|
(ص 139 - 158) الفصل السابع العلاقة بين العقد الإجتماعي والفلسفة الاشتراكية العقد الإجتماعي * الميثاق القرآني * الإرادة الجماعية * الفلسفة الاشتراكية * الاستنتاج. --------------------------------------- العقد الإجتماعي نشأت فكرة «العقد الإجتماعي» في النظرية السياسية من حيثيات الرأي القائل بأنّ «الرابطة الجماعية» ما هي إلاّ «إتفاق» بين الافراد لإنشائها. وبمعنى آخر أنّ الافراد هم الذين يتفقون عقلائياً على إنشاء المجتمع أو التجمع الانساني المقبول[1]. إلاّ إنّ سؤالاً خطيراً برز على الساحة الفلسفية الإجتماعية وهدد فكرة «العقد الإجتماعي» بالإنهيار. وهذا السؤال يمكن وضعه بالشكل التالي : هل أنّ الإتفاقية المزعومة بين الافراد هي إتفاقية إرادية أو أنها إتفاقية جبرية ؟ فإن كانت إتفاقية جبرية، فإنّ الإتفاق سوف ينتفي بالجبر. وإن كانت إرادية فهل يستطيع الفرد ـ لسبب من الاسباب ـ الإنسحاب منها والتخلي عن إلزاماتها الإجتماعية أو العقدية ؟ وبتعبير ثان : هل يستطيع الفرد الإنسحاب من العقد الإجتماعي، وتبقى له في الوقت ذاته نفس الحقوق والواجبات في المجتمع ؟ لاشك ان تلك الاسئلة كانت أقوى من فكرة «العقد الاجتماعي»، ولذلك فان تلك الفرضية لم تستطع الإجابة عليها. إلاّ ان فرضية «العقد الاجتماعي» إعترفت لاحقاً بأنّ التاريخ الانساني لم يشهد في أي عصر من العصور إتفاق الافراد على إنشاء فكرة «الرابطة الجماعية». فالفرد خُلق قبل «الجماعة» و«التجمع» و«الرابطة الجماعية». ولذلك فإنّ الفرد الذي عاش ايام العصور الحجرية وعصر ما قبل التاريخ كان يعيش في الواقع حياة بسيطة ساذجة فيها ولاية واحدة سُميت بـ «ولاية الطبيعة». أي ان الطبيعة هي التي كانت تتحكم في سلوك الافراد وطبيعة العلاقات الشخصية بينهم. أما عندما إتفق الافراد على إنشاء المجتمع المدني، فان قيادة ذلك التجمع أصبحت تسمى بـ «ولاية المجتمع». ولكن حتى هذا الزعم البرّاق ليس هناك ما يؤيده من ثوابت علمية، ولسنا ملزمين بالأخذ به بأي شكل من الأشكال. الاُمة في النظرية الدينية: وخير ما يستدل به على عرض النظرية الدينية حول الإجتماع المدني، هو قوله عز وجل في الكتاب المجيد : (كَانَ النّاسُ اُمةً واحِدةً فبَعَثَ اللهُ النبِيينَ مُبَشِّرينَ ومُنذِرِينَ وأنزلَ مَعهُمُ الكِتابَ بالحَقِّ ليَحكُمَ بينَ الناسِ فيما إختَلَفُوا فيهَ وما أختَلَفَ فيهِ إلاّ الذِينَ أوتُوهُ مِن بعدِ ما جَآءتهُمُ البيّناتُ بَغياً بينَهُم فهدى اللهُ الذِينَ آمنُوا لِمَا أختَلَفُوا فيهِ مِنَ الحَقِّ بإذنِهِ واللهُ يهدي مَن يشآءُ الى صِراط مُستَقِيم)[2]. فماذا تعني الاُمة الواحدة في الآية الشريفة ؟ وهل أنّ تلك الاُمة كانت منظّمة سياسياً بحيث حصل الإختلاف في من الذي يحكم ؟ أو أنها كانت مختلفة حول الإعتقاد بخالق الوجود ؟ هذه الآية الشريفة تبين سبب تشريع الدين في حياة الإنسان. فتفسّر وتُعزي سبب التشريع الى حل الإختلافات العقائدية والإجتماعية بين الافراد. فبعد أن كان الافراد اُمة واحدة ظهرت ـ وبسبب تعقد الحياة الاجتماعية ـ إختلافات خطيرة فيما بينهم. وكانت تلك الإختلافات على قسمين : الاول : الإختلافات الدينية، وهي الإختلافات الناتجة عن تباين النظر تجاه الخالق والمخلوقات والوجود. والثاني: الإختلافات الناتجة عن التفاضل التكويني وما يلحقه من تبعات في تحصيل الثروة ثم ما يتبعه من ظلم وحرمان إجتماعي بين الافراد. ولاشك إنّ تلك الآية الشريفة لم تتناول «ولاية الطبيعة» ولا «ولاية المجتمع» بل تحدثت عن «الولاية الدينية» ، بإعتبار أنّ الدين الالهي هو العلّة الوحيدة لإسعاد الإنسان وإصلاح حياته الاجتماعية. وبطبيعة الحال فإنّ الحكم بلزوم الإجتماع المدني بين الافراد والمستند على رسالة الدين العادلة، إنّما دعا اليه الإضطرار. لأن الافراد ما إن إستأثروا بالسلطة والقوة السياسية حتى ظلموا أقرانهم من الضعفاء. وهو المستفاد من قوله تعالى : (إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعاً)[3] ، (...إنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)[4] ، (...إنَّ الإنسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ)[5] ، (كَلا إنّ الإنسانَ لَيَطغَى أن رَّآهُ استَغنَى)[6] ونحوها من الآيات الشريفة. أما «الاُمة» فهي الجماعة من الناس، وربما يُطلق على الفرد الواحد كما في قوله تعالى : (إنَّ إبراهِيمَ كَانَ اُمّةً قَانتِاً للهِ...)