولى يتعين رفع لزوم البيع في مثالنا الاول، وفي الحالة الثانية يتعين رفع الوجوب ايضاً في مثالنا الثاني. وهذا يوصلنا الى قاعدة كلية وهي أن حديث «لا ضرر ولا ضرار» يتناول القضايا العبادية والمعاملاتية. فهو ينفي الحكم الضرري في عالم التشريع وينفي الضرر الشخصي في عالم الواقع. بمعنى أن حرمة الإضرار بالغير بالاولوية القطعية أمر خارجي؛ وهذا يعني أن الضرر الواقع على الافراد قضية كلية ليست خاصة بفرد بل تعم كل شخص يعيش في المجتمع الاسلامي. ولعل هذا التقريب كان قد أدى بالشيخ الأنصاري (ره) الى التمسك بقاعدة نفي الضرر لثبوت خيار الغبن وحق الشفعة.

 المقام الثالث : ملحقات القاعدة (التنبيهات)

1 ـ التنبيه الاول : ان القاعدة غير موهنة بكثرة التخصيصات. إلاّ ان الشيخ الانصاري (قده) قال خلاف ذلك، اي انها موهونة بكثرة التخصيصات. فقد ذكر (قده) في «فرائد الاصول» ان هذه القاعدة «لا قصور فيها من حيث مدركها سنداً ودلالة. إلاّ ان الذي يُوهِنُ فيها هي كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارجُ منها أضعاف الباقي، كما لا يخفى على المتتبع. خصوصاً على تفسير الضرر بإدخال المكروه، كما تقدم، بل لو بُنِيَ على العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد»[25]. فنستظهر من قوله (قده) بان القاعدة لها معنى آخر، غير ما يظهر لنا في بادىء الامر، قد لا يرد عليه تخصيص كثير. وبذلك تكون القاعدة مجملة لنا، وعلينا الإقتصار في العمل بها على موارد عمل بها الاصحاب مما يعلم إنحصار مدرك المسألة عنهم بهذه القاعدة فقط.

          ومن أجل رد هذا الإشكال، لابد من ترتيب النقاط التالية :

          الاولى : ان الزعم بكثرة ما خرج من عموم قاعدة نفي الضرر مرده فهم بعض الأجلاّء للشريعة على اساس انها محصورة بالقضايا الفردية دون القضايا الاجتماعية. فقد تراءى وجود احكام شرعية ضررية كوجوب دفع الخمس والزكاة، ووجوب اداء الدية وضمان الخسارة عند الإتلاف، ووجوب الجهاد والحج التي تقتضي بذل المال والنفس، ووجوب تطبيق الحدود كالقصاص والتعزير.

          ولكن نظرة دقيقة فاحصة لتلك الاحكام الشرعية يتبين ان ملاكاتها تصبّ في مصلحة النظام الاجتماعي الذي يشترك تحت رباطه الحقوقي جميع الافراد. فدفع الحقوق المالية من جهة فائض المال لا تسبب ضرراً للدافع، بل انها تؤدي الى إستقرار المجتمع، بإعتبار ان تقليص الفجوة بين الاغنياء والفقراء يؤدي الى إطمئنان الافراد ـ على إختلاف طبقاتهم الاجتماعية ـ على مصيرهم المنظور بالضمان المالي. وإنطباق الامر على الدية والجهاد والحج والقصاص واضح لا يحتاج الى مزيد من التفصيل.

          أما قاعدة «نفي الضرر» فهي تدلّ بالملازمة والاولوية على انه لا ضرر من ناحية الشرع على الافراد، ولا ضرر من قبل الافراد على بعضهم البعض. فالعين الشرعية تنظر الى المصلحة الاجتماعية كما تنظر الى المصلحة الشخصية. وإستقرار المجتمع يقتضي لوناً من ألوان الجهد والبذل والعطاء والإلتزام بالقوانين والتشريعات. وهذا ليس ضرراً يصيب الفرد، كما توهم البعض.

          الثانية : ان الإدعاء بان القاعدة مجملة لنا، وعلينا الإقتصار في العمل بها على موارد عمل بها الاصحاب غير صحيح. فان القرائن التي وصلت إليهم قد وصلت الينا، ولا نرى من خلال كلماتهم ان شيئاً وصل لهم من تلك الروايات المعروفة لم يصل الينا. ومراجعة سريعة لآراء الشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهما من المتقدمين في ابواب بيع الغبن ونحوها، تُرينا انهم قد إستندوا على قاعدة نفي الضرر في تلك الموارد.

