(ص 113- 126)

 الباب الثاني

فلسفة المجتمع والعلوم الإجتماعية

   الفصل الخامس : فلسفة المجتمع.

الفصل السادس : الدين والعلوم الاجتماعية.

الفصل السابع : العلاقة بين العقد الاجتماعي والفلسفة الاشتراكية.

الفصل الثامن : القانون والمعرفة في المجتمع.

 --------------------------------

 الفصل الخامس

فلسفة المجتمع

 العلاقات الاجتماعية * الطبيعة النظامية للمجتمع * الجمعية والجماعة * الوظيفة التوفيقية * فلسفة الإنسجام والتوفيق في المجتمع .

 --------------------------------

 العلاقات الإجتماعية

          هل تنبع أهمية دراسة «المجتمع» على الصعيد الفلسفي من دراسة «الفرد» ذاته بما يحمله من أفكار وعقائد وتصورات أم لا ؟ بمعنى أننا عندما نتحدّث عن المجتمع، فهل نعني ذلك الإجتماع الإنساني كوحدة مترابطة ؟ أم نعني العلاقات بين الأجزاء التي تكوّن ذلك الإجتماع ؟ سيتوضح الجواب على تلك الاسئلة من خلال البحوث الواردة في هذا الفصل بإذنه تعالى.

          فإصطلاح «المجتمع» يشير الى مجموعة كيانات متميزة نستطيع تشخيصها والإعتراف بإستقلاليتها، وتلك الكيانات هي المؤسسات الإجتماعية التي تشكل بمجموعها النظام الإجتماعي. وعندما نقول أنّ «الانسان يعيش ويحيا في المجتمع» فإننا لا نشير الى إرتباط الفرد بالمشاركة الجماعية للحياة الإنسانية، بل نشير الى البعد الإجتماعي للنشاطات البشرية. بمعنى أنّ العلاقات الانسانية تعطي النشاطات الإجتماعية أبعاداً خاصة لا تمتلكها كائنات اخرى من غير فصيلة الإنسان. فالنشاط الإجتماعي إنما يتمّ بفضيلة المعنى الموضوعي المرتبط بفطرة الانسان نحو التعاون والتكاتف الإجتماعي العام. فعلى سبيل المثال، ان الانسان يفهم مغزى نشاطه الخاص الذي يحاول ممارسته في المجتمع أمام الآخرين. فهو يعلم أنّ سلوكه مكتسَب من سلوك فرد آخر سلكه في الماضي، وسلوك يمارسه هو الآن، وسلوك سوف يسلكه فرد ثالث في المستقبل. فالخطبة والزواج مثلاً نشاطان إجتماعيان يكتسبهما الفرد بالتعلم من خلال ملاحظة سلوك الآخرين. فيتعلم ـ عندها ـ كيفية ترجمة ذلك السلوك المقبول الى إشارات اجتماعية مفهومة من قبل الطرف الآخر.

          وبتعبير ثان، إنّ الفرد لا يستطيع أن يدعي أنه يمتلك الشخصية الإجتماعية ما لم يتعلم الطرق الموضوعية لتفادي الإصطدام مع شخصيات الآخرين في جميع الشؤون الحياتية دفعة واحدة. فالشخصية الإجتماعية تربّي الفرد البالغ على إحترام حقوق الآخرين وعلى التعامل معهم تعاملاً لا يتناقض مع العرف الإجتماعي المتفق عليه بين الجميع.

