(ص 81 - 102)

الفصل الثالث

النظريات الاجتماعية المعاصرة .. رؤية نقدية

  النظرية والافتراض في علم الاجتماع * النظرية التوفيقية  * نظرية الصراع الاجتماعي * نظرية التفاعل الاجتماعي * نشوء وتطور الفكر الاجتماعي * لمحات تأريخية في النظرية الاجتماعية.

 --------------------------------

 النظرية والافتراض في علم الإجتماع

          ليس هناك أدنى شك بإنّ النظرية أو الافتراض النظري عنصر حاسم في تثبيت اُسس المنهج العلمي. ولكن ما هو الفرق بين النظرية والإفتراض ؟ في الإجابة على هذا السؤال لابد للرجوع الى ما ذكرناه من ان النظرية هو بيان ينظّم مجموعة من الأفكار المترابطة من أجل توضيح العلاقة فيما بينها. أما الافتراض فهو بيان قد يحمل معنى التسليم بصحته، وقد يحمل معنى الإدعاء. ولذلك فإنّ النظرية أرقى بدرجة من الإفتراض، لأنّ في النظرية تماسكاً شديداً للأفكار التي تتبناها.

          فإذا كانت النظرية صالحة، فإنها ستتنبأ بشكل دقيق عن طبيعة الأحداث المترابطة التي سوف تحصل في المستقبل تحت شروط متشابهة. فالنظرية تعطي للحقائق معنى نفهمه، لأن الحقائق بحد ذاتها كيانات صامتة تحتاج الى من يستنطقها.

          إلاّ إنّ التطبيقات الاجتماعية ترتبط دائماً بالنظريات وليس العكس. فكل عمل نقوم به يرتبط بفكرة معينة في أذهاننا تدفعنا لإنجازه. فعقوبة «القِصاص» مثلاً تعكس مصداقاً من مصاديق النظريتين الـ  «جزائية» والـ  «ردعية»، وقيادة الدولة تعكس مصداقاً ما للنظرية «السياسية»، والمساعدة المتوخاة بين الجيران تعكس مصاديق النظرية الدينية في «التكامل الاجتماعي». فعن طريق النظرية نستطيع أن نفهم وندرك حقائق الحياة الاجتماعية. فهي التي تضع لنا الأحداث التي لا نفهم لها معنى واضحاً في إطار يساعدنا على تحليلها وتفسيرها وتشخيص علّتها ومعلولها، ومن ثمّ فهمها بشكل لا يبتعد كثيراً عن واقعها الخارجي الحقيقي. ولكن مصطلح «النظرية» كان قد إختلط مع الكثير من الإفتراضات في العلوم الانسانية. فقد نهضت بعض الإفتراضات، ومن دون مستند علمي، الى مستوى النظريات. ولكنها لم تستطع لاحقاً تبرير حججها العلمية المفترضة بأدلّة قطعية، ومن ذلك: النظريات الغربية في الإجتماع.

          فالنظريات الغربية هي أقرب الى الإفتراض منها الى النظرية. والسبب في ذلك أنّ بعضها مجرد إدعاء لايمكن التسليم بصحته، ومثال ذلك : فكرة «الانوثة» التابعة لـ  «نظرية الصراع الاجتماعي». فهي تفترض بأنّ الإضطهاد الاُسري للمرأة هو مقدمة طبيعية للإضطهاد الاجتماعي. وهو بلاشك إدعاء لا يستند الى أي أساس علمي أو ترابط بين الحقوق الاجتماعية والحقوق الشخصية. ومثل آخر : فكرة «شرعية إنعدام عدالة المكافأة الاجتماعية» في «النظرية التوفيقية» بزعم أنّ إنعدام العدالة الاجتماعية يؤدي الى تماسك النظام الاجتماعي. وهذا مجرد إدعاء يناقض أصل النظرية التوفيقية التي تفسر إنسجام المؤسسات الاجتماعية للنظام الاجتماعي  ; لأنّ إنعدام العدالة الاجتماعية سيؤدي الى صراع إجتماعي بين الطبقات المحرومة والطبقات المتنعمة بخيرات النظام الاجتماعي.