          الثالثة : ان ما ذُكر بخصوص ضررية الاحكام المجعولة في باب الضمانات والحدود والديات والقصاص والتعزيرات، انما يخص القضية الضررية الجزائية. أما فيما يتعلق بقاعدة نفي الضرر فهي مختصة بالقضية الضررية الحقوقية. وفرق شاسع بين الجزاء والحقوق.

          فعلى صعيد القضية الجزائية، فان تشريع القصاص يؤدي الى إستئصال الضرر الذي سببه الانحراف. فقطع الغدة السرطانية بالطريقة الجراحية لا يستبطن ضرراً على المريض، بل ان تلك العملية تكون سبباً في الشفاء. فالنظرة الكلية للمجتمع تجبرنا على النظر الى الانحرافات من زاوية مشابهة للنظر الى الغدد السرطانية التي تنهش جسم الانسان.

          أما على صعيد القضية الحقوقية، فان الإضطراب في توزيع الحقوق وفرض الواجبات يؤدي الى ضرر في معيشة الفرد ودخله وسكنه وصحته وثقافته وشخصيته الاجتماعية العامة. وبكلمة، فان الضرر الحقوقي لا ينحصر بالفرد بل يتعدى الى عائلته وذريته ومتعلقيه.

          الرابعة : ان موارد التخصيص التي ذُكرت قليلة في طبيعتها. «منها» : وجوب الغسل على مريض أجنب نفسه عمداً، وإن كان الغسل يسبب ضرراً عليه كما ورد في النص، فهو تخصيص للقاعدة. ولكن ينبغي التنبيه على ان المشهور ان الفقهاء قد اعرضوا عن هذا النص وحكموا بعدم وجوب الغسل على المريض على تقدير كونه ضرراً عليه. و«منها» : وجوب شراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته. فإنه يسبب ضرراً مالياً على الفرد، ولكنه منصوص ومستثنى من القاعدة. و«منها» : الحكم بنجاسة الملاقي للنجس، كما لو وقعت فأرة في كمية من الدهن مثلاً، مع كون الحكم بالنجاسة مستلزماً للضرر على المالك. وهذه الموارد المخصِّصة قليلة، فكيف يُدّعى بورود تخصيص الاكثر على القاعدة ؟

          أما ما يخص الاحكام المجعولة بالضمانات والديات والحدود والقصاص والحج والجهاد والخمس والزكاة فهي خارجة عن قاعدة لا ضرر، كما أشرنا الى ذلك سابقاً .

2 ـ التنبيه الثاني : ان في دليل نفي الضرر طرفين : الاول : حاكم على ادلة الاحكام الاولية المثبتة للتكاليف. والثاني : عدم حكومته على ادلة الاحكام الأخرى لعدم كونه ناظراً اليها. وهذا الامر يستدعي تفصيلاً، وهو : ان قاعدة نفي الضرر تنقسم الى قسمين :

          الاول : وهو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع، بفضيلة قوله (ص) : «لا ضرر». فالقول هنا يكون ـ بلا شك ـ بالحكومة، لان المدلول اللفظي للحديث ناظر الى ادلة الاحكام الاولية فيكون حاكماً عليها. ومعنى «الحكومة» يعبّر عن كون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظراً الى الآخر بحيث لولاه لكان لا معنى له، بل كان لغواً باطلاً. والدليل الحاكم يقدّم على الدليل المحكوم بدون ملاحظة النسبة بينهما وبدون ملاحظة الترجيحات الدلالية والسندية. فنفي الحكم الضرري في عالم التشريع، وبعد إحراز حجيته، يعتبر دليلاً حاكماً يقدّم على المحكوم. ودليل نفي الضرر لا ينظر الى عقد الوضع فنؤمن ـ حينئذ ـ بان الوضوء الضرري مثلاً ليس بوضوء، بل ينظر الى عقد الحمل فعندها نؤمن بان الوضوء الضرري ليس بواجب.

          الثاني : ان القسم الثاني من الحديث ومفاده نفي إضرار الناس بعضهم لبعض في عالمي الوضع والتكليف بفضيلة قوله (ص) : «لا ضرار»، فالظاهر عدم حكومته على ادلة الاحكام الأخرى لعدم كونه ناظراً اليها. ففي حالة النفي بمعنى النهي، لا يبقى مورد للحكومة ولا ربط له بأدلة الاحكام، بل هو كبقية النواهي الشرعية الواردة في مواردها.

