|
(ص 175- 196) الباب الثالث مدخل الى النظرية الإجتماعية الإسلامية الفصل التاسع : الإستدلال على إثبات النظرية الاجتماعية في الاسلام. الفصل العاشر : الحاجة الى ترشيد النظام الإجتماعي. الفصل الحادي عشر : فلسفة الزمان والمكان في الأدلّة الشرعية والاُصول العملية. الفصل الثاني عشر : أرضية النظرية الإجتماعية. ------------------------------- الفصل التاسع الإستدلال على إثبات النظرية الإجتماعية في الاسلام مقدمة * دور علم الاُصول في تحديد ملامح النظرية الاجتماعية * النظرية الاجتماعية الفقهية : طموح متأخري الفقهاء * الاستدلال على إثبات النظرية الاجتماعية * أ ـ الوجوه الشرعية في النظر للنظام الاجتماعي * ب ـ قاعدة نفي الضرر * ج ـ الحقوق والواجبات التي يمكن إدراكها عن طريق قاعدة نفي الضرر . ------------------------------ مقدمة إن أهم ثمرة يمكن جنيها من دراسة وتبويب وتنظير المفردات الفقهية هو عرضها على شكل نظرية إجتماعية للعالَم المتعطش نحو فهم دوره الاجتماعي في الوجود. فالنظرية الفقهية الاجتماعية تمثل عصارة تفكير فقهائنا العظام في مدرسة أهل بيت النبوة (ع) وطموحهم نحو بناء المجتمع الاسلامي الممهّد لظهور الامام القائم «عجل الله فرجه». فما أن إستكملت النظرية الاُصولية بناءها الشامخ في الدليل العقلي، والملازمة بين الدليلين الشرعي والعقلي، والتفريق بين الدليل والأمارات والاُصول، حتى مهّدت الطريق نحو مرحلة جديدة من مراحل الرؤية الفقهية للفرد وللنظام الاجتماعي الذي يعيش تحت مظلّته الحقوقية والإلزامية. فكان التطور الذي حصل في علم اُصول الفقه عند الشيعة الإمامية وطبيعة الفهم الجديد حول وظيفة المكلّف الشرعية قد أرسيا قواعد عقلية وشرعية لمناقشة اُصول النظرية الاجتماعية على ضوء الفكرة الدينية. وبحثنا هنا ينصبّ على دراسة دور علم الاُصول في تحديد ملامح تلك النظرية، والإستدلال على إثبات النظرية الاجتماعية عن طريق قاعدة نفي الضرر، وطبيعة الحقوق والواجبات المُستقاة من مباني تلك القاعدة الفقهية العظيمة. دور علم الاُصول في تحديد ملامح النظرية الاجتماعية وقد كان من ثمرات الصراع الفكري في القرن الحادي عشر الهجري بين الحركة الإخبارية والاُصوليين في مدرسة أهل البيت (ع) هو التعمق في بحوث «الدليل العقلي» وتوسيع دائرته ودراسة علاقته بالدليل الشرعي. وبمعنى آخر، إن السؤال الذي كان يُطرح بإلحاح في تلك الفترة هو : كيف يمكننا تفسير طبيعة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي ؟ وفي معرض الإجابة على السؤال لمسنا إتفاقاً بين الفقهاء على أن العقل النظري لا يدرك الحكم الشرعي مباشرة عن أي طريق غير الطريق السمعي، وهو البيان الصادر من الله سبحانه وتعالى ورسوله (ص) وخلفائه من بعده (ع). فالعقل لا يستطيع إدراك ذلك الحكم الشرعي. ولكن من شأن العقل العملي إدراك حسن الأفعال وقبحها كحسن العدل وقبح الظلم، وحسن التكسب المشروع وقبح السرقة. وهذا الإدراك من شؤون العقل العملي. وقد كان الفاضل التوني (ت 1071 هـ ) رائداً في نقاش الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي. فقد قسّم الأدلة العقلية الى سبعة أقسام هي : المستقلات العقلية، وإستصحاب حال العقل، وإصالة النفي «البراءة