|
(ص 127 - 138) الفصل السادس الدين والعلوم الإجتماعية الدين في مواجهة العلوم الإجتماعية * النظريات العلمانية في تفسير الدين * اولاً: النظرية الماركسية ونقدها * ثانياً: نظرية «اميلي ديركهايم» ونقدها * ثالثاً: نظرية «سيغموند فرويد» ونقدها. ------------------------------- الدين في مواجهة العلوم الإجتماعية إنّ العلاقة المريرة بين الكنيسة النصرانية الغربية والعلوم الإجتماعية نمت وتطورت الى ما يشبه الحرب الفكرية، خصوصاً مع إزدياد تطور العلوم التجريبية وإكتشافها لحقائق علمية متناقضة تماماً مع الإعتقادات الكنسية. فقد شهد القرنان السابع والثامن عشر الميلاديان أهم تأثيرات العلوم التجريبية على الحياة الدينية والعقائدية للاوروبيين. وقد تمثل ذلك التأثير بتشكيل صورة جديدة للكون مخالفة تماماً للصورة القديمة التي وضعتها الكنيسة من قبل ; وكانت تلك الصورة العلمية نتيجة من نتائج تقدم علمي «الفلك» و«الفيزياء» في الأبحاث التجريبية. وفي القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت صورة اُخرى مخالفة للإعتقادات الكنسية فيما يخص تأريخ الحياة الإنسانية على وجه الارض عن طريق تطور علمي «طبقات الارض» و«العلوم الأحيائية البيولوجية». أما في القرن العشرين فقد برزت صورة حديثة ثالثة للعلوم الإجتماعية لم تكن معادية للكنيسة فحسب، بل كانت معادية لجوهر الدين أيّاً كان مصدره وطبيعته الفكرية والفلسفية. وبالإجمال فانّ الموقف التجريبي تجاه العقائد بصورة عامة، قد تبدلّ تبدلاً جذرياً في القرون الثلاثة الأخيرة. فعلم الفيزياء وعلم الاحياء أثارا حفيظة رجال الكنيسة ورجال اللاهوت النصارى لأنهما طرحا نظريات جديدة حول الكون، والحياة، والانسان تتناقض تماماً مع إعتقادات الكتب المقدسة المحرّفة التي كان يؤمن بها ويستعملها اولئك الكهنة الذين استأثروا بالسلطة وسيطروا على منابع الخيرات الإجتماعية. وبذلك فقد وجدنا أنفسنا ـ وقد فتحنا أعيننا على العلوم الحديثة ـ أمام علوم إجتماعية معادية من الأصل لفكرة الدين السماوي. فكان لابد لنا من تحديد موقفنا عبر نقد تلك الأفكار الجديدة الوافدة. فالعلوم الإجتماعية في القرن العشرين حاولت أن تسلب من الدين، وليس من الكنيسة وحدها، ذلك الجوهر الغيبي الناصع وتلك الأهمية الفائقة في تنظيم الحياة البشرية. بل إنها وضعت عقائد الدين تحت مجهر النظريات النفسية التي لم يكتمل نموها بعد، وحاولت تفسير الدين من خلال نفس الإطار التجريبي الذي بحثت فيه ظواهر حركة الذرات والالكترونات والأحياء المجهرية. وبذلك فإنّ العلوم الاجتماعية الاوروبية قد فقدت أهم أركانها الاخلاقية، وهو إنكار دور الإيمان بالغيب ودور اليد الالهية في صياغة شؤون الإجتماع الإنساني، ووقعت في فخ الصراع الضيق بين الكنيسة والعلوم التجريبية. النظريات العلمانية في تفسير الدين وقد إختبر الدين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين مصادمات فكرية عنيفة مع ثلاث نظريات غربية حاولت أن تعزي ظهور الدين الى العوامل النفسية والإجتماعية للافراد الذين كانوا يعيشون فترة الإنبعاث الرسالي. وهذه النظريات هي: 1 ـ النظرية «الماركسية»، وهي النظرية التي زعمت بأن الدين هو أحد الإنعكاسات الفكرية للوضع الاقتصادي المتشابك مع المصالح الاخرى في المجتمع[1]. 