(ص  159 - 174)

 الفصل الثامن

 القانون والمعرفة في المجتمع

 إجتماعية المعرفة * النظريات الخاصة بـ «إجتماعية المعرفة» * «المعرفة» وأهميتها في المجتمع * إجتماعية القانون والشريعة * القانون والمسلّمات الإجتماعية .

 -----------------------------------

 إجتماعية المعرفة

          وهذا الحقل العلمي يتعامل مع فكرة مهمّة نعرضها في الصيغة الاستفهامية التالية : هل لإشتراك الانسان في الحياة الإجتماعية تأثير ملحوظ على معرفته، وأفكاره، وثقافته ؟ واذا كان الجواب بالإيجاب، فما هو لون ذلك التأثير وما هي طبيعته ؟

          لاشك أنّ هناك تأثيراً إجتماعياً على طبيعة تفكير الفرد. لأن الفرد كائن إجتماعي تتأثر تركيبته العقلية بكل نواحي النشاطات الانسانية. والى ذلك تنبّه «افلاطون» فزعم بأن أفراد الطبقات السفلى في المجتمع غير مؤهلين لإكتساب الألوان السامية من المعرفة، لأنّ المهارة الفنية تحرف الجسم وتربك الروح الانسانية. وبذلك فإنها تؤثر على الذهن الانساني[1] ! وهذا التفكير الطبقي لا يعكس حقيقة فلسفية بقدر ما يعكس مبالغة للتأثير الإجتماعي على التفكير الانساني. فأفراد الطبقات الفقيرة لهم قابليات متساوية في التفكير والإبداع مع أفراد الطبقات العليا الغنية. والمهن الإجتماعية اليوم ـ مهما كان شكلها ـ تتطلب لوناً من ألوان المعرفة ايضاً. أما إرباك الارواح فهذا مدعى بحاجة الى دليل.

          وقد إقتبس «ميكافيلي» هذا الرأي ووضعه بصيغة اُخرى تتعلق بالنظرية السياسية، وهي أنّ أفكار «القصر الملكي» شيء، وأفكار «السوق التجاري» في المدينة شيء آخر[2]. بمعنى إننا لا نستطيع إنكار التأثير الإجتماعي على العقل السياسي للانسان. أما الذين يعيشون في القصور الملكية، فإنهم يبذلون جهدهم من أجل إجتناب التأثير الاجتماعي على أفكارهم وعلى اسلوب حياتهم.

          وبكلمة، فإنّ الظروف الإجتماعية، بتأثيرها على تشكيل موضوع المعرفة، تساهم في تعيين القصد الذي من أجله عُرف الموضوع. وهذا التفكير الفلسفي الغربي وضع التأثير الإجتماعي في موضع الإستعلاء والطلب. فأصبح ذلك التأثير المزعوم حاكماً على العقل البشري ! ولكن هذا التحليل يدعونا الى التساؤل : هل إنّ التفكير الفلسفي الذي حدّده التأثير الاجتماعي سليم بطبيعته، أو أنه يستبطن تناقضاً من نوع ما ؟

          أنقسم الفلاسفة في الجواب على ذلك الى مدرستين : الاولى : المدرسة العقلية. والثانية : المدرسة التجريبية.

          فالمدرسة العقلية ذهبت الى أنّ النسب والمعادلات الرياضية هي الطراز البدائي والنموذج الأصلي للحقيقة. فالمعادلات الرياضية ومحتوياتها لا تتغير من جيل لجيل ولا من مجتمع لآخر، ولذلك فإن المجتمع لا يضع أي تأثير على النموذج الاصلي للحقيقة. بل أنّ تأثير الحياة الإجتماعية على المعرفة، ناتج بالأصل من سيطرة الطبقة الحاكمة على الشؤون الإجتماعية ومحاولتها إبقاء الناس على جهلهم وسذاجتهم من أجل إحكام سيطرتها على مقدراتهم الحياتية[3].

          أما المدرسة التجريبية، فقد آمنت بأنّ العقل الانساني يعتمد بصورة مباشرة على التجارب الحياتية للانسان. وطالما كانت التجارب الحياتية للانسان مختلفة من مجتمع لآخر، فقد أختلفت أوجه الواقعية في كل مجتمع من المجتمعات البشرية. ولذلك فإنّ كل حقبة تاريخية محدّدة في تأريخ الشعوب لها تصميمها الفكري وهندستها الأدبية المتميزة التي تصوغ العقلية الثقافية للافراد[4].

          ولكن «عمانوئيل كانت» نفى التأثير الإجتماعي على الانسان، وجعل القضية مرتبطة بالتفاعل الموضوعي بين عقل الفرد والعالَم الفيزيائي الخارجي[5]. وزعم بأنّ الانسان «العلمي» الجديد أصبح محرراً من القيود الإجتماعية، بل إنّ الافراد لا يرتبطون بعضهم ببعض إلاّ عن طريق «العقد الإجتماعي» المزعوم.