العقلية»، والأخذ بالأقل عند فقدان الدليل على الأكثر، والتمسك بعدم الدليل، وإستصحاب حال الشرع، والتلازم بين الحكمين. وأعلن الفاضل التوني بأن الملازمة بين الحكمين الشرعي والعقلي ثابتة. فالعقلاء اذا تطابقت آراؤهم بما هم عقلاء على حسن شيء، فلابد للشارع أن يحكم بحكمهم، لأنه سيد العقلاء. بمعنى أن الإلتزام بالتحسين والتقبيح العقليين هو نفس الإلتزام بتحسين الشارع وتقبيحه، وفقاً لحكم العقلاء لأنه سيدهم. فقد قال بخصوص ما يستقل بحكمه العقل كوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، وحرمة الظلم، وإستحباب الإحسان : «وحجية هذه الطريقة : مبنية على الحسن والقبح العقليين. والحقُ ثبوتهما، لقضاء الضرورة بهما في الجملة. ولكن في إثبات الحكم الشرعي ـ كالوجوب والحرمة الشرعيين ـ بهما، نظر وتأمل. والواجب العقلي : ما يستحقُ فاعله المدح، وتاركه الذم. والشرعي : ما يستحقُ فاعله الثواب، وتاركه العقاب. وعكسه : الحرام فيهما»[1]. والى ذلك أشار الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ ) في فوائده الحائرية : «...إن العقل يحسِّن ويقبِّح، ولاشك في أنه يقبِّح عصيان المولى، كما أنه يقبِّح عصيان كل عبد لما أمر به مولاه، ونهاه عنه. فأمر المولى ونهيه ليس حسناً وقبحاً، بل علّة لتحقق الحسن في الإطاعة، والقبح في المعصية»[2] . ولاشك أن إثبات وجود حكم عقلي خاص بالعقل العملي في الحسن والقبح لطائفة من الأفعال سيوصلنا الى نتيجة مهمة وهي : ثبوت العقل النظري في إدراك الملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشرع. وهذه النتيجة تطابق نتيجة اُخرى مستوحاة من حكم العقل النظري بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، ومستوحاة ايضاً من حكم العقل النظري بتقديم الأهم من المتزاحمين على المهم، ومستوحاة ايضاً من حكم العقل النظري في الأجزاء ونحوها من الموارد التي يكون فيها للعقل النظري حكم قطعي واضح المعالم. ويمكننا القول بأن أهم الثمار العملية التي وصلتنا من خلال مناقشة «الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي» هو البحث في قاعدة «نفي الضرر» من قبل المحقق القمي (ت 1231 هـ ) في قوانينه. فهذه القاعدة العظيمة ربما تعكس واحدة من أهم ملازمات الحكمين العقلي والشرعي. فإنها وضعت منارات لمناقشة قضايا الحقوق والواجبات في المجتمع الاسلامي. وبطبيعة الحال فإن تطبيق «الدليل العقلي» أو حكم العقل على موارد الشك في التكليف كانت من أهم إستنباطات الفكر الاُصولي الشيعي. فقد اُستنبطت من ذلك الحكم العقلي قاعدة «قبح العقاب بلا بيان». واُستدل بتلك القاعدة ـ تقريباً ـ في كل مورد من موارد الشك في التكليف. أما في مورد الشك في المكلّف به فقد اُستنبطت لها من حكم العقل قاعدة «الإشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني». وقد كان ذلك الإستنباط أساساً للتمييز بين موارد البراءة العقلية والإحتياط العقلي. وقد كان من رأي الوحيد البهبهاني ـ الذي عمّق بحوث الملازمة بين العقل والشرع ـ أن وظيفة المكلّف عند الشك في التكليف هو الأخذ بالبراءة ولكن على أساس الشرع والعقل، لا على أساس الشرع فقط. فـ «البراءة العقلية» المقابلة لـ «البراءة الشرعية» متلازمتان في