2 ـ نظرية «اميلي ديركهايم»، الزاعمة بأن العقائد الدينية تتضمن تصورات إجتماعية وضعية لتركيبة المجتمع[2]. 3 ـ نظرية «سيغموند فرويد»، وهي النظرية الزاعمة بأنّ العقائد الدينية تبرز من خلال إسقاطات مصمّمة لتنشيط بعض ألوان الصراع في العقل اللاواعي أو في العقل الباطني للانسان[3]. وقد يتساءل المرء : هل أنّ إيمان «كارل ماركس»، و«اميلي ديركهايم»، و«سيغموند فرويد» جميعاً باليهودية كان مجرد صدفة فإجتمعوا بالفكر في أزمان وأماكن مختلفة لتأسيس علوم إجتماعية ضد الدين ؟ أو أنّ تفكيرهم الجديد حول الدين كان وضعاً فكرياً نابعاً من عقيدتهم اليهودية ؟ إنّ الجواب على ذلك غير مهم الآن لأننا سنناقش نظرياتهم في هذا الكتاب من منظار البحث العلمي، لا منظار الإنتماء الديني. وسوف نُحيل الجواب على السؤالين السابقين الى كتاب «دور الفرد والدين في البناء الإجتماعي» من كتب هذه الموسوعة بإذن الله تعالى. ولكن هذه النظريات إنطلقت بأسم العلمية التجريبية التفسيرية وحاولت البحث عن جذور الدين من خلال قانون الطبيعة. فالدين يخضع، حسب زعمها، الى نفس القانون الطبيعي الحاكم على الذرات وحركتها. ولذلك فانه لابد أن يُحلَّل ويُناقش بموجب العلمية التجريبية ! اولاً: النظرية الماركسية ونقدها: وجوهر هذه النظرية يعبّر عن فكرة تعلن بأن الطبقة المسيطِرة في النظام الإجتماعي تقدّم عزاءً وسلوى هو أقرب الى السراب، للأفراد الذين تستغلّهم وتستثمر عرقهم وجهدهم لصالحها ومنافعها الخاصة[4]. فالدين، في هذه النظرية، مجرد وعي كاذب وأداة فعاّلة من أدوات الصراع بين الطبقات الإجتماعية المتنافسة. بل هو شكل من أشكال الإغتراب الإنساني، حيث يفقد الافراد سيطرتهم على العالَم الإجتماعي الذي خلقوه لأنفسهم. ودين الاغلبية في المجتمع هو الذي تؤمن به الطبقة المسيطِرة إقتصادياً وسياسياً على بقية الافراد، حتى تستطيع أن تبرر لهم قضايا الظلم وإنعدام العدالة الإجتماعية تبريراً عقلائياً مقنِعاً. فالانسان يخلق الدين، والدين لا يخلق الانسان، بل إنّ الدين حسرة المستضعفين في عالم لا قلب له ولا روح فيه، إنه أفيون الشعوب[5]. هذا ما زعمه «كارل ماركس» في كتاباته المختارة في علم الإجتماع والفلسفة الإجتماعية. وبطبيعة الحال فإنّ نقد هذه النظرية يتلخص بثلاث نقاط مهمة وهي: الاولى : أنّ «ماركس» لم يفرّق بين جوهر الرسالة الدينية السماوية والافراد الذين حاولوا إبتزازها لمصالحهم الخاصة. فالدين السماوي يدعو في جوهره الى العدالة الإجتماعية، لأن المرسِل سبحانه وتعالى ليست له مصلحة ذاتية في تفضيل طبقة معينة ضد طبقة اُخرى. بل إنّ الرسالة الدينية تدعو الى تضييق الفوارق الطبقية عبر التداول المشروع للمال والثروة الإجتماعية. ولاشك أنّ الله عز وجل سيد العقلاء، فهو يحكم بحكمهم. فإذا كانت فكرة العدالة الاجتماعية نتيجة من نتائج الإحساس والتفكير العقلائي، فإنها لابد وأن تكون مفردة من مفردات الصيغة الشرعية. الثانية : إنّ الدين الاسلامي يدعو الافراد الى فهم المال أو الثروة المالية على أساس أنها وسيلة من وسائل العيش، وليست هدفاً بحد ذاتها. فقد أدانَ الاسلامُ الافرادَ الذين يكنزون المال والثروة الإجتماعية ويمنعونها من التداول بين الناس، وأدانَ البخلَ وعدم البذل في مساعدة المحتاجين. فقد أرادت الرسالة الالهية للبشرية المعذّبة أن تنعم بالثروة الإجتماعية بشكل عادل يؤدي في النهاية الى إشباع حاجات افرادها جميعاً. الثالثة : إنّ الدين الالهي، بنظامه الاخلاقي الفريد، هو الذي يخلق الانسان. على عكس ما زعمه «ماركس» من أنّ الانسانَ يخلق الدين والدينُ لا يخلق الانسان. فالدين السماوي يربّي الانسان على تهذيب سلوكه الإجتماعي، وينمّي فيه الإلزام الاخلاقي الذاتي الذي يدعوه لمساعدة بقية الافراد في المجتمع. ولاشك ان الدين لا يبرر الظلم ولا يمضي الحرمان لأنه يدعو الى صميم العدالة الاجتماعية بين الافراد. بل إنّ الذي يبرر الظلم الإجتماعي هو من يستخدم الدين لمصالحه الذاتية. وهذا ما تتبرأ منه الرسالة الالهية التي رفعت الانسان بجشعه وطمعه من مستوى الحيوان الغريزي المتصارع مع بقية الحيوانات الى مستوى الملاك الطاهر المتعاون المتجمل الملتزم بأعلى درجات الإلزام الاخلاقي. ثانياً: نظرية «اميلي ديركهايم» ونقدها: حاول «اميلي ديركهايم» في كتابه «الاشكال البدائية للحياة الدينية»[6] الزعم بأن منشأ الدين إجتماعي وليس غيبي. فالدين في نظره حقيقة إجتماعية إنسانية فقط، لأن له دوراً حيوياً في الحفاظ على النظام والتركيبة الإجتماعية فحسب. فالافراد يخترعون الدين وما يلحقه من عادات وتقاليد وشعائر، لأن في ذلك تضامناً جمعياً لهم وقوة لمجتمعهم. فمراسم التعميد، والزواج، ومناسبات الأحد في الكنيسة النصرانية، والسبت في المعابد اليهودية، وأعياد رأس السنة الميلادية ونحوها تذكّر الافراد بهويتهم الدينية وتقاليدهم الإجتماعية. ويتلخص نقدنا لنظرية «اميلي ديركهايم» في النقاط الثلاث التالية، وهي : الاولى : لو كان الدين حقيقة إجتماعية، فإننا نتساءل من الذي وضع تلك الحقيقة ومن الذي صمّمها ؟ فإذا كان الجواب هو الإنسان، فهذا ينطبق على الأديان الوضعية فقط كالبوذية والهندوسية. أما الاديان السماوية فلم يَدَّعِ فرد في التأريخ أنه هو الذي صمّمها. بل أنّ أغلب الدعاوى المناوئة للأديان السماوية إما كانت تحمل تسفيهاً لتلك الرسالات أو كانت تحمل إدعاءً لصياغة رسالة إنسانية مقابلة للرسالة الالهية. وقد فشلت كلا الدعويين، فلم يبقَ إلاّ أن تكون الرسالة الالهية باقية حيّة في قلوب الناس الى ما شاء الله سبحانه. الثانية : إنّ الاسلام ـ كما هو دأب الرسالات السماوية في إثبات نسبتها الى الخالق عز وجل ـ جاء بمعجزة عظيمة، وهو القرآن الكريم. فلو كان الاسلام حقيقة إجتماعية لما تحدى القرآن الكريم الاجيالَ المتعاقبة في المجتمع الانساني على أن تأتي بآية واحدة تشابه اُسلوب بلاغة ذلك الكتاب السماوي الخالد. وقد عجزت كلها عن الإتيان بذلك، والقرآن يتحداها كل يوم، بل تحداها الى يوم القيامة. فالحقيقة الإجتماعية تزعم بأنّ الدين السماوي والقرآن بالخصوص، إنما اُنشأ بالأصل من قبل الافراد ; وقد نفى الإعجاز القرآني هذا الزعم. الثالثة : لو كان الدين كله حقيقة إجتماعية، فلماذا هذا التأكيد على قضية الإرتباط بالخالق عز وجل ودور الغيب في خلق الانسان والحياة والكون ؟ بمعنى أنّ الدين السماوي لو كان من وضع فرد معين. فلماذا لم يدعُ ذلك الفرد الناس الى الارتباط به بدل حثهم على الارتباط بالغيب وبالخالق الذي يرانا ولا نراه ؟ وبالتأكيد فإنّ نظرية «ديركهايم» عجزت عن الإجابة على تلك الاسئلة، وهو دليل على ضعفها وعدم صمودها أمام الإشكالات والإستدلالات العلمية والفلسفية. ثالثاً: نظرية «سيغموند فرويد»: تبدأ نظرية «فرويد» بطرح أوجه التشابه بين صفات الإله الذي يؤمن به الفرد وفكرة الطفل عن أبيه. ففي كلتا الحالتين تكون الذات العليا مفردة، ورحيمة، وحكيمة. وفي كلتا الحالتين يخاف الفرد العقوبة والجزاء ويتطلع في الوقت ذاته الى الرحمة والحماية. ومن هذا المنطلق زعم فرويد بأنّ الدين مجرد حالة نفسية سايكولوجية نابعة من آثار ومتبقيات فترة الطفولة عند الفرد البالغ[7]. فحسب ذلك الإدعاء، أنّ الطفل يحمل عقدة أسماها فرويد : عقدة «اوديب»، وتلك عقدة نفسية تتسم بحب الإبن لاُمه اولاً والبنت لأبيها ثانياً حباً غرائزيا جنسياً مفرطاً مصحوباً بتحيز ضد الأب في الحالة الاولى وضد الاُم في الحالة الثانية. أما من هو «اوديب» لو كنت تسأل ؟ فالجواب هو : أنّ اوديب كان ملكاً لمملكة «طيبة». ولكن ما ميّزه من بين الملوك في التأريخ أنه قتل أباه وتزوج اُمه، في قصة معروفة في عصر ما قبل السيد المسيح (ع). وجوهر نظرية «فرويد» يكمن في فكرة مفادها أنّ الطفل يخاف عداوة أبيه ويخاف في الوقت ذاته فقدان حبه له، فعندها يتخلى ذلك الطفل الضعيف عن الأهداف الغرائزية ويحاول كبح جماح رغباته الجسدية، ومخاوفه، وأفكاره. وهذا المقدار من العقد النفسية يبقى بدرجة من الدرجات مخبوءً في عقله اللاواعي. ولكن يظهر في حياته الشخصية لاحقاً إيمان روحي بقوة عظمى مشابهة ـ في قوتها ـ لقوة الأب وجبروته، ألا وهي قوة الدين والخالق عز وجل. ويدعم «فرويد» نظريته تلك بحجج «منها» : إنّ الراحة النفسية التي يجدها المؤمن بالدين منبثقة من الشعور بإنتهاء الصراع بين التمرد على الأب والاستسلام له، ومنبثقة ايضاً من الشعور بتقلص الصراع بين الرغبة الغرائزية «عقدة اوديب» والمستوى الاخلاقي المقبول إجتماعياً. و«منها» : إنّ الصراع المذكور آنفاً في عقل الفرد اللاواعي يقلّ بدرجة كبيرة عند تحقق الإيمان الجديد، لأنّ «الخالق المتصور» قويّ بشكل خطير. و«منها» : إنّ «عقدة اوديب» التي وجدت بالأساس من إثم الغريزة الجسدية تجاه الاُم ستُحل عبر الايمان الجديد بالدين من خلال العادات الدينية كالإعتراف بالذنب، والكفارة، والتوبة ! نقد نظرية «فرويد»: ومع إنّ «فرويد» طرح في نظريته أفكاراً إجتماعية ونفسية حول تفسير ظهور الدين في حياة الانسان، إلاّ أنه لم يزعم في أبحاثه وكتبه أنّ العقائد الدينية هي عقائد كاذبة. وإنما أراد من نظريته تلك أن ينزّل الرسالة الدينية من مستوى الإرسال والبعث من رب العالمين عبر الوحي الى مستوى الحالة