          ومن مجمل هذا العرض نستقرىء انّ إجتماعية المعرفة تستبطن فكراً خطيراً. فهي تفترض أنّ الحياة الإجتماعية لا تؤثر على معرفة الانسان وثقافته فحسب، بل إنها تؤثر على عقيدته الدينية ايضاً. بمعنى أنّ المجتمع بأفكاره الإجتماعية هو الذي يصنع العقيدة الدينية وليس العكس. ولكن هذا التفكير الفلسفي الاوروبي يحمل في جوهره تناقضاً صريحاً. فهو يفترض أنّ الرسالة الدينية الالهية أقلّ شمولاً وأضيق مساحة من التفكير الإجتماعي. وهذا الإفتراض واضح البطلان، لأننا لم نلحظ على مر التأريخ أنّ فكراً إجتماعياً صاغ رسالة دينية نظّمت شؤون الفرد والجماعة وأجابت على جميع الاسئلة المتعلقة بالحياة والموت والكون والبعث والنشور، كما هو شأن الرسالة الدينية الالهية.

          وفي عقيدتنا انّ التأثير الديني الالهي على معارف الفرد وأفكاره وثقافته هي الحاكمة على التفكير الاجتماعي في جميع المجتمعات الانسانية ، وليس العكس. فالتأثير النصراني على الفرد الاوروبي مثلاً واضح الى درجة أنك اذا درست الأدب الغربي الاوروبي في القرون الاخيرة فإنّك تحس في الواقع قد درست الأدب النصراني. واذا درست الأدب والفكر في المجتمعات الاسلامية فإنّك ستلحظ مدى التأثير الذي تركه الدين على ثقافة وتفكير الافراد في تلك المجتمعات.

          وبكلمة، فإنّ فلسفة «إجتماعية المعرفة» التي صدّرتها إلينا اوروبا بحاجة الى إعادة نظر والى صياغة جديدة. فنظريتنا الاجتماعية الاسلامية تؤمن بأن الدين الالهي ورسالته المنظِّمة لشؤون البشرية لها تأثير متميز وحاسم على ثقافات الشعوب ومعارفها وأفكارها. وأقصى ما نتقبله من فلسفة «إجتماعية المعرفة» هو ان تلك الفلسفة تتطابق مع العرف الإجتماعي المقبول والإرتكاز العقلائي الذي يتفاعل معه الافراد في المجتمع. فإنّ ذلك الحد مقبول في حدود مفهوم الموافقة. وقد تطابقت أحكام الشريعة مع سيرة العقلاء، لأن صانع الشريعة ومرسلها هو سيد العقلاء. فلابد أن يحكم بحكمهم، كما تسالم على ذلك علماء الفقه والاُصول. أما اذا كان الهدف من «إجتماعية المعرفة» هو إقناعنا بأن الفكر الاجتماعي الانساني هو الذي خلق الدين وشكّل مفرداته الشرعية، فإنّ ذلك التفكير العلماني مرفوض جملة وتفصيلا. وما قدمّناه من حجج وبراهين كاف للتدليل على ذلك.

 النظريات الخاصة بـ  «إجتماعية المعرفة»

          ولاشك إنّ الذين تحدّثوا عن الأصل الإجتماعي للأفكار الانسانية كانت لهم أهداف تتعدى مجرد تحليل العلاقة الإجتماعية لفهم الأفكار. فقد كانوا يطمحون الى تغيير أو تحوير نظرتنا الفكرية والإجتماعية نحو الدين. وقد تبارت من أجل الفوز بقصب السبق في هذا المضمار ثلاث نظريات مهمة، وهي : النظرية المادية، والنظرية المثالية، والنظرية الإجتماعية.

 النظرية المادية و«طبيعية» الانسان:

