|
(ص 55 - 80) الفصل الثاني العلوم الاجتماعية الحديثة العلوم المرتبطة بالمجتمع: علم نشوء الانسان * علم الإجتماع * علم الإقتصاد والنظرية الإقتصادية * علم السياسة * علم القانون المقارَن * علم العلاقات الدولية. ------------------------------ العلوم المرتبطة بالمجتمع إنّ دراسة السلوك الانساني على مر السنين أدى الى نشوء مجموعة من العلوم الاجتماعية التي تتشابك فيما بينها من أجل فهم طبيعة النشاط الاجتماعي والفردي للانسان . وقد وُضِعت تلك العلوم في حقول ستة هي : علم نشوء الإنسان، وعلم الإجتماع، وعلم الإقتصاد، وعلم السياسة، وعلم القانون المقارَن، وعلم العلاقات الدولية. ولاشك إنّ حدود تلك العلوم المتطورة على مر الايام لم يكن محصوراً بقانون علمي ثابت. بل كانت تخضع للتجارب والنظريات المتغيرة التي كان يطرحها العلماء المختصون بتلك الحقول. وبطبيعة الحال، فإنّ النمو السريع في التقنيات والتغير الاجتماعي الذي صاحبها جعل الحاجة الى تطوير تلك العلوم الاجتماعية قضية ملّحة؛ لأن الآلة الحديثة ـ مع كل محاسنها ـ جلبت للإنسان مشاكل إجتماعية معقدة. فعلم الإقتصاد يدرس إنتاج وتوزيع وإستهلاك البضائع، وصناعة الخدمات، ويتعامل مع الثروة المالية في عمليات التسعير، والأجور، والتأجير، والأرباح. فالعالِم الاقتصاي يفهم العوامل المؤثرة على سعر البضاعة، ويفهم ايضاً تأثير الضرائب المالية على النظام الاقتصادي والاجتماعي معاً. وبسبب إرتباط علم الإقتصاد بالأدوات الرياضية والحسابية، فإنّ هذا العلم يعتبر من أكثر العلوم الاجتماعية تعقيداً ودقةً في التنبؤ والتحليل. إلاّ إنّ العامل الانساني في تشكيل صيغة «علم الاقتصاد» أو «النظرية الاقتصادية» هو الذي يجعل ذلك الحقل العلمي تابعاً للعلوم الاجتماعية. فالبضائع والخدمات لاتُنتج ولاتُوزع ولاتُستهلك إلاّ عن طريق الافراد أو الجماعة. ولاشك إنّ علم الإقتصاد كان محور صراع النظريات الاجتماعية. فالرأسمالية آمنت بعناصر الملكية الخاصة والمنافسة والربح. بينما آمنت الماركسية بالملكية العامة لوسائل الإنتاج والتخطيط الإقتصادي محاوِلةً بذلك محو المنافسة والصراع الاجتماعي. أما الاسلام فقد آمن بالملكية الخاصة والعامة ضمن شروط تحقيق العدالة الاجتماعية، على ما سيأتي في محله بإذنه تعالى. أما علم الإجتماع فهو يدرس تجمع الافراد أينما حلّوا بمؤسساتهم الخدماتية، ويعلل التغيير الاجتماعي وتبدل شكل المؤسسات الاجتماعية مع تبدل الزمن. إلاّ ان نقطة أهتمامه الرئيسية هي النظام الاجتماعي أو التركيبة الاجتماعية للافراد، وعلاقة الافراد بعضهم بالآخر، وعلاقتهم بالنظام السياسي ايضاً. بينما يدرس علم النفس العمليات العقلية كالإدراك، والذاكرة، والعاطفة، والذكاء، ويستمد مبادئه النظرية وقواعده الكلية من التجارب المختبرية للعلوم الطبيعية. إلاّ إنّ ما يميز علم النفس عن بقية العلوم الاجتماعية هو كونه علماً يتناول الجانب العقلي والروحي للانسان. ولكن السنوات الخمسين الاخيرة من البحث العلمي التجريبي المضني كانت قد أولدت علماً جديداً منبثقاً عن علم النفس سمي بـ «علم النفس الاجتماعي» وهو العلم الذي يدرس التأثير الاجتماعي على الشخصية والسلوك الشخصي للافراد والشعوب. أما العلوم السياسية فهي تلحظ في دراستها وإهتماماتها العلمية جانبين منفصلين هما : الفلسفة السياسية، والأشكال الظاهرية للحكومات ; إلاّ ان الإتجاه الحديث بدأ يدرس الربط بين الفلسفة السياسية والشكل الظاهري للحكومة. وهو ما عُبّر عنه بـ «علم الاجتماع السياسي» الذي يدرس السلوك السياسي، ويحلل التفاعل الاجتماعي الذي يصاحب تشكيل الحكومة. ولكن فكرة «السلطة السياسية» ونظرية «مَنْ الذي يحكم مَنْ ؟ ولماذا ؟ » لها جذور إجتماعية وأخلاقية ودينية عميقة في التاريخ الانساني. فهي ليست حكراً على «العلم السياسي». بل إنّ فكرة «السلطة» نشأت مع نشوء الانسان، وما قصة هابيل وقابيل التي ذكرها القرآن المجيد إلاّ مصداقاً تأريخياً يثبت تلك الدعوى. وعلم نشوء الإنسان يتناول نشوء الفرد ودراسة المجتمعات البدائية. فيعدُّ هذا العلم الشقيق الاكبر لعلم الاجتماع. فـ «الانثروبولوجي» يدرس المجتمعات والحضارات البائدة على نطاقها الضيق، بينما يدرس «علم الاجتماع» المجتمعات الحديثة على نطاق واسع. وتتفرع من «علم نشوء الانسان» علوماً ثانوية كـ «علم الحفريات» الذي يتعامل مع بقايا الحضارات المندثرة، و«علم الألسن» الذي يتعامل مع الجوانب اللغوية، وعلم «نشوء الإنسان ـ من المنظار الثقافي» الذي يدرس الجوانب المختلفة لحياة الشعوب خلال الازمنة السحيقة. ولاشك إنّ إرتباط العلوم الاجتماعية ببعضها البعض ودقّتها في فهم العلاقات الاجتماعية والسلوك الشخصي للأفراد، يدعونا الى دراسة أدقّ وتحليل أعمق لتلك العلوم. ولذلك فإننا سنتناول كل علم منها بتفصيل واف ونقد معمّق ، من أجل فهم دورها في الحياة الاجتماعية. علم «نشوء الإنسان» فقد صُمّم هذا العلم لدراسة الفروقات بين الافراد من خلال دراسة الإختلافات الثقافية والعرقية والبيولوجية بينهم خلال أزمان متعاقبة مرت على البشرية. ولعل أهم سمة ميّزت هذا العلم الغربي عن بقية العلوم الانسانية هو إلصاق رواده الاوائل شتى ألوان الصفات والإتهامات بالشعوب غير النصرانية كـ «البدائية»، و«القبلية»، و«التقليدية»، و«ما قبل الثقافة»، و«ما قبل التاريخ» ونحوها. والقاسم المشترك الذي كان يوّحد تلك المجتمعات غير النصرانية هو إختلافها بالدين والتاريخ والثقافة عن الجذور الإجتماعية والتاريخية لعلماء «الانثروبولوجيا» الأوروبيين. إلاّ ان السؤال الذي بقي مبهماً ودون جواب هو : هل إنّ علم «نشوء الإنسان» يستطيع فهم طبيعة الإنسان التاريخية والبشرية من خلال فهم نوعية «العرق» البشري، أم انه يستطيع فهم طبيعة الانسان من خلال فهم «الثقافة» الإنسانية للافراد ؟ وهل أنّ هناك علاقة من نوع ما بين «العرق» و«الثقافة» لتحديد طبيعة الإنسان ؟ ومن أجل الجواب على هذين السؤالين فقد قسّم علماء «الانثروبولوجيا» هذا العلم الى قسمين : الاول : علم نشوء الإنسان من المنظار الطبيعي، والثاني : علم نشوء الإنسان من المنظار الثقافي. وقد أهتمّ القسم الثاني بأهمية اللغة وعلاقتها بثقافة مجتمعات «ما قبل التاريخ» ; لأن للغة دوراً في التعبير عن المشاعر الدينية والإنسانية، ولأن لها دوراً في تنظيم ذلك العالَم الذي إندثر تحت الأنقاض في ظروف يصعب علينا فهمها وإدراكها. ولاشك أنّ علم الحفريات كان قد ساعد على فهم قضية «النشوء الطبيعي للإنسان»، وساهم في إزاحة الستار عن المجتمعات البائدة وطبيعة تركيبتها الذهنية والتكوينية والدينية. ويكمن الإختلاف بين علمي «نشوء الانسان» و«الإجتماع» في أنّ الأول يدرس المجتمعات البائدة والحضارات المندثرة، بينما يدرس الثاني المجتمع الحديث بتركيبته الثقافية والسياسية والدينية. نقد مباني علم «نشوء الانسان»: إلاّ أنّ أهم نقد يوجّه الى علم «نشوء الإنسان» هو أنه أهتمّ بدراسة طبيعة المجتمعات البدائية وتحليل اُسسها الفكرية والثقافية من زاوية واحدة وعين قاصرة، ثم أنتهى الى نتيجة سقيمة وهي أنّ المباني الأساسية لتلك المجتمعات كانت مستندة على الخرافة والوهم. ولكن ذلك العلم الغربي لم يدرس دور الانبياء والرسل (ع) في هداية تلك المجتمعات وترشيدها الى فهم معاني الوجود والى تنظيم الحياة الإجتماعية. وهذا الخلل المبنائي يجعلنا لا نطّمئن الى تعليلات ذلك العلم ولا الى إستنتاجاته التي تفتقر ـ على أقل تقدير ـ الى البعد العلمي والفلسفة الاخلاقية. وقد كان نشوء ذلك العلم متزامناً مع النشاط الإستعماري المحموم للدول الاوروبية في القرن الثامن عشر الميلادي. فمع إنّ ظاهر المنهج العلمي كان دراسة أصل الإنسان، ومحاولة علمية لفهم وحدة النوع الإنساني، إلاّ إنّ ما إستبطنه ذلك العلم كان ـ في الواقع ـ دراسة الأعراق البشرية، وتاريخ المستعمَرات، وتصنيف لغاتها ومقارنتها مع بعضها البعض، وفهم الفروق التكوينية بين المجتمعات البدائية والحديثة، وإدراك التطور التاريخي للاقتصاد والصناعة الإنسانية. وبكلمة، فقد كان علم «نشوء الإنسان» وسيلة من وسائل الدول الاوروبية لفهم طبيعة الشعوب المستهدَفة للإحتلال والإستعمار. وقد جاءت فرضية «التطور البيولوجي» لـ «جارلس دارون» لتتوّج مقاصد النقاش الدائر حول طبيعة تخلف الشعوب المستعمَرة و«تطور» الرجل الاوروبي الابيض الذي كان ولا زال يحاول جاهداً قيادة العالم فكرياً وثقافياً وصناعياً. فقد زعم «جارلس دارون» في كتابه «أصل الأنواع» بأن بعض المجتمعات البشرية لها قدرة بطيئة على التطور العقلي، بينما تمتلك مجتمعات اُخرى قابلية راقية على التطور الفكري السريع[1]. ولذلك فإنّ المجتمع البشري، حسب إعتقاده، يتضمن عبيداً، ورعاة بقر، واُناساً متحضرين في نفس المكان والزمان. وهذا يدلّ على قدرات متفاوتة في التطور الإنساني ! ولكن «دارون» لم يلتفت الى أنّ قضية العبودية ذاتها ليست قضية تطورية بقدر ما هي شكل من أشكال الإسترقاق الإجتماعي او الديني. ولكل أسبابه وحيثياته التي بُحثت في مواضعها العلمية. ولم يلتفت «دارون» ايضاً الى ان الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الافراد لا ترتبط بالتطور البيولوجي بقدر ما ترتبط بالحاجات والظروف الاجتماعية التي خلقت تلك الادوار. فالإدعاء بأن للمجتمعات البشرية قابليات متفاوتة للتطور زعم يفتقر الى دليل علمي. التوجه العلمي الجديد: ولكن التوجه العلمي في علم «نشوء الإنسان» بدأ يتخذ منحى جديداً، خصوصاً بعد أن أعتصرت السياسة الاوروبية الإستعمارية كل ما يمكن إعتصاره من ذلك العلم بخصوص أصل الإنسان وطبيعة المجتمعات المستعمَرة . فبدأ بعض علماء الإجتماع الاوروبيين أمثال: «مارسيل موس» الفرنسي، و«برونيسلو مالينوسكي» البريطاني، وتلامذتهما بالتأكيد على إنّ الظواهر الإجتماعية، مهما كانت بدائيتها، تستبطن نظاماً سليماً من أنظمة المجتمع المتميزة. وبكلمة، فإنّ بعض الظواهر التي نستهجنها عند دراستنا لمجتمع بدائي يؤمن بتلك الظواهر، هي في الواقع قضايا داخلة في تركيبة ذلك المجتمع ، وليس هناك مبرر عقلائي لإستهجانها من قبل الافراد الذين يعيشون خارج دائرة ذلك التجمع الإنساني[2]. فعلم نشوء الإنسان يجب أنْ يبحث عن «التركيبة» الإجتماعية كحقيقة مستقلة لذلك المجتمع، لا أنْ يبحث الظواهر الإجتماعية على أساس المقارَنة بين المجتمعات. وهذا التوجه سليم بذاته بإعتبار أنّ الظواهر الإجتماعية تخدم المجتمع بصورتها التوفيقية. إلاّ أننا لا نزال نصرّ بقوة على أنّ علم نشوء الإنسان لا يمكن أنْ يؤتي ثماره المرّجوة ما لم يدرس تأثير الانبياء والرسل (ع) على جميع المجتمعات التي عاشوا فيها، بدائية كانت أو متحضرة. فإذا كان هناك من علم إسلامي لدراسة نشوء الإنسان، فلابد أنْ يلحظ فكرة تأثير الانبياء والرسل (ع) على طبيعة تركيب المجتمعات البدائية على الصعيدين الطبيعي والثقافي . فحضارة «بابل» و«نمرود» تأثرت سلباً أو إيجاباً بتعاليم النبي إبراهيم (ع)، وحضارة «الفراعنة» تأثرت بتعاليم النبي موسى (ع)، والحضارة الرومانية تأثرت بتعاليم النبي عيسى (ع)، وحضارات العالم في الجاهلية تأثرت بتعاليم رسول الله الخاتم محمد بن عبد الله (ص). فالثقافة الخاصة بنشوء الإنسان لا يمكن تفسيرها بمعزل عن رسالات الأنبياء (ع) وعن مدى تأثير تلك الرسالات على تركيبة المجتمعات. فليس من المعقول أن تُدرس خرافات الشعوب وتُهمل دراسة الرسالات السماوية التي حاولت تصحيح تلك الأعمال المنافية للمبنى العقائدي للعقلاء. علم الإجتماع وعلم الإجتماع هو أحد فروع علم السلوك الإنساني التي تحاول إكتشاف العلّة والمعلول في العلاقات الإجتماعية بين الافراد. فهو يتناول دراسة العادات، والأعراف، والتركيبات، والمؤسسات الإجتماعية الناشئة من التفاعل بين الناس. ويحاول دراسة القوى التي تستطيع أن تكثّف تلك العادات والأعراف والمؤسسات الإجتماعية أو تضعّفها. وبكلمة، فانّ علم الإجتماع يدرس الطبيعة الإنسانية للمجتمع وأساليب الحفاظ على تركيبته الثقافية والسياسية، باعتبار انّ أهم ما يميز السلوك الإنساني عن سلوك بقية الكائنات هو طبيعته الإجتماعية. ولاشك إنّ تنظيم المؤسسات الإجتماعية يلعب دوراً رئيسياً في صياغة شكل أفعال الإنسان على ساحة المجتمع . فمهمة علم الإجتماع تتلخص بإكتشاف الطرق التي تستخدمها المؤسسات الإجتماعية للتأثير على الفرد، وطبيعة تفاعله مع الآخرين. ومثال ذلك : التركيبة العائلية، التي تعتبر من أهم الحقول الدراسية في بحوث علم الإجتماع، والتركيبة الإقتصادية والسياسية والعسكرية ونحوها. ومع أن منشأ علم الإجتماع كان ولا يزال غرّبياً في إطاره العام، وتركيبته العلمية والثقافية كانت ولا تزال منتزعة من التقاليد والأعراف الاوروبية، إلاّ إنّ إرتباط مبادئ علم الإجتماع بالفلسفة الأخلاقية يجعلنا ننظر اليه ـ وبتحفظ ـ من زاوية العلم الذي يدعو الى إلتماس الإرتكاز العقلائي في تنظيم المؤسسات الإجتماعية. وهذا التوجه المبدئي لا يتنافى مع مبادئ الدين الحنيف. فالإرتكاز العقلائي يساند الشريعة ويؤمن بها في كل توجهاتها الفردية والإجتماعية. وما إنحياز العديد من رجال الفكر الأوروبي العقلاء خلال القرنين الماضيين، أمثال «والدو أمرسون» و«برتراند رسل» و«روجيه غارودي» وغيرهم، الى الاسلام إلاّ دليل على ما ذهبنا اليه. فمع إننا نؤمن بأهمية البحث في مبادئ علم الاجتماع من زاوية نظرتنا العلمية الخاصة بنا، إلاّ إننا نرفض بشدة إقتباس جميع مبادئ هذا العلم التجريبي. ونرفض ايضاً نقل هذا العلم كتركيبة جاهزة من أوروبا العلمانية الى مجتمعاتنا الشرقية الاسلامية. فما نأخذ به يجب ان يكون متناسباً مع مباني العقلاء. ثم نعرضه على الشريعة فإذا وافق الشريعة أخذنا به، وما لم يوافق الشريعة طرحناه جانباً . وحتى لو صدق إرتباط علم الإجتماع الغربي بالفلسفة الأخلاقية، فإنّ هذا المقدار لا يكفي لإقناعنا بالأخذ به من دون إحتياط وتأمل. فلابد لنا ان نصيغ ـ ومن وحي الدين ـ نظرياتنا الإجتماعية التي تُرشد علم الإجتماع الى تحقيق أهدافه العقلائية المقبولة إجتماعياً. وهذا يعني إنه لابد أن يكون لنا موقفاً شرعياً من العلوم السياسية، وعلم الاقتصاد، والنفس، والقانون، والتربية ونحوها. وبطبيعة الحال، فان التجارب الفاشلة المريرة التي مرّ بها علم الإجتماع تجعلنا في غاية الإحتياط من تبنّي أي مبدأ غربي أو علماني من مبادئه العلمية. فقد كانت نظرية «التطور» لـ «جارلس دارون» من اوائل النظريات التي تحمّس لها علماء الإجتماع الاوروبيون أمثال: «هربرت سبنسر» و«بنجامين كد» و«أي. بي. تيلر» وغيرهم، على قاعدة أنّ التطور البيولوجي للأعضاء الحيوية يقابلها دائماً تطور إجتماعي في المجتمعات الإنسانية يبدأ من العبودية والبربرية وينتهي بالحضارة الإنسانية المتكاملة. وكل ذلك التطور المزعوم يتم بفضيلة فرضية «البقاء للأقوى»[3]! ولكن تلك النظرية تقابَل اليوم بالسخرية من قبل علماء الإجتماع المعاصرين، لأن التطور البيولوجي لم يثبت أصلاً على النطاق التجريبي، فكيف تُفترض صحته على الصعيد الإجتماعي ؟ وقد كانت فكرة «الجبر الإقتصادي» التي جاء بها «كارل ماركس»[4] وصفق لها الكثيرون من أوهن الأفكار الإجتماعية وأضعفها. فقد آمن «ماركس» بأن الإنسان يستطيع أن يعيش بدون مصلحة إقتصادية ذاتية. ولكن ذلك الزعم ـ كما ترى ـ يناقض الوجدان الفطري للانسان. فكل فرد يطمح الى تنمية لون من ألوان المصالح الاقتصادية الذاتية. وكل فرد يطمح الى تملك لون من ألوان الحيازات والمنافع التي أنكرها «ماركس». فكيف نستطيع تقبُل تلك الأفكار من دون الإعتراض على مبانيها الفلسفية ؟ وكيف نستطيع قبول فرضية «اميلي ديركهايم» التي تزعم بأن السلوك الفردي للإنسان يختلف عن السلوك الجماعي له. فالأفراد يمتلكون صفات معينة عندما يكونون بمفردهم، ولكن ما أن يجتمعوا في مكان ما فان صفاتهم تتغير الى نمط جديد[5]. ولكن هذا الإدعاء غير ثابت في جميع المواطن، وقد ناقشناه بعمق في كتاب «الأبعاد الإجتماعية لفريضة الحج». وتلك التجارب الفاشلة لعلم الإجتماع تجعلنا نتحفظ غاية التحفظ من الأخذ بكل مبادئه العلمانية البعيدة عن روح الدين. فالعلمانية لا ترى للدين دوراً إجتماعياً أو عقلائياً يصبُّ في مصلحة الافراد. بل ترى ان للدين مكاناً واحداً وهو المسجد أو المحراب. ولذلك كان حريّاً بنا ان لا نترك مصيرنا يُصاغ بيد القوى التي كانت ولا تزال تحارب الدين ورسالته السماوية العظيمة في العدالة الاجتماعية. وكان حريّاً بنا ان نحاول إستنباط المبادئ العقلية والشرعية للنظرية الاجتماعية. ولاشك إنّ التوجه الحديث لعلم الإجتماع في جمع المعلومات عن المشاكل الإجتماعية وتحليلها، كان قد نقل ذلك العلم من مرحلة التحليلات الذهنية الى مرحلة العلم التجريبي. فبفضل التقنية الحديثة في جمع المعلومات عن الافراد والمجاميع، والمنظمات، والشعوب أصبح علم الإجتماع قادراً ـ الى حد ما ـ على التنبؤ العلمي بسلوك المجتمعات او الافراد المتوقع حدوثه عقب أحداث خاصة وقعت توّاً كالثورات والإنتفاضات والحروب ونحوها. فعلم الإجتماع الحديث يدرس سلوك الافراد في المدن ذات الكثافة السكانية الكبيرة عن طريق طبيعة توزيع الثروة الإجتماعية. فيدرس قيمة الأراضي، وتجمعات المراكز التجارية والصناعية، والتوزيع العرقي للافراد في المدينة، ومستويات التخلف العقلي بين الناس، وتحلّل الاسرة، ونسب الطلاق، ومستويات الجريمة، ومعدلاّت الفقر، وطبيعة الولاءات والتوجهات السياسية والمذهبية والدينية ونحوها. وبعد جمع المعلومات عن كل تلك القضايا الإجتماعية، يبدأ بتحليلها وبناء الاستنتاجات المستنبَطة على ضوئها. إلاّ إنّ التغير المستمر في أساليب جمع المعلومات والمنهجية العلمية، يجعلنا دائماً نتردد في حمل النتائج المستخلصة من البحوث التجريبية لعلم الإجتماع على سبيل القطع أو على صورة المسلّمات العقلية. فلابد لنا من حمل تلك النتائج على أساس أنها أفضل المعلومات والتحليلات المتوفرة لنا لفهم النظام الإجتماعي والمؤسسات الملحقة به. انّ المشاكل التي تواجهنا اليوم أصبحت أشدّ ثقلاً على كاهلنا وغدت أشدَّ تعقيداً من قبل، وهي كلها تحتاج الى حلول قائمة على هدي نظرية إجتماعية دينية. فقد باتت المشاكل الداخلية بين الافراد في المدن الكبيرة مصدراً من مصادر الإضطراب الإجتماعي. وأخذت شدة العداوات العرقية بين الاُمم والشعوب منعطفاً خطيراً . وصارت