النفسية التي يعيشها الفرد. فالدين، في نظريته، مجرد حالة نفسية لقضية وهمية وليست له حقيقة خارجية. فقد حاول أن يكذّب جوهر الدين وأصله، بينما لم يتطرق الى طبيعة العقائد الدينية ذاتها ولم يكذبها. ويتلخص نقدنا لهذه النظرية بالنقاط الآتية: 1 ـ ان ما سُمي بنظرية «فرويد» هي مجرد إفتراض نظري لا يعبّر عن حقائق علمية قاطعة، فهي أقرب الى الإفتراض منه الى النظرية. بل إنّ أغلب علماء الإجتماع اليوم يرفضون ذلك اللون من الإفتراضات، خصوصاً بعد أن تبين أنّ للدين دوراً فعالاً في عصر ما بعد النهضة العلمية الغربية. وهذا يجعلنا نتسائل : ما هو السبب الذي يدعونا للأخذ بفرضية «فرويد» أو نظريته على أحسن الإحتمالات ؟ في الواقع ليس هناك سبب منطقي أو عقلي أو علمي تجريبي يدعونا الى ذلك. 2 ـ إنّ العلاقة بين الرب والأب التي إفترضها «فرويد» ليست موجودة في جميع الاديان، وخصوصاً الديانة الاسلامية. فليس هناك ما يشير الى أن الله سبحانه وتعالى وجلّ ثناؤه يأخذ دور الأب في حياة المسلم، قطعاً. وليس هناك أدنى دليل على ان ذلك الإفتراض مخبوء في العقل اللاواعي للفرد المسلم. فالقرآن الكريم والسنّة المطهرة لم يشيرا ولا في موضع واحد الى ذلك الربط المزعوم. نعم، لعلّنا نجد الربطَ واضحاً في الديانة النصرانية المحرّفة المعمول بها في عصر «فرويد» وما قبله ولحد الآن حيث تزعم بأنّ السيد المسيح (ع) هو إبن الله، تعالى الخالق عن ذلك، فيقول الإنجيل المحرّف على لسان السيد المسيح (ع) وهو يخاطب أحد حواريه بعدم إستخدام العنف ضد الأعداء: (... أتظن أني لا أستطيع أن أطلب الى أبي «!!» فيقدّم لي أكثر من أثني عشر جيشاً من الملائكة...)[8]. ولكن القرآن المجيد نفى تلك العلاقة بين الخالق العظيم والمخلوق الصغير بالقول : (قُل هُوَ اللهُ أحدٌ* اللهُ الصَمدُ* لَم يَلِد ولَم يوُلَد* ولَم يَكُن لَّهُ كُفُواً أحدٌ)[9] ، (ما قُلتُ لَهُم إلاّ مآ أمَرتَني بهِ أنِ إعبُدُوا اللهَ ربّي ورَبّكُم وكُنتُ عَلَيهم شَهيداً ما دُمتُ فيهم فلمّا تَوَفّيتَني كُنتَ أنتَ الرقِيبَ عَلَيهِم وأنتَ على كُلّ شَيء شهيدٌ)[10]. فإذا نظر «فرويد» الى الاسلام ورسالته الروحية والإجتماعية، فكيف يستطيع تفسير نظريته على صعيد العلاقة بين الأب والرب ؟ بل كيف يستطيع أن يعمم إستنتاجه الخاطئ المحصور بالنصرانية على جميع الأديان ؟ 3 ـ إنّ الإيمان بالله قضية فطرية يختبرها اليتامى كما يختبرها غير اليتامى من الافراد. فأين الربط هنا بين الخوف من الأب، وهو منفي عند اليتيم، والخوف من الله سبحانه وتعالى. علماً بأن الكثير من الرسل والانبياء (ع) هم من الايتام. وكفانا مثالاً سيدنا ونبينا وقائدنا محمد بن عبد الله (ص)، فقد كان يتيم الأبوين وهو لم يتجاوز السادسة من العمر. فقد توفي أبوه وهو في بطن اُمه وتوفيت اُمه وهو في السادسة من العمر[11]، فكيف تم الربط بين الخوف من الأب والخوف من الرب، وهو (ص) لم يختبر أباً في حياته يرعاه أو «يخافه» كما يزعم فرويد ؟ 