          إلاّ إننا ـ  وفي ضوء منطلق البحث العلمي ـ سوف نطلق على النظريات الغربية إصطلاح «النظريات» في كتب النظرية الاجتماعية التي نصدرها لثلاثة اسباب :

          الاول : ان مخالفة المشهور قد تسبب إرباكاً من نوع ما للقارىء أو التلميذ الذي يدرس الكتاب.

          الثاني : ان في تلك الافتراضات محاولات مهمة لتوضيح أجزاء من الحقيقة خصوصاً فيما يتعلق بالتركيبة الاجتماعية والتغيير الاجتماعي.

          الثالث : ان اطلاق لفظ «النظرية» على الفكرة الدينية في الإجتماع لا يحمل اي لون من الوان المساواة بين الفكرة الدينية والفكرة العلمانية. فنحن عندما نطلق على الأفكار الاجتماعية الدينية إصطلاح «النظرية الاجتماعية الدينية»، فإنما نعكس ـ  بصدق ـ بيان واضح لمجموعة مترابطة من الأفكار العظيمة المتكاملة التي لايدخلها نقص ولاتحتاج الى ترميم.

          وبطبيعة الحال، فان دراسة المجتمع والسلوك الاجتماعي للافراد كما هو، تحتاج الى أفكار «النظرية الاجتماعية». وفي الحقل الاجتماعي اليوم ثلاث نظريات عالمية تسيطر على الساحة العلمية لهذا الحقل، وهي:

1 ـ النظرية التوفيقية.

2 ـ نظرية الصراع الاجتماعي.

3 ـ نظرية التفاعل الاجتماعي.

وسوف نتعرض لكل نظرية بشيء من العرض والنقد والتحليل.

 النظرية التوفيقية:

          وهي النظرية التي تنظر الى المؤسسات الاجتماعية من زاوية وظائفها الإيجابية التي تساعد على ثبات المجتمع والنظام الاجتماعي ككل. ولعل أنصع مثال على ديناميكية أو حركية النظرية التوفيقية قول رسول الله (ص) : «المؤمنون في تبارّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى»[1]، «لا والله لا يكون المؤمن مؤمناً أبداً حتى يكون لأخيه مثل الجسد إذا ضرب عليه عرق واحد تداعت له سائر عروقه»[2].

          إلاّ إنّ «هربرت سنبسر» و«اميلي ديركهايم» إقتبسا من ذلك القول العظيم فكرتهما حول النظرية التوفيقية، فنُسبت اليهما دون حق ! فيقارن «هربرت سبنسر» المجتمع الانساني بالكائن الحي. فالكائن الحي له تركيب من أجزاء مترابطة كالرأس والقلب والأطراف. وكل تلك الأجزاء لها وظائف محدّدة إيجابية تجاه جسم الكائن الحي كلّياً . وكذلك المجتمع فإنّ له تركيباً مشابهاً لتركيب الكائن الحي مكوّناً من أجزاء مترابطة هي العائلة، والدين، والحكومة ونحوها[3]. فلكل جزء من تلك الأجزاء وظيفة معينة تساهم في الثبات الكلي للنظام الاجتماعي. ومع إنّ التوجه الحديث لعلماء الاجتماع[4] لا يربط بين الكائن الحي والمجتمع، إلاّ أنّ تلك النظرية لازالت تؤمن بأنّ المجتمع ما هو إلاّ نظام مكوّن من أجزاء مترابطة مع بعضها البعض. فالمجتمع الانساني ـ  تحت الظروف الطبيعية ـ يعيش حالة تضافر ناجحة بين مؤسساته الرئيسية كالعائلة والمدرسة والحكومة، من أجل الإبقاء على حالة التوازن والثبات الاجتماعي. فوظيفة العائلة ـ  على سبيل المثال  ـ تتمثل في تنظيم النشاط الجنسي، ونقل القيم الاخلاقية من الجيل القديم الى الجيل الجديد، والعناية بالقاصرين.