          فالنظرية المادية أكدت على أنّ الانسان كائن طبيعي وليس كائناً إجتماعياً، بإعتبار أنّ الدوافع الجينية هي التي تسيطر عليه وتحدد أركان عقليته وطبيعة تفكيره[6]. فالطبيعة، لا المجتمع، تحدد اُسلوب تفكير الانسان. وبتعبير آخر إنّ إشتراك الانسان في النشاطات الإجتماعية لن يؤثر على تفكيره ولن يغير من عقيدته. فالانسان يعمل اولاً ثم يفكر بالاسباب والدوافع ثانياً. والتفكير بالدوافع والاسباب ليس إلاّ مشتقـاً من مشتقّات العمل الأصلي الذي أداه الفرد في البداية. وذلك المشتق هو الذي يحدّد طبيعة السلوك وطبيعة التفكير ايضاً[7]. وفي ضوء ذلك، فإنّ الدين والمجتمع شيئان منفصلان لا يؤثر أحدهما على الآخر. ولكن تلك النظرية تستبطن إضطراباً فلسفياً. فهي في الوقت الذي تقلّل فيه من قيمة الفكر الانساني وأهميته، تعترف بأهمية وضرورة تكوينه وتشكيله. ونحن نتساءل : لماذا إذن تكوّن الفكر في الأصل اذا لم تكن في ثناياه قيمة معنوية وإنسانية ؟ وكيف يقوم الانسان بعمل معين ما لم يكن لديه إيمان إبتدائي بصلاحية ذلك العمل وحسنه ؟ وبطبيعة الحال فإنّ الإيمان لا يتم إلاّ عن طريق الدافع أو التفكير نحو الأداء. فالعبادات أعمال روحية وجسدية يقوم بها الانسان، ولكن لا يتحقق دافع القيام بها ما لم يكن هناك إيمان قلبي بصحة مداليلها. فلاريب ـ إذن ـ أن يكون الإيمان نابعاً من فكر إلزامي يحثّ الانسان على الأداء. أما كون المجتمع والدين قضيتين منفصلتين، فإنّ ذلك يكذبه الواقع الاجتماعي. فالدين يؤثر دائماً على المجتمع بما فيه من فكر وثقافة وأفراد.

النظرية المثالية و«العقلية الدينية»:

          والنظرية المثالية آمنت بأنّ كل مجتمع لابد أن يتخذ قراراً مصيرياً يتعلق بطبيعة وشكل الإيمان بالمطلق. وذلك القرار يشكل مقدمة كبرى لتعيين نتائج محتويات الثقافة الإجتماعية واُطرها[8]. فالثقافة الاغريقية، حسب زعمها، نتيجة من نتائج الفكرة المسبّقة عن إيمانها بالوثنية. وثقافة العصور الوسطى الاوروبية نتيجة من نتائج الفكرة المسبّقة عن النصرانية الكاثوليكية. وثقافة أفريقيا نتيجة من نتائج الفكرة المسبّقة عن دياناتها. وقد قسّمت تلك النظرية الأفكار الناتجة عن الدين الى ثلاثة الوان من التفكير ; لعلّة ان الايمان اذا سيطر على المجتمع، فإنّ ذلك الإيمان سوف يلّون ثقافة المجتمع بإطاره الإلزامي الاخلاقي. فاذا اُفترض وجود المطلق خارج الزمان والمكان، كما في أديان الهند الوثنية القديمة، فإنّ عقلية المجتمع ستصطبغ بصبغة «عقلية تصورية خيالية». واذا اُفترض وجود المطلق داخل الزمان والمكان، كما هو الحال في اوروبا الحديثة، فان عقلية المجتمع ستكون «عقلية حسية». واذا وُصفت الحقيقة بأنّ لها وجود في هذا العالم الأرضي وفي الوقت نفسه لها وجود فيما وراء الطبيعة، كما هو الحال في العصور الاوروبية الوسطى، فان عقلية المجتمع ستكون «عقلية مثالية»[9].

          ومع إنّ النظرية المثالية تناصر الدين في تصوراتها الإجتماعية، إلاّ إنها تنظر للدين من زاوية رؤيتها النصرانية فقط. فهي تتجاهل الديانات السماوية الاُخرى، كالاسلام بالخصوص، وتعتبره من الاديان الوثنية. ونحن لا نعترف بهذه النظرية ولا بإسلوبها التحليلي. فإفتراضاتها مجرد أوهام لا تنهض الى تحليل الواقع الموضوعي للمجتمعات الانسانية. فالمسلمون مثلاً يؤمنون بقطعية وجود المطلق واجب الوجود خارج الزمان والمكان كما أنهم يؤمنون بتحقق ذلك الوجود داخل الزمان والمكان ايضاً. فهل أنّ للمجتمع الاسلامي عقلية مثالية أو عقلية حسية ؟ واذا كانت صفات المطلق فوق صفات الممكن الحادث بالغاً ما بلغ من العظمة، فهل نستطيع أن نطلق على المؤمنين بتلك الفكرة من الصفات ما يجعلهم «تصوريين» أو نطلق عليهم من الصفات ما يجعلهم «مثاليين» ؟ فالنظرية المثالية تنظر الى عالم الايمان من خلال نظرتها في التفكيك بين النظرة الحسية والنظرة التصورية، وتعجز عن النظر الى الوجود من منظار النظرة الترابطية أو الائتلافية.

