|
(ص 429 - 465) الفصل السادس عشر جوانب من السلوك الجمعي لفريضة الحج التأثير الاجتماعي في الحج * التفاعل الاجتماعي خلال أداء المناسك * الإنتماء الاجتماعي في الحج * الفرد ضمن المجموع * الحج في مواجهة أخطار الإنعزال الاجتماعي * التغيير الاجتماعي * فلسفة الإقناع . -------------------- التأثير الاجتماعي في الحج للتأثير الاجتماعي قوة عظيمة في معالجة وتصحيح السلوك الفردي. فالافراد يبّنون نظراتهم الشخصية حول الحقائق الكونية والاجتماعية والعقائدية من خلال الإعتماد على نظرات وآراء الآخرين. والفرد بطبيعته يحاول ـ بدافع ذاتي ـ تصحيح الرأي الذي يحمله في ذهنه، عبر ملاحظة سلوك وتوجه وتفكير بقية الافراد في المجتمع. فإن كان رأيه مطابقاً لرأي الآخرين شعر غالباً بإطمئنان على صحة إعتقاده، أما اذا كان مخالفاً لآرائهم فإنه سيقوم بتقييم أفكاره وتعديلها الى أن تتناسب مع العرف الفكري أو الاجتماعي المتفق عليه بين الافراد. ولاشك أنّ الحاجة لفهم العرف الاجتماعي، تدعو الفرد بقوة للبحث عن معرفة آراء بقية الافراد حول المواضيع التي تهمّهم ضمن إطار النظام الاجتماعي. رسالة الدين وتكوين الرؤية الاجتماعية : إنّ معرفتنا بالحقائق الكونية والاجتماعية التي حولنا تنبع بالأصل من الإجماع الثقافي والفكري والديني المتفق عليه إجتماعياً . فنحن تعلّمنا رؤية العالم الخارجي وفهمه من خلال ذلك الإجماع الفكري. فالمجتمع وأعرافه الدينية والاجتماعية هي التي تضع لنا مواصفات وحدود العالم الذي نعيش فيه والحقائق التي نؤمن بها. ولكن العرف الاجتماعي لايقدّم لنا دائماً معْلَماً واضحاً لفهم العالم الخارجي والحقائق التي ينبغي أن نؤمن بها. وفي تلك الحالة الغالبة في المجتمعات الانسانية، تأتي رسالة الدين لتقدّم لنا صورة واضحة عن عالمنا الخارجي بقسميه التكويني والاجتماعي، وتصفُ لنا حقائق الوجود، والخلق، والخالق، والحياة التي تنتظرنا بعد الممات. ورسالة الدين على درجة عظيمة من الأهمية على صعيد التأثير الاجتماعي، لأنّ تلك الرسالة تهذّب نظرة الافراد وتوحّدها تجاه الحياة الاجتماعية والخلق والخالق والوجود. فالفرد يقارن رأيه مع فرد آخر يشابهه في الدين والإعتقاد، ولا يكترث كثيراً لفرد ثالث يبتعد عنه في الدين والمنشأ الإعتقادي والموقع الجغرافي. واذا كان البعد شاسعاً بين آراء ومعتقدات ذلك الفرد وآراء ومعتقدات الآخرين، فإنّ التأثير الاجتماعي سيكون في أدنى المستويات. فالفرد الذي يعتنق ديانة معينة ويعيش في قرية أفريقية مثلاً لا يمكن أن يكون له تأثير إجتماعي على أفراد يعتنقون ديانة اُخرى ويعيشون في مدينة آسيوية نائية. وفي ضوء ذلك، فإنّ التأثير الاجتماعي يحصل غالباً بين الافراد الذين يعتنقون ديناً واحداً ويؤمنون بنظام عقائدي واحد، فيما اذا إجتمعوا في مكان واحد ; لأنّ إجتماع هؤلاء الافراد في مكان واحد سيولّد ضغطاً نحو الإنسجام الاجتماعي. وهذا الضغط والتفاعل هو الذي يغيّر إتجاهات الافراد تجاه بعضهم البعض، ويجعلهم أكثر إقتناعاً بضرورة تقاربهم الفكري والسلوكي. وهذا عين ما يحصل قبل وبعد وأثناء مناسك الحج العظيمة. مراحل التأثير الاجتماعي : فالمناسك التعبدية الجماعية تولّد إحساساً عظيماً بالشعور الموحّد تجاه طبيعة الانسان ووحدة الخالق عز وجل. ولاشك أنّ التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من وعي أبعاد تلك الفريضة من قبل الافراد على الصعيد الاجتماعي، كما جاء في «كتاب أمير المؤمنين علي (ع) الى «قثم بن عباس» عامله على مكة فقال : أقم للناس في الحج وأجلس لهم العصرين فأفتِ المستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم ...»[1]. وهذا العمل ـ لاشك ـ يعتبر من أعظم وسائل التأثير الاجتماعي على الافراد. ومن الطبيعي فإنّ التأثير الاجتماعي لابد وأن يمرّ بمراحل ثلاث . ولنفترض أنّ طالباً جامعياً ذهب للإستماع الى محاضرة ما ; فذلك الطالب يمر بمراحل فكرية ثلاث تشخّص تقبّله للفكرة التي يطرحها المحاضر. فالمرحلة الاولى : إنفتاح وتهيؤ ذهنية الطالب لمفردات التأثير الاجتماعي . بمعنى أنّ الفرد الذي يبذل جهده للذهاب الى إحدى قاعات الجامعة للإستماع الى محاضرة في علم الاجتماع مثلاً، لابد له من تهيئة ذهنه بشكل مسبّق لتقبل أو رفض النظريات الاجتماعية التي يقدّمها المحاضر. المرحلة الثانية : تشخيص الفرد المستمع للنقص الفكري الذي يعاني منه، أو حاجته لتقبل الأفكار والمعتقدات التي يطرحها الطرف المقابل؛ ومصداقها أنّ المستمع اذا لاحظ أن المحاضر ـ في مثالنا السابق ـ قد قدّم نظرية جديدة مقنِعة فأقتنع المستمع بصحتها وإنسجام مفرداتها مع الواقع، عندئذ يمسي ذلك الطالب أقرب إيماناً بتلك النظرية. المرحلة الثالثة : هضم الفرد للفكر المطروح من أجل التأثير، وتقبّله لذلك التأثير بإعتباره فكراً يتناسب مع نظامه الأخلاقي الذي آمن به. وتلك المرحلة تعكس إيمان الطالب المستمع ـ في المثال المذكور ـ بأنّ تبنّي تلك النظرية المطروحة من قبل المحاضر سيكون أمراً فكرياً حتمياً. ومن المسلّم به بين أواسط علماء الاجتماع المعاصرين، أنّ التجانس الاجتماعي يعتبر من أهم عناصر التأثير السياسي والفكري على الافراد . لأنّ التأثير الحقيقي لا يعمل عمله الفعّال إلاّ مع أفراد متقاربين في الفكر والإعتقاد؛ بمعنى أنّ التأثير الاجتماعي يتم بين أفراد متقاربين فكرياً أكثر مما لو تم بين أفراد يختلفون تماماً في الفكر والمعتقد. ولذلك، فإنّ الحج يُعدّ واقعاً أعظم ساحة للتأثيرات والتغيرات الاجتماعية التي تهدف الرسالة الاسلامية إحداثها على الصعيد العالمي. ولولا إطاعة الافراد للرسالة الدينية وأحكامها الشرعية لما حصل التأثير الاجتماعي المنشود. الطاعة وثمار التأثير الاجتماعي : فإطاعة الافراد للنظام الاجتماعي وللرسالة الدينية طوعية إختيارية ـ على الاغلب ـاذا كانت السلطة الاجتماعية أو الدينية سلطة شرعية. وبتعبير آخر، إنّ الافراد يحاولون ـ بصدق ـ إطاعة النظام الديني أو الجهاز الاجتماعي اذا لم تُسلَّطْ عليهم سلطة لا يؤمنون بشرعيتها. وإعتقاد الافراد بأنّ الدين ذاته يمثّل سلطة شرعية يسهّل عملية الإنقياد له ولأحكامه، بل يسهّل في الواقع عملية تغيير توجهاتهم وبنائهم بالطريقة التي صممتها لهم الشريعة. ولولا الطاعة والتسليم التي يقدمها الافراد للنظام الاجتماعي لما إستطاع المجتمع وقيادته السياسية الصمود بوجه الفوضى الحقوقية. تلك الفوضى انما تنتج من عصيان الافراد للقوانين التي جاءت من أجل تنظيم حياة المجتمع. وبذلك نستنتج أنّ للطاعة دوراً رئيسياً في إكمال عملية التأثير الاجتماعي على الناس، خصوصاً فيما يتعلق بالحج. فالحج يُنشئ إستعداداً عظيماً عند الافراد لإطاعة الأحكام الشرعية دون نقاش أو جدال. ولاشك أنّ أول ثمار التأثير الاجتماعي في الحج هو أنّ المنحرف عن الخط الشرعي العام سوف يُعزَل تماماً عن عملية الإنسجام الاجتماعي الذي تولّده تلك المناسك. وحتى أنّ الذي ينوي القيام بإنحراف ما فإنه قد يقوم به بصورة غير علنية؛ لأنّ المنحرف يخشى العزلة القسرية التي تفرضها التركيبة الاجتماعية الدينية، اذا إفترضنا أنه لا يخشى عقوبة المولى عز وجل الموعودة في الآخرة. وليست كل الإنحرافات المرتكبة في مناسك الحج مجرد إنحرافات عن الخط الانساني العام، بل إنّ بعضها خاص بطبيعة الحج نفسها. بمعنى أنّ بعض تلك الإنحرافات لا تعكس طبيعة السلوك الانساني ذاته، بقدر ما توضح أنّ ذلك السلوك مخالف للحكم الشرعي الذي آمن به المؤمنون بأحكام الرسالة السماوية. فقتل الحشرات مثلاً لا يعتبر عملاً إنحرافياً في الأحوال الأعتيادية، إلاّ انّ إرتكابه خلال أداء المناسك يعتبر إنحرافاً. ولاشك انّ التوافق الاجتماعي والفهم المشترك في فهم الأحكام الشرعية الخاصة بالحج، يساهم في إشتراك الافراد في إجتناب تلك الألوان غير المعتادة من الإنحراف الشرعي. ولكن الاسلام عالج إرتكاب تلك الإنحرافات غير المعتادة بعلاج إستثنائي ايضاً، كالكفارات التي لها مدلول إجتماعي عظيم وهو إشباع الفقراء. لأنّ مجرد وصم الفرد بتهمة الإنحراف دون تقديم عرض يعالج به ذلك الإنحراف لها تبعات خطيرة، وأقلّها إحتمال رفضه للتأثيرات الاجتماعية. وتلك المشكلة الإنحرافية الإستثنائية تحتاج الى معالجة فورية، وهي وجوب دفع الكفارة تصحيحاً لذلك اللون من الإنحرافات. أما الأحكام الشرعية الاُخرى كالقصاص والقطع ونحوه فإنها تعالِج إنحرافات خطيرة تعكس طبيعة السلوك المنحرف ذاته كالقتل والاعتداء والسرقة. ولذلك كانت معالجة تلك الألوان من الإنحرافات أشدّ وأعظم، كما لاحظنا ذلك في ابحاثنا الاُخرى عن طبيعة الإنحراف الاجتماعي وأساليب العلاج في الاسلام. الانسجام