3 ـ التنبيه الثالث : لاشك ان عنوان الضرر لا يختلف عن بقية العناوين الكلية المأخوذة في موضوعات الاحكام التي يتوقف ثبوت الحكم فعلاً على تحقق مصداقها في الخارج. والنهي عن الضرر الشخصي كالنهي عن سائر الموضوعات التابعة لوجود مصداقها الخارجي، وهم الاشخاص.

          إلاّ ان الإشكال الذي ورد في المقام هو : هل ان المراد بالضرر حقاً هو الضرر الشخصي أو الضرر النوعي ؟ وقد إشتهر على ألسُن الفقهاء بأن الضرر في العبادات شخصي، وفي المعاملات نوعي[26] . ثم اُعترض على ذلك وقيل ان لا وجه للتفكيك بين العبادات والمعاملات. بل ان الضرر في المعاملات شخصي ايضاً[27].

          والتحقيق، ان النظر لقاعدة «نفي الضرر» من الزاوية الاجتماعية وقضايا مصلحة النظام الاجتماعي يدعونا للايمان بان الضرر في المعاملات نوعي. باعتبار ان فعلية الحكم المجعول تابعة لتحقق الموضوع. وقد تقدّم ان تمسّك الشيخ الانصاري (قده) بقاعدة نفي الضرر لثبوت خيار الغبن وحق الشفعة يصبّ في هذا المورد ايضاً ويثبت صحة ما ذكرناه، بتقريب ان صحة المعاملات التجارية وعدم اشتمالها على أضرار معتبرة تصيب الافراد جزء لا يتجزأ من مصلحة النظام الاجتماعي.

4 ـ التنبيه الرابع : ومع ان قاعدة نفي الضرر كانت ناظرة الى صيانة الحقوق العامة كحق الشفعة، وحق الأمان البيتي، وحرمة هتك السرائر، وحقوق الماء والكلأ، وحقوق الجيرة ونحوها مما وردت الروايات المتضافرة فيها، إلاّ ان المتأخرين من فقهائنا (رضوان الله عليهم) تناولوا وبتفصيل مسهب ـ في معرض الحديث عن كون لفظ الضرر موضوعاً للضرر الواقعي ـ صحة أو بطلان الطهارة المائية مع جهل المكلّف بكونها ضررية. فقد أخذوا جزءاً من القاعدة وهو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع بالشرح والتحليل، وأهملوا (رضوان الله عليهم) الجزء الثاني منها وهو حرمة الإضرار بالغير في عالم الواقع. وكان ذلك الإهمال ناشئاً من شبهة مفادها ان قاعدة لا ضرر ترفع إطلاق ما شُرِّع، اذا كان يشمل بإطلاقه حالي الضرر وعدمه.

          ولكن هذه الشبهة تُردّ بالقول بان قاعدة نفي الضرر لا تمنحنا رخصةً في تشريع أحكام جديدة يلزم من تشريعها الضرر. فمفاد القسم الاول من القاعدة وهو قوله (ص) : «لا ضرر» مخصِّص لعموم ما شُرِّع في عالم الثبوت، لان لسان الحديث لسان نفي الضرر في الحكم الشرعي. ولكن مفاد القسم الثاني من القاعدة وهو قوله (ص) : «لا ضرار» يقتضي حرمة إضرار الغير، بمعنى صيانة الحقوق الشخصية من قبل النظام الاجتماعي. وملاحظة مصاديق القسم الثاني لا تستلزم فقهاً جديداً، كما هو مبنى الشيخ الاعظم الانصاري (قده)، بل انها تستدعي فهماً جديداً للقضايا الحقوقية في المجتمع الاسلامي. فاذا ثبتت ولاية الحاكم الشرعي على حفظ النظام الاجتماعي العام زمن الغيبة، فلا مفر من فهم جديد للمسألة الحقوقية على ضوء قاعدة نفي الضرر بقسمها الثاني، اي حرمة الإضرار بالغير.

5 ـ التنبيه الخامس : ان قاعدة نفي الضرر حاكمة على الاحكام العدمية كما هي حاكمة على الاحكام الوجودية. خصوصاً ما ورد من ان المولى عز وجل لم يترك شيئاً أو أمراً بلا حكم، غاية الامر ان بعضها وجودي وبعضها عدمي. وقد ذكر بعض الفقهاء أمثلة لذلك : فالفاضل التوني (قده) ذكر في معرض حديثه عن اصالة النفي «البراءة» بأنه لو حبسَ شخصٌ فرداً آخر عدواناً، فهربت دابته وضلّت، فانه لا يصح التمسك ببراءة الذمة. فان عدم حكم الشارع فيه بالضمان ضرر على المحبوس، فينفى بحديث لا ضرر ويحكم بالضمان[28]. وأستدل السيد اليزدي في ملحقات العروة الوثقى بقاعدة لا ضرر عند إمتناع الزوج عن نفقة زوجته، فعدم الحكم بجواز طلاقها للحاكم ضرر عليها، فيُنفى بحديث لا ضرر ويحكم بجواز طلاقها للحاكم[29].