          ولاشك إنّ إدراك وحدة الترابط والائتلاف بين أجزاء الكون تجعل الثقافة الإجتماعية أقرب الى الإرتكاز العقلائي الذي أقره الشرع الحنيف . قال الفيلسوف العظيم الملا صدرا في أسفاره: «إنّ مجموع العالم من حيث هو مجموع شخص واحد، له وحدة طبيعية، وليست وحدته كوحدة اشياء متغايرة اتفق إن صار بالاجتماع والإنضمام كشيء واحد مثل إجتماع البيت من اللبنات والعسكر من افراد، وذلك بأنّ أجزاء العالم بينها علاقة ذاتية لانها حاصلة على الترتيب العلّي والمعلولّي»[10]. وهذه العلاقة الذاتية، المتغيرة بطبيعتها بسبب تغير طبيعة الأشياء والكائنات من مرحلة الى مرحلة ومن طور الى طور، تستبطن وحدة وجودية ثابتة بالأصل متغيرة بالصفات. وقد أثارت تلك العلاقة مشكلة عميقة بين الفلاسفة سُميت بـ «مشكلة الهوية» بُحثت  في محلها.

          وبكلمة، فإنّ النظرية المثالية بقيت أسيرة تصوراتها المثالية حول الكون والمجتمع والدين. فهي وإن إفترضت ان الدين يعيّن إطار الثقافة الاجتماعية، إلاّ انها لم تميز بين الدين السماوي القادر على بناء الإطار الاخلاقي للثقافة الاجتماعية والدين الوضعي الذي يفشل في تحقيق قدر أدنى من التطابق بين مبنى العقلاء وأفكاره الاعتقادية.

 النظرية الفلسفية الاجتماعية:

          والنظرية الفلسفية الإجتماعية أتخذت موقفاً وسطاً بين المادية والمثالية، وركّزت اهتمامها على العوامل الإجتماعية التي يمكن إعتبارها شروطاً موضوعية للتفكير الانساني. فقد تناول بعض الفلاسفة علاقة الانتاج والملكية بالتأثير الإجتماعي. وربط آخرون علاقة السلطة السياسية بالظروف الإجتماعية. وربطت مجموعة اُخرى من الفلاسفة الدستور الإجتماعي بالتركيب المعرفي والثقافي للافراد[11]. وبالإجمال، فإنّ النظرية الفلسفية الإجتماعية لاحظت بأنّ الافراد أينما حلّوا فإنهم يمارسون حياة الجماعة ويطورون أساليب تعاملهم من خلال التقاليد والعادات ويفرضون الأمن على جماعتهم من خلال أساليب العقوبة والمقاطعة الإجتماعية. وبإعتبار إنسانيتهم، فإنهم يحاولون دائماً التنسيق والسيطرة على سلوكهم. فالمجتمع، بما هو مجتمع، يحاول الحفاظ على نظام متفّق عليه للقيم والأعراف الإجتماعية.

          وتلك النظرية حاولت تفسير التعاون والتنسيق الإجتماعي بين الافراد وتأثير ذلك على تفكيرهم، إلاّ إنها أنكرت أن تكون للدين رسالة إجتماعية. ولذلك فإنها لم تستطع الإجابة على الإشكال المهم الذي يتلخص بالسؤال التالي: هل أنّ العقل الانساني ومحتوياته الفكرية والدينية مستقل تماماً عن التأثير الإجتماعي أو لا ؟

 «المعرفة» وأهميتها في المجتمع

          إنّ علاقة المجتمع بالأفكار المطروحة على ساحته الإجتماعية علاقة مصيرية وحاسمة. فالإتجاه الفلسفي الذي آمن بأنّ العقل غير مستقلّ بالمرة عن المجتمع أنكر على الدين رسالته الروحية والإجتماعية الغيبية. أما الإتجاه الفلسفي الذي آمن بأنّ العقل مستقلّ عن المجتمع فقد جنح الى فكرة خلود الأفكار وما سُمي لاحقاً بـ «اللانهائية المنتخَبة»[12]. بينما تبنّى الإتجاه الفلسفي الذي آمن بتداخل العقل والمجتمع، فكرة النظرية التوفيقية. وهي النظرية التي تنظر للمجتمع كوحدة متكاملة من الأداء الوظيفي والموافقة.

          والسؤالان اللذان طرحناهما هنا، هما : ما هو حجم تأثير العوامل الإجتماعية على الأفكار ؟ واذا كان المجتمع يعيّن طبيعة الأفكار والمعرفة، فما هو تأثير ذلك على صلاحية المجتمع وديمومته ؟

          إنّ أغلب الفلاسفة وعلماء الإجتماع متفقون على انّ العقل الانساني غير قادر على فهم وإدراك إلاّ شريحة صغيرة من الحقيقة الخارجية. ولذلك فإنّ الجواب على ذلك اللون من الإشكالات سيتلوّن بلون النظرة التي ينظرها فيلسوف من الفلاسفة دون آخر.