          وبطبيعة الحال فإنّ الشخصية الإجتماعية لا تتشكل عند الانسان إلاّ عندما يتعلم منذ الطفولة المبكّرة كيف يقلّد الآخرين في أفعالهم وأفكارهم وسلوكهم الإجتماعي. فالتقليد الإجتماعي يعتبر من أول مراحل كسب السلوك وتعلم أساليب النشاطات الإجتماعية. إلاّ أنه يجب أن لا تختلط في أذهاننا الملازمة بين التقليد الإجتماعي والتقليد العقائدي. فالتقليد العقائدي الذي حرمّه الدين عبر قوله تعالى على لسان المشركين: (بل قالُوا إنا وجَدنآ آباءَنا على اُمة وإنّا على آثارِهم مُهتدُون)[1] ، ليس جزءً من التقليد الإجتماعي. فالتقليد الإجتماعي يؤدي الى إكتساب السلوك الإجتماعي النافع للفرد، بينما قد يؤدي التقليد العقائدي الى إنتهاك حرمة التفكير العقلائي المؤمن بأنّ للوجود موجِداً وخالقاً عظيماً وهو الله سبحانه وتعالى. فالتقليد العقائدي هنا يشبه تقليد الفرد لعصفور يغرّد. فالتغريد المكتسَب من ذلك الحيوان الأعجم لا يكشف عن حقيقة علمية خارجية لها منفعة من لون ما. بينما يعلّم التقليدُ الإجتماعي الفردَ اُسلوب العلاقة الإجتماعية وطبيعتها بين مجموعة الافراد.

          ولكن حتى التقليد الإجتماعي المجرد لا يعبّر في كل الأحوال عن حقيقة كلّية لتعلم السلوك الإجتماعي المقبول، بل لابد من الإستعانة بتعاليم الرسالة الدينية والإهتداء بمعالمها التربوية. فالتعليم الذي يصمّمه الدين عبر مؤسساته التعليمية يكشف للفرد المتعلّم جوانب واسعة من جوانب السلوك المقبول إجتماعياً. فالدين ـ عبر فهمنا لمقاصد الشريعة ـ لا يتوقف عند تشريع الأحكام الإلزامية بل يحدّد ويفسّر في الوقت ذاته طبيعة العلاقات الإجتماعية. فالفرد الذي يُخرِج من جيبه قطعة من النقود ويسلّمها الى سائل محتاج على قارعة الطريق، نفهم منها أنّ ذلك الفرد قد تصدّق بمبلغ من المال لسّد حاجة ذلك المحتاج. وذلك الفهم لم ينبع من إستقرائنا لنية المعطي وفهمنا لما يدور في ذهنه، بل إنه نبع من فهمنا الديني والإجتماعي للعلاقة بين الغني والفقير وحث الاسلام بالتصدق على الفقراء.

          وبكلمة، فإنّ فهم طبيعة العلاقات الإجتماعية ـ بشكل عام ـ ينبع من فهم مقاصد الافراد في التعامل المناسب مع الآخرين على أساس فهمهم الديني ووضعهم الاقتصادي ووظيفتهم الإجتماعية.

 الطبيعة النظامية للمجتمع:

          إنّ لفظ «المجتمع» إنما يُطلق على نظام له وجود واقعي، وله اُسس وله أركان محددة. وبمعنى أدقّ أنّ «المجتمع» لا يُطلق إلاّ على التشكيلة الإجتماعية التي لها نظرية حول الوضع الشرعي أو القانوني للجماعة والمنزلة الإجتماعية والحقوقية للافراد. وفي ضوء طبيعة ذلك الوضع تصاغ العلاقات الإجتماعية المناسبة. فبفضيلة الشروط الموضوعية للحياة الإجتماعية يتمتع الفرد بوضع إجتماعي شرعي يُحدِد له وظيفته في المجتمع. فدور الانسان في الحياة الإجتماعية لا يُفهم من خلال ما أعتاده ذلك الفرد على أداء الاعمال أو ممارسة العادات، بل يُفهم من خلال ما يُتوقع منه من أداء على صعيد التكليف الشرعي أو القانوني الخاص به. فالتكليف الشرعي لعالِم الدين مثلاً يتمثلّ في بذل الجهد وإفراغ الوسع في تحصيل العلوم الشرعية. فتصبح وظيفته هنا ـ وهو في مرحلة الإعداد لمستقبله العلمي ـ متمثلّة في الجّد والإجتهاد من أجل البحث العلمي المثمر ; والنظام الإجرائي الإجتماعي هو الذي يجعله يتمتع بوضعه القانوني في المجتمع من دون إعتراض من جهات غير علمية تتهمه بمجرد الإستهلاك. فمع ان مرحلة البناء العلمي تحتاج الى إستهلاك من لون ما، إلاّ انها في النهاية تثمر في الإنتاج المطلوب، وهو تشكيل شخصية علمية تامة لعالِم الدين. وكذلك الحال بالنسبة للتكليف الشرعي الإجتماعي للعامل ; فدوره في المجتمع هو أداء وظيفته في الحقل العملي، والنظام الإجرائي الإجتماعي هو الذي يجعله يمارس وظيفته دون عوائق ثانوية من أطراف اُخرى. والتكليف القانوني الشرعي للطالب في المراحل الجامعية يتمثل في تفرغه التام للدراسة ; والنظام الإجرائي الاجتماعي يسمح له بذلك من دون معارضة، مع أنه يستهلك جزءً من خيرات المجتمع. ونفس الأمر ينطبق على بقية المهن والأدوار الإجتماعية الاُخرى. فتكون النتيجة أنّ المجتمع يفسح المجال للافراد بالإعداد والتهيئة لإحتلال أدوارهم الإجتماعية في المستقبل دون عوائق أو إتهامات بأنهم مجرد أدوات للإستهلاك لا الإنتاج.