          وقد رُدّ على ذلك[30] بان الحكم بالضمان في قضية الحبس كان منشأه تدارك الضرر الواقع على المحبوس من طرف الحابس. وقاعدة نفي الضرر لا تشمل تدارك الضرر الخارجي. وكذلك الحال في قضية النفقة. فالحكم بجواز الطلاق يوجب تدارك الضرر الناشىء من عدم الإنفاق، وهذا لا تشمله قاعدة «نفي الضرر».

          إلاّ ان قاعدة «نفي الضرر» كما انها تشمل نفي الحكم الضرري في عالم التشريع، فانها تشمل إضرار المكلّفين بعضهم بعضاً. فاذا لزِمَ من عدم الجعل في بعض الموارد استناد الضرر اليه وجب نفيه بقاعدة نفي الضرر. وليس في عنوان الدليل، وهو الحكم الضرري، ما يستدعي الخوض في الاحكام العدمية. بل ان المدار هنا هو صدق نسبة الإضرار الى المكلّف. وحبس الفرد بدون مبرر وإتلاف منافعه منفي في الشريعة بجميع آثاره التكليفية والوضعية، ولا يرفع ضرره إلاّ ثبوت الغرامة على الحابس. ونِعمَ ما قاله الشيخ الاعظم الانصاري (قده) في توجيه المسألة : «ان المنفي ليس خصوص المجعولات بل مطلق ما يتدين به ويعامل عليه في شريعة الاسلام، وجودياً كان أو عدمياً، فكما انه يجب في حكمة الشارع نفي الاحكام الضررية كذلك يجب جعل الاحكام التي يلزم من عدمها الضرر...»[31]. فالقاعدة تشمل الاحكام الوجودية والعدمية، وفيما منَّ الله به على عباده من نفي الضرر عنهم. وهذا التقريب لا يخالف النصوص الخاصة الواردة في الكتاب والسنّة.

          ويتبين من ذلك بطلان ما زعمه المحقق النائيني (قده) في رسالته من ان قاعدة نفي الضرر لو عمّت للامور العدمية لزم منه فقه جديد. فيلزم مثلاً كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقاؤها على الزوجية مضرّاً بحالها كما اذا غاب عنها زوجها أو لم ينفق عليها لفقر أو عصيان بل يلزم الإنفساخ بغير طلاق، ويلزم ايضاً إنعتاق العبيد اذا كانوا في الشدة...الخ.

          وهذا الادعاء ليس صحيحاً. فالتمسك بالقاعدة يستفاد منه جواز حل عقدة النكاح بيد الحاكم أو بيد ولي الزوج لا ان يكون أمر الطلاق بيد الزوجة. وهذا ما تقتضيه قواعد المذهب والجمع بين النصوص. فقد ذهب السيد اليزدي (قده) في ملحقات العروة الى إمكان القول بجواز طلاقها للحاكم، لقاعدتي نفي الحرج والضرر خصوصاً اذا كانت شابة واستلزم صبرها طول عمرها وقوعها في مشقة شديدة وما يستفاد من روايات صحيحة وردت في باب «وجوب نفقة الزوجة»[32].

6 ـ التنبيه السادس : في تعارض الضررين. وقد بُحِثَ هذا التنبيه على ثلاثة اصعدة، هي : الصعيد الشخصي، والصعيد الاجتماعي المحدود النطاق، والصعيد الاجتماعي الواسع النطاق.

          اولاً : الصعيد الشخصي : وهو مواجهة الفرد لضررين بحيث لابد له من الوقوع في احدهما. وقد شُقّقت هذه المسألة الى ثلاثة تشقيقات، وهي :

أ ـ دوران الامر بين ضررين مُباحين، ومُثِّلَ بذلك على إختيار شخص مريض لشرب أحد دوائين كل منهما يشتمل على ضرر جانبي معين. فيجوز له إختيار ايهما شاء بلا محذور لقاعدة عدم حرمة الإضرار بالنفس عدا القتل.

ب ـ دوران الامر بين ضرر محرم إرتكابه كتلف النفس، وضرر لا يحرم إرتكابه كتلف المال. وفي هذه الحالة يتعين إختيار المباح تحرزاً من الوقوع في المعصية.