[7] ، وربما يُطلق على الملّة والدين كما قال بعضهم في قوله تعالى : (إنّ هذِهِ اُمّتُكُم اُمّةً واحِدةً وأنَا رَبُّكُم فأعبُدُونِ)[8]. وأصل الكلمة من أمّ يأمُّ إذا قصد، فاُطلق لذلك على الجماعة إذا كانت ذات مقصد واحد. قال الزمخشري في الإصطلاح المجازي: «أمَّ فلان أمراً حسناً: قصده وأراده»[9]. وظاهر الآية يدلّ على نفي الإختلاف بينهم في البداية عندما كانوا اُمة واحدة، ولكن تباين أهوائهم وآرائهم جعلت تلك الإختلافات قضية حقيقية بحاجة الى علاج سماوي. ولا نعلم إذا كان مقصود «جان ـ جاك روسو» من «ولاية الطبيعة» هو تذليل المصادر الكونية للاُمة الواحدة المذكورة في الذكر الحكيم أم لا ؟ وهل أنّ «ولاية المجتمع» هي نفس «الولاية الدينية» المذكورة في الذكر الحكيم ؟ وكيفما كان فإنّ فكرة «العقد الإجتماعي» بين الافراد لم تكن واضحة المعالم. خصوصاً عندما طُرحت العلاقة بينها وبين طبيعة الحكومة السياسية التي تحكم الناس. «العقد الاجتماعي» والحكومة السياسية: ولاشك ان العلاقة بين «العقد الإجتماعي» و«العقد الحكومي»، إن كان إتفاقاً أو أو ميثاقاً ليست واضحة. فكيف تصاغ العلاقة بين العقد الإجتماعي المبرم مع الافراد في مجتمع ما والحكومة الرسمية المؤسَسة لإدارة ذلك المجتمع ؟ فهل أنّ مجرد «الثقة» بين الفرد والحكومة هو الذي يحقق أهداف ذلك العقد الإجتماعي كما آمن بذلك «جون لوك»[10] ؟ أو أنّ العلاقة بين سيادة الدولة أو السلطة وبين مَن يمثّل الافراد هو الذي يجسّم طبيعة ذلك العقد الإجتماعي ؟ أجابت النظرية بأنها إنما تفسّر إرتباط توجه الافراد نحو الدولة والمجتمع فحسب ، وليس لها علاقة بقضايا الحكومة أو السلطة وطبيعة الثقة بهما. لأن الموافقة على «الفكرة الجماعية» من قبل الافراد لها بعدٌ متعلق بالمذهب الفردي. فالعقد الإجتماعي يعبّر عن طبيعة الحقوق السياسية التي ينبغي أن يتمتع بها الفرد في المجتمع[11]. إلاّ أنّ ذلك الغموض والتناقض حول فكرة «العقد الاجتماعي» هو الذي أثار الضجة الفلسفية حول دور الدولة في بناء الفرد على الطاعة المطلقة لقوة عظيمة لا يمكن مقاومتها ، وهي قوة الحكومة والقانون. فإذا كان «المذهب الفردي» العقيدة السليمة التي يجب ان نؤمن بها، فكيف يحق للدولة أن تكبلّنا بالقيود السياسية والإجتماعية وما يتبع ذلك من إلتزام بالقانون ؟ ولو كانت «الفكرة الجماعية» التي هي من ملحقات «العقد الإجتماعي» ، الأصل في الرابطة بين الفرد والحكومة، فما قيمة «المذهب الفردي» هنا ؟ بل وكيف يمكن التوفيق بين «المذهب الفردي» و«العقد الإجتماعي» ؟ إلاّ يتناقض كلٌ منهما تناقضاً صارخاً في الفكرة والمفهوم والتطبيق ؟ ولاشك إننا لم نسمع في التأريخ أنّ هناك عقداً أو إتفاقاً قد عُقِد بين الافراد في أي مجتمع من المجتمعات الانسانية. فمن أين جاء فلاسفة اوروبا، خصوصاً «جون لوك»، و«ديفيد هيوم»، و«جان ـ جاك روسو»، بتلك الفكرة الغريبة ؟ يضاف الى ذلك اننا لم نرَ مجتمعاً، مهما كانت درجة بداوته وبدائيته، لا يمتلك شكلاً من أشكال التنظيم القبلي أو السياسي البسيط. فمن أين جاءت «ولاية الطبيعة» في مقابل «ولاية الدولة» أو القبيلة على النطاق السياسي ؟ فالإفتراض ـ إذن ـ بوجود «العقد الإجتماعي» هو مجرد إفتراض محض وليس له حقيقة علمية أو وجود خارجي. والتحقيق أنّ أهمّ نقد يوجّه لنظرية «العقد الإجتماعي» هو أن تلك النظرية لم تتناول العدالة الإجتماعية بأي شكل من الأشكال. فإذا كان العقد نافذاً بين جميع أفراد المجتمع، فلابد أن يتضمن توجيهاً من لون ما نحو فكرة العدالة الإجتماعية. ذلك لأن إختلاف طموحات الأفراد وقابلياتهم يسببان وضعاً إجتماعياً قلقاً بخصوص تعيين الحقوق وفرض الواجبات. ومن المرجح أنّ بروز علم الإجتماع في القرن التاسع عشر الميلادي كان سبباً من أسباب إندثار نظرية «العقد الإجتماعي»، لأن البحوث الإجتماعية وجدت أنّ تلك الفكرة مجرد إفتراض نظري متناقض بطبيعته ولا يمكن الحلم بتحقيقه على أرض الواقع. الميثاق القرآني: ولما فشلت فكرة «العقد الإجتماعي» في إنشاء صيغة مقبولة لفكرة الدولة والمجتمع والرابط الذي يربطهما، نادى بعض القوميين العرب في منتصف القرن العشرين الميلادي بفكرة «الميثاق الوطني» أو «الميثاق القومي» . وهي فكرة حاولت إقتباس الإصطلاح القرآني : «الميثاق» ، وطرحه باُسلوب جديد جذاب يعكس بشكل من الأشكال فكرة «العقد الإجتماعي» المرفوضة. ومعنى الميثاق هو العهد. صارت الواو ياءً لإنكسار ما