          ومن ملاحظة تلك الأمثلة نُدرك أنّ المجتمع يتكون من أفراد يتفاعلون فيما بينهم من خلال علاقاتهم وأدوارهم الإجتماعية. وهذه العلاقات والأدوار الإجتماعية تعكس ايضاً الطبيعة الفكرية والعقائدية للنظام الإجتماعي. فإنتقال الثروة بين الافراد مثلاً قد يتم بالتجارة، أو بفرض الضرائب، أو في الصدقة المستحبة، أو بالسرقة. وفي كل حالة من تلك الحالات حيث تنتقل فيها الثروة الإجتماعية، تبرز الجوانب الفكرية والعقائدية للنظام الإجتماعي الذي يحكم اولئك الافراد.

          بيدَ أنّ المجتمع لا يمكن دراسته من زاوية العلاقات الإجتماعية العامة فحسب، بل لابد من فهم وإدراك الأدوار الشخصية للأفراد ايضاً. فرب الاُسرة يسعى جاهداً من أجل كسب العيش لاُسرته. وفشله في أداء ذلك الدور الاُسري أو الشخصي يجعله عرضة للإتهام بالفشل الشخصي والقصور االاجتماعي. فللفرد إذن، دوران في حياته العامة : دور إجتماعي ودور شخصي. وكلا الدورين لا يمكن فصلهما عن ذلك الفرد أبداً. ومن خلال هذا الفهم يتبين لنا أن للفرد وللمجتمع طبيعتين نظاميتين متضافرتين في أغلب الموارد الحياتية.

 الجمعية والجماعة

          ولاشك أنّ طبيعة تجمع الأفراد تختلف من حالة الى اُخرى وفقاً لشروط ذلك التجمع الإنساني. فالتجمع الذي تفرضه «المعاملات» كالشركة والمضاربة والأعمال التجارية التي تستدعي عقداً مشروطاً من نوع ما والأعمال الفكرية والثقافية التي تستدعي إلقاء محاضرة ونحوها، كلها تُبقي الجانب الشخصي طاغياً على السلوك الإجتماعي للافراد المشاركين فيه. فيسمى ذلك التجمع بـ «الجمعية»، لأن التجمع إنما نشأ بقصد المشاركة المشروطة في نشاط إجتماعي له مردود إقتصادي أو إجتماعي أو ثقافي. ولكن «الجمعية» تبقى مرهونة بقصد الأفراد المشاركين نحو تشكيل ذلك التجمع، وبمعنى آخر أنّ الأفراد ليسوا بصدد الحاجة الماسة لتشكيل تلك «الجمعيات» ما لم تكن هناك مصلحة معينة كامنة في ذلك التشكيل.

          أما فكرة «الجماعة» فهي شعور غريزي فطري عند الافراد للتجمع تحت مظلّة الرابطة الانسانية والعقيدة المشتركة. فغريزة «الجماعة» نلحظها في العائلة، والقرية، والمدينة، والعشيرة، والوطن. وإختلاف «الجمعية» عن «الجماعة» يكمن في أنّ الفرد ينتمي الى الاولى بقصد أو من أجل مصلحة ما، بينما ينتمي الى الثانية بالفطرة. وبمعنى ثالث أن الفرد يولد في «الجماعة» ولكنه لا يستطيع أن يولد في «الجمعية» بل لابد له من تأسيسها اولاً للمشاركة فيها.

