|
(ص 103 - 112) الفصل الرابع المنهج العلمي لعلم الإجتماع طريقة البحث * مصاعب المنهج العلمي * أنماط البحث العلمي: التجربة، المسح العام، الرصد * أخلاقية البحث العلمي. --------------------------- طريقة البحث يتبع المنهج العلمي لدراسة المجتمع طريقين هما : النظرية، والبحث الميداني. وكلا الطريقين مهمان في إسلوب المنهج العلمي. فالحقائق الخارجية المجردة التي تفتقر الى نظرية عامة، لا نستطيع فهمها لأنها لا تمتلك إطاراً فكرياً يحلل تلك الحقائق ويضعها في موضعها الذهني الصحيح. والنظريات المجردة التي تفتقر الى المصاديق الخارجية لا تحمل لنا قيمة عملية ايضاً، لأننا لا نستطيع الحكم على صحة تطبيقها في الواقع. ولذلك فان النظرية والبحث الميداني عن مفردات التطبيق في حقل الإجتماع الإنساني، هما قطبا موضوع واحد وهو محاولة بناء هيكل متكامل للنظام الاجتماعي وترميم أخلاقية سلوك الافراد فيه. ومن الطبيعي، فإننا لا نستطيع أن نُنشىء علماً اسلامياً في الاجتماع ما لم تكن لدينا نظرية إجتماعية متكاملة تنفخ في ذلك العلم روح الإندفاع نحو البحث والتقصي وجمع الحقائق الخارجية. فالنظرية الاجتماعية تستطيع أن تقرّ بعض الوقائع أو تدينها، والبحوث الميدانية تستطيع أن تُظهِر قوة النظرية الاجتماعية أو ضعفها. وكل ذلك النشاط التجريبي لابد أن يتّخذ منهجاً علمياً واضحاً لا يعتمد على الحدس والبديهة والفطرة فقط، بل يعتمد على نظام في المبادئ والأحكام والطرق العلمية لهداية وترشيد البحث العلمي. فالعلم المنهجي يمنح الباحث خطة عمل علمية في تجميع المعلومات والوثائق من أجل إكتشاف ماذا يحصل في زوايا المجتمع ؟ وعندها يستطيع الاجابة على التساؤل القائل : لماذا تحصل تلك الاشياء ؟ فعلم الاجتماع لا يستطيع أن يقدّم لنا نظرية مقنعة في إثبات وجود الخالق عز وجل وضرورة الإيمان بالدين، لكنه يقدّم لنا معلومات مهمة جداً حول نسبة الافراد الذين يؤمنون بالدين في المجتمع، ويقدّم لنا الأسباب المنطقية التي تجعلهم يؤمنون بذلك. لأن هناك منهجاً علمياً يستطيع علم الاجتماع من خلاله التحري عن تلك المعلومات وعرضها علينا لاحقاً. ولاشك إنّ هذا المنهج العلمي يعتمد بصورة أساسية على العلاقة بين العلّة والمعلول. فالافتراض الرئيسي الذي تسالم عليه العلماء في العلوم التجريبية أو الإنسانية يتلخص بأنّ لكل واقعة سبباً معيناً. فالتفاحة الناضجة تسقط من الشجرة على الارض بسبب قانون الجاذبية، والتلميذ المجدّ ينجح في الإمتحان بسبب بذله جهداً مضنياً في التحصيل، والحزب السياسي يفشل في الإنتخابات بسبب عجز برنامجه السياسي عن حل المشكلات الاقتصادية. وفي كل تلك الحالات يكون الإرتباط بين العلّة والمعلول إرتباطاً طبيعياً وثيقاً. وإذا آمنا بصحة إفتراض الإرتباط بين العلّة والمعلول، فلابد لنا من الإيمان بإفتراض ثان، وهو أنّ نفس العلّة ـ وتحت شروط مشابهة ـ يجب أن تنتج نفس المعلول. أي أننا لو رأينا تفاحة ناضجة تسقط على الأرض بسبب قانون الجاذبية، فلابد أن نرى تفاحة اُخرى من شجرة ثانية في موقع ما في العالم الارضي تسقط تبعاً لنفس القانون. فإيماننا بصحة هذين الإفتراضين يجعلاننا نرى العالَم الخارجي، بما فيه الحياة الاجتماعية، عالَماً مرئياً مبنيّاً على المنطق والتحليل العقلائي. ولكننا لا نستطيع أن نفهم العلاقة بين العلّة والمعلول إلاّ من