نفس الموارد. وبمعنى آخر أن البراءة التي تجري بحكم العقل عند الشك في التكليف هي نفس البراءة التي تجري بموجب الأدلة الشرعية التي تحكم بالبراءة عند الشك في التكليف. وكان من أهم الإنجازات التي أنجزتها المدرسة الاُصولية الإمامية من خلال عمليات البحث عن الدليل هو التفريق بين الأمارات والاُصول العملية، أو قل التفريق بين الحكم الشرعي «وهو مفاد الأمارات» والوظيفة الشرعية والعقلية «وهي مفاد الاُصول العملية». وكذلك التفريق بين الحجج الذاتية «التي ثبتت حجيتها بالقطع» والحجج المجعولة «التي ثبتت حجيتها بالعرض» كالإجماع وخبر الثقة. وكان البحث في حجية القطع، وحجية الظن، ومبحث الشك على درجة عظيمة من الاهمية في حقل علم اُصول الفقه. فقد ناقش الاستاذ الاعظم مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ ) حجية القطع، باعتبار ان القطع يعبّر عن إنكشاف الواقع إنكشافاً تاماً، فتكون حجيته ذاتية. وتنبع أهمية حجية القطع من كونها، وبفضل البرهان العقلي على إنكشاف الواقع، أداةً على إلغاء إحتمالية تحقق خطأ فلسفي أو منطقي من أي لون كان. بمعنى ان القطع الطريقي او القطع الموضوعي[3] يوصلان الفرد المكلّف الى درجة عالية من درجات الإطمئنان على ان ما يقوم به يطابق مؤدى الحقيقة الشرعية. وهذا المقدار من التصميم العلمي له تأثيرات خطيرة على كل ما يمكن إستنباطه من أحكام شرعية لموضوعات متغيرة يعيشها المجتمع لقرون مستقبلية مديدة. أما بخصوص النظرية الشرعية حول حجية الظن، فقد آمنت مدرسة الشيخ الانصاري بإمكانية إعتبار الظن والتعبد به من ناحية الشارع. فالظن، وهو الإحتمال الراجح على نقيضه من دون أن يلغيه، ليس حجة بذاته ولا يمكن الاعتماد عليه، بل يكون حجة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من قبل الشارع على حجيته. وهذا الرأي ساهم في حل مشكلة «الإنسداد». فقد قال الفقهاء بان باب العلم بمعظم المسائل الفقهية مسدود، بمعنى ان ما بأيدينا من الادلة القطعية والظنية المعتبرة لا يكفي للوصول الى كل المسائل الفقهية. فيكون القول بحجية مطلق الظن وسيلة علمية موجبة للقطع بخصوص حجية خبر الواحد والاجماع والشهرة، وظواهر حجية الكتاب والسنّة. وعندها ينحلّ العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بأكثر الاحكام الشرعية، وتجري الاُصول والقواعد في بقية الاحكام بلا محذور. وهذا الحقل العلمي فتح ساحة شرعية واسعة للأخذ بالكثير من الروايات من اخبار الآحاد، او الروايات الظاهرة في معانيها غير الصريحة، اضافة الى الإجماع والشهرة. وبذلك فان حجية الظن غطت مساحة واسعة لمعالجة القضايا الموضوعية التي يكون فيها الدليل فاقداً الى التنصيص او التصريح او نحوها. اما الشك، وهو مطلق الجهل بالحكم الشرعي سواءً كان طرفا الترديد متساويين او مختلفين، كان قد عولج بالشكل التالي : اذا حصل الشك في الشبهات الموضوعية والحكمية، فان الاُصول الاربعة (وهي : البراءة، والتخيير، والاحتياط، والاستصحاب) تكون وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظن المعتبر. أما اذا حصل الشك في الموضوع الخارجي وليس في الحكم الشرعي، فإن القواعد الاُصولية الفرعية هي التي تجري ـ عندئذ ـ كقاعدة الفراغ والتجاوز، وقاعدة أصالة