          وبسبب هذا الترابط الوثيق، فان التغير الاجتماعي السريع سيجلب على المجتمع مشاكل عظيمة، لأن التغير في إحدى المؤسسات الاجتماعية سيؤدي الى تغيير مشابه في المؤسسات الاُخرى مما يؤدي في النتيجة الى إختلال في التوازن الاجتماعي. فإذا كان النظام الاقتصادي للدولة في نمو مضطرد، فإنّ الحكومة تضطر لزيادة نفقاتها على التعليم من أجل تخريج عمال أكثر كفاءة لإدارة آثار ذلك النمو الاقتصادي. ولكن إذا كان الاقتصاد يمرّ في حالة ركود، فإنّ الحكومة يجب أن تصرف اموالاً ـ  على سبيل الضمان الاجتماعي ـ على إعالة الافراد الذين يضطرون لترك العمل.

          ولاشك إنّ المؤسسات الاجتماعية لها وظائف رئيسية بارزة واُخرى فرعية لا تظهر للعيّان بيسر. فالإعانات المالية للفقراء في الدول الصناعية الغربية لها وظيفتان، الاولى : رئيسية بارزة وهي إشباع الفقراء حتى لا تحصل مجاعة بينهم، والاُخرى فرعية مخفية وهي أن لايؤدي الحرمان الاجتماعي الى الفوضى التي قد تخرب أساس النظام الاجتماعي وثباته. والمدرسة في المجتمعات الانسانية وظيفتها الرئيسية تعليم الناشئة المهارات التقنية التي يحتاجها المجتمع، ووظيفتها الفرعية منع الاطفال من التسكع في الشوارع والطرقات الى أن يصبحوا قادرين على العمل. والمؤسسات الانسانية في المجتمعات الغربية لها وظيفتان : الوظيفة الظاهرية : الدفاع عن حقوق الانسان في جميع أنحاء المعمورة. والوظيفة الباطنية : تحويل الأنظار عن مآسي المحرومين في المجتمع الصناعي النصراني، وكشف عيوب المجتمعات المعادية للأنظمة الغربية.

          ولكن النظرية التوفيقية، في هذا الإطار الجديد الذي صمّمه علماء إجتماع الغرب بعيداً عن روح الرسالة الاخلاقية الدينية، لاتخلو من هفوات ونواقص. فالمؤسسات الاجتماعية لا تعمل ـ  دوماً ـ في توافق وإنسجام. ففي بعض الحالات تقوم نفس المؤسسات التي تخدم المجتمع بتخريب جوانب اُخرى من النظام الاجتماعي. فالمؤسسات الصناعية الكبرى تقدمّ منتجاتها النافعة العظيمة الى المجتمع، إلاّ إنها ـ  في الوقت نفسه ـ تقوم بتخريب البيئة الانسانية بشكل لم يسبق له مثيل في تأريخ البشرية. وإزدياد عدد السكان في بلد فقير لايؤدي الى الإنسجام بين واردات ذلك البلد القليلة والمتطلبات التي يحتاجها نمو السكان. والمذهب الفردي يعطي الفرد حرية عظيمة في التعبير، إلاّ إنه يخرّب جوانب أخرى من المجتمع خصوصاً إذا اُستخدم للتعبير عن الشهوات والرغبات الشخصية بصورة علنية مفضوحة.

          إنّ النظرية التوفيقية لا تستطيع أن تُنشىء مجتمعاً اخلاقياً فاضلاً ما لم يحكمها نظام اخلاقي يهذّب النشاطات السلبية للمؤسسات الاجتماعية. فالنظرية التوفيقية، بالشكل الذي لاحظناه عند علماء الغرب قبل قليل، تشجّع على بقاء النظام الاجتماعي على شكله التقليدي حتى لو كان فاسداً بدعوى التوافق والإنسجام الاجتماعي. إلاّ إنّ التغير الاجتماعي الذي تجلبه الرسالة الدينية مثلاً ضروري جداً لتبديل أخلاقية النظام الفاسد. فما قيمة الثبات الاجتماعي، إذا كان ذلك الثبات مبنيّاً على الظلم والجاهلية والحرمان والفساد  ؟ فالنظرية التوفيقية الغربية لا تحر جواباً أمام المواقف التي تقتضي حتمية التغيير الاجتماعي. والقول المروي عن رسول الله (ص) الذي أقتبسته النظرية التوفيقية الغربية، أسقطت منه أهم شروطه الموضوعية، وهو الشرط الاخلاقي في بناء المجتمع التوفيقي. فالتكامل العضوي الذي هو نتيجة من نتائج المودة والتراحم لا يتحقق وجوده إلاّ عن طريق الرسالة الدينية التي تدعو الى تأسيس وبناء المجتمع الاخلاقي القائم على التعاون والتساند الاجتماعي للجماعة التي يشدّها حزام الايمان.