ج ـ دوران الامر بين ضررين محرمين. فيتعين إختيار ما هو أقل ضرراً لقاعدة «التزاحم».

          ثانياً : الصعيد الاجتماعي المحدود النطاق : وهو دوران الضرر بين شخصين، ومُثِّلَ له في التاريخ الفقهي الإمامي بدخول رأس دابة مملوكة لشخص في قدر مملوك لشخص آخر ولم يكن ممكناً حل المشكلة إلاّ بكسر القدر أو بذبح الدابة. فاذا كان الضرر ناتجاً عن فعل أحد المالكين، فيكون الحكم فيه وجوب إتلاف مال الفاعل، وإستنقاذ مال الآخر من أجل رده اليه، بموجب قاعدة اليد. أما اذا كان الضرر ناتجاً بتأثير فرد ثالث غير المالكين. فذلك الفرد يضمن قيمة المتلوف بعد التخيير في إتلاف ايهما شاء.

          والملاحظ من التأمل في أدلة نفي الضرر، ان القاعدة لوحدها لا يمكن الاعتماد عليها ما لم تدخل في الحكم قواعد حقوقية مسانِدة كقاعدة «الجمع بين الحقوق مهما أمكن»، وقاعدة «العدل والإنصاف» الثابتة عند العقلاء، وملاحظة مناسبات الحكم والموضوع في المقام.

          ثالثاً : الصعيد الاجتماعي الواسع النطاق : وقد بحث فقهاؤنا (قده) في هذه المسألة قضية دوران الضرر من جهة التصرف باملاك الآخرين. ونضيف الى هذه القضية موارد اخرى معاصرة كدوران الضرر بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية من جهة التصنيع، والتطبيب، والغزو الثقافي، وعدم تكافؤ الفرص ونحوها.

          ولاشك ان دليل لا ضرر يشمل الاحكام الإلزامية دون الترخيصية. فالضرر في الاحكام الترخيصية لا يستند الى الشارع حتى يكون مرتفعاً بقاعدة نفي الضرر. فلابد من التفتيش عن قواعد اخرى بالاضافة الى ما تقتضيه حرمة الإضرار بالغير، كقاعدة «الضمان» في الاحكام الوضعية، وقاعدة «العدل والانصاف»، وقاعدة «تسلط الناس على اموالهم». وهذا يحتاج الى بحث مفصّل سنبحثه في محلّه باذنه تعالى.

          وعلى أي حال، فإن قاعدة نفي الضرر تفتح لنا آفاقاً واسعة في تشخيص حقوق وواجبات الافراد التي تتغير من زمان الى زمان ومن مكان لآخر.

 ج ـ الحقوق والواجبات التي يمكن إدراكها عن طريق قاعدة نفي الضرر :

          ولاشك ان قلّة تخصيصات قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» وشمولها لقضايا اجتماعية واسعة، كما فصلّنا ذلك سابقاً ، يدعونا للتأمل في مناقشة الحقوق الاجتماعية للافراد في المجتمع الاسلامي. فمع ان قضية عذق «سمرة بن جندب»، ومنع فضل الماء، والشفعة، وهدم الجدار الساتر بينه وبين الجار ونحوها من القضايا التي وردت ضمن سياق قاعدة نفي الضرر كانت كلها قد تناولت مشاكل جزئية، إلاّ ان تعليلها كان مندرجاً تحت كبرى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». فكانت القاعدة الكلية في نفي الضرر تقدم مصاديق عملية لفكرتها القائلة بأن نفي حقوق الافراد في الأمان البيتي، والثروة الحيوانية، والشفعة، والجيرة ونحوها يسبب إضراراً لهم.

          وعرض القاعدة الكلية في نفي الضرر بهذا الشكل الواسع، يدعونا للتفتيش عن طبيعة حقوق الفرد في النظام الاجتماعي التي لا ينبغي إنتهاكها أو إلحاق الضرر بها. فلاشك ان حقوق الافراد بصفتهم الفردية، ووضع الجماعة بصفتها التوفيقية ليستا مرتبطتين بالعادات والتقاليد بقدر ما انهما مرتبطتان بالإختيار والتغير الاجتماعي المصاحب للتغيير في طبيعة الحياة البشرية وحاجاتها على الصعيدين الوظيفي والحقوقي. وفي ضوء ذلك فاننا نفترض ان لكل فرد يعيش على الارض الاجتماعية حقوقاً نستلهمها من إستقراء مصاديق قاعدة نفي الضرر. فنستطيع ـ نظرياً ـ إدراج أربعة حقوق لكل فرد يعيش في مجتمع الاسلام، وهي :

أ ـ الحقوق الاساسية : وهي الحقوق المتعلقة بالقواعد الاساسية للعيش. وفيها :

1 ـ حق الأجر أو الدخل الكافي للمعيشة.