خلال فهم العلاقة بين الثوابت والمتغيرات. فالثوابت تعبّر عن القوانين الطبيعية التي لاتتغير بتغير المكان او الزمان. اما المتغيرات فهي الخصائص التي تتغير أو تختلف من زمان الى زمان، ومن مكان الى مكان، ومن فرد لآخر. فالإختلافات في السن، والطبقة الاجتماعية، والثقافة والتحصيل مثلاً تؤدي الى نسب متفاوتة في الطلاق والإدمان على المحرمات والإنحراف. والإختلافات في الذكاء، والدخل، والإستثمار المالي كلها تؤدي الى نسب متباينة في الإنتماء للطبقات الاجتماعية. فالمعلول يأتي دائماً بتأثير متغير معين، فالجريمة نتيجة طبيعية من نتائج تأثير متغير آخر وهو الإدمان على المسكّرات مثلاً. فالنظرية الاجتماعية تحاول تعميم تأثير متغير ما على متغير آخر، وتنتهي بنتيجة مفادها هنا : أنّ الإدمان على المسكّرات يسبب إرتكاب الجريمة. وهذا هو ما نقصده بربط العلّة بالمعلول. إلاّ إنّ هذا الربط يبقى محدوداً في دائرة «الإحتمالات»، فليست هناك قاعدة على ذلك المستوى من التحليل تضمن لنا بدرجة اليقين بأنّ هذا الإرتباط بين العلّة والمعلول يعطي نفس النتائج في كل الحالات. ولكن مما يزيد في قوة تلك «الإحتمالات» أن العلاقة بين المتغيرات يجب أن تحصل بشكل منتظم. فإذا كانت الحقائق تشير الى أننا كلما بحثنا عن جذور إرتكاب الجريمة لاحظنا أنّ سببها هو إرتكاب المحرمات، إزددنا قناعة بأن إحتمال ذلك الربط بين العلّة والمعلول كان قوياً. ولكن قد يعترض علينا معترض ويقول : كيف تثبتون بأنّ إرتكاب المحرمات يؤدي الى إرتكاب الجريمة ؟ وهل أن الجريمة إلاّ إنحراف يرتكبه الافراد دون النظر الى إرتكاب المحرمات كمقدمة ؟ فنُجيب باننا لا نستطيع التثبت من النتائج الحقلية في هذا الخصوص ما لم نستخدم «الإختبار الضابط» وهي تجربة تجري للتأكد من صحة نتائج إختبارات اُخرى. فحتى نُخرج أي إحتمال من تداخل عوامل اُخرى تؤثر على العلاقة بين العلّة والمعلول، لابد من إستخدام «الإختبار الضابط». ففي هذه الحالة ندرس إرتكاب الجريمة من زاويتين : الاولى : زاوية الافراد الذين لا يرتكبون المحرمات. والثانية : زاوية الافراد الذين يرتكبون المحرمات. فالزاوية الاولى تمثل «الاختبار الضابط» والثانية تمثل صلب الإختبار المراد إثبات نتائجه. فإذا كانت النتائج تشير الى ان العلاقة بين العلّة والمعلول وهي إرتكاب المحرمات وإرتكاب الجريمة قوية، وإنّ الذين لا يرتكبون المحرّمات لا يقدمون على إرتكاب الجريمة، أثبتنا ـ عندئذ ـ وبشكل علمي أن الجريمة نتيجة من نتائج إرتكاب المحرمات. مصاعب المنهج العلمي: إنّ من أهم المصاعب التي تواجه طريقة البحث في علم الاجتماع قضيتين : الاولى :الموضوعية. والثانية : المتغيرات. فعلى صعيد الموضوعية هناك منهجان مرتبطان بطبيعة البحث العلمي، وهما : الاول : المنهج الكمي. وهو المنهج الذي يؤمن بجمع المعلومات الإحصائية والأرقام في محاولة لفهم التركيبة الاجتماعية وتفسير سلوك الافراد. إلاّ أنّ هذا المنهج يُتهم بالسطحية وعدم التعمق في دلالات تلك الارقام. الثاني : المنهج النوعي. وهو المنهج الذي يعتمد على الوصف والتحليل الموضوعي وتفسير سلوك الافراد أكثر مما يعتمد على الأرقام الإحصائية. فالتفسير الموضوعي يبرهن العلاقة السببية بين المتغيرات. وعلى صعيد المتغيرات، فإنّ المشكلة المنهجية تصبح أكثر تعقيداً. فعلم الاجتماع ليس علماً