الإضطرابات الداخلية بين الأجيال المتعاقبة مصدر قلق وحذر لما يحمله التغير الاجتماعي من تأثير على الافراد، وأصبح التناحر بين القوى السياسية قوياً الى درجة أفقد القيمة الاخلاقية لعلم السياسة وإدارة المجتمع، وباتت الطبقات الإجتماعية في صورة صراع لم نشهد له مثيلاً في التاريخ. بل ان هناك تهديداً مباشراً لإستقرار ورفاه النظام الإجتماعي من قبل هيئات شبحية كالفقر، والجريمة، والفساد السياسي، وإنحلال العائلة، والشر بمفهومه العام. وأمام كل تلك المشاكل في مجتمعنا المعاصر، فإننا نحتاج الى صياغة نظرية إجتماعية دينية وتأسيس علم إجتماع ديني يساعدنا على فهم وتحليل تلك المشاكل وحلّها عبر القواعد الفقهية أو الاُصولية الثابتة. ولاشك إنّ علم الإجتماع الديني ينبغي أن يتكاتف مع بقية العلوم المتضافرة لفهم النظام الإجتماعي كالعلوم السياسية، وعلم الاقتصاد، وعلم نشوء الإنسان، وعلم النفس، وعلم الإتصالات الإنسانية ونحوها. فهذه العلوم جميعها تساعدنا على فهم السلوك الإنساني في المجتمع. فمن خلالها تكون نظريتنا الإجتماعية الدينية أداة أخلاقية إلزامية في تهذيب السلوك الإجتماعي. ولابد من الإلتفات الى أنّ علم الاجتماع لم يبق أسير المباني الاساسية التي نشأ فيها، بل تطور بشكل سريع الى علم مركّب. فإنبثق عنه لونان من العلوم الفرعية. الأول : علم النفس الإجتماعي. والثاني : علم الجنوح أو الجريمة. أ ـ علم النفس الإجتماعي: وهذا العلم يدرس سلوك الافراد والشعوب بوضعها الإجتماعي والثقافي. فهو يتناول حقول المعرفة الخاصة بتنظيم النشاط التجاري ،خصوصاً ترغيب الافراد على شراء المنتجات المصنّعة، وتنظيم وصياغة أساليب الإعلام الحديثة، ودراسة الطرق لتقليل العداوات بين القبائل والأعراق البشرية المختلفة ضمن البلد الواحد، ودراسة أفضل السبل لتربية الاطفال. إلاّ إنّ أهم الانتقادات الموجّهة الى هذا العلم تنصبّ على أنه يعتمد بشكل رئيسي على التجارب المختبرية في السلوك الإجتماعي. فلاريب أن تكون نتائجه المختبرية غير متطابقة تماماً مع الواقع الخارجي، بل قد تبتعد أحياناً عن الحقائق، وتعطي نتائج خاطئة. ولكن هذه الانتقادات لا تمحو أهمية هذا اللون من العلوم الإجتماعية التي تساهم في حل المشاكل التي نواجهها في عصرنا الحاضر. فإذا حذفنا التجارب المختبرية مؤقتاً، وجعلنا الهمّ الرئيسي الإقتراب من الحياة اليومية الإجتماعية، فإن النتائج المستخلصة ستكون على قدر عظيم من الأهمية. والطريقة المتبعة في تحقيق موضوعات هذا العلم على الصعيد التجريبي هو ان يستدعى فرد ما الى المختبر، ويُطلق على ذلك الفرد إصطلاح «الموضوع». فيواجَه ذلك «الموضوع» بمشكلة ما، كأن تكون قضية الإختلافات المذهبية بين شخصين كل منهما يتبع مذهباً معيناً، مثلاً أحدهما يتبع مذهب أهل البيت (ع) والآخر مدرسة الخلفاء. فيجلس الشخصان يتناقشان في غرفة زجاجية يراها «الموضوع» بدقة ويسمع ما يدور فيها، ولكنهما غافلان عن رؤيته. وبعد إنتهاء النقاش يُسأل «الموضوع» عن تصوراته الذهنية حول المشكلة المذهبية التي دارت أمامه، وطبيعة تأثيرها عليه وعلى معتقداته المذهبية وإندفاعه نحو التحرك لمساندة قرينه في المذهب الخاضع لتلك التجربة. ومع إنّ هذه التجارب قد لا تعطي نتائج دقيقة جداً على صعيد الواقع، إلاّ انها تعطي الباحث فرصة ثمينة لمعرفة شخصيات الافراد، وأدوارهم الإجتماعية، وعواطفهم، وإتجاهاتهم المذهبية تجاه الاحداث. وفي ضوء ذلك الكم الهائل من التجارب المختبرية والميدانية تُخطط السياسات الإستعمارية تجاه الدول والشعوب المستضعَفة. وينقسم علم النفس الإجتماعي الى سبعة أقسام تتضمن الدراسات التالية : 1 ـ علم التفاعل الإجتماعي، وهو الذي يدرس تأثير اللغة والألفاظ والإشارات على طبيعة التعامل مع الافراد. وأهم حقول هذا الفرع هو دراسة فرضية «الحافز ـ الإستجابة»، وهي فرضية تؤمن بأن كل فعل يقوم به فرد أو جهة ما لابد ان يواجَه بإستجابة من قبل فرد آخر. وهذا الفعل وتلك الإستجابة تساهمان في تحديد السلوك الإجتماعي للافراد[6]. 2 ـ علم المجموعات الإجتماعية الصغيرة، وهو الذي يدرس الروابط الإجتماعية التي تشّد التركيبة العائلية، وتركيبة الجماعة، ومنظومات الاصدقاء، ومجاميع العمال. ويدرس هذا القسم الصفات الشخصية لقائد المجموعة الصغيرة وطبيعة تأثيره السلوكي والأخلاقي على بقية أعضاء مجموعته. 3 ـ علم المنظّمات الإجتماعية، وهذا القسم يدرس التنظيمات التجارية كالشركات والمصانع ونحوها، ويحلّل وضع التنظيمات العسكرية وطبيعة عملها المنظّم في إكتساب السلطة القيادية وطرق واساليب مقاومة الاطراف المنافسة لحيازة تلك السلطة. 4 ـ علم الشخصية، وهو الذي يدرس الإختلافات الشخصية في السلوك الإجتماعي. فنحن نستطيع التمييز بين الافراد من خلال التمييز بين صفاتهم الشخصية في الضعف أو القوة أو السيطرة ونحوها. ولاشك أنّ أكثر الافراد نجاحاً في سلوكه الإجتماعي هو الفرد القادر على التنسيق بين أفكاره النظرية وشخصيته الاجتماعية، ولديه القابلية على الإقناع، وله إستقلالية في تصرفاته الشخصية. 5 ـ علم المفاعلة الإجتماعية، وهو الذي يدرس التأثيرات الإجتماعية على شخصية الفرد. فهو يدرس تربية الاطفال، وشخصية الطفل الإجتماعية، والعلاقة بين الأبوين والطفل وتأثيرها على تنمية قدراته الذكائية، وتأثير العائلة على الاولاد في صياغة السلوك الأخلاقي والثقة بالنفس. 6 ـ علم الثقة بالنفس، وهو الذي يدرس الأساليب العلمية لبناء الثقة في نفس الإنسان، وتبديل الصورة السلبية التي يحملها الفرد عن نفسه الى صورة إيجابية أكثر تفاعلاً مع الناس في المجتمع. فهذا الحقل يدرس العقد النفسية والنواقص السايكولوجية التي يحملها الفرد منذ الطفولة، ويقترح طرقاً علمية لهدمها من أجل بناء صورة جديدة في نفس الإنسان. 