          وإذا سلّمنا بان فكرة «الجماعة» من القضايا الفطرية التي تشدّ الافراد نحو التكامل التعبدي والإجتماعي، فإننا سوف نلحظ أنّ هناك ألواناً معينة من العبادات تؤدى ضمن إطار «الجماعة»، كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، ومناسك الحج، والجهاد بمعنى قتال العدو. ولذلك جاء المصطلح الديني «الجماعة» ليعبّر عن شعور الفرد الفطري نحو التعاون والتكاتف والمساندة الإجتماعية. وهو أدق من إصطلاح «الجمعية»، فلم نرَ في الآيات الشريفة أو الأحاديث المُسندة ورود مثل ذلك الإصطلاح. بينما ورد إصطلاح «الجماعة» في الكثير من الروايات الخاصة بموضوع العبادات والمعاملات التي لها أبعاد إجتماعية. ولاشك أنّ فكرة «الجماعة» تستبطن في مضمونها معاني المسؤولية الجماعية على صعيدي العبادات والمعاملات. فعلى صعيد العبادات مثلاً ورد في صحيحة علي بن ابراهيم عن الامام الصادق (ع) : «...ولا على من خلف الامام سهو...»[2]. فالحديث يدل ـ منطوقاً ـ على نفي حكم الشك مع حفظ المأموم، ويوحي ـ على صعيد المفهوم المعرفي ـ بأنّ المسؤولية الجماعية تُقلِّل الى أدنى حد قضية سهو الإمام أو نسيانه بعض أركان أو أجزاء الصلاة. ولكن الاصل يدلّ على نفي حكم الشك مع حفظ المأموم. وهو لاشك له بعدٌ إجتماعي واضح. أما على صعيد المعاملات، فإنّ أحكام التجارة، والشفعة، والشركة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والنكاح، والطلاق كلها تستبطن أبعاداً إجتماعية ومسؤولية جماعية متميزة. وهي بمجموعها تُبرز فكرة «الجماعة» الاسلامية المؤمنة بنطاقها الواسع الرحيب.

          وإذا كانت فكرة «الجماعة» تستكمن ذلك اللون من المسؤولية الجماعية فإنها تعمّر أكثر من «الجمعية» التي تكون فيها المسؤولية شخصية ومحدودة تجاه اعضائها. فروح «الجماعة» في التعاون والمساندة الإجتماعية تمتد الى مسافة أبعد من أعمار الافراد. وموت الفرد فيها لا يعني إنتهاء «الجماعة»، بل إنّ «الجماعة» تستمر مع إستمرار الحياة الانسانية والدينية على وجه الارض. ذلك أنّ «الجماعة» تساهم ايضاً في نقل العقيدة والتاريخ المشترك من جيل لجيل. فهي لُبنة أساسية في تماسك المجتمع وتنظيم مسؤوليات أفراده تجاه بعضهم البعض.

          وقد نستقرىء أهمية «الجماعة» في النظام الاجتماعي الاسلامي عبر الأدلّة الشرعية التي خاطبت الأفراد بعنوانهم الجماعي المشترك. فعلى صعيد الدليل القرآني وردت آيات عديدة تخاطب «الجماعة» ننتخب منها أربعاً، وهي: (ولتكُن منكُم اُمةٌ يَدعُون الى الخيرِ ويأمُرُون بالمعرُوفِ ويَنهَونَ عنِ المُنكر...)[3] ، (كُتِبَ عليكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرهٌ لكُم...)[4] ، (وجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِه...)[5] ، (يا ايُّها الذينَ آمنُوا كُتِبَ عَليكُمُ الصِيامُ كما كُتِبَ على الذينَ من قبلِكُم...)[6].