 نقد نظرية «باريتو»:

          فالفيلسوف الاوروبي «فيلفريدو باريتو» زعم بأنّ الحواس، والحواس فقط، هي المصادر الموثوقة للمعرفة[13]. فهي التي تشطر «الكون العقلي» الى جزء علمي تجريبي والى آخر غير علمي «أي لا تجريبي». وعزّز زعمه ذلك بالقول بأنّ «علم القيم»، وهو العلم الذي يشمل الاخلاق والدين وعلم الجمال، ليست له مقاصد علمية تجريبية. ولذلك فإنّ ذلك العلم يهيىء وسطاً لتشويه الساحة الإجتماعية. لأنه يقف حائلاً بين الفكر والواقع أو بين العقل والحقيقة! ومن ذلك التقريب فإنّ «باريتو» استنتج بأنّ تأثير المجتمع على العقل تأثير سلبي مؤسف !

          وواقع الحال، فإنّ تفكير «باريتو» متناقض من عدة وجوه :

          الاول : انّ «باريتو» يفترض ضمناً بأنّ المجتمع هو الذي يخلق الدين. ولذلك فإنّ «علم القيم»، بإعتباره إنتاجاً إجتماعياً، يقفُ حائلاً بين الفكر والحقيقة. وهذا الإدعاء باطل، لأننا عندما نتحدث عن الدين فإننا نقصد به الرسالة السماوية المبعوثة من قبل الخالق عز وجل. وتلك الرسالة العظيمة ليست إنتاجاً إجتماعياً، كما مر سابقاً خلال نقدنا لأفكار المدارس العلمانية حول الدين.

          الثاني : إنّ فحوى الرسالة الالهية مطابق لسيرة وإرتكاز العقلاء. فكيف يقف الدين حائلاً بين العقل والحقيقة ؟ سؤال صعب على «باريتو»، ولابد له من إيجاد جواب يُقنعنا به. وإلاّ فإن نظريته مجرد وصف يفتقد الى أبسط قواعد الإستدلال الفلسفي.

          الثالث : إننا اذا آمنا بأنّ الدين ليس نتاجاً إجتماعياً، وأفترضنا أنّ السيرة العقلائية هي التي تحكم المجتمع فكيف يكون تأثير المجتمع ـ بسيرته العقلائية ـ تأثيراً على العقل ؟ أليست السيرة العقلائية والإرتكاز العقلائي قضية كلية تمثل إتفاقاً للعديد من العقول ؟ فكيف يستطيع «باريتو» ـ إذن ـ الإفلات من هذا الدليل بدعوى انّ تأثير الدين «الإجتماعي المنشأ» سلبي على العقل الانساني ؟

          الرابع : انّ الادعاء بانّ الحس هو المصدر الوحيد لمعرفة الحقيقة يلغي جزءً عظيماً من الحقائق الكونية والاجتماعية التي جاءتنا عن طريق الغيب والوحي. فهل تستطيع معارفنا الحسية المحدودة ان تطلعنا على طبيعة نشوء الانسان، وعلى أبعاد الكون والعوالم التي تدور فيه، وطبيعة الخلق والوجود، ومصيرنا بعد الموت ؟ فلاشك ان المصدر الوحيد لمعارفنا الكونية والآخروية هو الدين او الرسالة الغيبية. وكل مدعى يخرج عن هذا الإطار يخالف الواقع والوجدان.

 نقد نظريتي «ديركهايم» و«مانهايم»:

          أما عالما الإجتماع الغربيين «اميلي ديركهايم» و«كارل مانهايم» فقد آمنا بأنّ الفرد هو مصدر الخطأ والإشتباه ، وأنّ المجتمع هو المصدر الموثوق لمعرفة الحقيقة[14]. فالمجتمع هو المختبر الحقيقي لصلاحية تطبيق العقيدة. وسلامة وصحة العقيدة تتحققان فقط اذا استطاع المجتمع تطبيقها ضمن نظامه الإجتماعي. وبالجملة، فقد زعما بأنه ليست هناك حقائق عامة يمكن أن تتقبلها جميع المجتمعات البشرية. وما نراه من حقائق إجتماعية تعبّر فقط عن الحقائق التي نفهمها نحن في مجتمعنا لا غير.