7 ـ علوم العقائد والإتجاهات، وهو الذي يدرس طبيعة وجذور العقائد والإتجاهات والمواقف التي يحملها الإنسان. وهذا الجانب له علاقة بالشخصية من جهة، وبالنظام الإجتماعي والسياسي من جهة اُخرى. وهذه التشعبات والتشقيقات لعلم النفس الإجتماعي تدلّ على أنّ هذا اللون من العلوم الاجتماعية له صيغة عقلائية أكسبته أهمية خاصة في بناء شخصية الإنسان. ب ـ علم الجريمة أو الجنوح: وهذا الحقل يدرس دراسة علمية، طبيعة الجوانب غير القانونية للجناية بضمنها إنحراف الأحداث. بمعنى أنه يدرس العلّل التي تؤدي الى إرتكاب الإنحرافات الإجتماعية وسبل تصحيحها ومنعها، من زاوية علم الأخلاق، والطب النفسي، وعلم الشخصية. ولاشك أنَّ علم الجريمة يعتبر من أكثر العلوم فعالّية في مساندة النظام القضائي ونظام العقوبات بالخصوص. لأنه يمنح القاضي، ومحامي الدفاع على إفتراض شرعية وجوده، ورجال الشرطة والقانون فهماً واقعياً لطبيعة الجريمة ودوافع المجرمين. ولكن، ومما أضعف دور هذا العلم في فهم منشأ الجريمة، هو انه بدأ يتدخل بشكل مباشر بصياغة العقوبة والجزاء والردع. فأصبح يتناول قضايا «الذنب» و«المسؤولية» و«الإعتدال الأخلاقي» في تفسير الجريمة، ويبني عليها أحكامه المفترضة في العقوبات. وهذا المنحى الفكري أدى لاحقاً الى ظهور حركة غربية تسمى بـ «الدفاع الإجتماعي» وهي الحركة التي كانت تنادي بالنظرة المتوازنة بين حقوق المجرمين وحقوق المجتمع[7]! وبتعبير أدق المساواة بين الجاني والمجني عليه على الصعيد الحقوقي. ولكنها كانت ولا تزال من أكثر الحركات الفكرية بُعداً عن الإرتكاز العقلائي الذي يدعو دائماً الى معاقبة الجاني بشكل من الأشكال وتعويض الضحية أو من ينوب عنها. علم الإقتصاد والنظرية الإقتصادية وربما يجد الباحث او المفكر الإجتماعي صعوبة في تعريف علم الإقتصاد، إلاّ انه لا يجد صعوبة في معرفة القضايا والمشاكل التي ينبغي ان يبحثها عالِم الإقتصاد. فعلم الإقتصاد يبحث في تحليل القوى التي تساهم في تعيين أسعار المواد والبضائع التجارية، وكذلك يبحث في أسعار الخدمات، وأسعار المواد الأولية التي تستخدم في إنتاج البضائع التجارية. وهذا يعني ان علم الإقتصاد يحاول إكتشاف العوامل التي تحكم العمال والمكائن والأرض التي تتحد كلها في عملية الإنتاج، ويعيّن طبيعة المشتري والبائع في السوق التجارية. وبكلمة، فان علم الإقتصاد يتعامل مع «نظام الأسعار» و«ميكانيكية السوق التجاري». إلاّ أنّ تحديد نظام الأسعار وشروط نجاح السوق التجاري لا يتم إلاّ عن طريق فهم ألوان متباينة من الدراسة الإقتصادية، وهي: الأول : ما اُصطلح عليه حديثاً بـ «الإقتصاد المجهري» وهو الإقتصاد الذي يتعامل مع سلوك الافراد في السوق التجاري، كالمستهلِكين والتجّار والمزارعين وأصحاب المصالح الصغيرة. الثاني : «الإقتصاد الواسع النطاق» وهو الإقتصاد الذي يتعامل مع المصادر الكبرى التي لها علاقة في تعيين واردات الدولة، وحجم الإستثمارات، ومعدلات العمالة والبطالة، والسياسات العامة التي تتعامل مع مشاكل إستقرار وثبات النظام الإقتصادي للدولة. الثالث : «إقتصاد التنمية»، وهو الإقتصاد الذي يتحرى الإتجاهات المساعِدة في التنمية الإقتصادية للبلد. فيدرس العوامل المسؤولة في تثبيت الإقتصاد الوطني وجعله كياناً مستقلاً قائماً بذاته، بل مستغنياً عن المساعدات والقروض الخارجية. وتتداخل بين هذه الألوان الإقتصادية خطوط علمية متقاطعة تهتمّ بالمالية العامة، والبنوك، والتجارة الدولية، والإقتصاد الزراعي، والمنظّمات الصناعية، وإقتصاد العمل والعمال، والضرائب، والحدود العامة للاُجور، وتنظيم الإيجارات، والكمارك، وميزانية الحكومة وغيرها من القضايا الإقتصادية التي تهمّ الفرد والجماعة. وهذه الموارد كلها تدخل تحت لواء علم الاقتصاد. إلاّ ان النظرية الإقتصادية لا تتعامل مع الارقام والاحصائيات، بقدر ما تعرض أفكاراً مترابطة حول السياسة المالية وقضايا الإنتاج والتوزيع والتسعيرة والضريبة. فهي تسلك مسلك المُرشد العام وتتلبس بلباس المنارة الاخلاقية لعلم الإقتصاد والسياسة المالية للفرد والدولة. لمحة تأريخية عن نشوء علم الإقتصاد : تعامل الفقه الاسلامي تعاملاً مباشراً مع السوق التجارية، وذلك من خلال تشريع أحكام البيع والشراء. إلاّ أنّ ذلك التعامل كان محصوراً في الضوابط الشرعية التي ضبطت أخلاقية التعامل وعالجت طبيعة الإلزام المتعلق بالبيع والشراء في السوق، لكنه لم يتعدى ـ بقصد وتصميم مسبق ـ الى «تحليل السوق». فقد تُركت قضية تحليل «السوق التجاري» الى العرف الإجتماعي المتغير دوماً. ومع أنّ الاسلام تناول مبادئ التعامل التجاري منذ أربعة عشر قرناً، إلاّ أنّ اوروبا لم تضع مبادئ الاقتصاد إلاّ في القرنين الماضيين. فقد ذُكر[8] أن أول كتاب غربي تناول علم الإقتصاد هو كتاب الفيلسوف الاسكتلندي «آدم سميث» الموسوم بـ «بحث في طبيعة وأسباب ثروة الشعوب» المطبوع سنة 1776م. فقد نادى «آدم سميث» بنظام الإقتصاد الحر زاعماً بأنّ ذلك اللون من الأنظمة الاقتصادية ينبغي ان يسيطر على النشاط الإنساني في السوق التنافسية. وأدعى ايضاً بأن الانسان لمفرده لا يستطيع التحكم بالأسعار، ولكن الجهد الجماعي لمجموع الافراد هو الذي يسيطر على نظام التسعيرة. فالافراد عندما يقرروا حجم كمية البضاعة المشتراة من السوق، فإنهم وحدهم القادرون على التحكم بتسعيرة تلك المواد التجارية. وبكلمة فإنّ نوايا الافراد، حسب فكرة «آدم سميث» ، هي التي تحدد طبيعة السلوك الإقتصادي ومن ثمّ طبيعة علم الإقتصاد. وفكرة «آدم سميث» سليمة الى حد ما، ولكنها تعرضت لنقد شديد بسبب بساطتها وسذاجتها في تحليل «نظرية فائض القيمة»، و«نظرية التوزيع»، و«نظرية النقد» وغيرها من النظريات الإقتصادية. وكان من أبرز النقاد لأفكار «آدم سميث» المفكرُ البريطاني «ديفيد ريكاردو»، الذي عرض في كتابه المسمّى بـ «مبادئ الإقتصاد السياسي والضريبة» المطبوع عام 1817م فكرة «النموذج الإقتصادي». وتلك الفكرة تزعم بأن النمو الإقتصادي لبلد من البلدان لابد وأن يتوقف أو يتقلص على أقل التقادير لأحد سببين : أما إرتفاع تكاليف إنتاج المواد الغذائية، وأما محدودية الأرض الزراعية التي لا تستطيع المواظبة على إنتاج جميع انواع المحاصيل لإشباع حاجات كافة الافراد. ولذلك فان كل بلد لابد وان يتخصص بإنتاج لون معين من المادة الغذائية يستطيع تصديرها وأستيراد المواد الاخرى التي يحتاجها. فالهند مثلاً، تستطيع زراعة القطن. ودول