الاجتماعي و«المفاعلة النفسية» : ولاشك أنّ هناك من الافراد من يرفض التأثير الاجتماعي؛ إلاّ أنّ عظمة الإنسجام الاجتماعي العالمي في مناسك الحج، وإحساس المسلم المشارك في تلك المناسك بضرورة تقييم وضعه الروحي والنفسي مع خالق الوجود عز وجل عبر النشاطات المختلفة، يسهّل من عملية التأثير على شخصيته والسلوك المنبثق عنها. ويصطلح علماء النفس على الحالة التي يتمرد فيها الافراد على النظام العقائدي أو الاجتماعي ـ بسبب إعتقادهم بأنّ التأثير الذي يمارس عليهم إنما هو في الواقع يهدف الى تحجيم حريتهم وتقييدها ـ بـ «المفاعلة النفسية»[2]. فعندما يُجبر الفرد على أداء عمل ما أو يُرغم على الإعتقاد بفكرة معينة فإنه، وبدافع الإحساس بفقدان حريته، سيتمرد على تلك الفكرة أو ذاك العمل. وعندما يُمنع الفرد من أداء عمل ما أو يُحرم من الإعتقاد بفكرة اخرى فإنه، وبدافع الإحساس بفقدان حريته ايضاً، سيقوم بالتمرد محاولاً إرتكاب العمل المحرّم. إلاّ أنّ تلك النظريات النفسية لا يمكن تطبيقها على أحكام الدين عموماً، وأحكام الحج التي نحن بصددها بالخصوص؛ لأنّ الإلزام الداخلي الذي تولّده رسالة الدين في نفس الفرد، ترفع عنده كل ألوان الإكراه والتمرد والمفاعلة التي يتحدث عنها علماء النفس. وإلاّ ـ لو كان تأثير المفاعلة النفسية صحيحاً ـ لما بقيت رسالة الدين حية في ضمير الاُمة مئات السنين. يضاف الى ذلك، انّ الدين يحرر الفرد المؤمن به من قيود العبودية المادية والمعنوية، ولا يحاول حرمانه من حرياته المشروعة، كما تزعم نظرية «المفاعلة النفسية». ولذلك، فإنّ مناسك الحج لا تخضع لـ «المفاعلة» التي تُكرِه الفرد على عمل معين، خصوصاً وان الحجيج يأتون من مناطق مختلفة من العالم بدافع إلزامهم الذاتي نحو تطبيق الأحكام الشرعية التي جاءت بها الرسالة السماوية. ولما كان جميع الافراد المشاركين في مناسك الحج مسلمين، فإنّ مقاومة التأثير العقائدي والسلوكي من جانبهم ستكون بأدنى درجاتها. بمعنى أنّ الحاج لما كان من طبيعته عدم تحدي الأفكار الاسلامية الوافدة الى منطقة لها قدسية خاصة كمكة المكرمة أوالمدينة المنورة، فإنه سيكون أكثر تقبّلاً للتأثير الاجتماعي الاسلامي من قبل أفراد أكثر علماً ووعياً وإستيعاباً لمفردات الرسالة الاسلامية منه. وهنا يلعب التبليغ الاسلامي لرسالة الدين الروحية والاجتماعية دوراً عظيماً في تقريب أذهان الحجيج الى مفردات الأحكام الشرعية وأهدافها في بناء الدولة الاسلامية العالمية. ولاشك انّ للذنب دوراً مهماً في تسهيل عملية التأثير الاجتماعي وقبول ذلك التأثير قبولاً موضوعياً من قبل الفرد ذاته. فالفرد الذي يشعر بالذنب أمام خالقه عز وجل، لابد وأن يكون أكثر عرضة للتأثير الروحي والاجتماعي الاسلامي من غيره. لأنّ الشعور بالذنب مع تضافر عوامل خارجية تذكّره بها، يصحّح إتجاه ذلك المذنب ويقوّم سلوكه الاخلاقي والاجتماعي لاحقاً. والتذكير بالذنب الفردي وبأهمية التوبة والمغفرة الالهية من العوامل الرئيسية في التأثير الاجتماعي على الافراد. وبطبيعة الحال، فإنّ الشعور بالذنب يهذّب التركيبة الأخلاقية في نفسية الانسان، ويجعله أكثر إستعداداً للتماسك الاجتماعي مع أقرانه في المجتمع الانساني . مواصفات المكلّف الذي يقوم بالتأثير : ورب سائل يسأل : ما هي المواصفات التي يجب أن يتحلى بها الحاج حتى يستطيع أن يقوم بتأثير إجتماعي فعّال على بقية الافراد من الحجيج ؟ ويتلخص الجواب بثلاثة عوامل يجب أن تتوفر في المبلِّغ الذي يحاول التأثير على الآخرين، وهي : اولاً : الثقة بالنفس. وهي من أهم عوامل التأثير الاجتماعي. لأنّ الثقة بالنفس تعكس إيمان ذلك الفرد المؤثِر أو المبلّغ بالعقيدة التي يحملها ويدعو إليها. وإقناع الآخرين بصحة النظرية التي يطرحها الفرد المؤثِر لابد وأن يكون مستنداً على ثقته المطلقة بصحة فكرته. لأنّ الشك في أصل الفكرة لا يساهم في إنجاح عملية التأثير الاجتماعي مطلقاً، بل يساهم في تحطيمها وإفشالها. ثانياً : العلم والمعرفة. وهي حالة الفهم التي يختبرها الفرد من خلال الدراسة والخبرة والإكتشاف. فالفرد العالِم هو الذي يستلم مباشرة عن طريق الحواس، المعلومات التي يستطيع إدراكها بوضوح، فيحلّلها ويبني عليها فهماً جديداً على درجة عالية من اليقين دون أدنى شك. ثالثاً : إنّ من وسائل التأثير الاجتماعي المهمّة هو مقابلة المؤثِر أو المبلِّغ للافراد الذين يريد تغييرهم، وجهاً لوجه. بمعنى أنّ إقناع جماهير الحجيج بضرورة تطبيق أحكام الاسلام ورسالة الدين مثلاً، يكون أكثر فاعلية اذا تم الإتصال بين المبلِّغ وبقية الافراد إتصالاً شفهياً مباشراً. ولاشك انّ التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من تطابق آراء ونظرات الحجيج تجاه الخالق والكون والحياة. فالحقائق الكونية والاجتماعية المرسومة في ذهنية هؤلاء الحجيج ما هي إلاّ نتاج المعالم الأخلاقية للرسالة الاسلامية . واذا سلّمنا بأنّ التجانس الاجتماعي يُعدّ من أهم وسائل التأثير، كان واضحاً أنّ من أهم وأخطر أهداف الحج الاسلامي هو تغيير المجتمعات الاسلامية المتباينة في العادات والتقاليد والثقافات ورفعها الى مستوى شرعي مقبول ، بحيث تكون مهيّأة فكرياً ونفسياً لإقامة المجتمع الاسلامي العالمي الموحّد . التفاعل الإجتماعي خلال أداء المناسك ونستطيع أن نصنّف الأفعال التي يقوم بها الفرد عموماً الى صنفين. الاول: وهي الأعمال والأفعال الشخصية المحضة التي تخص الفرد نفسه كالقراءة الفردية، والمشي في مكان منعزل، والأكل منفرداً ونحوها. وتلك النسبة من الأعمال قليلة غالباً في حياة الانسان. والثاني : وهي الأعمال والأفعال التي تتطلب علاقات إجتماعية، وتضمّ في أصلها أفراداً من مختلف الألوان والشرائح والطبقات. وهذا النوع من الأفعال يضمّ أغلب أفعال الانسان في حياته الانسانية. والتفاعل الاجتماعي ما هو إلاّ عملية تفاعل وإستجابة الأفراد تجاه بعضهم البعض. فالسفر مجتمعاً مع بقية الافراد، وأداء المناسك بشكل يقرّب المسافة المكانية بينهم، والأحاديث التي تدور في مجالسهم، كلّها مصاديق لذلك التفاعل الاجتماعي. ولاشك أنّ التفاعل الاجتماعي الانساني يختلف عن التفاعل الحيواني مثلاً، لأننا نعيش في عالم له تصميم مُحكم بحيث نستطيع أن نفهم الكثير من معانيه ونفسر الكثير من أسراره . ومن الطبيعي فاننا نلمس اختلافاً بين التفاعل الاجتماعي الانساني وحركة الذرات والجمادات حتى لو كان لتلك الجمادات تفاعلاً من نوع ما. فالتفاعلات التي تختبرها المواد الصّماء تعكس عجزها عن فهم معاني الكون المحيط بها. ولكننا ننظر الى مواد الطبيعة نظرة مختلفة ونتفاعل معها تفاعلاً مختلفاً يتناسب مع عقائدنا الفكرية والروحية. فالأحجار والأخشاب بالنسبة لنا ليست مجرد أجزاء صّماء من الطبيعة، بل إنّ لها قابلية لكي تتحول الى أشكال نافعة في حياتنا اليومية كالأثاث والبيوت والصناديق ونحوها، وربما انّ لبعضها أشكالاً رمزية ذات محتوى معنوي وفكري عظيم، كالحجر الاسود والتراب الطاهر للأماكن المقدسة. ونحن ـ كافراد ـ نتوجه الى تلك الأشكال، إعتماداً على المعنى الاجتماعي أو الديني الموضوع لها. وتعاملنا كأفراد لا يتوقف عند حدود الأشكال الطبيعية المتمثلة بالأحجار والأخشاب، بل يتعدى الى تفسير سلوك الافراد وعقيدتهم تجاه تلك المواد الطبيعية حتى نفهم طبيعة التعامل معهم. فالفرد الذي يدور حول جدار بيت قديم في مدينة نائية سبع مرات في يوم من الأيام لا نفهم له معنى، ما لم يكن لذلك العمل قيمة دينية أو إجتماعية نفهمها. ولذلك، فنحن أسرى فهمنا الاجتماعي للظواهر التي تحصل أمامنا. ولاشك انّ رسالة الدين في حياة الفرد مهمّة الى درجة أنها تستطيع ـ وبقدرة فائقة ـ تحديد معنى التفاعل الاجتماعي، وتفسير الظواهر الكونية والتكوينية، وصياغة أشكال من السلوك الجماعي والفردي ما كان ليحصل لولا وجود تلك الرسالة. والرسالة الدينية تساهم ايضاً في تهذيب سلوكنا الفردي والجماعي، وتُطمئِن توقعاتنا نحو المستقبل. بمعنى أن الدين يساهم في تهذيب شخصية الفرد الى درجة تجعلنا مطمئنين بأنّ اليد الممتدة من فرد آخر هي ممتدة واقعاً لمصافحتنا لا لضربنا وإنزال الأذى بنا. ولاشك أنّ المجتمعات وثقافاتها ليس لها وجود مستقل منعزل عن بقية التأثيرات الاُخرى؛ بل انّ وجودها مرهون بالافراد الذين يسكنون فيها ويتفاعلون فيما بينهم على أرضها ومسرحها الحياتي. ولولا التفاعل الاجتماعي بين الافراد وإمضاء الشريعة له، لما تطور الفرد في حياته الانسانية، ولما تطورت المجتمعات البشرية الى المستوى الذي وصلت إليه اليوم. ومن المسلّم به انّ للرسالة الدينية أكبر الأثر في تطوير المجتمعات الانسانية