4 ـ إنّ الدين الالهي وما يمثله من رسالة الهية للبشر يعبّر عن نظام متناسق مع نظام الكون ومنسجم مع الخلق والتكوين، ولا يعبّر عن رغبة غريزية أو حالة عصبية مزعومة. فكيف يمكن تفسير هذا النظام المتناسق من الكائنات الحية والمجرّات الصماء وهي تتحرك نحو هدف مصمّم معلوم ؟ فإذا لم يكن لهذا الوجود موجِد مطلق، فكيف تم ذلك التناسق الكوني العظيم ؟ وما دور الدين إلاّ إبلاغنا بطبيعة الخلق والخالق، وطبيعة الجزاء في عالم آخر لا نستطيع إدراكه إلاّ عن طريق الرسالة الدينية. والحالات العصبية والرغبات الغرائزية للإنسان لا تنتج تنظيماً ولا تناسقاً ولا فهماً لذلك الكون وما فيه من تصاميم عظيمة بتلك الدقة والشمول. 5 ـ لاشك إنّ الدين يعبّر في جوهره عن نظام أخلاقي للتعامل بين الفرد وخالقه، وبين الافراد بعضهم البعض، وبين الفرد ونفسه. ولو كان الدين صراعاً بين الرغبة الغريزية والتمرد، كما يزعم فرويد، لما أنتج ذلك الصراع المزعوم نظاماً أخلاقياً إلزامياً بتلك الصورة من الكمال. 6 ـ إنّ أغلب الرسالات الالهية للبشرية جاءت مقترِنة بمعجزة تدعم وجودها الرسالي. فالمعجزة، بإعتبارها عملية خارقة للعادة ويعجز عن أدائها الافراد، تشكل برهاناً قاطعاً على الوهية ومطلقية الرسالة الدينية السماوية. فإذا كان الدين وهماً فكيف نستطيع التوفيق بين المعجزات التي جاءت بها الرسالات السماوية وما يفترضه فرويد من العقد النفسية المخبوءة في العقل اللاواعي ؟ 7 ـ لو كانت «عقدة الذنب» و«عقدة اوديب» هما اللتان أوجدتا العقيدة الدينية في ذهن الفرد، لما إستطاع الدين ـ اذن ـ أن يجيب على أخطر الاسئلة التي تواجه الانسان، وهي الاسئلة المتعلقة بالخلق والموت والحياة والبعث والنشور. بل لما إستطاع الدين أن يحلّ مشاكل البشرية فيما يتعلق بالعلاقات الإجتماعية وطبيعة تنظيمها . 8 ـ إنّ الأدلة الفلسفية على إثبات وجود الخالق عز وجل بإعتباره واجب الوجود، لا تدعْ مجالاً لفرضية «فرويد» بالصمود. فأين الدليل الفلسفي على إفتراض صورة الأب في العقل اللاواعي ؟ وكيف يتساوى واجب الوجود مع الموجودات التي أوجدها وصوّرها ؟ (نهاية ص 138)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] كتابات مختارة في علم الاجتماع والفلسفة الاجتماعية – كارل ماركس. تحقيق: تي بي بوتمور، وماكميلان روبل. بالتيمور، ميريلاند: بنكوين، 1964م. الطبعة الاولى: عام 1848م. [2] الأشكال البدائية للحياة الدينية: دراسة في علم الاجتماع الديني – اميلي ديركهايم. نيويورك: المطبعة الحرة، 1954م. الطبعة الاولى 1912م. [3] مستقبل السراب – سيغموند فرويد. نيويورك: ماكميلان، 1928م. وايضاً: الوثن والمحظور – سيغموند فرويد. نيويورك: ماكميلان، 1918م. [4] كتابات مختارة في علم الاجتماع والفلسفة الاجتماعية – كارل ماركس. بالتيمور، ميريلاند: بنكوين، 1964م. [5] المصدر السابق. [6] الاشكال البدائية للحياة الدينية: دراسة في علم الاجتماع الديني – اميلي ديركهايم. نيويورك: المطبعة الحرة، 1954م. ط 1 سنة 1912م. [7] الوثن والمحظور – سيغموند فرويد. نيويورك: ماكميلان، 1918م. [8] انجيل متي. 26: 52- 53. [9] سورة الاخلاص: الآيات 1 – 4. [10] سورة المائدة: الآية 117. [11] السيرة النبوية- ابن هشام ج 1 ص 167، 177.
|