          ويردّ على نظرية «ديركهايم» و«مانهايم» بعدة صور:

          الاولى : انّ القول بأنّ المجتمع هو المختبر الحقيقي لصلاحية تطبيق العقيدة، قول صحيح ولكنه غير تام لإفتقاده القيد. والأصح أن يقال بأنّ المجتمع هو المختبر الحقيقي لصلاحية تطبيق العقيدة اذا توفرت الشروط الموضوعية لذلك. فكيف يتم الحكم على عقيدة آمن بها الافراد لكنها لم تطبق في المجتمع كما ينبغي لسبب من الأسباب الموضوعية ؟ بل كيف يمكن الحكم على تلك العقيدة اذا ما تلبّس الآخرون بلباسها وحاولوا إقناع الناس بأنهم مؤمنون بها ولكنهم ليسوا كذلك ؟ فما لم تتوفر الشروط الموضوعية لتطبيق العقيدة، إذن، فإننا لا نستطيع الحكم بصلاحيتها أو عدم صلاحيتها في التطبيق.

          الثانية : إنّ المصدر الموثوق لمعرفة الحقيقة هو الرسالة الدينية الالهية الكاملة، وليس المجتمع. فالرسالة هي التي كشفت لنا اُوجهاً مختلفة للحقيقة الخارجية الخاصة بالحياة والكون والانسان والموت والبعث والنظام والإجتماع الانساني. ولولا العقيدة الدينية لكان المجتمع في فوضى أخلاقية وإجتماعية ومعرفية لا يعلم مداها إلاّ الله.

          الثالثة : إنّ الإدعاء بأنّ المجتمع هو المصدر الموثوق لمعرفة الحقيقة ليس تاماً. فبعض المجتمعات البدائية لا تعتبر مصدراً موثوقاً لمعرفة الحقيقة لما تحويه من أشكال مختلفة من الخرافات والشعوذة والسحر ونحوها. ولكن، يمكننا إعتبار الإرتكاز العقلائي، الذي هو إجتماعي بطبيعته، أحد المصادر الموثوقة لتشخيص الحقائق الإجتماعية. ولذلك فإنّ الدين أعتبر الإرتكاز العقلائي مطابقاً للإرتكاز الشرعي. أما معرفة الحقائق الإجتماعية فإنها لا تتم إلاّ عبر الدين.

 نقد نظرية «ماكس وبر»:

          ومن نافلة القول أن نذكر بأنّ العالِم الإجتماعي الالماني «ماكس وبر» كان أكثر إقتراباً للحقيقة الاجتماعية من غيره من علماء الإجتماع ولكنه رآها من زاوية نظريته النصرانية. فقال بأنّ فلسفة الاخلاق والدين والجمال تؤثر جميعاً على المعرفة الانسانية في المجتمع[15]. فكل مجتمع له حقيقته الخاصة. والفرد الذي يعيش ويتكامل مع مجتمع ما، على الصعيدين الفكري والواقعي، سوف يتفق مع مبادئ ذلك المجتمع ونظامه الاخلاقي. فهنا تكون «إجتماعية المعرفة» خطاً وسطاً يحدد طبيعة الحقيقة. فإجتماعية المعرفة لا تنفي وجود الحقيقة تماماً ولا تضمن معرفة كاملة لتلك الحقيقة، بل تتخذ ذلك الخط الوسط الذي ذكرناه.

          ولكن فكرة «ماكس وبر» لم تكن متكاملة ايضاً، بسبب ضيق نظرته المذهبية. فهو من ناحية قد أصاب الحقيقة عندما قال بأنّ فلسفة الاخلاق والدين تؤثران على المعرفة الانسانية، ولكنه اخطأ عندما آمن بأنّ كل فرد يعيش في مجتمع من المجتمعات الانسانية يتفق مع مبادئ ذلك المجتمع ونظامه الاخلاقي. فـ «إجتماعية المعرفة» لا يمكن أن تكون خطاً وسطاً في تحديد طبيعة الحقيقة الخارجية. فهناك العديد من الافراد الذين يعيشون في مجتمعات ولدوا وترعرعوا فيها، ولكنهم لا يتفقون مع مبادئ تلك المجتمعات. وهناك العديد من الافراد الذين لم يروا تلك المجتمعات ولم يعيشوا فيها، لكنهم آمنوا بعقائدها ومبادئها. وأنصع مثال على ذلك الأقليات الدينية التي تعيش اليوم في كل مجتمعات العالم تقريباً.

 البديل:

          وأمام هذا التقريب الفلسفي المهم تتزعزع نظرية «ماكس وبر» التي اُريد لها أن تكون البديل الديني لنظرية «إجتماعية المعرفة». فلم يبقَ لنا إلاّ الإيمان بالنظرية الاسلامية التي يكون منشؤها سماوياً ومصدرها غيبياً وفحواها متطابقاً مع سيرة وإرتكاز العقلاء. فمصدرنا الموثوق في معرفة الحقيقة الخارجية هو الاسلام. فهذا الدين الحنيف يبيّن لنا طبيعة الكون وتصميم الحياة والكائنات، ويفسّر لنا طبيعة الخلق والموت والبعث والنشور، وينظّم لنا اُسلوب حياتنا الاجتماعية والروحية على وجه الأرض. وبكلمة، فإنّ تلك الرسالة الاخلاقية الدينية السماوية هي التي ساهمت ـ وبصورة رئيسية ـ في صياغة معرفتنا الانسانية حول الوجود والعالَم المحيط بنا.