وتطوير فهم الانسان لمحيطه الواسع الذي يعيش فيه. ولمّا كان ذلك التطوير هو أحد نتائج التأثيرات الاجتماعية، فإننا سوف نناقش فيما يلي بعض المفردات المؤثرة على التفاعل الاجتماعي، وهي: أ ـ العبادات الاسلامية وأثرها في التفاعل الاجتماعي : وتتميز رسالة الدين بأنها لا تتعامل مع الأشياء والظواهر تعاملاً طبيعياً مباشراً فحسب. بل أنها تتعامل تعاملاً رمزياً مع العديد من تلك الظواهر. فالشيطان مثلاً لا يسكن مواضع جمرة العقبة الكبرى أو الوسطى أو الصغرى ، ولا يتواجد تواجداً واقعياً في تلك الأمكنة. ولكن رمي الجمرات ما هو إلاّ رمز يعكس تصميم الانسان على رجم الشيطان رجماً يُخرجه من الحياة الشخصية لذلك الفرد الرامي. فالرمز هو شيء يستطيع أن يمثّل معنى شيء آخر. وقطعة ملّونة من قماش تمثّل علم الدولة، تُعتبَر رمزاً لكرامتها وإستقلالها؛ وسكوت المُرسِل على شيء عرفي، يمثّل رمزاً لإمضائه لذلك العرف؛ وإغتباط فرد ما، يمثل رمزاً لرضاه وإطمئنانه. مع انّ قطعة القماش، والسكوت، والإغتباط ليست هي نفسها المعاني المرادة، وإنما المراد هو ما تمثّله تلك الأشياء. والرمز مهم في الرسالة السماوية، لأنّ تلك الرسالة ـ ولكي تقرّب المعنى المراد الى ذهن الفرد ـ تستخدم شفرات أخلاقية وتعبيرية مفهومة. وبتعبير آخر، أنّ الخالق عز وجل يستطيع بقدرته الجبارة الخارقة أن يجعل الشيطان يقف واقعاً أمام الجمرات حتى يتهيأ الناس لرميه بالأحجار. ولكن الاسلام لا يتعامل مع المعجزات والخوارق في كل الحالات وفي جميع الأوقات. بل فسح مجالاً للسنن التكوينية بممارسة دورها الطبيعي ضمن التصميم الالهي للكون. ولاشك أنّ اللغة وما تحويه من كلمات متفق عليها تعكس صورة واضحة عن دور الرمز في فهم المعاني التي يريدها المتكلم. فعن طريق الكلمات والرموز الاُخرى يحاول الافراد تعريف وتفسير العالم الخارجي من حولهم. وعن طريق اللغة تنتظم الحياة الانسانية، لأنّ الافراد يتفاعلون فيما بينهم عن طريق رمز مشترك يضفي على حياتهم معان جديدة. فالتفاعل الاجتماعي ـ اذن ـ هو التفاعل الذي يحصل بين الافراد من خلال الرموز المتفق عليها كالإشارات والتعابير والكلمات. والإستجابات الانسانية لبقية الافراد في النظام الاجتماعي ما هي إلاّ إستجابات للمعاني التي يحملها سلوكهم. فنحن لا نتفاعل مع الافراد مباشرة، بقدر ما نتفاعل مع المعاني التي نفسّرها في سلوكهم. فإبتسامة فرد ما لنا قد نتصرف تجاهها بطريقين ; فأما أن تكون إبتسامة رضا وإمتنان، وأما أن تكون إبتسامة سخرية وإستهزاء. وعن طريق المعنى الذي نفهمه من تلك الإبتسامة نحدّد إستجابتنا لذلك الفرد ونحدد تفاعلنا معه. والرموز التي نفهم من خلالها النظام الاجتماعي وأفراده ونتفاعل معهم، هي الرموز ذاتها التي نتفاعل بها مع الدين ورسالته الروحية والاجتماعية العظيمة. فالكلمات والتعابير والإشارات الدينية هي نظام متكامل وجسر يوصلنا الى التقرب من خالقنا العظيم، وبناء نظامنا الاجتماعي العادل. ولاشك أنّ مناسك الحج غنيّة بتلك الرموز. فالنية الداخلية بالإحرام والطواف والصلاة والسعي والوقوف والرمي والنحر والمبيت، والكلمات الشرعية كالتلبية: « لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك » ، والدعاء عند التوجه الى عرفات مثلاً : « اللهم إليك صمدتُ، وإياك إعتمدتُ، ووجهك أردتُ، أسألك أن تبارك لي في رحلتي وأن تقضي لي حاجتي » ، والتعابير الإنسانية كالبكاء والشعور بالذنب والتوبة الخالصة لله سبحانه، والإشارات المنظّمة كإنتظام الطواف وأفعال الصلاة ورمي الجمرات وتقليد الهدي ونحوها، كلها تمثل رموزاً نتفاعل بها مع ديننا الحنيف وخالقنا العظيم. إلاّ انّ تلك الرموز الموحّدة لا تساعدنا على التفاعل الروحي مع خالق الوجود فحسب، بل إنها تساعدنا على التفاعل الاجتماعي مع بعضنا البعض ايضاً. لأننا نشعر ـ عن طريق ممارسة تلك المناسك والأعمال التعبدية ـ أنّ للآخرين أنفساً تُشابه أنفسنا في الدعاء والإبتهال والتذلّل لخالقنا العظيم. فنحن في واقع الأمر، نطوّر أنفسنا الداخلية ـ عن طريق تمرين ذواتنا أنفسها ـ على الإهتداء بذوات الآخرين الطاهرة. فعندما نرى مؤمناً طاهراً يمارس سلوكاً إيمانياً وإجتماعياً ، فإنّ جوهرنا الداخلي سوف يتأثر بتلك الشخصية الإيمانية المهذّبة، فنحاول في تصوراتنا ـ عندئذ ـ أن نرى الحياة من خلال تلك الشخصية أو تلك الذات الطاهرة كي نفهم كيف ينمو ويتطور الإيمان في شخصية الانسان. وعندما نتصرف تصرفاً جماعياً موحّداً من خلال فهم الرموز المشتركة فإنّ إستعدادنا وقابليتنا على تفسير سلوك الآخرين سيجعلنا نتفاعل تفاعلاً إجتماعياً له معان مشتركة عظيمة على صعيد الانسان والحياة البشرية والنظام الاجتماعي. فالعبادات الاسلامية ـ اذن ـ وخصوصاً مناسك الحج، لها أثر واضح في التفاعل الاجتماعي بين الافراد. وهذه العبادات بأشكالها الرمزية المفهومة لدى المكلّفين تجعلنا أكثر إستعداداً للتماسك والتفاهم الاجتماعي ، وتجعل قدراتنا الاجتماعية على التأثير والتغيير أكثر فاعلية وأشدّ وقعاً على بقية الحجيج القادمين من شتى أرجاء العالم. ب ـ الفرد وموقعه الخارجي على المسرح الاجتماعي : ولاشك أنّ تصرف الفرد على المسرح الاجتماعي مع الآخرين يختلف تماماً عن تصرفه منفرداً مع نفسه، كما ناقشنا ذلك سابقاً . فالفرد يتعلم منذ الطفولة بأنّ سلوكه الاجتماعي مع الآخرين في المجتمع الكبير يجب أن يتناسب مع الأعراف الاجتماعية المتفق عليها بين الافراد؛ على عكس السلوك الفردي الذي يتم على الصعيد العائلي مثلاً. إلاّ أنّ إختلاف صدق الافراد في إظهار حقيقة نياتهم أمام الآخرين يساهم في إضطراب عملية التفاعل الاجتماعي. ولذلك، فإنّ كل نسك أو عمل عبادي من أعمال الحج، أو الأعمال التعبدية الاُخرى في الاسلام يتطلب نية صادقة أو مسبقة بأنّ العمل الذي سوف يُنجز إنما ينجز إبتغاء وجه الله تعالى وحده. فلا عجب إذن، أن يكون السلوك الجمعي الاسلامي في الحج والتفاعل الاجتماعي الناتج عنه من أكمل أشكال التفاعلات الاجتماعية، لأنّ صدق الفرد في إظهار حقيقة نواياه في العبادة الجماعية، يساهم ايضاً في تطابق تلك النية الصافية مع حقيقة النفس الخارجية. وهذا ـ لاشك ـ يزيد من نشاط الافراد في التفاعل الاجتماعي فيما بينهم. ولولا وجوب النية في قبول الأعمال التعبدية، لأصبحت تلك الأعمال مجرد روتيناً وتكراراً يملّ منه الانسان. ولكن النية الصادقة تجدّد روح الدافع الانساني نحو إكمال العمل المطلوب على أفضل وجه. و«الدليل على وجوب النية قوله تعالى :(وَمَا اُمِرُوا إلاّ لِيعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)[3] ، فهذه الآية تدلّ على أنّ النية للحج ولجميع العبادات واجبة، لأنّ الإخلاص بالديانة هو القربى الى الله تعالى بعملها مع إرتفاع الشوائب. والتقرب اليه تعالى لا يصح إلاّ بالعقد عليه والنية له ببرهان. والنية إرادة مخصوصة محلها القلب، وقد بيّن (ص) ذلك بقوله : ( إنما الأعمال بالنيات)[4] »[5]. ولما كانت نية الفرد في أداء العمل العبادي الشخصي والجماعي عملاً داخلياً، أصبحت عملية إنشاء «الإنطباع الاجتماعي» من قبل الفرد عملية ثانوية وليست أساسية. بمعنى أن الفرد المؤمن المنشغل بأعمال الحج لا يبذل جزءً ثميناً من وقته لتحسين مظهره الخارجي، الى درجة أنّ همّه الأساس يصبح مجرد ترك إنطباع خارجي من نوع ما على الافراد. فالاسلام ـ مع انه يشجع على النظافة الخارجية والتطيّب ـ إلاّ انه لا يعير إهتماماً كبيراً للمظاهر الخارجية، بل ينصّبُ همه الرئيسي على التأثير الداخلي على الافراد. وهذه الفكرة تعكس إختلافاً جوهرياً بين النظريتين الاسلامية والغربية النصرانية. فالنظرية الغربية المتمثّلة بأفكار العالم الاجتماعي الامريكي «أرفينك كوفمان» تؤكد على أن الفرد الغربي يملك في شخصيته زاوية نفسية اُطلق عليها بـ «إدارة الإنطباع الاجتماعي»[6]. فالفرد الغربي يحاول جاهداً عرض شخصيته على المسرح الاجتماعي بمظهر يثير إعجاب الآخرين. فمن إرتداء الملابس الانيقة، الى حمل الحقيبة الدبلوماسية، الى تدخين السيجارة، الى إستخدام مواد التجميل بالنسبة للنساء؛ كل تلك الاعمال تدور حول تحسين مظهر الفرد الى درجة الإعجاب وتساهم في ترك آثار الإنطباع الخارجي على بقية الافراد. ولكن نظرية «الإنطباع الاجتماعي» فيها مخاطر إجتماعية عديدة. فالفرد الذي يعجز عن إظهار جماله على المسرح الاجتماعي بسبب القبح الخارجي التكويني، ينعزل تماماً عن النشاطات الاجتماعية ; وهذا يفسر لنا الى حد ما حالات الإنتحار والكآبة والإضطرابات العقلية والامراض النفسية المتعلقة بها، في المجتمعات الغربية المعاصرة التي آمنت بقوة بنظرية «الإنطباع