          وعلى صعيد الدليل الروائي إنتخبنا ثلاث روايات تخاطب الجماعة. الاولى: صحيحة يونس بن يعقوب قال: «كنّا عند أبي عبد الله (ع) قال: أما لكم من مفزع ؟! أما لكم من مستراح تستريحون إليه ؟! ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري ؟»[7]. الثانية : رواية ابي عبيدة الحذاء، قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول: «والله إن أحبَّ أصحابي إليَّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم حديثاً...»[8]. وسند هذه الرواية تام. فابي عبيدة الحذّاء ورد اسمه ضمن مراسيل المشايخ الثقات الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون الا عن ثقة. والثالثة : حديث رسالة ابي عبد الله (ع) الى أصحابه: «أيتها العصابة عليكم بآثار رسول الله (ص) وسنّته وآثار الائمة الهداة من أهل بيت رسول الله (ص)، فإنه من أخذ بذلك فقد إهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ...»[9]. وهذه الرواية ضعيفة بـ «محمد بن سنان» الذي اختلفت فيه الاقوال، إلاّ ان المشهور ضعفه.

          وهذه الأدلّة الشرعية التي تخاطب الجماعةـ على تقدير تماميتها ـ إنما تخاطب أعضاءها في الواقع. فالتكليف الشرعي موجّه الى الافراد بعناوينهم الاجتماعية.

 الوظيفة التوفيقية

          إنّ خلاصة الفلسفة والأفكار الأساسية الخاصة بـ «المجتمع» والتي تساعد على صيانته من الإنحلال، تتبلور في فكرة مهمة تعلن بأنّ المجتمع يجب أن تكون له «هوية إجتماعية». بمعنى أنّ الافراد في ذلك المجتمع لابد أن تكون لديهم القدرة على تشخيص أحدهم الآخر من خلال عاداتهم وأعمالهم وثقافتهم وسلوكهم تجاه بعضهم البعض. فالهوية الإجتماعية نابعة من الأبعاد التوفيقية للمؤسسات الإجتماعية كالدين والمدرسة والعائلة والحكومة وفلسفة الاخلاق. وما المجتمع إلاّ كلية إنسانية ثقافية تعمل من أجل إضفاء السعادة على جميع الافراد الذين ينضمون اليه. إلاّ إنّ حدود السعادة قد تنتهك من قبل بقية المؤسسات الإجتماعية إذا لم يكن هناك نظام متكامل يربط المجتمع بعضه ببعض. فالمؤسسات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية ونحوها قد تستأثر بحقوق ومزايا تتجاوز طاقاتها وإمكاناتها الإجتماعية، وعندها تنتهي الوظيفة التوفيقية لتلك المؤسسات. لأن القانون الطبيعي أو الديني الذي ربط الفرد بالمؤسسة الاجتماعية قد يتوقف عن الوجود قسراً. ولكن مع تلك العوائق، تبقى الوظيفة التوفيقية للمجتمع الأصل في ثبات وإستقرار النظام الاجتماعي.

 الإرتباط بين «الدولة» و«المجتمع»:

          إلاّ إنّ الإشكال الفلسفي الذي حيّر الفلاسفة هو ماهية الربط بين «الدولة» و«المجتمع». فكيف يمكن تنظيم النشاطات السياسية، والثقافية، والدينية للأفراد ضمن إطار وتركيب واحد منظّم يسمى بـ «الدولة» ؟ وهل يجوز لنا أن نفصل الدولة عن المجتمع ؟ بل هل يجوز لنا أن نفصل الدين عن الدولة كما حصل في الفصل بين الكنيسة والدولة ؟ والجواب على ذلك واضح وهو أن رسالة الدين الإجتماعية والروحية هي التي تصمّم طبيعة الدولة التي تحكم المجتمع والأفراد المنضمّين اليه. وعندما نتحدث عن الرسالة الدينية فإننا نقصد بها الإسلام لعاملين: الاول: ان الدين عند الله الاسلام. والثاني : لأنه خاتم الأديان السماوية وأكملها. أما قضية فصل الكنيسة عن الدولة فإنها لم ترتبط يوماً بطبيعة الدين بقدر ما كانت نتيجة وأثر من آثار إبتزاز فحول الكنيسة الكاثوليكية وانتهاكهم لحقوق الأفراد في اوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده. والدليل على ما ذكرناه ان اغلب الذين حاربوا الكنيسة كانوا يؤمنون بالديانة الالهية ويكفرون بالديانة الكنسية.