 إجتماعية القانون او الشريعة

          إنّ حاجة الاُمة الى الشريعة أو القانون تعبّر في بعض أوجهها عن حاجتها الى حلول للمشاكل العملية التي تواجهها. فالقانون يضع حدوداً لحريات الافراد المطلقة ويصيغ شكل واجباتهم الاجتماعية ويبني ـ الى حد ما ـ أساساً نفسياً وإجتماعياً لمفهوم الطاعة. ولذلك فإنّ ما اُصطلح عليه بـ «إجتماعية» القانون يتقاطع عرضياً مع الأبعاد الإجتماعية للفقه من حيث التأثير. إلاّ أنهما يختلفان من حيث المصدر وطبيعة الإلزام اللذان ينشآنهما في ذاتية الفرد. فالشريعة مصدرها الله سبحانه وتعالى وطريقها إنشاء إلزام ذاتي عند الفرد بالإمتثال، بينما يكون مصدر القانون الانسان نفسه وطريقه إنشاء إلزام خارجي عند الفرد بأمل أن لا يصل حد الإكراه.

          ولاشك أنّ الشريعة هي التي تضع السياسة العامة المتعلقة بتنظيم الحريات وتحديد الحقوق والواجبات في الدولة. أما القانون فيقوم مقام الجانب التصديقي لكليات الشريعة. فالشريعة مثلاً تحدّد سياسة الثروة المالية المجتباة من قبل الحاكم الشرعي وطريقة توزيعها. أما طبيعة صرفها أو استثمارها بما يتناسب والعرف الإجتماعي وحاجات الناس فإنها لابد أن تحدد عن طريق قانون معين. وطبيعة السير أو المشي في الطريق العام تحدد سياسته الشريعة، إلاّ انّ تفاصيل مساحة الطريق وطبيعة الوسائط التي تنقل الافراد فيه وطريقة تقسيمه الى جزء للمشاة وجزء آخر للسيارات أو الحافلات مثلاً يتم عن  طريق القانون. والإعداد المتمثل بقوله تعالى : (وأعِدُّوا لَهُم ما استَطَعتُم مّن قُوَّة ومِن رِّبَاطِ الخَيلِ...)[16] وهو تهيئة القوة للظفر بحماية المجتمع الاسلامي من العدوان ، تحدد سياسته الشريعة. إلاّ انّ إقتناء لون معين من المعدّات الدفاعية دون غيره يحدده القانون. فالقانون إذن ما هو إلاّ أداة تفصيلية للشريعة. والشريعة وكلياتها ثابتة لا تتغير لأنها حكم الله سبحانه، والقانون يتبدل مع تبدل حاجات الافراد وتبدل الزمان والمكان. فنسبة القانون في الدولة الاسلامية الى الشريعة كنسبة المصاديق الى الكليات. والشريعة قضية ثابتة لا يحتمل فيها النقاش أو الجدل أو النظر. بينما يختلف الأمر في القانون حيث تناقش القوانين بشكل تفصيلي وتبدل وتغير حسب تغير وتبدل طبيعة الحياة الإجتماعية والتقنية والعرفية. إنّ هدف الشريعة هو تعبيد الافراد للخالق عز وجل وتنظيم الحياة الإجتماعية وتحقيق العدالة بين الافراد. بينما يكون هدف القانون تتميم مقاصد الشريعة عبر تيسير الحياة الاجتماعية وتهذيبها. ودور الفقيه في كل ذلك هو البحث عن ربط الثوابت الشرعية بالمتغيرات الإجتماعية.

          وبكلمة، فإنّ الشريعة وما تستبطنه من نظريات فقهية تشكل بمجملها مدرسة فكرية لها مبادئها وأفكارها التأسيسية. بينما يمثّل القانون أراءً حول بعض المشاكل الإجتماعية التي لها صفة متغيرة ومتبدلة بتبدل الحياة الإجتماعية. ولاشك أنّ حاجة المجتمع الانساني الى الشريعة أو القانون حاجة طبيعية فطرية تشابه تماماً حاجة الانسان الى النظر الى الكمال الالهي. فالشريعة شأنها شأن الدين غيبية المصدر، لكنها في ذات الوقت ناظرة الى حل المشاكل الاجتماعية التي جلبتها طبيعة الإجتماع الإنساني ومباني الإختلافات بين الافراد.