الاجتماعي». وكذلك تظهر للعيان معاناة الفقراء الذين لا يجدون مصدراً مالياً يموّلون به شروط الإنطباع الاجتماعي. وأمر ثالث هو أنّ تأثير ذلك الإنطباع الاجتماعي من قبل الفرد الذي يملك شروطه الواقعية قد يزول بزوال تلك الشروط. بمعنى انّ تقدم الفرد في السن، أو عجز السوق التجاري عن تقديم مواد تجميل لسبب من الأسباب، أو تعرض الفرد لحادث طارىء يسبب إعاقته، كل تلك الشروط تُظهر الفرد على حقيقته دون مؤثرات خارجية؛ وعندها يكون الإنطباع الاجتماعي أمراً سلبياً. أما النظرية الاسلامية، فإنها تعاملت مع ذاتية الفرد بهدف تطهيرها وتنقيتها، في محاولة منها بأن تكون تلك الذاتية هي الأصل في ترك الإنطباع الاجتماعي. وهذا التعامل مع ذاتية الفرد، أكثر ثباتاً وأعظم إرتكازاً ـ بالتأكيد ـ من التعامل مع المظاهر الخارجية التي تزول بزوال الشروط الموضوعية. وبتعبير آخر، أنّ النوايا الظاهرية للمرء في الاسلام ينبغي ان تبقى طاهرة ونقية الى نهاية مطاف الحياة الدنيوية. ولاشك أنّ من أهم مصاديق التعامل الاسلامي مع الذات الانسانية هو وجوب إستمرار النية الصادقة في الأعمال والمناسك التعبدية حتى الإنتهاء من أدائها. بل إنّ ملابس الإحرام المبسطة خلال الطواف والسعي والتقصير تؤيد تلك النظرة التي تعتبِر المظهر الخارجي مجرد وسيلة لستر مساوئ الانسان، وليست وسيلة لإثارة الإنطباع الاجتماعي وما ينتج عنه من حسد وإنحراف وإنعدام عدالة وإنحلال أخلاقي. إنّ الافراد يشكلون ويصمّمون تعريفاتهم للحقائق الحياتية عن طريق التفاعل الاجتماعي الذي يحصل في كل يوم. فأفراد المجتمع الواحد يشاركون بعضهم البعض في فهم الحقائق والأعراف الاجتماعية. والتحية بين الافراد مثلاً تعتبر مصداقاً لهذا الفهم الاجتماعي. فمصافحة اليد تعبّر عن لون من ألوان التحية في مجتمع ما، بينما تعبّر الإبتسامة فقط عن نفس اللون من التحية في مجتمع آخر؛ وفي مجتمع ثالث تُستخدم الكلمات كرمز للتعبير عن التحية. وإختلاف هذا الفهم للحقائق العرفية والاجتماعية يعكس إختلافاً للفهم الديني والثقافي والاجتماعي عند الافراد. ولاشك إنّ تصرفنا الاجتماعي ينبع من وحي إدراكنا لدورنا كأفراد في النظام الاجتماعي . ومع انّ تلك الأعراف الاجتماعية لا نعرف مصادرها التاريخية، إلاّ اننا نعلم بأنّ الشريعة الاسلامية أمضت بعضها، ونهت عن اُخرى ، وأنشأتْ أعرافاً جديدةً كالأعراف المتصلة بالعبادات مثلاً. وهذه الأعراف الجديدة للشريعة تعاملت تعاملاً ملحوظاً مع ذات الفرد، وأعطت الانسان موقعاً جديداً على المسرح الاجتماعي. وتداخلت الأحكام الشرعية مع الأعراف الاجتماعية تداخلاً عظيماً بشكل جعلت الإلزام الديني للفرد هو المعيار في نشاطاته الاجتماعية. ومناسك الحج ـ كما لاحظنا ـ من أهم مصاديق هذا الإلزام الديني الجديد. وعلى ضوء ذلك، فإنّ تطابق نية الفرد مع سلوكه الاجتماعي خلال أداء المناسك، يضع الفرد في موقع إجتماعي متميز، ويجعل قضية «الإنطباع» ونحوها قضية طبيعية غير مصطنعة قد تعمل عملها الأساس في التأثير الداخلي على الافراد. وما سلوك المكلّف المؤمن في الحج إلاّ مصداقٌ من مصاديق دوره الشرعي المتميز على المسرح الاجتماعي الانساني. ج ـ النفس الاجتماعية : ويتفق علماء الاجتماع على أنّ الشخصية والسلوك الفردي يتأثران ـ الى حد بعيد ـ بالسلوك الاجتماعي لبقية الافراد. ولاريب أنّ هذا التأثر يعكس معنى الحياة الاجتماعية التي يعيشها هؤلاء الافراد. فعن طريق النفس الاجتماعية يتم أحد شيئين ذي أهمية خاصة وهما : اما : مساعدة الآخرين. واما : إنزال الأذى بهم. فعلى صعيد مساعدة الآخرين، فقد فشلت النظريات الأخلاقية الغربية في إنشاء دافع ذاتي لدى الانسان كي يساعد أخاه الانسان الآخر في الحالات الإستثنائية الطارئة. وتسمى تلك الحالة بـ «التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة»[7] وهي عدم إستعداد الافراد لإنقاذ ضحية خلال جريمة تقع على مرأى منهم. ولعل أنصع مثال على ذلك هو حادث الإعتداء على امرأة أسمها «كيتي جنوفيس» في مدينة نيويورك سنة 1964 م[8]. فهذه المرأة تعرضت الى حادث إعتداء على مقربة من بيتها. وحاول الجاني ضربها حتى الموت لمدة نصف ساعة، بينما كان أكثر من ثمان وثلاثين جاراً ينظرون اليها ويتفرجون على عملية قتلها من نوافذ شققهم القريبة من مكان وقوع الجريمة. ولم يبادر أي فرد من هؤلاء لمساعدتها أو حتى إخبار جهاز الشرطة بذلك. وأعزى علماء الاجتماع سبب عدم إكثراث الجيران بمنع حادث القتل على الأقل، الى أنّ الافراد في حالات طارئة كهذه لا يعرفون الأسباب والدوافع وراء عملية القتل. ولذلك فإنهم لا يستطيعون تفسير طبيعة الاعتداء الذي أدّى الى قتل المرأة. ولما كان الافراد بحاجة الى تفسير دوافع تلك الحالات الطارئة، فإنهم ينتظرون من يتحرك قبلهم لإنقاذ الضحية كي يقوموا بدورهم المطلوب . فالتحرك الجمعي لا يتم حتى يتحمّل أحد الافراد المسؤولية الأخلاقية ويبادر الى مسرح الجريمة لإنقاذ تلك الضحية، وعندها يبادر الآخرون. هنا تأتي النظرية الدينية الاسلامية لتصحح ذلك الإعوجاج في السلوك العملي الاجتماعي. فالدين لا يحثّ على مساعدة الآخرين وقت الكوارث والحالات الطارئة فحسب، بل يربط تلك المساعدة الاجتماعية بالجزاء الاُخروي كما جاء في المشهور من حديث رسول الله (ص) عندما دخل المسجد فقير يسأل الناس، فقال (ص) : «من سنّ في الاسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من اُجورهم شيء، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[9]، وهو نص مطلق غير مقيد بالإنفاق. بمعنى أنّ تحمل المسؤولية الاخلاقية في المساعدة الاجتماعية من قبل أحد الافراد سوف يحرك بقية الافراد نحو تحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية ايضاً في مساعدة الآخرين ومنع الإنحراف الاجتماعي. وهذا اللون من الحثّ الديني تظهُر مصاديقه الناصعة في مناسك الحج عندما يتجمع مئات الاُلوف من الافراد في مكان واحد، وما أن يحصل أمر طارئ لفرد حتى يتجمع بقية الافراد لمساعدته تطبيقاً للسنة الشريفة . والشيء الثاني الذي يُرتكب عن طريق النفس الاجتماعية ايضاً، هو إنزال الأذى بالافراد. فاذا قام جندي في مؤسسة عسكرية مثلاً بقتل أفراد أبرياء ، قام الآخرون في نفس المجموعة بالمشاركة في القتل دون أن يكون هناك دافع واضح نحو الإقدام على ذلك العمل الإجرامي. وهذا عين ما حصل خلال حرب فيتنام سنة 1968 م. فقد قامت حضيرة من الجنود الامريكان بإقتحام قرية فيتنامية أسمها «مي لاي» وقتلت المئات من الأطفال والنساء والشيوخ دون مبرر أو ذنب إقترفه هؤلاء الأبرياء. وعند التحقيق في أسباب الجريمة تبين أنّ أغلب الجنود الذين شاركوا في ذلك العمل قالوا بأنهم إنما قتلوا الابرياء لأنهم رأوا جنوداً آخرين من حولهم كانوا يقومون بعمليات القتل[10]. فكان قيام فرد واحد بالقتل في البداية قد شجع الآخرين على القيام بنفس العمل، لأنّ المسؤولية الأخلاقية الفردية ذابت وإنحلّت في العمل الجماعي. وممارسات النفس الاجتماعية هذه تفسّر الكثير من الجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية، خصوصاً تلك التي تشرف عليها الحكومات الظالمة. إلاّ أنّ الدين ورسالته الاجتماعية العادلة هذّبت النفس الاجتماعية بشكل لم يسبق له مثيل. فالأمان الذي ينبغي ان ينعُم به الافراد وقت المناسك وما بعدها ما هو إلاّ نتيجة طبيعية للإلزام الذي أنشأه الدين عند الافراد. وهذا الإلزام الأخلاقي الذاتي كان له أعظم الأثر في منع العمل الإجرامي الجماعي أو الفردي . فقد حَكَمَ المولى عز وجل بحرمة البيت الحرام، وأكد على أنّ من عاذ به وإلتجأ إليه لا يخاف على نفسه ما دام فيه. ولعظم حرمته «أن من جنى جنايةً فالتجأ اليه لا يقام عليه الحد فيه، لكن يضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيحدّ. فإنّ أحدث فيه ما يوجب الحد أقيم فيه الحد، لأنه هتكَ حرمة الحرم»[11]. ولاشك أنّ الآيات القرآنية الكريمة تؤكد على إطار الأمان الجماعي وعلى منع الإنحراف الاجتماعي في الحرم الآمن، كما في قوله تعالى : (...وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً...)[12]، (وإذ قَالَ إبراهيمُ رَبِّ اجعَل هَذا بَلَداً آمِناً...)[13]. وقد جاء في مرفوعة معاوية بن عمار : «قال رسول الله (ص) يوم فتح مكة : ان الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والارض. وهي حرام الى ان تقوم الساعة لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلُّ لأحد بعدي...»