صحة فعل المسلم ونحوها. وهذا الحقل العلمي وضع اللمسات الاخيرة لمنطقة واسعة من المناطق الخاصة بتغير المواضيع الاجتماعية والفردية، خصوصاً بعد إبتعادنا عن زمن النص بمسافة زمنية كبيرة. فكان الجهل ببعض الأحكام الشرعية نتيجة من نتائج بروز الكثير من القضايا الموضوعية التي لم يكن لها وجود خارجي ملموس زمن النص. * * * * لقد كانت الإنجازات التي حققها فقهاؤنا الأعلام «قدس الله أسرارهم» على صعيد البناء التحتي والمنهجي لعلم الاُصول تنتظر إنجازات أخرى على صعيد تطبيق نظريات «القطع» و«الأمارات» و«الاُصول العملية» على الجزئيات الفقهية. فإن حجية الدليل الشرعي والعقلي دفعت نخبة من الأعلام في القرن الأخير بالتلميح أو التصريح الى ضرورة بناء النظرية الإجتماعية الفقهية التي ستقدم حلولاً لمشاكل العالَم المعاصر بما فيه من تعقيدات نفسية وفكرية وفنية. وقد تلوح في عصرنا بوادر إختمار فكرة صياغة النظرية الإجتماعية الفقهية التي نرجو من خلالها أن يقود «الاسلام» البشرية المعاصرة الى شاطىء الأمل بتحقق العدالة الإجتماعية. أما العدالة الاجتماعية الواقعية فلا يمكن تحقيقها الا بتحقق ظهور الامام المهدي (عج) الذي يملأ الارض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. النظرية الإجتماعية الفقهية : طموح متأخري الفقهاء إن التطور الذي حصل في البُنية الشرعية والفلسفية لعلم الاُصول خلال الأعوام الألف الماضية من عمر التشيع لأهل البيت (ع)، فتح آفاقاً واسعة لإستثمار ذلك المخزون العلمي الخام. فكان العمل من أجل بلورة النظرية الإجتماعية الفقهية أهم ثمار المرحلة التي أفرزها التكامل الموضوعي لاُصول الفقه. وبعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ الأنصاري «رضوان الله عليه» في النجف، فإن المنهج العلمي الشامخ الذي وضعه كان لا يزال قمة في الفهم العقلي والشرعي لوظيفة القواعد المشتركة في عملية الإستنباط. وهذا الفهم المتطور دفع نخبة من فقهاء الحوزة العلمية الإمامية المتأخرين الى التحسس بضرورة تطبيق تلك القواعد الاُصولية على المشاكل الإجتماعية التي يعيشها المسلم المعاصر. وبتعبير آخر، إستثمار عملية الإجتهاد الشرعي من أجل بناء الحياة الإجتماعية للمسلمين. ذلك أن الإستمرار في بناء وترميم الهيكل الاُصولي المتكامل مدة غير محدودة من الزمن ودون الإلتفات الى طبيعة التغير الإجتماعي الذي تعيشه المجتمعات المعاصرة قد يضرُّ بعملية الوظيفة الشرعية للمكلّف التي إهتمّ بها علم الاُصول من البداية. ولذلك، فإن أصواتاً علمية بدأت تنطلق من الحوزات الشيعية الامامية تدعو الى بذل الجهود من أجل الإهتمام بالفقه الإجتماعي في ممارسة عملية الإجتهاد، وإستثمار القواعد المشتركة في إستنباط الأحكام الشرعية التي تهم المكلّف في موطن الإبتلاء المتغير مع التغيرات الإجتماعية المستمرة دوماً. ونختار في هذا الصدد أسماء ثلاثة علماء من خيرة فقهاء الطائفة في العصر الحديث وهم : الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1373 هـ )، والسيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (ت 1400 هـ )، والسيد الإمام روح الله الخميني (ت 1409 هـ ). فقد إعتبر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء العمل السياسي والإجتماعي من واجباته الشرعية، و«طالما كان يردد كلمة الإمام علي (ع) : (إن الله أخذ على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم)»[4]. وفي احدى رسائله المهمة حول دور الفقيه في إدارة المجتمع، يقول الفقيه كاشف الغطاء : «...