قبلها. والجمع : المواثيقُ على الأصل، والمياثِقُ ايضاً. وأنشد ابنُ الاعرابي: وكنا اذا الدِين الغُلُبَّي يُرَى لنا***إذا ما رعيناه مَصَابَ البَوَارِقِ حِمىً لا يُحَلُّ الدهرَ إلاّ بإذنِنا***ولا نسألُ الاقوامَ عَهْدَ المياثقِ[12] وقد تناولت معنى الميثاق أو العهد ثلاث مجاميع من الآيات القرآنية. فقد طرحت المجموعة الاولى فكرة الميثاق المأخوذ من الأفراد المؤمنين بالإسلام على الطاعة والتسليم، وتناولت الثانية فكرة الميثاق الخاص المأخوذ من الانبياء خاصة بلحاظ وظيفة النبوة، وطرحت الثالثة فكرة الميثاق المأخوذ من بني آدم على الربوبية. ويمكن ترتيب هذه المجاميع من الآيات الشريفة كالتالي: الاولى: الميثاق المأخوذ من الأفراد المؤمنين بالإسلام على الطاعة والتسليم، فان عليهم في ذلك العهد السمع والطاعة. بمعنى انهم عاهدوا الله عند إيمانهم، بالسمع والطاعة. فقد كان العهد معقوداً بين طرفين، الاول : المرسِل عز وجل وهو الذي أرسل عليهم النعم، وكان أعظمها دين الاسلام. والثاني : المؤمنون الذين تعهدوا بالسمع والطاعة للاوآمر الالهية الصادرة مع فحوى ذلك الدين العظيم. قال تعالى: (واذكُرُوا نِعمةَ اللهِ علَيكُم ومِيثَاقَهُ الذي واثَقَكُم بهِ إذ قُلتُم سَمِعنَا وأطَعنَا ...)[13] ، (الذِينَ يُوفُونَ بِعهدِ اللهِ ولا يَنقُضُونَ المِيثَاقَ)[14]. الثانية : الميثاق الخاص المأخوذ من الانبياء (ع) خاصة بإعتبار وظيفة النبوة، وهو غير الميثاق المأخوذ من عامة البشر. يقول تعالى: (وإذ أخَذنَا مِنَ النبِيينَ ميثَاقَهُم ومِنكَ ومِن نُّوح وإبراهيمَ ومُوسى وعيسى ابنِ مريمَ وأخَذنَا منهُم ميِثَاقاً غَلِيظاً)[15] ، وفي موضع آخر: (وإذ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النّبِيينَ لَمَا اتَيتُكُم مِن كتاب وحِكمة ثُمَّ جَآءكُم رَسُولٌ مُّصدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بهِ ولَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أأقررتُم وأخَذتُم على ذلكم إصري قَالُوا أقَررنَا)[16]. والآيتان الآنفتا الذكر وإن لم تبينا مضمون الميثاق المأخوذ من الانبياء (ع)، إلاّ أنه يبدو من ظاهرهما أنّ فيه أمراً من اُمور النبوة. و«يستفاد من آية آل عمران إنّ الميثاق مأخوذ على وحدة الكلمة في الدين وعدم الاختلاف فيه كما في قوله: (إنَّ هذهِ اُمّتُكُم اُمّةً واحِدةً وأنا رَبُّكُم فاعبُدُونِ)[17] ، وقوله: (شَرَعَ لَكُم مِنَ الدينِ ما وَصّى بهِ نُوحاً والذي أوحينآ إليكَ وما وصّينا بِهِ إبراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أن أقِيمُوا الدينَ ولا تَتَفرَّقُوا فيهِ)[18] »[19]. الثالثة : الميثاق المأخوذ من بني آدم على الربوبية. فبعد أن أخذ بعضهم من بعض وفصّل بين كل واحد منهم، أشهدهم على أنفسهم أي أراهم حقيقة أنفسهم حتى يتحملّوا قضايا التكليف والإشهاد على ربوبيته سبحانه. يقول تعالى: (وإذ أخَذَ ربُّكَ من بني ادمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرّيّتَهُم وأشهَدَهُم على أنفُسِهِم ألسَتُ بِرَبِّكُم قالوا بلى...)[20]. والظاهر من منطوق الآية الشريفة هو أنّ المولى عز وجل خلق بني آدم في الأرض وفرّقهم وميّز بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوقفهم على إحتياجهم ومربوبيتهم له . فأعترفوا له بذلك قائلين : بلى شهدنا أنك ربنا. ومن نافلة القول أن نذكر بأننا قد إلتزمنا بظاهر الآية الشريفة في مقام إستدلالنا على فكرة «الميثاق» في القرآن الكريم. ونستقرىء مما عرضناه من الآيات الشريفة، أنّ فكرة «الميثاق» في القرآن المجيد تختلف عن فكرة «العقد الإجتماعي» من طرف واحد، وهو ان «الميثاق» القرآني يستند على أساس الطاعة والتسليم والعبودية لله الواحد القهّار بينما تستند فكرة «العقد الاجتماعي» على الطاعة والتسليم للدولة. ولا نستغرب لو قال لنا قائل بأنّ فكرة «العقد الإجتماعي» الاوروبية كانت قد اُقتبست من فكرة «الميثاق» القرآنية بين الخالق القوي العظيم والمخلوق الضعيف. فإنّ في الفكرتين، مع إختلاف موضوعيهما، قواسم فكرية مشتركة وخطوطاً متقاطعة لا يمكن الفرار منها. وقد جاءت فكرة «العقد الإجتماعي» بعد أكثر من الف عام من نزول القرآن الكريم على نبينا وقائدنا محمد (ص)، فتأمل ! الإرادة الجماعية و فكرة «الإرادة العامة» أو «الإرادة الجماعية» تعبّر عن أفكار مترابطة خاصة بالفلسفة السياسية وتتعلق بالقصد الجماعي. أي أنّ إرادة الفرد تقابلها إرادة أعمّ وأشمل وهي إرادة المجموع. ولاشك إنّ هذا التقريب لفكرة «الإرادة العامة» يثير في انفسنا تساؤلات عن أهمية الشخصيات التي تكوّن ذلك القصد والتصميم وحقيقتها في المجتمع. فهل أنّ إرادة وقصد الكل الجماعي تمثل إرادة جميع الشخصيات في المجتمع ؟ أو أنها تعبّر عن إرادة القلّة المنتخَبة فتكون إرادة معبّرة عن إرادة المجموع ؟ وإذا إفترضنا أنّ هناك إرادة عامة، فما هو دور «المذهب الفردي» في تشكيلها وتصميمها ؟ أجاب فلاسفة اوروبا بضبابية على تلك الإشكالات الفلسفية. فقد زعموا بأن «التصويت» السياسي لا يعكس تعبير الفرد عن رأيه السياسي الشخصي، إنّما يعكس رأي الفرد المصوِّت على الإرادة العامة والقصد الكلي للافراد[21]. فالإرادة العامة هي الإرادة الحقيقية في أصلها وبدايتها وفي نهايتها وأهدافها، أما الإرادة الفردية فهي لا تعدو مجرد إرادة ظاهرية. بمعنى أنّ الإرادة العامة لها أهداف إجتماعية وأخلاقية، بينما لا تمتلك الإرادة الفردية ذلك اللون من الأهداف. وأضافوا بأنّ الإرادة العامة تعبّر في أحد جوانبها عن الطاعة التي يمارسها الفرد تجاه الدولة. فإطاعة الجماعة تعكس الفكرة القائلة بأنّ الانسان إنما يطيع نفسه، ولكن تحت هوية مغايرة وإنتماء آخر مختلف. ولكن الفخ الذي نصبه فلاسفة الغرب لأنفسهم ـ من دون إلتفات ـ لم يكن عملاً يمكن الإفلات منه بسهولة. فهم لم يدركوا ـ في ذلك الوقت ـ ان الإرادة العامة تناقض المذهب الفردي بالصميم. فكيف تكون إرادة الفرد «ظاهرية» وليست إرادة «حقيقية»، بينما تكون الإرادة العامة حقيقية وليست ظاهرية ؟ فهل يعني هذا أنّ شخصية المجتمع هي الشخصية الحقيقية، وشخصية الفرد لا تعدو أكثر من شخصية ظلّية غير حقيقية ؟ وإذا تم ذلك، فكيف يتم التوفيق بين المذهب الفردي وطموحات الجماعة ؟ ولاشك إنّ ذلك الخلل الفلسفي يعتبر من أخطر هفوات نظرية «المذهب الفردي» الاوروبية. خصوصاً اذا أضفنا ملاحظة اُخرى، وهي أنّ الإرادة العامة لا تحتاج الى أي تمثيل ولا الى أي لون من ألوان الدستورية، فكيف يمكننا ـ اذن ـ أن نوفّق بين «الإرادة العامة» و«العقد الإجتماعي» ؟ بل كيف يمكننا التوفيق بين القضية الاخلاقية في إطاعة الدولة وحق الفرد في مقاومتها ؟ والحق أن مفهومنا عن الإرادة هو أن الإرادة العامة أو الإرادة الجماعية لابد أن يكون لها منشآن : عقلائي وديني نابعان من إرادة الشخصية المؤمنة بالخالق عز وجل التي تستطيع أن تفهم معنى الطاعة للدولة ولمؤسساتها الانسانية، بإعتبار ان تلك الطاعة منبثقة من طاعة الله سبحانه وتعالى. ولاشك أنّ «الإرادة الجماعية» إرادة واقعية وليست إفتراضية، وإرادة عرفية وليست وصفية. بمعنى أنّ الدين ينمّي عند الافراد روح الجماعة والتعاون والتكاتف، وبذلك فإنّ إرادة الافراد تتوحد من خلال النداء الديني الذي يحرّك مشاعر الجميع بقدر متشابه نحو إنجاز الفعل أو التكليف. وهذا يتباين تماماًـ من دون شك ـ مع النداءات القانونية أو السياسية الوضعية التي قد تحرّك مشاعر الافراد ولكن بأشكال متفاوتة جداً. والإرادة الجماعية عرفية، لأنها مرتبطة بالعرف العقلائي الذي أمضاه الدين. فإرادة الافراد نحو الجهاد الابتدائي ضد العدو، أو الإرادة الجماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متناسبتان ومتوازيتان على الصعيدين الشرعي والعرفي. وذلك الإنسجام بين العرف والشرع يتماشى مع طبيعة الفطرة الانسانية في التحرك الاخلاقي لبناء المجتمع. وقد جاء في النص المجيد : (ولتَكُن مِّنكُم اُمّةٌ يدعُونَ الى الخَيرِ ويأمُرُون بِالمعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ...)[22]. فقال المفسرون في تفسيرها : «أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الأعيان لا يسقط بقيام البعض عن الباقين»[23]. فهذا الأمر المولوي بالتحرّك الجماعي نحو تنظيم المجتمع اخلاقياً وتثبيت الحقوق والواجبات الشرعية أو العبادية ينسجم تماماً مع طبيعة ووظيفة الإرادة الجماعية. فهو في الوقت الذي يخاطب الاُمة أو الجماعة منطوقاً، يخاطب الفرد ويحثّه على الإلزام الذاتي الداخلي مفهوماً . وبكلمة، فإنّ الدين يخلق عند الافراد إرادة شخصية في التكليف الشرعي. وعندما تجتمع تلك الإرادات الشخصية فانها تتبلور في إرادة جماعية متضامنة دفاعاً عن العقيدة مثلاً، أو في قصد جماعي في إداء المراسم الخاصة بالشعائر الحسينية، أو في إرادة عامة في تهيئة الظروف والأجواء الشرعية المناسبة