[14]. وهذا التأكيد الاسلامي على أمان الحرم وسلامة الافراد الناشطين في أداء المناسك التعبدية فيه لا يفسح مجالاً للنظريات الغربية ـ التي تتناول النفس الاجتماعية من منظاري «التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة» و«إنزال الأذى الجماعي بالافراد» ـ بتطبيق آرائها على المجتمع الاسلامي. والخلاصة أنّ النفس الاجتماعية التي هذّبها الاسلام، هي النفس المطمئنة الثابتة التي تتعامل مع الآخرين من منظار التعاون والتآخي والمشاركة في الآلام والأفراح الانسانية. ولاشك أنّ مناسك الحج تعتبر من أفضل المصاديق لهذه النظرية الالهية العظيمة. د - معاني الألفاظ والإشارات الجسدية : وبالرغم من أنّ اللغة وسيلة مهمة من وسائل التفاعل الاجتماعي، إلاّ أنّ الإتصال غير الشفهي ـ وهو تبادل المعلومات أو التعبير عن عمل ما بواسطة رموز غير لغوية كالإشارات والتعابير الجسدية ـ يعتبر مهماً ايضاً في وسائل الإتصال الاجتماعي والديني. فيستطيع الجسم الانساني عموماً ـ والوجه البشري بالخصوص ـ القيام بحركات متنوعة تصل ـ حسبما قدّره علماء النفس المعاصرون[15] ـ الى أكثر من ربع مليون حركة وتعبير مختلف، كالغضب والحزن والفرح والتعجب والخوف والقلق ونحوها. ولاريب أنّ حركات الجسم الانساني تبعث بشكل مباشر أو غير مباشر برسائل ورموز مفهومة على الصعيدين الاجتماعي والديني. وحتى أنّ جهاز إكتشاف الكذب المسمى بالـ «بولي گراف» والذي اُخترع بالأصل لمعرفة مدى صدق الشاهد على المسرح القضائي يستند على فكرة مفادها أنّ تعمد الكذب يسبب قلقاً للكاذب لا يستطيع السيطرة عليه، فتزداد دقات القلب، ويرتفع ضغط الدم، ويشتد التنفس، وهي اُمور يمكن قياسها بواسطة جهاز حساس مصمم في الـ «بولي گراف» . ومع انه لا يمكن الإعتماد على هذا الجهاز في المحاكم والمحافل القانونية، إلاّ انّ فكرته تفسر جانباً من تعابير الانسان. وهو جانب القلق الناجم عن الإدلاء بمعلومات كاذبة. ومن الواضح فأنّ الإشارات والتعابير الجسدية تختلف من مجتمع الى آخر حسب التركيبة الثقافية والدينية التي يعيشها الافراد في ذلك المجتمع. ومن أمثلتها أنّ وضع اليد على الانف لا تعني شيئا في المجتمعات الشرقية، إلاّ أنها تعني الرفض عند بعض القبائل الافريقية التي تعيش في المحيط الهادي، وعند الاسكيمو تعني التحية والترحيب[16]. ولاشك أنّ تلك الإشارات تستطيع أن تبعث برسائل إجتماعية فعالة بين الافراد. ولكن الإشارات والتعابير الجسدية غير محدودة بحدود الإشارات الاجتماعية، بل أنّ لها معان دينية ايضاً. فالدين، وفهماً منه لطبيعة الانسان في التعبير إستخدم الإشارات والتعابير الجسدية في العبادات كالصلاة والحج. فالصلاة بشكلها الخارجي، كإستحباب رفع اليدين الى الاذنين أو حيال الوجه في تكبيرة الإحرام، والوقوف في القراءة، والإنحناء في الركوع والسجود، والجلوس في التسليم، ورفع اليدين عند الدعاء ما هي إلاّ تعابير جسدية للإتصال بالخالق عز وجل عبر اللغة والتعبير الجسدي الشرعي الذي وضعه الشارع للمكلّف. والطواف، والسعي، والوقوف في عرفات والمشعر الحرام، والرمي، والمبيت في منى هي ايضاً تعابير جسدية لطبيعة تلك العبادة الواجبة على المكلّفين. والذي يهمّنا على هذا الصعيد هو أنّ التعابير الجسدية في الحج هي وسيلة من وسائل التفاعل الاجتماعي، لأنّ الجدّية في أداء المناسك والتي تعكسها تلك التعابير الجسدية من الخوف من الخالق عز وجل، والبكاء خشية منه، والتضرع والدعاء له، وإنتظام الجسم في الطواف، والإسراع في بعض مراحل السعي، كلها تساهم في عملية التماسك الديني بين الافراد ; خصوصاً عندما يشعر الافراد أنهم يؤدون تلك المناسك مجتمعين، فتكون التعابير الجسدية وسيلة من وسائل إنتظام الافراد وإنضباطهم كاُمة لها كيانها الروحي والفكري والعبادي المتميز. ولاشك أنّ هذه التعابير الجسدية الجماعية في ممارسة الفريضة تساهم في إنشاء تفاعل إجتماعي داخلي بين الناس له أبعاده الإجتماعية العظيمة. هـ ـ القرب المكاني : ومن طرق الإتصال والتأثير الاجتماعي بين الافراد هو تقدير المسافة المكانية التي تفصلهم عن بعضهم البعض. فللافراد حساسية قوية تجاه المساحة المكانية التي تحيط بهم. وفيما اذا انتُهكت تلك المساحة شعروا بأنّ حقاً طبيعياً من حقوقهم الانسانية قد اُنتهك. فالافراد الذين يعيشون وينتقلون من منطقة الى اُخرى في المدن الخارقة كنيويورك ولندن ومكسيكو سيتي مثلاً يشعرون بجهد نفسي بسبب الإزدحام وإنتهاك المساحة المكانية المقررة إجتماعياً للفرد. وذلك الجهد النفسي يكون في أغلب الأحيان منشأً للقلق وسبباً لأعمال العنف والجريمة التي تحصل في تلك المدن ; لأن الفرد بطبيعته الانسانية لا يشعر بإرتياح تجاه الغرباء في المدينة التي يعيش فيها، ولذلك فإنّ أي إنتهاك للمساحة المكانية من قبل غريب لا نعرفه هو إنتهاك لحقوقنا الشخصية. ولكن المساحة المكانية حول الفرد، والتي يحددها ذلك الفرد لنفسه، تختلف بإختلاف العلاقة العائلية والشخصية والسياسية والدينية. وعلى ضوء ذلك فقد قسّم علماء الاجتماع[17] تلك المساحة الى أربعة أقسام : الإنتماء الإجتماعي في الحج: ولاشك أنّ الفرد لا يستطيع أن يعيش منفرداً دون مشاركة الآخرين ومرافقتهم في أغلب النشاطات الحياتية اليومية في العمل والتعليم والعبادة . فنحن خُلقنا كي نعيش في مجاميع صغيرة أو كبيرة ؛ وهذا يفسّر لنا الى حد بعيد سبب حثّ الدين الحنيف على ضرورة التزاوج، والتزاور، والعمل المشترك، والمشاركة في الأعمال التعبدية بصورة جماعية. فحاجتنا الانسانية نحو الأتصال بالآخرين والإجتماع بهم ليست مطلباً عملياً يسهّل علينا الحياة الاجتماعية فحسب، بل انها حاجة نفسية غريزية. ولذلك فإنّ الإنعزال عن الآخرين يسبب أمراضاً عقلية للفرد المنعزل. وأهم ثمار الإجتماع الانساني هو إشباع حاجة نفسية أساسية للفرد وهي الشعور بـ «الإنتماء الاجتماعي». فالإنتماء يميز الفرد ويشعره بهويته الاجتماعية التي تميزه عن الغرباء. والشعور بالإنتماء الاجتماعي نحو فكرة أو عقيدة معينة يساهم بشكل فعال في التفاعل والتأثير بين الافراد. فالافراد الذين يتجمعون في حافلة كبيرة للنقل العام في إحدى المدن الكبيرة لا يحصل بينهم التفاعل والتأثير الاجتماعي المطلوب، لأنهم لا يشعرون بالإنتماء الى نفس الفكرة أو العقيدة التي تجمع الحجيج مثلاً. إلاّ أنّ مناسك الحج تُلهب شعور الفرد المسلم بالإنتماء الاجتماعي لمجتمع التوحيد العالمي. فطبيعة التفاعل والتغير المستمر الذي يختبره الفرد في حياته الاجتماعية تجعل مسألة الإنتماء مهمة للغاية. ولا يُشبع ذلك الشعور الانساني بالإنتماء شيء غير الدين ورسالته العظيمة التي توحّد توجهات الافراد نحو هدف واحد. ومن الطبيعي فإنّ أهداف الإنتماء الاجتماعي لن تتكامل ما لم يشعر الفرد بالأمان. ولاشك أنّ الحج يعطي الفرد شعوراً بالأمان لوقوعه في الأشهر الحُرم التي يحرُم فيها القتال أولاً، ولأنّ المناسك يجب أنّ تؤدى في وضع شرعي أمني خاص. والانسان بطبيعته يحتاج الى حماية الجماعة ومساندتها . ومن أجل ذلك، فقد أورد الاسلام ترتيبات أمنية على درجة عظيمة من الدقة والإحكام، منها : 1 ـ تقرير الأمن في البيت الحرام، بعد أن أوجب الحج إليه على المكلّفين، وبالشروط الشرعية، كما ورد في النص المجيد : (إنَّ أوَّلَ بَيت وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهُدىً للعَالِمينَ * فِيهِ آياتٌ بيَّنَاتٌ مَّقَامُ إبراهيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...)[18] ، و(لَّقَد صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤيا بِالحقِّ لَتَدخُلُنَّ المَسجدَ الحَرَامَ إن شَآءَ اللهُ آمِنينَ مُحلِّقِينَ رُؤوسَكُم ومُقَصِّرِينَ لاتَخَافُونَ ...)[19]. وكون الحرم آمناً يأمن من دخله، يعكس أهمية الأمان في إستقرار التأثير الاجتماعي على الافراد. 2 ـ حرمة الإعتداء على الآخرين، أو حرمة القتال في الاشهر الحُرم ـ وهي شهر رجب الفرد وذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام ـ ووجوب حفظ حرمة الشعائر وحرمة القاصدين لزيارة البيت الحرام، كما ورد في النص المجيد : (ياأيُّها الذِينَ آمنُوا لاتُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ولا الشَّهرَ الحَرَامَ ولا الهَدْيَ ولا القلآئِدَ ولآ آمّينَ البيتَ الحَرَامَ يَبتَغُونَ فَضلاً مِّن رَّبِّهم ورِضوَاناً وإذا حَلَلتُم فاصطَادُوا وَلايَجرِمنَّكُم شَنَآنُ قوم أن صَدُّوكُم عن المَسجِدِ الحَرَامِ أن تَعتَدُوا وتَعَاوَنُوا على البِّرِ والتَّقوى ولاتَعَاوَنُوا على الأِثمِ والعُدوانِ...)[20]. 3 ـ حرمة مكة المشرفة وضرورة تعظيمها. فهي البلدة التي شرفّها الله سبحانه وتعالى من وجهين : الأول : الحرمة بإعتبار مناسك الحج. والثاني : نسبة تلك البلدة اليه، كما قال عز من قائل : (إنَّما اُمِرتُ أن أعُبدَ رَبَّ هذِهِ البَلدَةِ الذِي حَرمَّهَا وَلَهُ كُلُّ شَيء واُمِرتُ أن اَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ)[21]. 