فيزيائياً طبيعياً يتعامل مع الذرات الصامتة أو الأحجار الصماء أو الحيوانات التي ليست لها عقولاً أو إدراكات، بل يتعامل مباشرة مع الانسان. فالفرد ـ الذي هو مادة علم الاجتماع ـ له شخصيته العقلائية المتميزة، وله قابلية فائقة على الإختيار والرفض والتبديل والإحساس. وهذه العوامل تجعل المنهج العلمي لعلم الاجتماع منهجاً حساساً ودقيقاً وصعباً في كل الحالات. فيستطيع الافراد أن يتبرعوا بمعلومات غير دقيقة عن أوضاعهم الحياتية موضع البحث. وقد يسلكون سلوكاً ظاهرياً لا يتطابق مع سلوكهم الواقعي. وقد تتدخل عوامل اُخرى معقدة ليست في الحسبان في دراسة سلوكهم الاجتماعي كالعوامل النفسية، والتأريخية، والطائفية، والعرقية ونحوها. يضاف الى ذلك اننا لا نستطيع ـ أخلاقياً وشرعياً ـ أن نُجبر الزوج على تطليق زوجته من أجل دراسة تأثير الطلاق على الاُسرة، ولا نستطيع أن نُجبر الأب على ضرب إبنه من أجل دراسة تأثير إنتهاك حقوق الطفل على المجتمع، ولا نستطيع أن نُجبر الذكر على سلوك دور الاُنثى من أجل فهم الفوارق بين الذكور والإناث. في حين أننا نستطيع أن نستبدل المتغيرات في الذرات والمواد الكيميائية من أجل دراستها ودراسة تفاعلاتها الطبيعية. ولذلك فإنّ أقصى ما نتوقعه من علم الاجتماع هو تقريبنا نحو فهم الحقيقة الاجتماعية عن طريق نظرية «الإحتمالات» لا عن طريق «الحقيقة اليقينية». أنماط البحث العلمي: ولاشك أنّ حقائق علم الاجتماع لا يمكن إستنتاجها إلاّ عن طريق جمع المعلومات الخاصة بموضوع البحث، كالدراسات الخاصة بسلوك الافراد، والدراسات الخاصة بالنظام الاجتماعي. ولكن لابد للباحث من إنتخاب أحد الطرق الثلاثة المتعارَف عليها في البحث العلمي من أجل فهم الحقيقة الاجتماعية التي يبحث عنها، وهي : التجربة، والمسح العام، والرصد. فالتجربة : هي طريقة لدراسة العلاقة بين المتغيرات الاجتماعية تحت شروط وظروف خاضعة للسيطرة العلمية. فالتجربة المختبرية تخضع لبيئة إصطناعية علمية يُصمّمها الباحث نفسه. بينما تخضع التجربة الحقلية للبيئة الاجتماعية الطبيعية. فاذا أراد الباحث الاجتماعي دراسة «عقدة الذنب» عند المجرمين المعاقبين بالسجن مثلاً، فإنه لابد أن يجري تجاربه الحقلية داخل السجن ذاته مع السجناء المتهمين بتلك الجرائم. أما اذا أراد لتجربته أن تكون تجربة مختبرية، فلابد له من جمع عدد من الافراد وطرح سؤال إفتراضي عليهم حول «عقدة الذنب». ومن هذا الإستعراض يتوضح أن التجربة الحقلية على نطاق علم الاجتماع تكون أكثر واقعية على صعيد النتائج من التجربة المختبرية. إلاّ أنّ التجربة ـ حقلية كانت او مختبرية ـ الى هذا الحد غير كافية، ولا تعطي نتائج دقيقة فيما يتعلق بالموضوع المبحوث. لأن «عقدة الذنب» قد يستشعرها حتى الابرياء أصلاً. فمن أجل أن يكون البحث منهجياً ودقيقاً على الصعيد العلمي لابد من تهيئة عدد من الافراد غير المذنبين وجعلهم مقياساً للسيطرة العلمية على تلك التجربة. فـ «المتغير الإستقلالي» ـ وهو فكرة عقدة الذنب ـ يُقدَّم من قبل الباحث بشكل منظّم ودقيق عبر الأسئلة او الإستفسارات الى «المتغير الآلي» وهم المجرمون، ثم تستحصل منهم الاجابات. وبعد ذلك يقدَّم «المتغير الإستقلالي» ـ أي فكرة عقدة الذنب ـ من قبل الباحث عبر نفس الاسلوب من السؤال والإستفسار الى «متغير السيطرة العلمية» ـ وهم الأبرياء ـ ثم