الشرق لها القابلية على زراعة الحنطة. واوروبا ـ عن طريق التصنيع والتصدير ـ تستطيع سد حاجاتها من المواد الغذائية المستوردة. وقد مثلّت تلك الأفكار بذور علم الإقتصاد الاوروبي الحديث الذي نما بشكل سريع، وكانت احدى ثمراته : علم التجارة الدولية. الاّ ان فرضيات «ديفيد ريكاردو» جوبهت بهجوم فكري عنيف من قبل «المدرسة الماركسية». فقد طرح «كارل ماركس» في كتاب «رأس المال» المطبوع عام 1867م أفكاراً جديدة مناقضة لأفكار «ريكاردو». ففي النظرية المسماة بـ «نظرية القيمة المتلازمة مع الجهد الإنساني» والزاعمة بان الإنتاج ينبغي ان يتناسب مع كلفة العمل، جاء «ماركس» بـ «نظرية فائض القيمة» التي تجعل من الجهد الإنساني مصدراً من مصادر «القيمة» ومصدراً وحيداً للأرباح. وبكلمة، فإنّ «ماركس» إدعى بأنّ الافراد لا يستطيعون جني الأرباح من مجرد إمتلاك الأراضي أو المصانع أو المزارع، بل لابد لهم من العمل وبذل الجهد في الإنتاج. ولكن تلك النظرية ـ ومع بريقها اللفظي الجذّاب ـ كانت قد أرتكبت أفدح الاخطاء. وهي أنها أنكرت على الافراد حق الملكية وأدانت الإستفادة من منافعها المشروعة، مع أنّ التملك الحلال والإستفادة من منافعه المشروعة من الوجوه العقلائية التي يضمحلّ فيها النقاش. وقد أيّد الشرع الحنيف ذلك. فقد ذكر الشيخ الأنصاري (رض) في بداية كتاب «المكاسب» نقلاً عن الإمام الصادق (ع) ما نصه : «جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب، أربع جهات ويكون فيها حلال من جهة وحرام من جهة. فأول هذه الجهات الأربع: الولاية، ثم التجارة، ثم الصناعات، ثم الإجارات ...»[9]. وقد واجهت النظرية الماركسية هي الاُخرى مدرسة فكرية وقفت لها بالمرصاد، وهي «المدرسة الحدّية». فالمدرسة الحدّية آمنت بان المنتوج يجب أن يساوي الأجر المنفق على إنتاجه. فسعر الغلّة مثلاً يجب أن يكون مساوياً لنفقات الإنتاج. والأرض ينبغي أن يكون ناتجها «بالقيمة» مساوياً لما اُنفق عليها. وأجر العامل يجب أن يكون مساوياً لما أنتجه[10]، وهكذا. وقد شارك في صياغة هذه النظرية ثلاثة مفكرين أوروبيين، هم: «ستانلي جوفانز» من بريطانيا، و«كارل منجر» من النمسا، و«ليون والراس» من فرنسا. وقد أزاحت النظرية الجديدة كل النظريات السابقة عن طريقها، كنظرية «القيمة المتلازمة مع الجهد الإنساني»، و«نظرية فائض القيمة». فالنظريات القديمة كانت ترى أنّ حل المشكلة الإقتصادية يكمن في التنبؤ في التغييرات الحاصلة في كمية رأس المال ومقدار العمل ومقدار الجهد المبذول. بينما ركزت النظرية الجديدة على الظروف التي يمكن من خلالها الحصول على أحسن النتائج لتنمية الإقتصاد، وبالتحديد ضمان قناعة المستهلِك في شراء السلعة المنتَجة. ولكن تلك النظرية وقعت هي الاُخرى في خطأ مهم، وهو أنها صبّت جلّ جهدها واهتمامها على صعيد «الطلب» في السوق، لكنها لم تهتمّ بموضوع «العرض». فالأسعار ـ ما عدا اسعار المواد الغذائية ـ إنما تحدد عن طريق «العرض» و«الطلب»، فالمفترض أنهما متلازمان في كل الحالات، كما هو المسلّم عند أصحاب النظريات الإقتصادية الحديثة. ولكن السوق التجاري، بجميع مؤسساته الإنتاجية والتوزيعية، لا تنحصر وظيفته الاقتصادية بالعرض والطلب فحسب. بل تتعدى الى قضية «التوازن» المالي بين المنتِج والمستهلِك والخط المتصل بينهما ابتداءً بالعمل والاُجور والربح والإيجار وإنتهاءً بالذوق والدافع الشخصي للشراء. والسلعة التجارية ليس لها سعر واحد بل لها سعران، الاول : سعر شخصي يقوم الفرد بدفعه، والثاني : سعر إجتماعي، يتحمل تبعاته المجتمع برمّته. فإذا إنخفض «الطلب» على البضاعة، فإن ذلك الإنخفاض يُسبب إرتفاعاً في نسب البطالة عن العمل. أما اذا تجاوز «الطلب» حدود الإنتاج، فإن ذلك يسبب تضخماً في الأسعار. وهذه المشكلة ستبقى قائمة في المجتمعات الصناعية الى أمد غير محدود. فليس هناك حل إقتصادي، في حدود النظرة الاوروبية، يسمح للمجتمع بتشغيل كل العاملين ويسمح في الوقت نفسه بتساوي العرض والطلب في السوق التجارية. فلابد للمجتمع الصناعي المعاصر من أن يعيش أحد مرضين : إما إرتفاع نسبة البطالة عن العمل، وإما التضخم في الأسعار. حقول علم الإقتصاد: وقد تشعبت حقول علم الإقتصاد بسبب تشعب الحياة الإجتماعية وتعقدها، خصوصاً مع ظهور وتطور الدولة الحديثة. وفيما يلي نظرة عامة مختصرة حول حقول علم الإقتصاد آثرنا عدم التوسع في عرضها ونقدها على صفحات هذا الكتاب، وتركنا ذلك لكتاب آخر بخصوص هذا الموضوع باذنه تعالى. 1 ـ المالية العامة : وهي المالية التي تساعد الحكومة على أداء وظيفتها في خدمة الناس. ومصدر هذه المالية هو الضرائب التي تُجنى من الافراد، خصوصاً إذا لم تكن للدولة موارد طبيعية تستثمرها. ولاشك ان الضريبة في الاسلام كالخمس والزكاة محدّدة بالقيمة والجهة التي ينبغي أن تسدد لها، ولا يمكن للفرد ـ عند تحقق شروطها ـ التهرب من دفعها بأي حال من الاحوال. إلاّ ان الضريبة في المجتمعات الصناعية العلمانية، وبسبب إنعدام إلزامها الديني أو الاخلاقي، تشكل هاجساً للمنتِج والمستهلِك على حد سواء. فالسؤال الذي يلقي بظلاله الثقيلة على الافراد، هو : من الذي يدفع الضريبة ؟ فإذا واجهت الشركات الصناعية العملاقة ضريبة حكومية على أرباحها، فانها سوف تتحرك لرفع وزيادة الأسعار. فتجعل المستهلِك، اليد الحقيقية التي تدفع قيمة الضريبة التي كان من المفترض ان تدفعها الشركات للحكومة ! وإذا تدنت نسب البيع بسبب إرتفاع أسعار السلعة التجارية المنتَجة، فأن الشركة الصناعية سوف تُكره نسبة من عمالها على التخلي عن وظائفهم واعمالهم. فتكون النتيجة أنّ الدولة أو المجتمع يكونان مسؤولين عن إعالة هؤلاء العمال العاطلين عن العمل. وفي النهاية فان الفرد الذي يتحمل الضريبة هو الذي يساهم ـ كرهاً ـ في تحمل معيشة هؤلاء العمال العاطلين عن العمل. بينما يختلف نظام الخمس والزكاة في الاسلام عن ذلك تماماً؛ فالمكلّف الذي يدفع الضريبة المالية انما يدفعها إلتزاماً بواجباته الدينية، فهي لا تمثل إكراهاً أو جبراً من أي لون. وما يُدفع في الاسلام انما يُدفع من الفائض السنوي ولا يؤخذ من المحتاج بأي صورة من الصور. 