4 ـ منع كل أساليب الإلتواء وتعكير صفو الأمن خلال أداء المناسك، كالكذب والجدال، كما جاء في النص المجيد : (الحَجُّ أشهُرٌ مَّعلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ...)[22]. واللافت للنظر أنّ مناسك الحج ـ بكثرة عدد المشاركين فيها وإتساع الرقعة الجغرافية التي تمارس فيها ـ تتم دون وجود قائد ميداني يقود جماهير الحجيج نحو هدف ما مثلاً. بل إنّ كل فرد مسؤول مسؤولية تامة عما يعمله ويقوم به من مناسك في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والرمي والنحر والمبيت. وهذا النظام الدقيق الذي ينفّذ على مساحة جغرافية واسعة دون وجود قائد ميداني يقود الافراد يعتبر من معجزات هذا السلوك الجمعي. ومناسك الحج هذه تتميز عن أعمال الحركات الاجتماعية التي لا تتحرك دون وجود قائد منظور ونظام بيروقراطي هرمي يسيطر على الحركة. ولكن تميز أعمال ومناسك الحج عن نشاط الحركات الاجتماعية يعكس تميز الخالق عز وجل الذي شرّع تلك المناسك عن المخلوقات التي أنشأت الحركات الاجتماعية. ولعل أحد أشكال الإعجاز الإجتماعي في الحج، هو أن تلك المناسك يقوم بها ملايين الحجيج من شتى المجتمعات والحضارات والتركيبات الثقافية، وبتلك الدقة، دون وجود تركيب إداري لإدارة تلك الأعمال الجماعية كما يحصل في المؤسسات التعليمية والتجارية والصناعية الكبيرة، ودون سلسلة قيادة لإدارة هذا الجمع العظيم من الافراد. إنّ الشعور بالأمان الجماعي خلال أداء المناسك يرسخ فكرة «الإنتماء الاجتماعي» التي تعكس حاجة الانسان لتشخيص هويته الدينية والاجتماعية التي تميزه عن الغرباء. الفرد ضمن المجموع وتتميز النفس الانسانية بتخصصها وإنفرادها وإنفصالها عن بقية الأفراد والأشياء. فالنفس الانسانية كيان مستقل له القدرة على الإحساس والشعور والمحاسبة. فنحن نختلف عن بقية الكائنات الحية بإدراك حواسنا، ولدينا القدرة على التفكير حول أنفسنا بالذات. فنفتخر بأنفسنا عندما نعمل عملاً رائعاً، ونلومها عندما نرتكب مخالفة ما، ونحبها عندما تتوطن ثقتنا بها، ونغيّرها عندما نحس بالحاجة الى التغيير، وبالإجمال فنحن نتحدّث الى أنفسنا في كل لحظة ومتى شئنا. ولاشك اننا عندما ننظر الى أنفسنا، فإننا ننظر إليها إما من خلال وظيفتنا الاجتماعية، ونوع جنسنا وديانتنا، فنحن طلبة ذكور مسلمون مثلاً؛ أو ننظر إليها من خلال خصائصنا المعنوية كالكرم والشرف والجدية، فنحن مجموعة من الافراد كرماء وشرفاء وجديون. وبالإجمال، فإننا عندما ننظر الى أنفسنا ونتحدّث إليها، نحاول الإجابة على سؤال مهم وهو : من نحن ؟ وماذا نمثّل في حياتنا الاجتماعية ؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال ليست ميسورة بالمقدار الذي نفهمه من النظريات الاجتماعية الحديثة، ما لم نُدخل النظرية الدينية في الحسبان . فالدين تعامل مع النفس الانسانية تعاملاً مباشراً عبر مخاطبتها بالخطابين الشرعي والعقلي. ولكن حديثنا هنا لا ينصبّ على معرفة النفس على الصعيد التكويني، بل إنه ينصبّ حول معرفة النفس من خلال التفاعل الاجتماعي بين الافراد. فخلال مراحل الطفولة وعدم التكليف لا يشعر الانسان بإحساس معين تجاه النفس، إلاّ عندما تبدأ غريزة حب التملك عنده بالنمو، وعندها تبدأ صفات النفس المتميزة بالتطور عبر مفهوم «أنا» و«هم» . ولعل أهم النظريات التي تفسر بروز النفس الانسانية من خلال التفاعل الاجتماعي نظريتان : هما : النظرية المرآتية، والنظرية التقمصية . فالنظرية المرآتية ترى أنّ فكرة النفس إنما تنعكس عن المرآة الاجتماعية التي نراقب من خلالها نظرة الافراد إلينا وتعاملهم معنا. فنحن ننظر الى إنفسنا من خلال تلك المرآة الاجتماعية، فنتعلم من خلال إستجابات الآخرين حجم قدراتنا الفكرية والخطابية، ومن خلال نظراتهم نتعلم بأنّ مظهرنا الخارجي مقبول إجتماعياً أو مرفوض، ومن خلال تعاملهم معنا نعلم أننا محترمون أو منبوذون. وقد فصّل «جارلس كولي» عالِم الإقتصاد والإجتماع الغربي القول في تلك النظرية[23] مفترِضاً أنّ عملية تطور النفس تتضمن خطوات ثلاث : الاولى : إننا نتصور في البداية مظهرنا الخارجي وسلوكنا الذي نحاول عرضه على الآخرين . فنحن نتصور أنفسنا أذكياء عندما نقابل معلمينا في صفوف المدارس، ورحماء وعطوفين عندما نقابل آباءنا واُمهاتنا، وأبطالاً عندما نقابل مجاهدين في معركة ما. والثانية : نحاول في هذه المرحلة أن نفسر تفاعل الآخرين معنا. فنحن نتصور كيف حكم الآخرون على مظهرنا الذي عرضناه عليهم. هل أنّ الآخرين حقاً رأونا مثلما رأينا أنفسنا نحن ؟ أو أنهم أخذوا إنطباعاً آخر يختلف عن توقعاتنا ؟ والثالثة : نستخدم في هذه المرحلة الأخيرة تفسيرنا حول حكم الآخرين على سلوكنا، ومن خلاله نطور مشاعرنا حول أنفسنا. فاذا رأينا أنّ المرآة الاجتماعية تتقبلنا وتحترمنا في المجتمع، كررنا سلوكنا الذي سلكناه في بداية الأمر. واذا رأينا أنّ المرآة الاجتماعية لم تتقبل ذلك السلوك الذي سلكناه، فإنّ نظرتنا حول أنفسنا سوف تتبدل، ولابد لنا من تغيير سلوكنا لاحقاً. ولاشك أنّ النظرية المرآتية كانت قد طورتها النظرية الدينية قبل أن يولد «جارلس كولي» بمئات السنين. فالنفس الانسانية لا يمكن أن تتطور دون وجود عاملين مهمين : المجتمع الانساني، والكمال الالهي. فعن طريق التأكيد على دور النفس في النية والعمل والجهد والجزاء، لم يجعل الاسلام المجتمع وحده مرآةً للنفس بل جعل الكمال الالهي مرآة عليا ينظر الانسان من خلالها الى ذاته. فالفرد المؤمن الطموح يجهد نفسه في سبيل ممارسة سلوك طاهر نظيف، لأنّ النفس الانسانية المؤمنة تنظر الى المرآة الالهية قبل أن تنظر للمرآة الاجتماعية. فاذا كان السلوكان الداخلي والخارجي مطابقين للخطاب الشرعي، كانت تلك النفس أكثر كمالاً؛ وعندها تكرّر نفس السلوك ـ الذي سلكته في مناسك الحج مثلاً ـ لاحقاً في حياتها الاجتماعية . إلاّ أنّ المرآة الاجتماعية على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للافراد الأقل تديناً وعلماً . ومناسك الحج تعتبر ميداناً لصدق النظرية المرآتية الاسلامية بقسميها الالهي والاجتماعي. فالإحرام والطواف والسعي والوقوف والرمي وبقية المناسك ترفع المكلّف المجتهد في أعماله الى عرض سلوكه على المرآة الالهية طامحاً الرضا الالهي والقبول الأبدي. إلاّ أن ذلك لن يمنع الحاج من النظر الى المرآة الاجتماعية بإعتبارها أداةً للتعلم وإكتساب المعارف الدينية والاخلاقية. وبذلك يكون الحج ميداناً عملياً لتمرين النفس الانسانية على التفاعل الروحي مع خالق الوجود، وعلى التفاعل الاجتماعي مع بقية الافراد. والنظرية الثانية هي النظرية التقمصية. وهي النظرية التي تؤمن بأن الافراد ـ ومن أجل أن يكون سلوكهم مقبولاً إجتماعياً ـ لابد لهم من تقمص شخصيات الآخرين أو التظاهر بمحاولة تطبيق أدوارهم الاجتماعية[24]. ولذلك فإنّ الفرد المتقمِص ينظر الى العالم والمحيط الخارجي من خلال وجهات نظر الآخرين. إلاّ ان النظرية الاسلامية ترفض التقمص بإعتباره ظاهرة من ظواهر التقليد الاعمى أو النفاق، لكنها تشجع الافراد على الاقتداء بغيرهم الأكثر كمالاً . لأنّ النفس الإنسانية مستقلة تماماً عن أنفس الآخرين ولا تتطور تلك النفس إلاّ بالإقتداء بهؤلاء الذين يتلألأون في سماء الكمال والمجد والعصمة. بمعنى أن للنفس الانسانية صلاحية تطوير ذاتها بما يتناسب مع مفردات الشريعة والإقتداء بشخصيات مسدّدة من قبل الذات الالهية كرسول الله (ص)، كما جاء في النص المجيد : (لَّقد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ اُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يرجوُا اللهَ واليَومَ الأخِرَ...)