2 ـ حق إمتلاك السكن.

3 ـ حق التعليم.

4 ـ حق التطبيب والعلاج.

          وهذه الحقوق تشتد اليها الضرورة لان الانسان مدني بالطبع لابد له من أجر كاف ، ومسكن يأوي اليه، وحق في التعليم، وحق في العلاج. ولو لم تشرع تلك الحقوق لزم الحرج العظيم وتكليف ما لا يطاق، بل لزم الإضرار بشخصية الفرد ومكانته الاجتماعية والدينية بين الافراد.

ب ـ الحقوق الشخصية : وهي الحقوق المعنوية المتعلقة بكرامة الفرد في البيت والشارع، ومنها :

1 ـ حق حماية الفرد من الاذى الجسدي والنفسي الذي قد يتعرض له من قبل الآخرين عدواناً.

2 ـ حق حماية الفرد من التمييز العرقي أو المذهبي.

3 ـ حق حماية الأمان في البيت والشارع.

ج ـ الحقوق الاقتصادية : وهي الحقوق المتعلقة بطبيعة التكسب المشروع، ومنها :

1 ـ حق التملك.

2 ـ حق البيع والشراء دون إكراه.

3 ـ حق إجراء العقود.

4 ـ حق التكسب الوظيفي بكافة اشكاله وصوره المقبولة لدى الافراد، ضمن اطار الشريعة.

د ـ الحقوق السياسية : وهي الحقوق المتعلقة بالمشاركة في إدارة الدولة. وتلك الحقوق متلازمة بطبيعتها مع الواجبات التي تفرضها العملية السياسية، ومنها :

1 ـ حق النشاط السياسي والإدارة.

2 ـ حق الشورى والتوكيل السياسي.

3 ـ وجوب الطاعة للامام المعصوم (ع) أو نائبه الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة، ووجوب طاعة الدولة عبر مؤسساتها الإجرائية والقانونية.

          ومناقشة وإقرار تلك الحقوق الاجتماعية لا تستدعي فقهاً جديداً، ولا تتطلب حيوداً عن طبيعة الإلزامات والاوامر الدينية. بل انها تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة حاجات الانسان المعاصر، وتتطلب ايضاً اجتهاداً معمّقاً لربط القواعد الكلية للشريعة بالفروع المتغيرة التي يعيشها انسان اليوم.

          وأي إنتهاك لهذه الحقوق المفترضة يمثل إضراراً معنوياً ومادياً بالافراد المشتركين في العيش على تراب المجتمع الاسلامي. ولاشك ان لكل تلك الحقوق مؤيدات روائية في كتب الحديث آثرنا عدم إيرادها، من أجل التركيز على الوجوه والإعتبارات التي يمكن إستلهامها من قاعدة نفي الضرر.

          ولاشك ان ازدياد عدد الافراد في مجتمع جديد معقد يحمل أفكاراً جديدة، ويعيش نمطاً جديداً من الحياة، وينهض بمسؤوليات متغيرة كل يوم، يجعل من قضية تشخيص الحقوق والواجبات أمراً مصيرياً لا يمكن الفرار منه بأي حال من الأحوال.

          ان تلك الحقوق الأربعة ليست حقوقاً مدنية محضة، كما هو مدعى البعض، بل هي حقوق دينية تناولتها الشريعة في مواطن مختلفة تحت عناوين : المكاسب، والولاية الشرعية، والمحاربة. حتى ان الحقوق الثانوية التي لم تتناولها لوائح حقوق الانسان الحديثة كحق الاُمومة، والجيرة، والرحم تناولتها الشريعة بتفصيل مسهب.