          ولكن، لو تركنا قضية فصل الكنيسة عن الدولة جانباً، وآمنا بنظرية رسالة الدين «الاسلامي» الإجتماعية. فما هو الرابط الذي يربط المجتمع الاسلامي بالدولة ؟ وهل هناك فاصل من نوع ما بينهما ؟

          إنّ الدولة في الاسلام ليست وحدها مصدر الولاء الإجتماعي. فـ «الجماعة» المؤمنة التي أكدت عليها الشريعة في المعاملات والعبادات لها دور أساسي في إنشاء وتقوية ذلك الولاء. فالدولة تنظّم شؤون الأفراد الحقوقية والمعنوية والتعبدية، ولكن الجماعة تهتم بالأفراد من زاوية إحساسهم الفطري بالتعاون والتكاتف والمساندة الجماعية. والتحقيق، أن الولاء الإجتماعي الاسلامي يبدأ من مسجد القرية أو المدينة وينمو ويتواصل في السوق والمدرسة والنوادي الإجتماعية. فالقانون المدني الذي يحكم الجماعة ما هو إلاّ متممٌ للقانون الحقوقي الذي ينظم شؤون الأفراد في الدولة. وبمعنى آخر، أنّ الدولة الاسلامية زمن الغيبة مؤسسة إجرائية لتنفيذ ما جاءت به الشريعة من تعيين للحقوق وتحديد للواجبات. فالمجتمع المدني في الاسلام لابد وأن يحكمه النظام المدني المستمد من أحكام الشريعة. والدولة في الاسلام لا تتجاوز المجتمع بدرجة ولا تتخلف عنه بدرجة، وإنما تقف بالتوازي كمؤسسة تنفيذية لتنظيم الحقوق والواجبات، بينما تكون الشريعة هي الحاكمة وفوق كل المؤسسات الإجتماعية. فالدولة في المجتمع الديني تستمد شرعيتها إذن من الأحكام الالهية ذاتها. والدولة والمجتمع في الاسلام يرتبطان ـ حقوقياً ومعنوياً ـ بالشريعة الحاكمة على الجميع. وهذا الإرتباط العرضي ينسجم تماماً مع طبيعة القوانين التي تنظّم الدولة والمجتمع على السواء.

 فلسفة الإنسجام والتوفيق في المجتمع

          ذكرنا في مكان آخر من هذا الكتاب أنّ التوافق والإنسجام بين المؤسسات الإجتماعية سيؤدي الى كفاءة النظام الإجتماعي وثباته وإستقراره. ولكن السؤال الذي كان موطن الخلاف بين علماء الإجتماع هو: ما هو العمل فيما اذا كانت إحدى المؤسسات الإجتماعية منسجمة مع مؤسسات معينة ولكنها غير منسجمة مع بقية المؤسسات الاخرى ؟

          ولاشك أنّ ذلك الخلل وأمثاله يتحقق فقط عندما نبعد الدين ورسالته الاخلاقية السماوية عن تنظيم الحياة الإجتماعية. فالحقائق الثقافية والحضارية للمجتمع الاسلامي مثلاً لا تسمح لذلك الخلل بالبروز والإستفحال على سطح الحياة الإجتماعية. ذلك إنّ كل الأفكار والعقائد والعادات والتقاليد والسجايا الشخصية في الاسلام منسجمة تماماً مع بعضها البعض، وهي تؤدي ـ عند ممارستها ـ دوراً إنسجامياً توفيقياً يدعم ثبات وإستقرار النظام الإجتماعي. أما ما ذُكر على لسان العالِم الإجتماعي الامريكي «برونيسلو مالينووسكي»[10] من أنّ الخرافات الدينية (!) والسحر لهما دور في الانسجام الإجتماعي، فهو رأي واضح البطلان ولا يستحق بذل جهد كبير في الرد عليه، لأنّ الاسلام دين العقل والمنطق. وعلى ضوء ذلك الفهم نستطيع ان ندرك أبعاد تحريمه الأعمال المنافية للكمال الانساني ومنها الشعوذة والخرافات والسحر. فهي ـ  ببساطة ـ تنتهك العرف العقلائي الذي أمضاه الشارع المقدس. فالمؤسسات الإجتماعية تبحث ـ اذن ـ عن سبل لإشباع حاجات الافراد الحيوية في التربية الروحية والثقافية، وإشباع الحاجة الى تنظيم «الجماعة»، وإشباع الحاجات الأساسية الاُخرى في الغذاء والسكن ونحوها. بمعنى إنّ تلك المؤسسات تعالج وتنظّم حاجات الافراد البيولوجية والروحية والنفسية. أما الخرافات والسحر والشعوذة والرهبانية فهي ليست جزءً من مؤسسات النظام الإجتماعي الاسلامي، لأنها لا تؤدي إلاّ الى تخريب طبيعة النظام الإجتماعي المنسجم مع الفطرة البشرية. فالإيمان بالحقائق العلمية وبنظام العقلاء هو أحد سمات النظرية الاسلامية في الإجتماع.