[25] ، ولكنها لا تستطيع أن تتقمص شخصية فرد آخر وتتظاهر بذلك؛ لأن التقمص يتناقض مع حسن نية الفرد في بناء النفس بناءً روحياً وإجتماعياً سليماً. ولما كانت النفوس البشرية تختلف تماماً عن بعضها البعض وتحتاج في نفسها الى تطوير ذاتي، أصبحت عملية الإقتداء بالأكمل ـ وليس التقمص ـ الأصل في تطوير تلك النفوس. ولاشك أن المسؤولية الفردية التي وضعها الاسلام على كاهل الفرد، تشجعه على ممارسة إسلوب الإقتداء والاُسوة ورفض التقمص. ولاريب أن مناسك الحج، والأوقات التي يقضيها الحجيج خارج وقت المناسك تلعب دوراً مهماً في عملية الإقتداء والتأسي بين الافراد من مختلف الثقافات الاجتماعية . ولكن العالِم الاجتماعي الغربي «جورج ميد» أشار في تبنّيه للنظرية التقمصية الى أن الفرد تتصارع في شخصيته نوعان من «الأنا». الاولى : الأنا الذاتية غير الاجتماعية وهي التي تبحث دائماً عن شهوتها، والثاني : الأنا الاجتماعية التي تخضع صاغرة للقيم والتوقعات الاجتماعية. والأنا الاجتماعية هي التي تتقمص شخصيات الآخرين. ولكن «جورج ميد» لم يميز بين الأنا الذاتية غير الاجتماعية التي تبحث عن الشهوة وبين الأنا الذاتية غير الاجتماعية التي تبحث عن الخير والايثار. ولاشك أن كلتيهما موجودتان عند الانسان. ورسالة الدين إنما جاءت لتهذّب الأنا الذاتية غير الاجتماعية عبر الإتصال الروحي بالله سبحانه وتعالى، وهو الذي قال فيها عز جلاله : (وَنَفس وما سَوَّاها * فألهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقوَاها)[26] ، ثم (قَد أفلَحَ مَن زَكَّاها * وقَد خَابَ مَن دَسَّاها)[27]. فالنفس الانسانية كيان ملهم يميز بين الفجور والتقوى؛ وما على الفرد إلاّ إنماء تلك النفس الخيرة وتزويدها بما يمدّها بأسباب الصفاء والنقاء. وهذه النظرة القرآنية أشمل بكثير من فرضية «جورج ميد». و«جورج ميد» لم يكن قادر ايضاً على التمييز بين الأنا الاجتماعية المطيعة وبين الأنا الاجتماعية المتمردة. فليس كل الذوات الاجتماعية صاغرة للقيم والتوقعات الاجتماعية. وإلاّ، لو كان إفتراضه صحيحاً لعجزنا عن تفسير الثورة والتمرد والعصيان الذي يقوم به الافراد ضد النظام الاجتماعي. والنتيجة، هي أن النفس الانسانية بما فيها من حب للشهوات ونزوع للخير وحب للإجتماع تحتاج الى نظام ملزِم في التهذيب والتنظيم، ولن تجد النفس الانسانية ذلك النظام إلاّ في الرسالة السماوية للدين الحنيف. الحج في مواجهة أخطار الإنعزال الاجتماعي ويعتبر الإنعزال الاجتماعي من أخطر العوامل التي تؤدي الى الإضطرابات العقلية التي تصيب الفرد المحروم من المشاركة في النشاطات الاجتماعية. والنقطة الرئيسية هنا هي أن الحقيقة الخارجية التي يتم تصورها في ذهن الانسان لا يمكن بناؤها إجتماعياً إلاّ بمساعدة الآخرين، فنحن لا نستطيع أن نفهم عقيدتنا في الخلق والتكوين والحياة الاجتماعية إلاّ عن طريق رسائل رمزية يحملها الآخرون إلينا. ولذلك، فإنّ للفرد طاقة نفسية لإستيعاب مفردات وشروط الحياة الاجتماعية. وتلك الطاقة والقابلية النفسية لابد من إشباعها حتى يتحقق الاجتماع الانساني الذي هو أصل بقاء الحياة الانسانية على وجه الأرض. ويعتبر العزل القسري والسجن الإنفرادي من أكثر العقوبات قسوة ووحشية على الانسان، لأن الفرد بحاجة دائمية الى الإتصال بالآخرين حتى يستطيع أن يحافظ على إحساسه المستمر بالحقائق الخارجية ويحافظ على الشعور بهويته الذاتية. ولذلك فإن الافراد الذين يعاقَبون بالسجن الإنفرادي لفترة طويلة يفقدون إحساسهم بالوقت مع انهم يحسبون الأيام عن طريق خطوط يرسمونها على جدران السجون. وعندما يفقدون إحساسهم بالوقت، فإن الشك يبدأ بالسريان الى كل شيء في حياتهم، فلا يستطيعون ـ لاحقاً ـ الإطمئنان الى الحقائق الخارجية التي إختبروها في حياتهم العامة سابقاً. ولكن الإنعزال والإغتراب الاجتماعي لا يكون دائماً نتيجة سجن انفرادي أو عزل قسري، بل قد يتولد من ضعف الفرد أمام المشاكل الاجتماعية، أو فقدان الفرد إحساسه بمعنى واضح للحياة الاجتماعية، أو قد يتولد من إنهيار الجانب الاخلاقي الاجتماعي للفرد ايضاً. وذلك الضعف امام المشاكل الاجتماعية نلمس تأثيراته النفسية في المجتمع الصناعي اليوم. فالضعف الانساني تجاه المشاكل الاجتماعية التي جلبها التصنيع الحديث في الدول الصناعية، وإنعدام العدالة الاجتماعية، وإنحلال الأواصر العائلية والعشائرية أدى الى إحساس الفرد بغربته وإنفصاله عن المجتمع الكبير الذي يعيش فيه؛ لأنّ المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الفرد دون حلول واضحة تدفع الانسان الغربي نحو الإدمان على المخدرات والكحول، وتجعله يسبح في بحر من الإضطرابات النفسية والعقلية. أما فقدان الفرد لشعوره لمعنى الحياة الانسانية وأهداف الخلق والوجود، فإنه يساعد ايضاً على الإغتراب الاجتماعي، بإعتبار أن قلق الفرد وعدم إستقراره على عقيدة معينة يطمئن اليها لتفسير معاني الخلق والحياة والانسان تعطي ذلك الفرد صورة مرعبة قاتمة عن الحياة ودور الانسان فيها. وكذلك الحال اذا واجه الفرد غياباً للأعراف والقيم الاخلاقية التي آمن بها، فإنه سيشعر بأن سلوكه الاخلاقي غير مقبول إجتماعياً من قبل الفئة المسيطرة على النظام السياسي والاخلاقي والاقتصادي . وهي خطوة أولية نحو الإغتراب الاجتماعي. ولكن الإنعزال والغربة الاجتماعية إنما هي تعبير عن شعور الفرد المنعزل عن إنسلاخه عن بقية الافراد الذين يتعامل معهم. فالإغتراب الاجتماعي هو محاولة داخلية لرفض المجرى العام للمجتمع من قبل المغترب، والإحساس العميق بأنه خُلق في زمان ومكان لا يلائم بيئته الانسانية ومحيطه الاجتماعي. بمعنى أن الفرد المنعزل إجتماعياً يعلم في قرارة نفسه بأن المجتمع لايكافئه مكافَأة نفسية أو فكرية منصفة تساعده على الإندماج مع الآخرين، وتسهلّ له السير مع السفينة الاجتماعية الماخرة في عباب الزمن. وبطبيعة الحال فإن الإنعزال الاجتماعي يعكس الحالة العقلية للفرد في تفسير أحداث الحياة الانسانية. فهذا الإنعزال الاجتماعي ينشأ على صعيدين. الاول: الصعيد الذاتي، والثاني: الصعيد الموضوعي. فالإنعزال الذاتي يعكس الشعور الداخلي الذي يصيب الفرد بالغربة والإنسلاخ عن الحالة الاجتماعية، بل هو ثمرة من ثمرات إختلاف نظرة الفرد ورأيه وسلوكه المنعزل عن بقية الافراد في المجتمع. أما الإنعزال الموضوعي فهو يعكس الإنعزال الذي يحصل نتيجة الظروف الاجتماعية الجديدة التي يولّدها التطور الصناعي. ومن أوائل من ناقش آثار هذا الإنعزال الاجتماعي «كارل ماركس» في نقده للنظام الرأسمالي ودور رأس المال ومستثمريه في سلب إنسانية الانسان في الحياة الصناعية والحقوقية والاجتماعية. ولابد لنا من ملاحظة الفرق ـ بدقة ـ بين الإنعزال الاجتماعي الذاتي والإنعزال الاجتماعي الموضوعي. فالإنعزال الاجتماعي الذاتي ما هو إلاّ إنسلاخ يولّده الفرد في نفسه بسبب عدم تطابق عقيدته الأساسية مع عقيدة المجتمع. ولهذا الإنعزال الاجتماعي مصاديق عديدة في التاريخ الانساني، منها إنسلاخ الانبياء (ع) قبل البعثة عن مجتمعاتهم الوثنية وتعبدهم في أماكن نائية عن عيون المجتمع ونظامه الكافر حتى مجيء الوحي، كما هو واقع خاتم الانبياء محمد (ص) الذي كان يتعبد في غار حراء حتى نزول جبرئيل (ع) عليه. أما الإنعزال الاجتماعي الموضوعي فهو الإنعزال الذي يفرضه المجتمع على الافراد عبر وسائله الحضارية، كالتصنيع الحديث مثلاً. فالاحداث التي رافقت الثورة الصناعية في اوروبا في القرن الثامن عشر وما صاحبها من إنتهاك لحرمة العمل والعمال، وإنكسار للأواصر العائلية والعشائرية، وإزدحام المدن، وثبات الأنظمة السياسية على الإيمان بالمذهب الفردي، كلها أدت الى إحداث حالة عظيمة من الإغتراب الثقافي والاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع خصوصاً فئة الشيوخ والعاجزين عن العمل والشباب الباحثين عن عقيدة تفسر لهم معاني الحياة الانسانية. ولاشك ان الاسلام ـ بإعتباره ديناً ورسالة عالمية غير مقيدة بزمان معين ـ أهتم بقضية الإغتراب الانساني. وعالج تلك المشكلة عبر حثّه الافراد على ضرورة الإنتماء الاجتماعي التي لاحظنا أهميتها الفائقة في كسر طوق الإضطرابات العقلية والنفسية. وكان الحج أحد مصاديق محاربة الإغتراب الانساني على مر التاريخ. ونظرة خاطفة لطبيعة الحج في مكافحة الإنعزال الاجتماعي، تبين لنا النقاط التالية : 1 ـ إن التهيؤ الاجتماعي للسفر يجمع الافراد لفترة زمنية معينة، مما يساعدهم على كسر طوق العزلة الاجتماعية. 2 ـ إن فكرة الإستطاعة تشجّع الافراد على العمل الجاد من أجل التحصيل المالي والإكتفاء، وهذا يبعد الافراد عن الكسل ويبعدهم عن الإنعزال ايضاً، لأن التكسب غالباً ما يكون جماعياً. 3 ـ إن مناسك الحج تعكس طبيعة التجمع الانساني. فالمسلك الجماعي في العبادة يمنح الفرد شعوراً بالإندماج مع الاُمة الكبيرة المنتشرة في كل بقاع الأرض. 4 ـ إن الاسلام يكافح الإنعزال الذاتي عبر حثّ الفرد على الإتصال بالله سبحانه وتعالى. ويكافح الإنعزال الموضوعي عبر تطبيق الأحكام الشرعية على المجتمع. وبذلك تسد الشريعة الطريق على الإنعزال والإغتراب الاجتماعي بشكل مُحكَم. ولاشك أن الإجتهاد في الشريعة يعطي الفقيه فرصة واسعة لمعالجة المشاكل الاجتماعية التي تولّدها الإكتشافات والإختراعات الحديثة وما يلحقها من تصنيع، بما يتناسب مع حاجات الفرد والنظام الاجتماعي، آخذاً بنظر الإعتبار الضرورات الاجتماعية التي تدعو الى التقدم التقني والتصنيع الحديث. 