تستحصل منهم الإجابات. وبعد ذلك يقوم الباحث بدراسة الفرق بين المعلومات الواقعية للمجرمين والمعلومات القياسية للأبرياء، وتُستنتج منها الحقائق العلمية المتوخآة حول «عقدة الذنب». وهذه الطريقة التجريبية العلمية في جمع المتفرقات ومنع المتغايرات تنفع في تشخيص الظروف الموضوعية التي تستطيع تغيير النتائج الحقيقية، ومن ثمّ قد تستطيع تغيير فهمنا لطبيعة الواقع الاجتماعي. ولكن الطريقة التجريبية لا تخلو من نواقص ايضاً. فهي تضيّق نظرتنا نحو المجتمع الكبير، وتجعلها تلحظ المشاكل الاجتماعية من زاوية التجارب الحقلية أو المختبرية فحسب ; مع أنّ الافراد لهم القابلية على التبدل والتغير، والتفريق والتلفيق. لكن المسح العام يختلف عن التجربة على صعيدي النوع والكم. فالمسح العام أشمل حقلياً، وأعمق تحليلياً من التجربة. ولاشك أنّ المسح العام طريقة منظّمة مهمة لجمع المعلومات الخاصة بالإتجاهات والسلوك العام والخاص للافراد في المجتمع الكبير. فاذا كانت التجربة تُجرى على مجموعة قليلة من الافراد، فإنّ المسح العام يُجرى على الاُمة كلها. ولعل في المسح العام هدفين : الاول : إكتشاف الحقائق الخاصة بالاُمة، ومثالها معرفة الإتجاه السياسي للعمال في جميع أنحاء الدولة. والثاني : إكتشاف الرابط الواقعي للحقائق الاجتماعية، ومثالها كيفية تأثير توزيع الثروة الاجتماعية على الإتجاهات السياسية للفلاحين ونحوها. وبطبيعة الحال، فان علماء الاجتماع لا يستطيعون التوجه نحو كل فرد من أفراد الاُمة مباشرة من أجل إجراء المسح العام، بل لابد من أخذ عينات منتخَبة تمثل المجتمع الكبير. فالعينات تمثل أقرب الطرق العلمية لمعرفة واقع المشكلة الاجتماعية المراد دراستها. والمتعارف في الطريقة العلمية أنّ عينة واحدة قد تمثل رأي 2000 ـ 3000 فرد. فاذا كان مجموع السكان ثلاثين مليون نسمة، فان المسح العام سيشمل عشرة الآف شخص. والمدار في إنتخاب العينة، أن الطريقة التي يُنتَخب فيها الفرد للمسح تعطي الفرصة المتساوية لكل شخص من هؤلاء الثلاثة الآف لكي يُنتَخب كعينة. واذا تم إنتخاب العينة، فإنّ أمام عالِم الاجتماع طريقين لدراسة المشكلة الاجتماعية. الاولى : المقابلة الشخصية مع كل فرد من هؤلاء المنتخَبين. الثانية : الإستبيان، وهو عبارة عن مجموعة أسئلة مكتوبة توجّه الى ذلك العدد المنتخَب من الافراد إستطلاعاً لآرائهم في حل تلك المشكلة الاجتماعية. أما الدراسات الرصدية، فهي فحص مجهري مكثّف للأحداث والتفاعلات الاجتماعية التي تحصل بين الافراد. ومن إيجابيات الرصد، أن الراصد يلاحظ الأحداث من خارج فلا يحاول التأثير عليها، بل يحاول جاهداً إعطاء وصف دقيق وتحليل معمّق لما يحصل. ولاشك أنّ الرصد يعتمد ايضاً على الترابط بين العلّة والمعلول. فالراصد الذي يرصد مشكلة إجتماعية، تتعلق بتصرف القيادة المدنية للدولة وقت الحرب مثلاً، يحاول أن يدرس بدقة التطورات النفسية والاجتماعية الحاصلة للقادة المدنيين من دون تصميم شروط مسبقة لتلك التطورات. وهذا اللون من الدراسات الاجتماعية مهم جداً، لأنه يمسك بالحقائق الاجتماعية وقت وقوعها مباشرة. فهو يغني عن التجارب المختبرية التي قد يطول اختبارها لسنوات عديدة. إلاّ إنّ الدراسات الرصدية لها مشاكلها الخاصة ايضاً. فالراصد قد يُسىء فهم الأحداث ويبني عليها نتائج خاطئة. وقد لايأخذ الراصد بالعوامل