لظهور الامام القائم (عج). ففي كل تلك المناسبات تكون الإرادة الجماعية معبّراً حقيقياً عن دور الدين في بناء الأفكار الأخلاقية والأحكام الشرعية في ذات الفرد. ولاشك أنّ فكرة العرف حول الطاعة السياسية للدولة متلازمة مع طبيعة الطاعة الشرعية للأحكام في الدولة الاسلامية. وقد نلاحظ التلازم ايضاً بين فكرة الطاعة السياسية في العرف العقلائي وقضايا الحقوق والواجبات التي نظّمتها الشريعة بين الافراد. والمحَقق من البحث والإستقصاء أنّ فكرة ظهور الامام الحجة (عج) وإقامة دولة العدالة الالهية كانت قد تركت آثارها وبصماتها على أفكار الفيلسوف «عمانوئيل كانت». فقد تنبأ «كانت» بعالم مستقبلي أسماه بـ «مملكة النهايات»[24]. فأعلن بأنّ المستقبل الانساني ينبئ بظهور مجتمع طاهر يُعامل كل فرد فيه الآخرين وكأنهم نهايات له. وبتعبير أوضح أنه تنبأ بظهور مجتمع يمتلك درجة عظيمة من العدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي لجميع الافراد ; وهو مطابق لعقيدتنا في مجتمع صاحب الزمان (ع) الذي تُملأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً ، كما جاء في الروايات المتضافرة عن ائمة أهل البيت (ع)[25]. وبكلمة، فإنّ فكرة الإرادة الجماعية تعتبر من أهم الافكار التي حاولت تقويض فكرة «المذهب الفردي» الغربية، وفي الوقت ذاته تعتبر مناصراً ومؤيداً فلسفياً لفكرة «الجماعة» و«الرابطة الاخوية» و«إرادة المجموع» التي أكد عليها الدين الحنيف مراراً. الفلسفة الإشتراكية نشأت الفلسفة الإشتراكية بالأصل لوصف المجتمع الإنساني المثالي. وأرتبط أسمها في بداية القرن التاسع عشر بالحركة التعاونية الاوروبية. وهي حركة نادت بإنشاء المجتمع المثالي على غرار «المدينة الفاضلة»[26]. إلاّ أنّ تنظير الفلسفة الاشتراكية الغربية إنحصر بثلاثة أسماء رئيسية هي : «فولتير»، و«روسو»، و«الفلاسفة الموسوعيون». فـ «فولتير» رأى بأن الخير والشر لا يمكن فصلهما عن طبيعة المجتمع. وطالما فشل الماديون في إثبات فناء الروح، وفشل المتدينون في إثبات وجود الروح «!» ، فإنّ الاخلاقية الاجتماعية تُحتّم علينا الأخذ بعقيدة العقاب والثواب في المجتمع[27]. و«روسو» زعم بأنّ الافراد يولدون أحراراً، إلاّ أنّ الدولة و«الإرادة الجماعية» هي التي تكبلهم بالقيود[28]. أما «الفلاسفة الموسوعيون» فقد طالبوا بالتدقيق في مهمات المؤسسات الإجتماعية على ضوء عاملي العقل والعدالة[29]. بينما دعى «روبرت أوين» زعيم الحركة التعاونية الى العدالة السياسية والتوافق الإجتماعي بين جميع طبقات المجتمع الاوروبي في القرن التاسع عشر الميلادي[30]. وهكذا نلاحظ أنّ الفلسفة الإشتراكية لم تنشأ بالأصل كصراع بين طبقة العمال والطبقة الرأسمالية، كما هو المشهور خطأً . بل إنها نشأت كحركة فلسفية أشبه بالفلسفة المثالية وحركات الإصلاح والتجديد في الفكر الاوروبي الحديث. إلاّ إنّ كلمة «الإشتراكية» وما صاحبها من تغييرات في المعنى والقصد والهدف إستبطنت تفسيرات كثيرة في أذهان المفكرين الغربيين. ولكن القاسم المشترك الذي وحّد تلك التفسيرات هو شكل وطبيعة المجتمع الذي كان يأمل المفكرون العيش فيه. فمن أفكار «المدينة الفاضلة» وحتى أفكار «ماركس» و«انجلز» كانت «الإشتراكية» فكرة رائعة تراود أذهان جملة عظيمة من المفكرين الغربيين لمدة مائة وخمسين عاماً من الزمن. ويتلخص جوهر الفلسفة الاشتراكية في أربعة نقاط فكرية وفلسفية مهمة، وهي: 1 ـ نقد الظلم الإجتماعي. 2 ـ العمل من أجل مجتمع أفضل. 3 ـ الثورة طريق التبديل. 4 ـ الاشتراكية تستبطن فكرة عالمية. وسوف نتناول تلك النقاط الفكرية بشيء من العرض والنقد والتحليل. نقد الظلم الإجتماعي: دأبت الفلسفة الاشتراكية على الإفصاح عن فكرة مفادها انّ نقد المجتمع الظالم بمؤسساته الحيوية إنّما يعتبر من أهم عقائدها الفلسفية. فالمؤسسات الإجتماعية الظالمة تفتقد أخطر المباني الأخلاقية وأهمها في إستقرار المجتمع ، ولذلك فإنها يجب ان تُدان بالكلمة والفعل. ولكن الظلم الإجتماعي يتبدل من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان. فقد يكون الظلم محصوراً في الإقطاع الزراعي، وقد يكون محصوراً في الرأسمالية الصناعية، وقد يكون محصوراً في البابوية الكنسية، وقد يكون مقتصراً على الحكومة السياسية، وقد يكون مقتصراً على القانون، وقد يكون شاملاً لجميع تلك الموارد. فأدوات ومكائن الظلم الإجتماعي والإضطهاد السياسي تختلف بإختلاف