          ولكن تبقى نقطة مهمة ينبغي معالجتها هنا، وهي ان الحقوق التي نستطيع إدراكها عن طريق تطبيق قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تبقى مجرد إدعاءات ما لم تقترن بنظام إجرائي صارم يحفظ تلك الحقوق ويثبتها ويمنع اي تلاعب لمضمونها وأي إنتهاك لحرمتها. وهذا هو الذي يدعونا الى مناقشة طبيعة النظرية الاجتماعية زمن الغيبة. فان في بناء مجتمع اسلامي واحد ـ على الاقل ـ تتحقق فيه العدالة الظاهرية، تهيئة عظيمة لمقدمات ظهور الامام القائم (عج). وما تثبيت الرابطة الحقوقية بين الافراد الا صورة من صور رفع الإستعداد الايماني للافراد نحو ذلك الطريق. والرابطة التي تجمع الافراد، على إختلاف مذاهبهم الفكرية والاقتصادية والدينية، على ارض الواقع هي الرابطة الحقوقية. فالمسلم والنصراني، والفارسي والعربي، والغني والفقير يستطيعون العيش على تراب مجتمع واحد على اساس القانون الحقوقي الذي يجمعهم تحت راية الوطن او الدولة الواحدة.

          وبطبيعة الحال فان إنتهاك الحقوق المرسومة للافراد يسبب إضراراً بهم، كما ألمحنا الى ذلك سابقاً. إلاّ ان التقاعس عن اداء الواجبات يسبب هو الآخر إضراراً ببقية الافراد في المجتمع. فتكون الحقوق الفردية ـ على الاغلب ـ متلازمة مع الواجبات الاجتماعية. ولاشك ان للواجبات محورين رئيسيين : الاول : إيجابي، كدفع الضريبة المالية في الزكاة والخمس، والتكليف الشرعي في الجهاد والقتال، وبقية الواجبات التعبدية بكافة اشكالها وصورها. والثاني : سلبي، وهو ما يتعلق بالسلوك الفردي في المجتمع. وأمثلته : الإلتزام بالإبتعاد عن المحرمات الشرعية الاجتماعية كالسرقة والقتل والغش، والمحرمات العبادية كالإفطار في شهر رمضان وترك الصلاة ونحوها.

          وعدم الإلتزام بتلك الواجبات الشرعية يسبب ضرراً أو إضراراً تحرمه الشريعة عبر قاعدة نفي الضرر وعبر قواعد عقلائية اخرى كقاعدة «العدل والإنصاف» ونحوها. فكان لابد من إنشاء نظام خاص بالعقوبات لمعالجة تلك الحالات التي تنتهك فيها الواجبات الاجتماعية بالخصوص، السلبية منها والايجابية. وهو ما قام به الاسلام في مؤسساته الاجرائية القضائية الخاصة بالقصاص والتعزير وتعويض الضحية.

          ولاشك ان فاعلية اداء الواجبات الاجتماعية بين الافراد في مجتمع اسلامي ينبع من قوة الإلزام الشرعي والاخلاقي الذي تصممه الرسالة السماوية في ذات الفرد المؤمن بها. ولكنها مع ذلك، وضعت لكل واجب يؤديه المكلّف حقاً معنوياً أو مادياً يستحقه عاجلاً أو آجلاً. فالواجبات الإيجابية والسلبية تستحقان رفع العقوبة الدنيوية والأمان من العذاب الآخروي.

          ان الواجبات التي حددتها الرسالة الدينية خضعت دائماً للإطار الاخلاقي الالزامي. وهي بذلك الإطار نفت الإكراه الذي يلازم الواجبات الوضعية غالباً. فالواجبات الشرعية، إيجابية كانت أو سلبية، هي واجبات اخلاقية قبل ان تكون واجبات قانونية. بمعنى ان الواجبات الشرعية طوعية في طبيعتها، بل يندفع الفرد المتدين نحو تأديتها بدافع الإمتثال لمولاه العظيم. والتقاعس في تأديتها تُشعر الفرد بالذنب والندم. فالمتدين ـ بطبيعته الخيّرة ـ يبتعد اخلاقياً عن السرقة والعنف والغش، ويحنّ دائماً نحو مساعدة الآخرين وعدم ايقاع الاذى والحرمان بهم.

          وقد يبرز هنا سؤال مهم، وهو : هل ان نفي الضرر والإضرار يعني المساواة بين جميع الافراد ؟ والجواب على ذلك ان قاعدة نفي الضرر لا تعني المساواة التامة بين الافراد، لأن الفوارق التكوينية بينهم تقتضي تفاضلاً متبايناً بين فرد وآخر. فالمساواة تعني المشابهة، بمعنى إشتراك جميع الافراد بنفس المواصفات في الشخصية، والدافع، والتصور، والإدراك، والقوة، والقابلية على الاداء. والمساواة بهذا المعنى لا تنطبق على الواقع الانساني ابداً. والاختلاف التكويني والقدرة على الاداء يقتضيان إختلافاً في درجات التملك، وحيازة الاشياء، والأجر، والتفاضل الاجتماعي.