أما التدخل بالسياسة فان كان المعني بها هو الوعظ والإرشاد والنهي عن الفساد، والنصيحة للحاكمين بل لعامة العباد، والتحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار والاستعباد ووضع القيود والاغلال على البلاد وابناء البلاد. إن كانت السياسة هي هذه الاُمور... نعم انا غارق فيها الى هامتي وهي من واجباتي، وأراني مسؤولاً عنها أمام الله والوجدان وهي من وظائفي ووظيفة آبائي الذين كانت لهم الزعامة الدينية منذ ثلاثة قرون أو أكثر لا في العراق فحسب، بل في دنيا الاسلام كله وهي النيابة العامة، والزعامة الكبرى، والخلافة الالهية العظمى (يَا داوُدُ إنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً في الأرضِ فَاحكُم بينَ النّاسِ بالحقِّ...)[5]، وفي بعض زيارات الائمة الجامعة : «وانتم ساسة العباد وأركان البلاد». فسياستنا هي سياسة النبي والائمة سلام الله عليه وعليهم الخالية عن كل هوى وهوس وطمع ودنس. (...ولا تتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عن سبيلِ اللهِ...)[6]. واذا لم يتصد لها أو يقوم بها آخرون فلعله معذور، لتقصير أو قصور»[7] وهو تلميح يعبّر عن مـدى إدراكه «قدس سره» لقضايـا الحقوق والواجبات في المجتمع الاسلامـي. أما السيد الشهيد الصدر «قدس سره» فيقول في مناقشته لطبيعة التطور في عملية الإجتهاد : «أظن أننا متفقون على خط عريض للهدف الذي تتوخاه حركة الإجتهاد وتتأثر به، وهو تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الاسلامية للحياة ; لأن التطبيق لا يمكن أن يتحقق ما لم تحدّد حركة الإجتهاد معالم النظرية وتفاصيلها... ولكي ندرك أبعاد الهدف بوضوح يجب أن نميز بين مجالين لتطبيق النظرية الاسلامية للحياة. أحدهما : تطبيق النظرية في المجال الفردي وبالقدر الذي يتصل بسلوك الفرد وتصرفاته. والآخر : تطبيق النظرية في المجال الإجتماعي وإقامة حياة الجماعة البشرية على أساسها بما يتطلبه ذلك من علاقات إجتماعية وإقتصادية وسياسية. وحركة الإجتهاد من حيث المبدأ ومن الناحية النظرية وإن كانت تستهدف كلا مجالي التطبيق ـ لأنهما سواء في حساب العقيدة ـ ولكنها في خطها التأريخي الذي عاشته على الصعيد الشيعي كانت تتجه في هدفها على الأكثر نحو المجال الأول فحسب. فالمجتهد خلال عملية الإستنباط يتمثّل في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطبّق النظرية الاسلامية للحياة على سلوكه ولا يتمثل صورة المجتمع الذي يحاول أن ينشىء حياته وعلاقاته على أساس الاسلام، وهذا التخصيص والإنكماش في الهدف له ظروفه الموضوعية وملابساته التأريخية، فإن حركة الإجتهاد عند الإمامية قاست منذ ولدت تقريباً عزلاً سياسياً عن المجالات الإجتماعية للفقه الاسلامي نتيجة لإرتباط الحكم في العصور الاسلامية المختلفة وفي أكثر البقاع بحركة الإجتهاد عند الجمهور.... وما دامت الاُمة في حالة الإرتقاء، وقد بدأت تعي الاسلام بوصفه رسالتها الحقيقية في