الزمان والمكان. إلاّ انّ أعظم اخطاء الفلسفة الإشتراكية، خصوصاً فيما اُستظهر من كتابات «ماركس»، هو إتهامها الرسالة الالهية بإضطلاعها بمساندة الإضطهاد والظلم الإجتماعي[31]. وبذلك فقدت الاشتراكية أهم ميزة من ميزاتها الفلسفية، لأنها دخلت في تناقض واضح مع أبسط مبادئ الديانة الالهية التي تدعو للعدالة الإجتماعية. أما ماذا كان يعمله كهنة الكاثوليك في اوروبا في القرون الماضية، فهذا ليس شأناً عقائدياً يخص جوهر فكرة الدين، بقدر ما هو سوء إستخدام الدين وإستغلاله لمصالح شخصية ضيقة. أما الضربة الثانية التي وُجهّت للفلسفة الإشتراكية، فهي إنكارها للملكية الشخصية، الى درجة أنها رفعت شعاراً مفاده «أنّ الملكية الشخصية ما هي إلاّ لون من ألوان اللصوصية»[32]. علماً بأنّ الملكية الشخصية كانت ولا تزال منسجمة تماماً مع فطرة الإنسان في التملك وحيازة الاشياء. وقد عرض الدين الالهي صيغة شرعية فريدة لتنظيم الملكية الشخصية وتحديد ضوابطها بحيث جاءت منسجمة مع العدالة الإجتماعية التي تطلّع الدين الحنيف الى تحقيقها. ولكن فشل الفلسفة الاشتراكية في تشخيص الصيغة الفكرية للصراع الإجتماعي والملكية الفردية جعلها تبحث عن أبواب جديدة تفتح فيها صفحات المساواة : في الحرية، وفي السعادة، وفي الجمال، وليس المساواة في الثروة المادية فقط[33]. بل إنّ التوجه الفكري الحديث للفلسفة الاشتراكية بدأ ينتقد نظام التوزيع ويحمّله تبعات إنعدام العدالة الاجتماعية، ويغض النظر عن إنتقاد كليات الإنتاج الصناعي والزراعي في الدولة الرأسمالية. بإعتبار أنّ الإنتاج الزراعي والصناعي يكفي ـ وبمستوى مقبول ـ في إشباع حاجات كل فرد من أفراد المجتمع الإنساني، لو تم تنظيم التوزيع بشكل عادل. العمل من أجل مستقبل أفضل: وقد اعلنت الفلسفة الاشتراكية بأنها قادرة على خلق مجتمع جديد بمؤسسات مختلفة تستند على القيم الاخلاقية التي تجلب الخير للإنسان ولا تفسده. فطالما كان الانسان قادراً على خلق المجتمع الجديد، فإنه قادرٌ ايضاً على ممارسة القيم الاخلاقية وبلورة مصاديقها في ذلك التنظيم الإجتماعي. وبكلمة، فقد آمنت تلك الفلسفة بأنّ الحقيقة الاشتراكية سوف تنتصر في النهاية، وزعمت بأنّ تلك الحقيقة مطابقة تماماً لفكرة «العدالة». فالعدالة، في المؤسسات الإجتماعية، تعني المساواة في الحقوق. والمساواة أمام القانون تعني الديمقراطية. ولكن، ومع أنّ الفلسفة الاشتراكية جعلت الربط بين العمل والأجر من أهم مبانيها الفلسفية، إلاّ أنها فشلت في تشكيل تصور واقعي للإشكال الفلسفي الخطير الذي يشكك في العلاقة بين العمل والأجر. فقد رفعت في البداية شعار «كلٌ حسب قابليته»، ثم غيّرت ذلك بشعار آخر وهو: «كلٌ حسب حاجته»، ثم غيّرت ذلك بشعار جديد وهو: «كلٌ حسب جهده»، وآخر رابع: «كلٌ حسب إنتاجه». ولم تستقر الفلسفة الاشتراكية على رأي موحّد ثابت حول العلاقة بين العمل والأجر، إلاّ اللهم فيما يخص تحديد الاُجور من قبل الدولة. ويمكننا تلخيص نقدنا للفلسفة الاشتراكية بمناقشة مبدأين، هما : الاول : مبدأ العلاقة بين العمل والأجر. فمع إنها حددت الأجر، إلاّ ان الاشتراكية لم تستطع الثبات على رأي واحد في صياغته على أساس القابلية أو الحاجة أو الجهد أو الانتاج. فإذا أقرّت تثبيت الأجر على أساس الحاجة فهي في الواقع قد قامت بالمساواة بين الافراد المنتجِين والافراد غير المنتجِين. وإذا أقرّت تثبيت الأجر على أساس القابلية، فانها أمضت الفكرة القائلة بأن الافراد الذين يولدون بدون قابلية سليمة على الإنتاج سيحرمون من الأجر والعطاء الإجتماعي. وإذا أقرّت تثبيت الأجر على أساس الجهد والإنتاج، فإنّ ذلك سيقوّض أهم أركان الفلسفة الإشتراكية وهو إنّ عدم الايمان بشرعية الملكية الشخصية سيجعل من الجهد الفردي قضية عابثة لا أمل من تحقيقها. وفي ضوء ذلك، فإنّ الضبابية التي اكتنفت موضوع العلاقة بين «العمل والأجر» جعل الفلسفة الاشتراكية محط شكوك أكثر الفلاسفة وعلماء الإجتماع. الثاني : مبدأ فكرة «العدالة الإجتماعية». فهذه الفكرة التي جاءت بها تلك الفلسفة لم تترجم الى واقع عملي، بسبب عدم وضوح فكرة توزيع الثروة الإجتماعية بين الافراد من خلال المؤسسات الإجتماعية التي كان من المؤمّل انشاؤها. فهل أنّ العدالة الإجتماعية تتم من خلال النظر الى المجتمع على أساس كونه مجتمعاً قروياً صغيراً أو على أساس كونه مجتمعاً مدنياً كبيراً ؟ فاذا كان الاول هو المطلوب، فإنّ تبادل المنتجات والبضائع في المجتمعات القروية الصغيرة يتم عن طريق سلطة محدودة تشخّص الافراد بعناوينهم الإجتماعية والقروية. فيمكن أن يتحقق قدر أدنى من العدالة بين الافراد. بل إنّ فكرة العدالة في المجتمع القروي لا تحتاج الى كل ذلك الجهد الذي بذلته الفلسفة الاشتراكية، لأن القدر الأدنى من تلك العدالة محرَز في المجتمعات القروية على مر التأريخ. فالافراد في القرية يعرفون بعضهم البعض ويخضعون لنظام المجتمع القروي المستند على العشيرة أو القبيلة أو الجيرة المتعاونة في السراء والضراء . ولكن القضية تتبدل عندما نتعامل مع المجتمع المدني الكبير. فوسائل الإنتاج العملاقة، والبنوك، والتقدم التقني جعل من المجتمع المدني مسألة معقدة جداً. فهل أنّ تحديد الأجر يساهم في تثبيت العدالة الإجتماعية أو أنه يساهم في تقليل الإنتاج الإجتماعي ؟ وهل إنّ سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج العملاقة سيحقق العدالة الإجتماعية بين الافراد أو يخلق طبقة رأسمالية جديدة تقودها الدولة ؟ إنّ المشكلة الفلسفية التي خلقها المجتمع المدني ، تتلخص بثلاثة موارد : 1 ـ خشية الدولة من تضخم مساحة ذلك التجمع الانساني. 2 ـ دور الدولة الاقتصادي كأداة من أدوات الإنتاج. 3 ـ مساحة السلطة الحاكمة في السيطرة على المجتمع. كل تلك المشاكل لم تستطع الفكرة الاشتراكية معالجتها، بل انها تركت فراغاً في تصوير المجتمع المثالي الذي أرادته الفلسفة الإشتراكية من خلال طرحها المزعوم للعدالة الإجتماعية. إنّ الفرق الجوهري بين العدالة الإجتماعية التي دعت لها الفلسفة الاشتراكية والعدالة الإجتماعية التي دعى لها الدين، يكمن في أنّ الدين بنى المؤسسات الإجتماعية التي تستطيع تحقيق تلك العدالة بين الافراد وأمثلتها : المباني الحقوقية الشرعية الخاصة بالفقراء كمباني الزكاة والخمس والصدقات الواجبة والمستحبة والكفارات والأضحية والنذور ونحوها، وكذلك التعاون الإجتماعي ضمن نطاق الاُسرة والجيرة وصلة الرحِم والعشيرة. بينما لم تتناول الفلسفة الاشتراكية طبيعة المؤسسات التي ينبغي ان تتضافر من أجل تحقيق عدالتها الإجتماعية المزعومة. والدولة بمفردها لا تستطيع تحقيق تلك العدالة ما لم تُساند بمؤسسات إجتماعية أو مباني شرعية مُصمّمة خصيصاً لتسديد تلك العملية الإجتماعية الشاقة. الثورة طريق التبديل: وكان من مبادئ الفلسفة الاشتراكية أنّ الطموح نحو تحقيق العدالة لا يتم إلاّ عن طريق القوة والعنف، أو بتعبير أوضح: «الثورة». فالإنتقال الأساسي في المجتمع من الرأسمالية الى الاشتراكية يتحقق فقط عن طريق برنامج عملي يستبطِن إرادة ثورية. وهذا لا يتم إلاّ بواسطة إنشاء قدرة هائلة في التعليم، والإقناع، والاعلام. ومن المرجح ان أكثر المنظمات خصوبة لتقبل آراء تلك الفلسفة هي المنظمات العمالية والطلابية. وأفضل الأعمال التي تقوم بها تلك المنظّمات لمساندة ذلك «الانتقال» هو الإضراب عن العمل أو الإضراب عن التعليم لإجبار الطبقة الرأسمالية الحاكمة للتنازل عن بعض إمتيازاتها الإجتماعية. إلاّ أنّ الفلسفة الاشتراكية المؤمنة بالثورة والصراع الإجتماعي المسلّح واجهت تصدعاً داخلياً آمن بضرورة «التدرُجية» السلمية. أي أنّ الإنتقال الأساسي لا يكون بالضرورة إنتقالاً ثورياً مسلّحاً، بل يمكن أن يكون إنتقالاً تدريجياً سلمياً[34] . ولكن «الثورة» المسلّحة أو «التدرُجية» السلمية لم تستطعيا ـ منفرداً أو مجتمعاً ـ من إحداث «الإنتقال الأساسي» للمجتمع ولفترة طويلة من دون الإعتماد على فلسفة متكاملة في الإلزام الذاتي. فالأصل في قضية «الإنتقال الذاتي» هو الركون الى رسالة إجتماعية متكاملة يطمئن القلب الى ثبوتها وعدم تزعزعها وتصدعها بعد آن من الزمن. وذلك لا يتمثل إلاّ في الرسالة الدينية السماوية. فقد عبّر «الاسلام»، بإعتباره إلزاماً أخلاقياً ذاتياً، عن طبيعة الإنتقال المثالي للمجتمع الانساني من ظلم الجاهلية الانسانية الى عدالة الرسالة الالهية بين جميع الافراد. الاشتراكية تستبطن فكرة عالمية! وهذا المبدأ أحد أهم مبادئ الفلسفة الاشتراكية. فقد زعمت الاشتراكية انها تمثّل فكرة عالمية غير منحصرة بعرق أو شعب معين. بل أنّ البيان الشيوعي لـ «كارل ماركس» كان قد اُفتتح بجملة «يا عمال العالم اتحدوا»[35]. ولكن تلك العالمية المزعومة واجهت مشكلتين. الاولى : الشعور القومي الذي رافق الإيمان بفكرة «الاشتراكية» في جميع المجتمعات التي كانت تحارب المؤسسات الرأسمالية. حتى