2 ـ النقود : ولاشك ان من أهم وظائف الحكومة هو سيطرتها على منبع النقود في المجتمع. فحجم العملة المعدنية أو الورقية المتداولة في أروقة النظام الاجتماعي لها تأثير مباشر على مستوى الأسعار، وعلى حجم النشاط الأقتصادي التي تنظمه الدولة. فالنظرية النقدية المأخوذ بها اليوم في عالم الاقتصاد تُقرّ بأن أي زيادة في كمية النقود المطروحة في المجتمع سوف تُمتص بزيادات مقابلة في أسعار المواد التجارية. بمعنى أنّ زيادة كمية العملة الورقية من قبل الدولة سيؤدي الى تضخم في أسعار جميع المواد المباعة في السوق التجاري. فالدولة تستطيع ـ الى حد ما ـ التحكم بأسعار المواد المطروحة في السوق عن طريق التحكم بكمية النقود الورقية أو المعدنية التي تنتجها. 3 ـ العمالة والأجر : لاشك إنّ العامل نفسه لا يُباع ولا يُشترى ولا يؤجّر، ولكن ما يُباع ويُشترى ويُؤجر هو الخدمات التي يقدمها ذلك العامل، والأجر المستلم في تلك العملية برمّتها يسمى بـ «العمالة». قال في الصحاح: «العُمالة بالضم: رزقُ العامِل»[11] . ويقبض العامل على جهده أو خدماته المقدّمة أجراً متناسباً مع قيمة الإنتاج الذي حققه، حسب النظرية الاقتصادية الغربية. فالعلاقة بين نوعية الإنتاج التي يقدمها العامل وطلب المستهلِك هو الذي يحدد طبيعة الأجر. ومن أجل ذلك، فان النظرة الحديثة حول «الرأسمال البشري» جعل الافراد يولون إهتماماً بتعليم أولادهم المهارات الفنية التي تجلب أجراً أعلى من العمل اليدوي المجرد عن أي مهارة ذهنية أو يدوية. وبطبيعة الحال، فإنّ ما اُصطلح عليه بإقتصاد «الأجر» يولي إهتماماً بالعوامل التي تحدد طبيعة الأجر ومستوياته المرتبطة بمهارة العامل. فـ «الأجر» المقبول يستند على ما يقره البناء العقلائي من زيادات أو إختلافات متناسبة مع نوعية العمل. ولاشك إنّ الدولة الحديثة، ومن أجل تنشيط إقتصادها، تنظر الى الساحة الإقتصادية بعينين. الاولى : حدود الأجر للعمال. والثانية : مستويات البطالة. فهي مكلّفة قهراً بالموازنة بينهما. 4 ـ الإقتصاد الدولي : وهذا الحقل يهتم بلونين من ألوان الإقتصاد، وهما : الاول : «التجارة العالمية» وهي التجارة التي تعتمد على الإستيراد والتصدير بين دول العالم. والثاني : «ميزان المدفوعات»، وهو الذي يحلل طبيعة أسواق الأسهم والسندات العالمية، وتأثير تغير سعر العملة لدولة من الدول على أسعار العملات الاخرى، والعلاقة بين ميزان المدفوعات والنشاط الإقتصادي. 5 ـ التركيبة الصناعية : وهذا الحقل يتناول تركيبة السوق، والسياسة العامة تجاه التنافس الإقتصادي، وسياسة الدولة تجاه الإحتكار، وتنظيم المنافع العامة. ولاشك ان المنافسة الإقتصادية الشريفة تعتبر من أهم مبادئ تنشيط الساحة الإقتصادية للمجتمع. إلاّ ان التنافس الإقتصادي غالباً ما يحصل بين القلّة القليلة من الشركات التجارية العملاقة. ولذلك فان التطور المذهل لتلك الشركات وسيطرتها على أغلب مرافق الحياة الإقتصادية والسياسية، جعل من فكرة «المنافسة» الإقتصادية المزعومة قضية غير واقعية. فهذا العلم يدرس التركيبة الاقتصادية للشركات الكبرى وطبيعة تأثيرها المالي والصناعي على جميع مرافق الحياة الاجتماعية. 6 ـ القطاع الزراعي : ويعتبر القطاع الزراعي من أنشط القطاعات في تطبيق أفكار «التنافس الإقتصادي». ولولا السيطرة الحكومية على السلع الغذائية في أغلب بلدان العالم، لكانت أسعار المواد الغذائية متناسبة تماماً مع العرض والطلب. وهذا ما لا يستطيع المستهلِك تحملّه بأي صورة من الصور. لأن الإرتفاع والإنخفاض المفاجىء في اسعار المواد الغذائية سيجعل الحياة الانتاجية والاجتماعية مضطربة للغاية. وقد كان المزارعون في الماضي يزرعون من أجل إشباع حاجات عوائلهم، وما يفيض منه ينقل للسوق من أجل البيع. أما اليوم، وبفضل المكائن الحديثة والاسمدة والطرق المتطورة في الإرواء، فان الزراعة أصبحت قطاعاً مهماً من القطاعات الإقتصادية الحاسمة في مصير الشعوب. ولكن يبقى سؤال مهم يراودنا من غير جواب مقنع، وهو : هل أن مساعدة المزارعين مالياً من قبل الحكومات الصناعية تساعد ـ واقعاً ـ على ضبط أسعار المواد الغذائية، أم انها تساعد على تشجيع المزارعين على الزراعة ؟ وهل إنّ تلك المساعدة تستهدف إشباع حاجات الناس الغذائية في جميع انحاء العالم، أم انها تتماشى مع سياسات الدول الكبرى في الإستعمار الزراعي للدول المستضعَفة ؟ علماً بأن الدعم الحكومي للقطاعات الزراعية أو الصناعية يعتبر إنتهاكاً للفكرة الرأسمالية التي تبشر بها الدول الصناعية. وسوف نتعرض للجواب على تلك الاسئلة بتفصيل واف في كتابنا «النظرية الزراعية في الاسلام». علم السياسة ويتناول «علم السياسة» بالأصل، الدراسة المنهجية العلمية لعمل الحكومة. إلاّ انه كان قد أتخذ أبعاداً أوسع من ذلك النطاق، فقام في العقود الأخيرة بدراسة الدولة بجميع مؤسساتها السياسية. ويختلف «علم السياسة» عن علم «الفلسفة السياسية» . فالأول يدرس المؤسسات السياسية ويراقب السلوك السياسي للدولة، بينما يدرس الثاني الأفكار الفلسفية المتعلقة بنشوء الدولة وصياغة الحقوق والواجبات الخاصة بالافراد ويتناول ايضاً مبادئ الإلزام السياسي والطاعة الجماعية للسلطة السياسية. وقد اُلحق «علم السياسة» الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي بالعلوم الإجتماعية لأن مبادئه كانت ولا تزال تتماشى مع دراسة السلوك الإنساني. حتى ان كتاب «العقد الإجتماعي» لـ «جان ـ جاك روسو» يُعتبر ـ في الدوائر العلمية ـ دراسة في السلوك الإنساني والنظام السياسي ودور «الإرادة العامة» في انشاء ذلك العقد المزعوم. إلاّ أنّ أهم العلوم المرتبطة بعلم السياسة هو «علم القانون». فالدولة والقانون متلازمان في الفكر الإنساني الى درجة ان السلطة لا تؤتي ثمارها المرجوة في تنظيم شؤون الناس ما لم تدعم بقوة القانون. ولاشك ان إرتباط «علم السياسة» بالنظرية الإجتماعية وعلم الإجتماع لم يتبلور إلاّ في العقود الاخيرة. حيث بدأ الإحساس العلمـي يتجـه نحو فكرة مفادها أن النظام السياسي جزء لا يتجزأ من النظام الإجتماعي[12]. على عكس التوجه القديم الذي كان يرى بأن «علم السياسة» لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن علم «السلوك» و«الإقناع السلوكي»[13]. وعلى أي تقدير، فإنّ «علم السياسة» لابد ان يتناول مواضيع أوسع من علم السلوك او الحكومة. فلابد أن يدرس الاحزاب السياسية، والطبقة الحاكمة، والقوى التجارية أو الصناعية المؤثرة على القرار السياسي، وأساليب الإقناع السياسي، والسياسة الإجتماعية العامة، والرأي العام السياسي، وبقية المواضيع التي تدور حول فكرة: «من الذي يحكم من ؟ ولماذا ؟». علم القانون المقارَن ولا يمكن فهم القانون بأبعاده الخاصة في تنظيم حياة الإنسان إلاّ من خلال دراسة دقيقة للقانون المقارَن. فدراسة «القانون المقارَن» يمنح المفكر الإجتماعي فرصة عظيمة في تقييم نظامه ومبدأه القانوني المؤمن به، ويمنحه فرصة اخرى لفهم الثقافات والعقائد المتصلة ببقية الشعوب. ولاشك أن مصاديق هذا العلم تُستثمر من أجل فهم القوانين التجارية للدول والشعوب، وتُستثمر ايضاً من أجل فهم أفضل للعلاقات الدولية. ومن الواضح فإننا عندما نتحدث عن القانون، فإننا لا نقصد به الشريعة. بل نقصد به كل الإلزامات القانونية ـ وضعية كانت أو مستمدة من الشرائع الالهية ـ التي تعارف الافراد على إطاعتها. فهناك شريعة واحدة نؤمن بها، وهي الشريعة الاسلامية. وهناك أكثر من مائة نظام قانوني في العالم يطبقه بقية الناس اليوم[14]. فكل دولة من الدول، لها نظام قانوني خاص بها يختلف عن النظام القانوني للدول الاخرى. ولكن الفرق بين الشريعة الاسلامية والقوانين المعمول بها في دول العالم، هو أنّ الشريعة ثابتة ولا تتغير بل متكاملة في الجوهر والعرض وما يتغير هو الموضوع، بينما تتغير القوانين من زمن لآخر ومن مكان لآخر تبعاً لتغير الآراء. وهدف الشريعة تحقيق العدالة الإجتماعية عبر تنظيم الحقوق والواجبات، بينما هدف القانون مراعاة شؤون الافراد في مكان وزمان معينين. علم العلاقات الدولية ولاشك إنّ الحاجة الإنسانية للعيش بأمان وإطمئنان بين الشعوب هي التي دعت الى تأسيس هذا العلم الذي يدعو ـ نظرياً ـ الى جعل الأرض أقل خطراً وأكثر أماناً للافراد الذين يعيشون عليها. ولاشك ان تطور هذا الحقل من العلوم الاجتماعية يرجع الى أنّ الأنظمة السياسية المعاصرة بدأت توظف العديد من الافراد للعمل في حقول السلطة السياسية، وهو أمر لم يكن معمولاً به في عهود السلطات الحاكمة وبطانتهم القليلة العدد في العصور الماضية. وأمام هذا الوضع الجديد فقد أصبحت العلاقات الدولية مسؤولية عدد كبير من الناس، خصوصاً وأن التقنية الحديثة جعلت العالم بشعوبه ودوله كالقرية الواحدة التي يستطيع الفرد فيها معرفة مايدور من أحداث. ولكن الحروب العالمية التي خاضتها اوروبا في القرن العشرين لم تدع مجالاً للتفكير بالملازمة المنطقية بين السلام العالمي وتطور الحضارة الإنسانية. فالتطور التقني أخذ يصبّ في قضايا الحرب وسفك الدماء والسيطرة على مقدرات الشعوب أكثر مما كان متوقعاً أن يصبّ في قضايا السلام والتعاون الدولي. وأصبحت المنظمات الدولية للتنمية ومراعاة حقوق الإنسان أداةً بيد الدول الإستعمارية الكبرى للتجسس على الشعوب المستضعَفة وأداةً لتشويه الحقائق الناصعة عن الدين، خصوصاً الاسلام. وأصبح القانون الدولي أداةً من أدوات الدول الإستكبارية في تحديد حريات الشعوب الصغيرة وتدمير طاقاتها الإبداعية. ولكن هذا العلم ينفعنا في بعض الأبواب العقلائية، «منها»: دراسة مبادئ الدبلوماسية الحديثة، وطبيعة العلاقات المتوازنة مع الدول الاخرى في العالم، ومدى إرتباط الدبلوماسية بقضايا السلم والحرب على الصعيدين الإقليمي والعالمي. و«منها»: صياغة جديدة للقانون الدولي تقوم على أساس مبادئ العدالة والقيم الأخلاقية والدينية. فلاشك ان العالَم المعاصر بحاجة الى صياغة وعرض نظرية أخلاقية دينية في السلوك الدولي. و«منها»: صياغة نظرية جديدة في معالجة مشاكل الأقليات العرقية والدينية في العالم. و«منها»: دراسة التأثير السلبي ـ القديم والحديث ـ للإستعمار في زعزعة العقائد الدينية ونهب ثروات الشعوب، ونحوها. وهذه الدراسات ينبغي أن تكون نابعة من منطلقاتنا وعقيدتنا ونظرتنا الشمولية نحو الإنسان والحياة. فلا ينفعنا علم نقتبسه من خارج دائرتنا الدينية والجغرافية والإجتماعية. بل لابد لنا أن نحدد ـ نظرياً ، ومن موقفنا الديني ـ طبيعة القرار السياسي، والنظام العالمي، والصراع، والردع، والقدرة الدفاعية، والإتصالات، والتنمية، والسلوك السياسي، وكل ما يتصل بتركيبة النظرية العالمية في العلاقات. فنحن بحاجة الى فهم طبيعة الصراع بين الدول والشعوب، وبحاجة الى إدراك الجوانب الأخلاقية للنشاط الديني خلال فترات السلم العالمي. (نهاية ص 80)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] اصل الانواع- جارلس دارون. نيويورك: مونيتر، 1964م. ط1 : 1859م. [2] مائة سنة في تاريخ علم نشوء الانسان – تي كي بنيمان. نيويورك: ماكميلان، 1965م. [3] العقل، النفس، والمجتمع – جورج هربرت ميد. تحقيق: جارلس موريس. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1934م. [4] كتابات مختارة في علم الإجتماع والفلسفة الاجتماعية – كارل ماركس. بالتيمور، ميريلاند: بنكوين، 1964م. [5] تقسيم الجهد (او العمل) في المجتمع – اميلي ديركهايم. جلينكو، الينوي: المطبعة الحرة، 1964م. الطبعة الاولى عام 1893م. [6] مبادئ علم النفس الاجتماعي ومناهجه – أدوين هولندر. نيويورك: الكتب الاساسية، 1971م. [7] علم الجريمة المُقارَن – أج مناحيم. نيويورك: ماكرو-هيل ، 1965م. [8] طبيعة علم الاقتصاد وأهميته – أل وبنـز. نيويورك: سكرايبنـرز، 1935م. [9] المكاسب – الشيخ الانصاري. تبـريز: طبعة حجرية ص 2. [10] تأريخ الافكار الاقتصادية – أي ويتكير. نيويورك: دبل دي، 1940م. [11] الصحاح – الجوهري . ج 3 ص 1775. [12] النظام السياسي – ديفيد أيستون. نيويورك: الكتب الاساسية، 1953م. [13] الإقناع السلوكي في السياسة – هاينـز أيولو. نيويورك: مورو، 1963م. [14] القانون المقارَن – أج سي كوتيـرج. لندن: كامبردج، 1949م.
|