 القانون والمسلّمات الإجتماعية

          وبطبيعة الحال، فإنّ كل مجتمع إنساني يستبطن تعلقاً معيناً ونزوعاً ذاتياً نحو الشريعة والعرف القانوني. فللشريعة وللقانون أبعاد وظيفية توفيقية مهمة ; وبفضل مؤسساتهما الحقوقية والقضائية فانهما غير منعزلين عن النظام الإجتماعي، بل انهما متكاملان مع الثقافة الإجتماعية ومرتبطان أشدّ الإرتباط بالإرتكاز العقلائي. والأفكار الشرعية الخاصة بالجماعة كالملكية، والعقود، والعيوب الموجبة للفسخ ونحوها كلها مرتبطة بنحو من الأنحاء بالإلزام الأخلاقي والمحتوى الإجتماعي في التغيير. بمعنى أن تلك الافكار الشرعية جزء لا يتجزأ من النظام الإجتماعي الذي تهتم الرسالة الدينية بصياغته وتقديمه إلينا جاهزاً مصححاً من كل عيب.

          وهذا يقودنا الى الإستنتاج بأنّ الشريعة آلهية المنشأ، بينما يكون القانون إجتماعي المنشأ. فثبوت الشريعة لا يعني أنها بُعثت لمجتمع ثابت لا يتغير، بل أنّ ثبوتها يعني أنها تتعامل مع الكليات الثابتة والمبادئ. أما قضايا الحياة المتغيرة والمؤسسات المتبدلة، فإنّ القانون المنبثق من الشريعة هو الذي يتعامل معها. إنّ هذا الوضع المعياري يجعل القانون في خدمة  الاهداف الاجتماعية. فالقانون يجب ان يستجيب للحاجات، والدعاوى، والمصالح الاجتماعية للافراد.

          وهذا التقريب لابد وأن يؤدي بنا الى مناقشة دور الحاجات الاجتماعية في مقاصد الشريعة. فالشريعة، بأحكامها، تعاملت مع حاجات المجتمع الانساني بشكل كامل وتام. إلاّ أن فهم الشريعة وتطبيقها وتشكيل قانون إسلامي على ضوئها يحتاج الى فهم شامل للحاجات الاجتماعية من قبل المقنِّن أو المجتهد، كما سنبحثه في الباب القادم من الكتاب باذنه تعالى.

(نهاية ص  174)

 

 السابق               صفحة التحميل           الصفحة الرئيسية

 


[1]  الايام الاخيرة لسقراط – افلاطون. لندن: بنكوين، 1969م.

[2]  الامير – نيكولا ميكافيلي. نيويورك: المكتبة الامريكية الجديدة، 1952م.

[3]  التقليد المتحفظ في علم إجتماع المعرفة – ونر ستارك. مقالة فلسفية في مجلة (كيكولوس)، عدد 13، 1960م. ص 90 – 101.

[4]  مونيتسكو: رائد علم إجتماع المعرفة – ونر ستارك. لندن: مطبعة جامعة اكسفورد، 1960م.

[5]  نقد العقل المجرد – عمانوئيل كانت. لندن: 1881م.

[6]  دراسة نوعية في موضوع (إجتماعية المعرفة)- فرانـز ألدر. مقالة علمية في (المجلة النقدية الاجتماعية الامريكية)، عدد 19، 1954م. ص 42- 48.

[7]  بحوث في (إجتماعية المعرفة) – كارل مانهايم. تحقيق: بول كيسكيميتي. لندن: 1952م.

[8]  المجتمع والفكر – جيرارد دي كري. نيويورك: ماكميلان، 1943م.

[9]  الحركية الاجتماعية والثقافية – بيتريم سوروكين. نيويورك: الكتب الامريكية، 1937م.

[10]  الاسفار الاربعة – الملا صدرا، ج 7 ص 113.

[11]  إجتماعية المعرفة – ورنـر ستارك. لندن: 1958م.

[12]  من ماكس وبر: بحوث في علم الاجتماع – ماكس وبر. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1946م.

[13]  علم إجتماع القرن العشرين – جورج كيرفيج، وولبرت مور. نيويورك: فان نوستراد، 1945م.

[14]  الاشكال الابتدائية للحياة الدينية – اميلي ديركهايم. جلينكو، الينوي: المطبعة الحرة، 1954م. وايضاً: بحوث في علم (إجتماعية المعرفة) – كارل مانهايم. تحقيق: بول كيسكيميتي. لندن: مطبعة جامعة اكسفورد، 1952م.

[15]  علم الإجتماع الديني – ماكس وبر. بوستن: مطبعة بيكون، 1963م.

[16]  سورة الانفال: الآية 60.