الاخرى التي لها علاقة غير مباشرة بالأحداث والتصرفات موضوع البحث. وقد يصبح الراصد جزءً من المشكلة الاجتماعية التي يدرسها، خصوصاً اذا كانت تلك المشكلة تحمل قضايا عاطفية وشعورية حساسة للراصد نفسه. وفوق كل ذلك، فان دراسة حالة رصدية واحدة لا يمكن أن تعمّم قاعدة كلية يمكن إستخدامها في كل الحالات المشابهة ! * * * * * وخلاصة القول ان نتائج البحث العلمي الاجتماعي المستخلصة من التجربة، أو المسح العام، أو الرصد تبقى نتائج إحتمالية قد تصيب الواقع وقد تخطئه. فلا يمكن اعتبارها ـ على أقل التقادير ـ من المسلّمات العقلية أو من القضايا القطعية. بل أقصى ما يمكن ان نبني عليه نتيجة استخلاصها، هو انها اقرب الحقائق المتوفرة لدينا الى الواقع الخارجي. أخلاقية البحث العلمي: ولاشك أنّ أهم أخلاقيات المنهج العلمي التي يمكن تشخيصها، هي تلك التي تندرج في موارد الحفاظ على موضوعية البحث وإستقامته، وإحترام سرية وكرامة الافراد الذين يتبرعون كمادة تجريبية للبحث، والحفاظ ايضاً على سرية المعلومات التي تجمع من الافراد خلال المراحل المتنوعة من العمل العلمي. ولعل أسمى ركن من أركان الفلسفة الاخلاقية للعلوم هو الإقرار بالمصادر التي إستخدمها الباحث في إنجاز بحثه العلمي. فلا يستطيع الفرد المجرد ـ مهما اُوتي من قوة علمية ـ أن يكتب بحثاً علمياً قيّماً دون الإقرار بتحمل مسؤولية الرجوع الى المصادر الرئيسية في الحقل العلمي المبحوث. فالإقرار بالمسؤولية العلمية في الإعتماد على الخبراء في الحقول التجريبية أو الإنسانية أو الإلزامية من أشرف المسؤوليات التي ينبغي أن يتحملها الباحث أو العالِم. ولاشك إنّ هذا اللون من المسؤولية الأخلاقية مرهون بالإرتكاز العرفي وحسن سيرة العقلاء. وبطبيعة الحال، فان الجنبة الاخلاقية التي نستلهمها من رسالتنا الدينية تجعلنا نرتب النقاط التالية: 1 ـ اننا لا نستقرىء الاركان الاخلاقية للعلوم من الحقائق الاجتماعية الخارجية، بل اننا نهتدي بمعالم الدين الاخلاقية في البحوث العلمية. ومن تلك المعالم : الصدق في طرح الحقائق، والعدالة في الحكم على الموضوعات، وإلتماس العون الآلهي في إنجاز المشاريع العلمية. 2 ـ ان القوانين الفلسفية والمنطقية، وإن كانت تعطينا إشارات نحو السلوك الاخلاقي والتحليل العرفي، إلاّ اننا لا نستطيع التمسك بها في جميع الحالات. لأنها ـ ببساطة ـ لا تضمن لنا خياراً اخلاقياً مطابقاً للواقع الخارجي مائة في المائة. فلابد من التحري عن الجانب الديني في هذه القضية. 3 ـ ان يكون اطار النقد العلمي في التجريح والتعديل نابعاً من ملاحظة الموازنة بين المصلحة العليا للجماعة ومصلحة المؤمن الذي حرّم الله إنتهاك حرمته وهتك اسراره الشخصية والعائلية. فالاسلام ينظر ـ دائماً ـ الى المؤمنين الصابرين بعين الاكبار، ولا يستثني في ذلك الفقراء والمحرومين والمستضعفين. وليس لأي علم من العلوم الاجتماعية الحق في تجريح هؤلاء الافراد تحت إدعاء البحث العلمي. 4 ـ ان نتائج البحث العلمي التجريبي في الحقول الانسانية تبقى، مع دقتها، نتائج إحتمالية لا ترقى الى مستوى القطع. وفي ضوء ذلك، فان تشخيص مشكلة ما أو مرض اجتماعي معين عند مجموعة من الافراد لا يسيغ لنا شرعاً إلصاق صفة منافية للاخلاق بتلك المجموعة من الافراد. (نهاية ص 112)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
|