الحياة، وإلتقت بحركة الإجتهاد عند الإمامية ضمن هذا المفهوم الرسالي الشامل للاسلام، فمن الطبيعي التأكيد على أن التطور في الهدف الذي تتبنّاه حركة الإجتهاد وإتساع هذا الهدف لمجالات التطبيق الإجتماعي للنظرية سوف يستمر ويبلغ أقصاه تبعاً لنموّ الوعي في الاُمة ومواصلة الحركة لخطها الجهادي في حماية الاسلام»[8]. وقد إلتفت السيد الإمام الخميني «قدس سره» الى أهمية تأثير إختلاف الزمان والمكان على عملية الإجتهاد، وآمن بأن فكرة الإجتهاد عند الشيعة ينبغي أن تلحظ التغيرات الإجتماعية. فقال : «إن القضية التي كان لها حكم معين في السابق، يمكن أن يكون لها في الظاهر حكم جديد، فيما يتعلق بالروابط التي تحكم السياسة والإجتماع والاقتصاد في نظام ما، بمعنى نتيجة المعرفة الدقيقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تحوّل الموضوع الأول ـ الذي لم يتغير في الظاهر ـ الى موضوع جديد يستلزم حكماً جديداً بالضرورة»[9]. وبتعبير آخر فإن للزمان والمكان دوراً في تشخيص ملاكات الأحكام والمواضيع والخصائص. فالحكم المستند الى دور الزمان والمكان في الموضوعات المتغيرة لا يخالف النص، بل يقوم على أساسه. لأن الموضوع الأول في زمان ومكان ما، كان متعلقاً بنص معين بينما تعلق الموضوع الجديد في زمان ومكان آخر بنص ثان لا علاقة له بالنص الأول. فهنا لم يتغير حكم الشريعة بتأثير الزمان والمكان، بل إن الذي تغير هو موضوع الحكم المتأثر بتغير الزمان والمكان. وفي مكان آخر أشار الى «ان الحكومة بنظر المجتهد الواقعي، فلسفة إعمال تام للفقه في جميع نواحي الحياة البشرية، والحكومة تُظهر الجانب العملي للفقه عند مواجهته لجميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية. في حين ان الفقه نظرية واقعية وكاملة لإدارة شؤون الفرد والمجتمع من المهد الى اللحد. ان هدفنا الاساسي هو إعمال الاُصول الفقهية المحكمة في حياة الفرد والمجتمع وتطبيقها عليهما وتقديم الجواب لجميع المعضلات التي تواجههما، ومخاوف الاستكبار انما تنشأ من هذه المسألة بالذات وهي ان يكون للفقه والاجتهاد جنبة عملية وتحقق عيني»[10]. ويمكن ان نضيف الى فقهائنا الذين تحسسوا بضرورة فهم الابعاد الاجتماعية للفقه اسماً آخر وهو المفكر الشهيد مرتضى المطهري (ت 1399 هـ ). فقد قال في بعض بحوثه : «ان البحث الزمني الدقيق يمكن ان يكشف عن المسائل الجديدة وتأريخ دخولها الفقه، وسبب دخولها والحاجة التي إستدعتها، فاذا لم يُجب المجتهد الحي على هذه المسائل الجديدة، فلا فرق بين تقليد الحي والميت، بل قد يفضل بعض الاموات كالشيخ الانصاري مثلاً والذي يعترف بأعلميته كثير من الاحياء. ثم ان معنى الاجتهاد نفسه يصح في تطبيق السنن الكلية على الجديد من الحوادث المتغيرة، فالمجتهد الحقيقي هو الذي أدرك هذا المعنى وعرف كيف ان الموضوعات تتغير مما يستتبع تغير احكامها. اما مجرد اعمال النظر القديم، الذي سبق للآخرين ان اعملوا فيه نظرهم... فلايكون مستحقاً لكل هذا الجدل»[11]. وهذا التوجه الجديد في التفكير الفقهي الشيعي كان ـ بدون شك ـ حصيلة التفكير الاُصولـي الذي بلورتـه العقليـة العلمائية الشيعية على مدى القرون العشرة المنصرمـة. فقد أصبحت الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي تتفاعل نحو ترتيب الآثار الخطيرة ـ فقهياً ـ على تلك القواعد الاُصولية. خصوصاً بعد أن فرغ علم الاُصول من مناقشة قضايا التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية، وحجية خبر الواحد، وحجية الإجماع، ودعوى الإبتعاد عن النصوص في المدرسة الإخبارية، والتفريق بين الأمارات والاُصول العملية. وبطبيعة الحال، فإن مناقشة قضايا الحقوق والواجبات الخاصة بالأفراد في النظام الإجتماعي قد تستدعي الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، وتقديم الأهم على المهم في موارد التزاحم. أما تقبيح العقل أو تحسينه لجملة من الموارد الإجتماعية، فإنه يدعونا الى التفتيش عن العلل في تحقق الحسن في الإطاعة والقبح في المعصية. وبتعبير آخر، فإن موارد البراءة والإحتياط العقليين وما يقابلها من تلازم في موارد البراءة والإحتياط الشرعيين قد فتحتا الباب واسعاً نحو الإهتمام بالجانب الإجتماعي من المفردات الفقهية. وعندها إرتقى فهمنا للوظيفة الشرعية الخاصة بالمكلّف الى اُفق أوسع وأرحب وهو الوظيفة الشرعية للنظام الإجتماعي الاسلامي وما يمثله من أفراد وجماعة وحكومة ودولة. وهذا المقدار من النضج الفقهي والاُصولي سيمهد الطريق لاحقاً لدراسة حقوق الأفراد وواجباتهم في المجتمع الاسلامي على ضوء النظرية الاُصولية التي تضافر علماء أهل البيت (ع) على بلورتها. ولاشك إن إدراك حقوق وواجبات الافراد في المجتمع، سيجعلنا أكثر قدرة على صياغة النظرية الإجتماعية الفقهية التي تسعى لتحقيق مصاديق العدالة الإجتماعية بين الأفراد. الإستدلال على إثبات النظرية الاجتماعية في الاسلام ولاشك انّ أغلب المفكرين والفقهاء الذين تناولوا موضوع النظرية الاجتماعية في الاسلام إنما تناولوه من زاويتين : الاولى : ضرورة وجود الدولة على الصعيدين العقلي والشرعي . والثانية : إقرار ولاية الفقيه الجامع للشرائط . وبالتأكيد فإنّ مناقشة هذين الأصلين يمنحاننا بُعداً في فهم مقدمة النظرية الاجتماعية ولكنهما لا يوصلاننا الى صياغة النظرية الاجتماعية نفسها . فالنظرية الاجتماعية تشمل مساحة أوسع من هذين الاصلين . إلاّ أننا لابد أن نؤكد بأنّ الإهتمام الشرعي بولاية الفقيه ينبع من كون الفقيه الجامع للشرائط أقدر الافراد ـ في عصر الغيبة ـ على إستنباط تلك النظرية الاجتماعية التي نتحدث عنها في الاسلام . أ ـ الوجوه الشرعية في النظر للنظام الإجتماعي وقد بحث فقهاؤنا الاعلام وجوهاً شرعية خاصة بجوانب محددة من النظام الاجتماعي. وقد إمتدت تلك الوجوه الى الادلة القرآنية، والروائية، والعقلية، والعرفية. الاول : الوجه القرآني ، وهو في إثبات شروط ومواصفات الحاكم وفي إثبات ضرورة أصل الحكومة التي لا تعدو كونها مجموعة من مؤسسات تنفيذية لتطبيق النظرية الاسلامية ، وذلك عن طريق التتبع في متون كتاب الله الحكيم . وفي هذا الخصوص طُرحت خمس آيات شريفات منتخبة دالّة على ولاية الانبياء (ع) أو الائمة المعصومين (ع) : الآية الاولى : (يا داودُ إنَّا جَعَلناكَ خَلِيفةً في الأرضِ ، فاحكُم بينَ النّاسِ بالحقِّ...)[12]. والمستفاد منها أنّ الحكومة في هذا المورد مرتبطة بالخلافة المخصوصة به كنبي . بمعنى أنه بعدما جعله الله سبحانه وتعالى خليفة في الارض ، صار |