 نظرية الصراع الاجتماعي:

          وهي النظرية التي تنظر للمجتمع الانساني من زاوية الصراع، والمنافسة، والتغيير. وقد إستلهمت هذه النظرية مبادئها من آراء العالِم الاجتماعي الالماني «كارل ماركس» (1818 ـ 1883م) الذي آمن بأنّ صراع الطبقات الاجتماعية أهم مصدر من مصادر التغيير الاجتماعي. إلاّ أنّ الإتجاه الحديث لفكرة «الصراع الاجتماعي» الذي قاده عالِم الاجتماع الامريكي «سي. رايت ميلز»[5] لم يصّب إهتمامه على صراع الطبقات كما فعل «ماركس» من قبل، بل أظهر إهتماماً بصراع المصالح بين الفئات الاجتماعية كالصراع بين المُنتجين والمستهلِكين، والصراع بين الاُصول القومية والعرقية المختلفة، والصراع بين السياسيين أنفسهم من أجل الفوز بالسلطة.

          وتنبع أصل فكرة الصراع الاجتماعي من إفتراض مفاده أن مقاعد السلطة، والثروة، والمنزلة الاجتماعية العليا محدودة لأفراد في غاية القلّة في المجتمع، ولكن الطلب على تلك المزايا الاجتماعية من قبل الافراد ـ  في الواقع ـ أكثر مما يسمح به المجتمع من العرض والتقديم. ومن هنا يبدأ الصراع على إكتساب تلك المزايا الاجتماعية بالقوة. فالمجتمع، حسب زعم نظرية الصراع، في صراع دائمي مستمر يشخّص أهم أشكال التغيير الاجتماعي. ولانفترض ان الصراع الاجتماعي يكون بالضرورة مصحوباً بالعنف، بل إنّ ذلك الصراع قد يتخذ أشكالاً مختلفة مثل المنافسة الاقتصادية، والتوتر، والعداوات، وإختلاف الآراء حول القيمّ والأهداف. ولما كانت رغبات الافراد الطموحة نحو السلطة والثروة والمنزلة الاجتماعية دائمية الإمكان والإحتمال، أصبح الصراع الاجتماعي قضية حتمية لا مفرّ منها. خصوصاً اذا ما علمنا أنّ الذين يسيطرون على الموارد الاجتماعية يحاولون بأعظم قدر من الجهد المحافظة على مصالحهم الشخصية على حساب مصالح الآخرين.

          وليس غريباً أن نرى مفارقة واضحة وهي أنّ نظرية الصراع الاجتماعي، في صراع مستمر مع النظرية التوفيقية. فنظرية الصراع تسخر من التوافق والثبات الاجتماعي الذي تدعيه النظرية التوفيقية، وتعتبره خدعة اُخرى من خدع صراع المصالح. فالنظام الاجتماعي إنّما يثبت بالقوة والإكراه لا بالتوافق والإنسجام. إلاّ أنّ نظرية الصراع الاجتماعي لاترى ذلك الصراع صراعاً تخريبياً في كل الأحوال. بل تزعم بإنّ للصراع ـ  أحياناً  ـ نتائج إيجابية، فهو يربط الجماعة بحزام المصالح المشتركة ضد الجماعات الاُخرى. فالحركات الاجتماعية كالأحزاب والتنظيمات المهنية ـ  التي هي واحدة من أذرع الصراع الاجتماعي ـ تعتبر مصدراً مهمّاً من مصادر التغيير الذي يحمل بذوراً إيجابية للمجتمع ككل.

          إلاّ أنّ السؤال المهم الذي تحاول نظرية الصراع الإجابة عليه هو : من المستفيد من عملية الصراع الاجتماعي ؟ فتجيب قائلة بان الطرف الذي يستطيع السيطرة على القوة السياسية والاقتصادية، ونقل تلك السلطة الى أبنائه وأحفاده هو المستفيد الرئيسي من عملية الصراع[6]. إلاّ أنّ هذا الجواب غير تام لأنّ صراع المصالح في المجتمع الحديث يتناول أبعاداً واسعة في الآراء الشخصية، والوظائف، والمجاميع الاجتماعية، وأساليب الحياة. وفي كل موقع إجتماعي لابد أن يكون هناك مؤيدون ومعارضون، وهذا ما لايمكن فهمه إلاّ عن طريق فكرة «صراع المصالح» التي لا تنقل بالضرورة الى الأبناء والأحفاد; وهذا التناقض الذي تقع فيه نظرية الصراع خلل واضح ـ  بلاشك ـ في تفسير طبيعة الطرف المستفيد في تلك النظرية.