أنّ الفجوة الواسعة بين «الإشتراكية» و«القومية» في المجتمعات العربية مثلاً، والتي حاول بعض المفكرين العرب سدّها أو ردّمها، جعلت من الفكرتين محل سخرية وتناقض لأن التوفيق بين العالمية والقومية متناقض الى حد يشابه التوفيق بين اللونين الأسود والأبيض اللذين لا يجتمعان في مكان واحد في نفس الوقت. وهو تناقض فلسفي مفضوح. والثانية : إنّ الفلسفة الاشتراكية لم تدافع عن الاُخوة الإنسانية. بل إنها إفترضت وجود تلك الاُخوة. فليس هناك ما يدلّ على أنّ الاشتراكية «العلمية» أو الاشتراكية «المثالية» تمتلك منهجاً عملياً في تأسيس صيغة فلسفية تتناول الاُخوة الإنسانية في جميع المجتمعات. وبدون وجود مثل ذلك المنهج، فإنها لا تستطيع أن تزعم بإنها رسالة عالمية قادرة على الصمود أمام الأفكار المناوئة لها كالقومية والوطنية والشعوبية ونحوها. الإستنتاج: لم تستطع فكرة «العقد الإجتماعي» من إقناعنا بأنّ الميثاق المجرد عن الإلزام الاخلاقي أو الديني بين الافراد، قادرٌ على أن يجعلنا نعيش بأمان وإطمئنان وثقة في المجتمع الانساني. فالطاعة المنبثقة من ذلك العقد تناقض المذهب الفردي الذي آمنت به النظرية الغربية ذاتها، وتنتهك في الوقت نفسه مسألة العدالة الإجتماعية. إلاّ إنّ الفلسفة الاشتراكية ناقشت قضية العدالة الإجتماعية ونقدت الظلم الإجتماعي المتمثل بالمؤسسة الرأسمالية، ولكنها عجزت عن تشخيص المؤسسات الإجتماعية القادرة على تحقيق الحد الادنى من قضية العدالة الإجتماعية بين الافراد. بل إنها حرّمت الملكية الشخصية ودعت الى الثورة ضد الطبقة الرأسمالية. ولم يبقَ لنا من حطام ذلك التناقض من فكرتي «العقد الإجتماعي» و«الفلسفة الاشتراكية» إلاّ أن نبحث عن فكرة المجتمع وطبيعة الإجتماع الانساني واُسس العدالة الإجتماعية في الرسالة الدينية. فالاسلام قدّم لنا نظرية متكاملة من أجل إسعاد البشرية، خصوصاً في قضايا الحقوق والواجبات . وهذا ما سندرسه في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب بإذنه تعالى. (تليها صفحات 159 - 174)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] العقد الاجتماعي – جي دبليو كوف. اكسفورد: مطبعة جامعة اكسفورد، 1957م. [2] سورة البقرة: الآية 213. [3] سورة المعارج: الآية 19. [4] سورة الاحزاب: الآية 72. [5] سورة ابراهيم: الآية 34. [6] سورة العلق: الآية 6- 7. [7] سورة النحل: الآية 120. [8] سورة الانبياء: الآية 92. [9] أساس البلاغة – الزمخشري ص 10. [10] جون لوك: رسالتان حول الحكومة. بيـتر لاسليت. كامبردج: مطبعة جامعة كامبردج، 1960م. [11] العقد الاجتماعي: بحوث لفلاسفة اوروبا: (لوك)، (هيوم)، و(روسو) – ارنست باركر. اكسفورد: مطبعة جامعة اكسفورد، 1948م. [12] الصحاح – الجوهري ج 3 ص 1563. [13] سورة المائدة: الآية 7. [14] سورة الرعد: الآية 20. [15] سورة الاحزاب: الآية 7. [16] سورة آل عمران: الآية 81. [17] سورة الانبياء: الآية 92. [18] سورة الشورى: الآية 13. [19] الميزان في تفسير القرآن – السيد الطباطبائي. ج 16 ص 278. [20] سورة الاعراف: الآية 172. [21] الاختيار الاجتماعي والقيم الفردية – كي جي ارو. نيويورك: ماكميلان، 1963م. [22] سورة آل عمران: الآية 104. [23] فقه القرآن – الراوندي ج 1 ص 356. [24] الفلسفة، السياسة، والمجتمع – بيتـر لاسليت. الكتاب الاول من مجموعة كتب متسلسلة. اكسفورد: مطبعة جامعة اكسفورد، 1957م. [25] مسند احمد بن حنبل ج 3 ص 36. ومستدرك الصحيحين ج 4 ص 557. وحلية الاولياء لابي نعيم ج 3 ص 101. [26] تأريخ الفكر الاشتراكي – جي دي كول. 7 اجزاء. لندن: كليردون، 1953 – 1960م. [27] سياسة فولتيـر: الشاعر بواقعية. بيتـر كاي. برنستون، نيوجرسي: مطبعة جامعة برنستون، 1959م. [28] الثورة: 1789 – 1906. ريمنود بوستكيت. نيويورك: المطبعة الحرة، 1964م. [29] تاريخ الاشتراكية. توماس كيركب. لندن: 1913م. [30] تاريخ الفكر الاشتراكي – جي دي كول. لندن: 1960م. [31] كتابات مختارة في علم الاجتماع والفلسفة الاجتماعية – كارل ماركس. بالتيمور، ميريلاند: بنكوين، 1964م. [32] التقاليد الاشتراكية: من النبي موسى (ع) الى لينين – الكسندر كري. لندن: 1949م. [33] الحركات الاجتماعية الاقتصادية – اج دبليو ليدلر. نيويورك: ماكميلان، 1944م. [34] تاريخ الفكر الاشتراكي – جي دي كول. لندن: كليردون، 1960م. [35] اعمال مختارة – كارل ماركس. موسكو: مطبعة التقدم، 1969م.
|