          وواقع الحال، إنّ «النظام الإجتماعي» يعبّر عن صفات ومعالم متداخلة للحياة الإجتماعية للافراد كالتدين والعقلائية والعلمية والمدنية والتحضر. وتلك الصفات المتداخلة المتشابكة مع بعضها البعض تعبّر ايضاً عن وجود جذور عقيدة إلزامية معينة ساهمت في صياغة تلك السجايا والصفات. فالنظام الإجتماعي لمجتمع ما ـ إذن ـ يعكس الى حد ما طبيعة العقيدة التي يؤمن بها الافراد في ذلك المجتمع على الاغلب. أما «التركيبة الإجتماعية» فهي تمثلّ المؤسسات المستحدثة من قبل الدولة لتنظيم شؤون الافراد، كالمؤسسات التي تهتم بضمان تشغيل الافراد، وعلاجهم، وتعليمهم، وحل الخصومات بينهم. وقد تتداخل احياناً معاني المصطلحين : «النظام الاجتماعي»، و«التركيبة الاجتماعية» بحيث لا يمكن التمييز بينهما في الكثير من الموارد.

          ولاشك إنّ التصميم الإجتماعي للمجتمع الديني يضمّ جزئين مهمين، الاول : العلاقات الإجتماعية. والثاني : القوانين الإجتماعية التي تحدّد وتوضّح طبيعة تلك العلاقات. ومن خلال هذا الفهم للتصميم الاجتماعي يتم بناء الجسر المفقود بين «النظام الإجتماعي» و«التركيبة الإجتماعية». فالقوانين الإجتماعية الدينية لا تُفرض على الافراد من الخارج، بل إنّ الدين يربّي الفرد على الإلزام الذاتي في التعامل الاخلاقي مع الناس. فالإنسجام بين «الإرتكاز العقلائي» و«المؤسسات الإجتماعية» مثلاً يؤدي الى تحقيق أدقّ وأشمل لقضايا الحقوق والواجبات. والتوافق بين «المنهج العلمي» و«المؤسسات الإجتماعية» يؤدي الى حل الكثير من مشاكل التعليم والتغذية والتطبيب والإسكان وتوزيع الثروة الإجتماعية على الافراد. وهذا كله يتم تحت نظر ورعاية الرسالة الدينية التي تمثل جوهر الكمال ومحطّ العدالة بين جميع الافراد.

(تليها صفحات ص 127 - 138)

 

 اللاحق              صفحة التحميل                الصفحة الرئيسية


 [1] سورة الزخرف: الآية 22.

[2]  فروع الكافي – الكليني. كتاب الصلاة – باب سهو الامام ومن خلفه. ج1 ص 359 حديث 7.

[3]  سورة آل عمران: الآية 104.

[4]  سورة البقرة: الآية 216.

[5]  سورة الحج: الآية 78.

[6]  سورة البقرة: الآية 183.

[7]  الوسائل. كتاب القضاء – ابواب صفات القاضي. ج 18 ص 105.

[8]  المصدر السابق ج 18 ص 61.

[9]  الوسائل – كتاب القضاء. ج 18 ص 61. وروضة الكافي ج 8 ž