          ولكن مع كل هذه الآراء التي طرحتها نظرية «الصراع الاجتماعي»، إلاّ أنها تبقى من أضيق النظريات الاجتماعية التي تنظر للمجتمع من زاوية المنافسة والتغيير فحسب، وتفشل في فهم الصورة الواسعة للمجتمع الكبير المستنِدة على النظام والثبات اللذين يعتبران حقيقتين مهمتين من الحقائق الاجتماعية.

 نظرية التفاعل الاجتماعي:

          وتستمد هذه النظرية أفكارها من أفكار عالِم الاجتماع الالماني «ماكس وبر»[7] ومن بعده العالِم الاجتماعي الامريكي «جورج ميد»[8]، حيث تفترض أنّ الأصل في فهم المجتمع هو فهم وجهات نظر الافراد التي تتفاعل فيما بينها. فنظرية «التفاعل الاجتماعي» تهتمّ بالطريق الذي يتفاعل فيه الافراد فيما بينهم، ويستجيب لبعضهم البعض، ويؤثر أحدهم على الآخر. وهذه النظرية تضع الكثير من مفاهيم «علم النفس» في ثنايا علم الاجتماع. فهي لا تهتمّ بالتركيبة الاجتماعية، أو النظام الاقتصادي، أو الطبقات الاجتماعية، أو الصراع بين اصحاب المصالح. بل إنها تصّب جهدها العلمي على دراسة التفاعل الاجتماعي اليومي بين الافراد. فالافراد هم أصل ومحور النظرية الاجتماعية، وليس الدولة أو النظام الاقتصادي أو المؤسسات الاجتماعية. فعن طريق السلوك الاجتماعي للافراد يحيى المجتمع وتنتظم شؤونه الحياتية. فالمجتمع إنما اُنشىء وثُبِّتَ أو غُيِّرَ من أجل الافراد، لا من أجل المجتمع ذاته.

          ولكن مما يُضعف نظرية «التفاعل الاجتماعي» إنها لا تملك شكلاً موحداً لتفسير وتحليل الأحداث الاجتماعية، فالعالِم الاجتماعي «ارفينك كوفمان»[9] عرض الحياة الاجتماعية على أنها مسرح يلعب فيه الافراد أدوارهم التمثيلية المختلفة. بينما طرح «جورج هومانز»[10] فكرة تبادل المكافأة أو العقوبة على أنها نتيجة من نتائج تأثير الافراد بعضهم على البعض الآخر. فالمكافأة تمثل القبول، والعقوبة تمثل الرفض. وتبنى «هارولد كارفينكل»[11] فكرة البحث عن جذور السلوك الاجتماعي. بمعنى إننا ـ  ومن أجل فهم التفاعل الاجتماعي للأفراد  ـ لابد من النزول تحت سطح الارض الاجتماعية لنفهم كيف يبني الافراد توجهاتهم، وكيف يبررون أعمالهم الاجتماعية. أما «جورج ميد»[12] فقد رفض هذا الإشكال، وأصرّ على الإيمان بـ  «التفاعل الرمزي». فالرموز تمثل اشياءَ اُخرى لها معان نفهمها. فالالفاظ رموز تدلّ على معان معينة نستطيع إدراكها؛ وكذلك الإشارات، وتعابير الوجه، والقوانين، والأحكام فهي أشياء رمزية يُراد بها معان أخرى. والتفاعل الاجتماعي لا يحصل بين الافراد إلاّ عن طريق الرموز كاللغة، والكتابة، وإشارات المرور. فالافراد لا يفهمون العالم مباشرة إلاّ من خلال طريق ثالث له معنى. والى ذلك المعنى تتم الإستجابات والتأثيرات بين الافراد. فالألفاظ، والحروف المكتوبة، وإشارات المرور ليست لها معان بذاتها ولكنها رموز تمثّل معان أخرى يفهمها الافراد. فعالمنا الذي نعيش فيه عالم رمزي، وحياتنا الاجتماعية تحتاج الى تفسيرات لانفهمها إلاّ من خلال الرموز.