          إلاّ ان هناك صفة عامة يشترك في التلبس بها غالبية الافراد. وتلك الصفة تتمثل في طبيعة الانسان ـ وبدرجات متفاوتة ـ في النظر بدافع الاولوية لمصلحته الذاتية والإعتناء بها من خلال مشاعر البهجة والإنشراح بالتملك والكسب، ومن خلال مشاعر الالم والاسى بالفقدان والخسارة والحرمان. ومن هنا كانت قاعدة نفي الضرر والإضرار إطاراً شرعياً عاماً لحفظ مصالح الافراد الذاتية من الانتهاك من قبل الآخرين. وبتعبير آخر، فان قاعدة نفي الضرر، ومع ملاحظة الفوارق التكوينية، قد حفظت شخصية الانسان المعنوية في قضية الكرامة وحفظ المصلحة الذاتية للانسان. فقابلية الفرد التكوينية، ومهما بلغت من درجات الضعف مبلغاً، لا تستطيع ان تقف حائلاً امام حقه في حفظ مصلحته الحقوقية الذاتية من إنزال الضرر أو الإضرار به من قبل الآخرين.

(تليها صفحات   239-260)

 

 اللاحق                 السابق             صفحة التحميل              الصفحة الرئيسية


 


[1]  المصباح المنير – الفيّومي، مادة (ضرر) ج 2 ص 6.

[2]  النهاية – ابن الاثير ، مادة (ضرر).

[3]  النهاية – ابن الاثير، مادة (ضرر). و(مجمع البحرين) للطريحي، مادة (ضرر).

[4]  المصباح المنير – مادة (ضرر).

[5]  القاموس – مادة (ضرر).

[6] المفردات في غريب القرآن – الراغب الاصفهاني ص 293.

[7] المصدر السابق ص 294.

[8]  نهاية الدراية ج 2 ص 316.

[9]  سورة البقرة: الآية 9.

[10]  سورة التوبة: الآية 111.

[11]  جرى القول بـ (لا ربا بين الوالد وولده)، و( لا غيبة لمن ألقى جلباب الحياء)، و(لا رهبانية في الاسلام)، و(لا قياس في الدين). وهذه النصوص ليست بروايات، وانما هي من اقوال الفقهاء المستلهمة من الاخبار من أجل توضيح مطالبهم.

[12]  الوسائل – كتاب التجارة، ابواب الربا. ج 12 ص 437.

[13]  الوسائل – كتاب الصلاة، ابواب الخلل الواقع في الصلاة ج 5 ص 340.

[14]  المصدر السابق ج 5 ص 338.

[15]  دعائم الاسلام – باب ذكر المساجد ج 1 ص 148.

[16]  محاضرات في اصول الفقه – محمد اسحاق الفياض. مبحث الاوامر – صيغة الامر. ج 2 ص 219.

[17]  سورة البقرة: الآية 197.

[18]  سنن الدارمي ج 2 ص 248.

[19]  الجامع الصغير – السيوطي ج 2 ص 746 ح 9878. وقد ورد فيه: (لا حمى في الاسلام ولا مناجشة). قال صاحب (مجمع البحرين): لا حمى في الاسلام: هو رد لما كان يُصنع في الجاهلية. وذلك ان الشريف منهم كان اذا نزل ارضاً حماها ورعاها من غير ان يُشرك فيها غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فجاء النهي عن ذلك (مجمع البحرين ج 1 ص 108).

[20]  مصباح الاصول – السيد الخوئي ج 2 ص 527.

[21]  سورة البقرة: الآية 197.

[22]  سورة البقرة: الآية 197.

[23]  رسالة (في قاعدة لا ضرر ) – الشيخ الانصاري ص 116. ضمن رسائل فقهية.

[24]  (قاعدة لا ضرر ولا ضرار) – السيد السيستاني ص 134.

[25]  فرائد الاصول – الشيخ الانصاري. طبعة جامعة المدرسين في قم. ج 2 ص 537.

[26]  قاعدة لا ضرر – شيخ الشريعة الاصفهاني ص 29.

[27]  مصباح الاصول – الخوئي ج 2 ص 535.

[28]  الوافية في اصول الفقه – الفاضل التوني ص 194.

[29]  ملحقات العروة الوثقى – السيد اليزدي. كتاب العدّة ج 2 ص 66.

[30]  مصباح الاصول ج 2 ص 559.

[31]  رسالة في قاعدة لا ضرر – ضمن رسائل فقهية للشيخ الانصاري ص 119.

[32]  ملحقات العروة الوثقى ج 2 ص 70.