          وهذه النظرية لا تخلو ايضاً من نواقص. فهي في الوقت الذي تهتمّ فيه بالتعامل الرمزي او المسرحي للحياة الاجتماعية، إلاّ أنها تهمل القضية الكبرى وهي مشكلة الإستقرار أو الثبات الاجتماعي، ومشاكل التغيير والصراع والعدالة الإجتماعية ونحوها. وهي مشاكل لها تأثير عظيم ـ بلاشك ـ على قضية التفاعل الاجتماعي ذاته.

* * * *

          وهذه النظريات الثلاث ساهمت في تثبيت اُسس ومباني علم الاجتماع الاوروبي. إلاّ انها لم تتطور الى هذا الشكل من دون الإستناد الى فهم الطبيعة التاريخية للمجتمع الغربي. فكان للفكر الفلسفي تأثير كبير على المباني العقلية لتلك النظريات. وفي القرن الأخير تطور الفكر الاجتماعي الاوروبي، وبالخصوص بعد أن تطورت القطاعات الصناعية والانتاجية بشكل لم يسبق له مثيل فولّدت مشاكل عظيمة في اُسس وطبيعة الاجتماع الإنساني.

 نشوء  الفكر الإجتماعي وتطوره

          لا يوجد من بين المصادر الفقهية لعلمائنا المتقدمين ـ  ما عدا بعض المتأخرين ـ «رضوان الله عليهم جميعاً» أي تلميح للنظرية الاجتماعية، مع أنّ أغلب موارد القضايا الفقهية إجتماعية المنشأ. إلاّ إننا نلمح فى آيات الذكر الحكيم، وفي الروايات المروية عن رسول الله (ص) وعن أمير المؤمنين وبقية أئمة الهدى (ع) مفردات تشكيل نظرية إجتماعية يهتدي على ضوئها علم الاجتماع.

 النظرية الاجتماعية عند الفقهاء :

          ويبرز هنا سؤال مهم وهو : هل أنّ عصر الرسالة وما أعقبه من فتوحات لم يستطع أن يُنشأ نظرية اجتماعية أو علماً للإجتماع يستطيع فيه المسلمون أن يفهموا مجتمعهم الجديد ؟ والجواب عل ذلك، أنّ الإيمان والإنخراط في الدين الجديد جعل إهتمام المسلمين ينصبّ بشكل مباشر على دراسة وتفهم القرآن المجيد وإدراك الأحكام الشرعية. فكان الإهتمام بعادات الشعوب من أجل إستخراج نظرية إجتماعية غير مورد بحث، لأن القرآن الكريم أعطى الخطوط العريضة للنظرية الاجتماعية. فكان الناس يفضلّون التدبر في آيات الذكر الحكيم على الإهتمام بمورد إجتماعي من صياغة بشرية. ولاشك أنّ بطش السلطة الأموية ومن بعدها السلطة العباسية ومن جاء بعدهم الى الحكم أدى الى تحجيم دور الفقه الاجتماعي والفلسفة الفقهية أو مقاصد الشريعة في تنظيم شؤون النظام الاجتماعي. ولم أجد فيما لدي من مصادر فقهية إمامية قديمة مَنْ تطرق الى النظرية الاجتماعية كنظرية. ولكن طُرحت بعض مفردات النظرية الاجتماعية في باب تزاحم الحقوق، وتطبيقات قاعدة نفي الضرر فقط. فعلى صعيد تزاحم الحقوق فقد بحث الشيخ الطوسي (ت 460 هـ ) ضمان جناية البهائم التي تقف في طريق المسلمين[13]. وبحث الشهيد الاول محمد بن مكي (ت 786 هـ ) في كتاب «الدروس الشرعية» حقوق وواجبات الفرد والجماعة ضمن بعض المفردات الفقهية الخاصة بطريق «مرور المسلمين» العام[14]. وقد سار أغلب فقهاء الامامية على هذا المنوال. أما على صعيد قاعدة نفي الضرر فقد تناولها الكثير من الفقهاء منذ المحقق القمي (ت 1231 هـ ) وحتى الآن. إلاّ ان فقهاء القرن الرابع عشر الهجري أمثال : الشيخ مرتضى المطهري (ت 1399 هـ ) والسيد محمد باقر الصدر (ت 1400 هـ ) والسيد روح الله الخميني (ت 1409 هـ ) وغيرهم ألمحوا، كما سنبين في الفصل التاسع، الى ضرورة صياغة نظرية اجتماعية لإدارة الدولة في عصر غيبة الامام القائم (عج). وعلى أي تقدير فإنّ المتعارف بين الفقهاء أنّ المفردات الفقهية التي كانوا يبحثونها في الصلاة والزكاة والحج والجهاد والزواج والطلاق والإرث والبيع والشراء والتوكيل ونحوها لها جوانب إجتماعية مهمة. إلاّ انهم لم يعيروا اهتماماً للتنظير الاجتماعي للمسائل الفقهية. ولاشك أنّ أوائل المسلمين من مدرسة المذاهب الاربعة ـ  الذين بحثوا في علم الإجتماع أو النظرية الاجتماعية كإبن خلدون (ت 808 هـ ) ومن قبله من المفكرين ـ لم ينظروا الى المجتمع من زاوية فقاهتهم أو من زاوية النظرية الاجتماعية الاسلامية بقدر ما نظروا الى المجتمع بلحاظ الفكر والأدب والنظر المجرد عن القيم الدينية. يقول إبن خلدون في مقدمة كتابه : «إعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثرَ عليه البحث، وأدى اليه الغوص»[15]. ولكنه رأى ضرورة الإجتماع الإنساني، ووجوب وجود الدولة؛ معلناً بأن الدولة لا تتطور ولا تنمو إلاّ بتطور المباني الاقتصادية والحضارية؛ فهي تقوم بالعصبية والشوكة أولاً، ثم تتغير التركيبة الاجتماعية بعد الجيل الثاني، فيتطور أفراد المجتمع من البداوة الى الحضارة. حيث يذكر حصيلة تفكيره في هذا الصدد، فيقول: «ثم إذا إتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه، دعاهم الى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة وإستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت وإختطاط المدن والأمصار للتحضر»[16]. ولكن إبن خلدون لم يحلّل بعمق مبادئ الإجتماع الإنساني وشروط التحضر، ولم يحدد الشروط الاخلاقية للنظرية الاجتماعية. ولاشك أنّ إفتقاره للمنهج الفقهي في دراسة الإجتماع الإنساني أفقد نظريته الكثير من محتواها العلمي والاجتماعي. فالنظرية الاجتماعية تحتاج الى مباني فكرية وشرعية وأخلاقية من أجل النهوض الى مستوى الطرح العلمي السليم، ولا ينهض الوصف الإنشائي للقضايا الاجتماعية الى تحمّل تلك المسؤولية الفكرية.

 عصر التصنيع وعلم الاجتماع:

          وعلى كل حال، فإنّ الإهتمام بالمشكلة الاجتماعية نشأ مع التطور التقني في منتصف القرن الميلادي الماضي. فالتغيير الاجتماعي الذي نتج عن الثورة الصناعية جلب مآسي عظيمة فيما يخص المرض والفقر والإنحلال الخلقي والهجرة الجماعية من الريف الى المدينة. على عكس التغيير الاجتماعي الذي نتج عن الثورة الدينية، أو بتعبير أدقّ إنتشار الإسلام عن طريق الفتوحات. فقد جلب التغيير الديني عمقاً في فهم الحياة الانسانية، وقيماً في التعاون الاجتماعي، وأبعاداً إلزامية في الفلسفة الاخلاقية.

          وفي ضوء ذلك، فقد كان التصنيع أرضاً خصبة لنمو علم الإجتماع، لأن المطبّات الاجتماعية التي عصفت بتلك المجتمعات الثابتة نسبياً وضعت العقلاء على أعتاب النظر للمشكلة الاجتماعية الجديدة التي ولّدها المحيط الجديد. فخلال الثورة الصناعية في اوروبا هَجرَ الفلاحون الأوروبيون قراهم وأخذوا يتزاحمون عل