5 ـ العدالة الاجتماعية في الاسلام والمساعدات المتبادلة بين الافراد أنفسهم، وبين الافراد والدولة، وصلة الرحم، كلها تقلّل من فرص الإنعزال الاجتماعي. والحج يعكس جانباً من جوانب العدالة الاجتماعية الكلية في الاسلام. 6 ـ إن من أهم أسباب الإنعزال الاجتماعي بين أفراد الأقليات في الدول الصناعية في اوروبا وامريكا هو إنتماء هؤلاء الافراد الى أقليات عرقية مختلفة عن العرق العام المسيطِر على المجتمع. وبسبب الحرمان الاقتصادي والاجتماعي لهؤلاء وعدم توفر فرص متساوية لأبنائهم، فإن ذلك يجعلهم يعيشون في غربة شديدة. بينما تساهم أعمال الحج في شدّ وتماسك الافراد على إختلاف أعراقهم البشرية وألوانهم ولغاتهم. 7 ـ يعتبر التقدم في السن أحد أسباب الإنعزال الاجتماعي في المجتمعات الصناعية الغربية بسبب عدم قدرة المسنّ على الإنتاج مما تسبب له مشاكل إقتصادية جمّة. واذا أضفنا الى ذلك مشاكل إنحلال الروابط الاُسرية بسبب التصنيع وتغيير الخارطة السكانية، يتضح لنا أن من أكثر الأمراض النفسية ظلاماً وتأثيراً على الفرد هو الإنعزال الاجتماعي للمسنّين. إلاّ ان الاستطاعة الشرعية لأداء الحج غالباً ما تحصل عندما يتوسط عمر الانسان ويجمع مالاً من عرق جبينه ليحقق شروط الإستطاعة الشرعية. وليس هناك تمييز شرعي من أي لون تجاه المسنين ; لأن الدين ضمن منهجه الاخلاقي حثَّ على إحترام الكبير وضمنَ معيشته على الصعيد العائلي على الاقل، أو على صعيد الدولة. ولما كانت العلاقات العائلية في الاسلام متماسكة كان المسنّ أكثر الافراد ثراءً في الخبرة والتعبد والعلاقات الاجتماعية، وأكثرهم بعداً عن الإنعزال الاجتماعي. وبكلمة، فإن الإطار الاجتماعي لأعمال ومناسك الحج، تدفع الافراد نحو التماسك والتعاون الذي يتحول لاحقاً الى لبنة من لبنات بناء الدولة الاسلامية العالمية. ولاشك ان النشاطات الشرعية للحج الاسلامي إنما تساعد جميع الافراد على كسر طوق الإنعزال الاجتماعي والغربة الانسانية التي نلاحظ مساوئها النفسية في عالم اليوم. التغيير الاجتماعي إن عملية التغيير الاجتماعي لا تثمر إلاّ اذا تضافرت جهود الافراد في الإقناع بتبديل السلوك الفردي والجماعي المتعلق بالقيم والعادات الاجتماعية. فلا تستطيع الاُمة أن تغير من سلوكها الاجتماعي ما لم تتأثر فئة واسعة من الافراد بمفردات وشروط التغيير. وهذا يعتمد كله على كمية المعلومات الفكرية والعقائدية المخزونة في ضمير الاُمة. ولاشك ان انسجام الأفكار الاسلامية الخاصة بالحج مع الطبيعة الفطرية للافراد يساهم بشكل فعّال في تقبّل مفردات التغيير الاجتماعي. إن السلوك الجمعي في مناسك الحج له قابلية ذاتية على شحن الافراد نحو تغيير منشود في الثقافة الدينية أو القومية والسلوك الاجتماعي وربما التركيبة السياسية ايضاً؛ لأن إجتماع الحجيج في بقعة طاهرة محددة يفسح المجال للافراد بالتفاعل الاجتماعي فيما بينهم. ولاشك أن القدرة العقلية هي الأصل في التفاعل والتغيير الاجتماعي. ولما كانت الفريضة مرهونة بشروط البلوغ والعقل والاستطاعة ـ وأن الإستطاعة ما هي إلاّ وسيلة من وسائل الوصول لتأدية أعمال الحج ـ أصبحت الفكرة الأساسية للحج إضافة الى جانبها التعبدي، تتمثل في تنشيط قابلية الفرد الفكرية وتحفيز إستعداده النفسي على تقبّل مفردات التغيير الاجتماعي المنشود. وقد درسنا فلسفة التغيير الاجتماعي بإسهاب في كتابنا «الأبعاد الاجتماعية لواقعة الطف». فلسفة الإقناع ويبـرز سؤال مهم هنا، وهو: ما هي الظروف الموضوعية التي تكون سبباً قوياً لتغيير إتجاهات الافراد وإعتقاداتهم وسلوكهم ؟ وكيف نصدّق بأن ذلك التغيير كان تغييراً جوهرياً حقيقياً وليس تغييراً سطحياً ظاهرياً لامعنى له ؟ لاشك اننا نتعرض يومياً الى محاولات إجتماعية عديدة للتأثير علينا في التفكير والشعور والسلوك. وتلك المحاولات تهدف الى إقناعنا بقبول أو رفض سلوك وتفكير معين. وبطبيعة الحال فإن الإقناع لا يتحقق ما لم يتم تغيير إتجاه الافراد المراد إقناعهم. ولكي نفهم طرق الإقناع، لابد أن نفهم أصول «الإتجاه» النفسي عند الانسان وهي ثلاثة : (1) العقيدة التي يؤمن بها الفرد. (2) القضايا العاطفية المرصوصة بين أحجار تلك العقيدة. (3) النية، والقدرة على الإستجابة للمحفزات الخارجية. فعندما نكوّن إتجاهنا نحو الأشياء والظواهر الخارجية التي من حولنا، فإننا نحتاج الى معلومات يقدمها لنا الآخرون. ولذلك فإن من أهم وسائل الإقناع لتثبيت أو تغيير إتجاهاتنا هو كمية المعلومات الواردة الى أذهاننا من المصادر الخارجية، اولاً. وملاحظة سلوك الرموز القيادية، ثانياً. ونظام الثواب والعقاب، ثالثاً. وتعتبر ساحة الحج من أنشط الأماكن الاجتماعية فعالية في الإقناع، لأن الحجيج يأتون من مختلف بقاع العالم وهم يحملون معلومات جديدة عن الخبرات الاجتماعية والدينية في مجتمعاتهم. ويتعرض الحجيج الى قوة وفعالية التأثير السلوكي للافراد الذين يحتلون موقعاً متميزاً على صعيد القيادة الدينية والحركية والثقافية الاسلامية في مجتمعاتهم الانسانية المتباينة. ولاشك ان التبليغ الاسلامي الذي يقوم به المبلّغون انما يهدف ـ في الواقع ـ الى تذكير الحجيج بالثواب والعقاب الآخروي الذي تعرض له القرآن الكريم. وهذا التذكير يعتبر وسيلة من وسائل الإقناع الاجتماعي بضرورة تطبيق احكام الشريعة الاسلامية على أركان الحياة الاجتماعية. ومع ان فلسفة الإقناع وتطبيقاتها قد تطورت في العقود الاخيرة، إلاّ ان مبادئها قديمة قدم الفيلسوف الاغريقي «أرسطو» الذي وضع «الإيثوس» و«اللوغوس» و«الباثوس» ـ وهي مصطلحات أغريقية تعني المصدر، والرسالة، والجمهور[28] ـ التي تعتبر اليوم من أهم متغيرات الإقناع; وتُلَخّص بالاسئلة الثلاثة : «مَن الذي يخاطب مَنْ ؟ ويقول ما ؟ وما هو التأثير ؟». وحتى لو فهمنا الحج من منظار «أرسطو» نفسه على سبيل الافتراض، لرأينا أن هذا العمل العبادي يجمع كل متغيرات الإقناع التي لا زال علماء الغرب يناقشونها لحد اليوم. فالحاج المبلِّغ ـ وهو مصدر الإقناع ـ ينبغي أن يجمع بين الخبرة، والثقة، والمنزلة العلمية والاجتماعية، والجاذبية الخارجية والذاتية. والرسالة ينبغي أن تحمل كل معاني الجذب العقلائي والعاطفي، والاُسلوب اللغوي الفصيح، والموضوعية في طرح الإيجابيات والسلبيات. والجمهور ينبغي أن يكون على درجة من الإستعداد لتقبل المعلومات من أجل الإقتناع. وهذه المتغيرات ـ في واقع الأمر ـ لها مدلولاتها العملية في إقناع الافراد بضرورة تطبيق المفردات الشرعية والوصول الى التغيير الاجتماعي المنشود. ولاشك أن من أهم خطوات عملية الإقناع هو أن يشعر الافراد جميعاً بالمساواة الحقوقية والاجتماعية فيما بينهم. فاذا تفاوتت درجات الافراد ضمن الطبقات الاجتماعية في المجتمع، إنعدمت ـ عندئذ ـ وسائل الإقناع الذاتية الحقيقية، لأن الإقناع الجديد المفروض من قبل طبقة أقوى سيكون مجرد إكراه يرضخ لشروطه الافراد. وهذه المسألة مهمة في الحج ايضاً، فشعور الحجيج بالمساواة التامة يفتح أبواباً عديدةً للإقناع الشرعي بضرورة التغيير الاجتماعي. نقطة ثانية مهمة، وهي ان إيجابية طرح الأفكار المقنِعة يؤدي الى إيجابية القبول والإقتناع من قبل الافراد. ومثال ذلك، لو أن فرداً حاول إقناع الآخرين على تطبيق الأحكام الشرعية عن طريق عرض العقوبات الاسلامية والجزاء الرادع مجرداً من أي إشارة الى الرحمة الالهية والمغفرة والثواب الأخروي، فإن ذلك التبليغ سوف لا يشجع الافراد على الإقتناع بتلك الأفكار ما لم يلازمها طرح مواز للعفو والغفران الالهي. نقطة ثالثة، وهي أن السلوك الانساني لا يتبدل إلاّ بتبدل الإتجاه الداخلي للفرد. فالفرد لا يسلك سلوكاً مختلفاً ما لم تؤثر عليه قوة فكرية عظيمة تستطيع أن تصل الى قرارة نفسه وأعماق وجدانه الشخصي، فتغير إتجاهه الذاتي نحو العقائد والأفكار، وعندها فقط يتبدل سلوكه الفردي أو الاجتماعي. ومن المهم أن نعلم أن الرسالة الدينية كانت ولا تزال تهدف بالأصل وبشكل واضح الى تغيير إتجاه الافراد اولاً عن طريق تغيير توجه القلوب كما أشارت الى ذلك الآية القرآنية الكريمة بصدق: (...إنَّ اللهَ لايُغَيِّرُ ما بِقوم حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفُسِهِم...)[29]. واذا ما تم تغيير إتجاهات القلوب، فإن تبديل السلوك سيكون أمراً ممكناً، إن لم يكن طبيعياً. ولكن اذا قاوم الفرد وسائل الإقناع لإعتبارات ذاتية محضة، فماذا يحصل ؟ لاشك أن الفرد لا يستطيع أن يعيش في تنافر ذاتي بين قوتين تجذبه كل منهما نحوها. فلنفترض أن فرداً ما كان يرتكب عملاً مخالفاً للشريعة ـ شرب الخمر مثلاً ـ ثم التقاه عالِمٌ من علماء التبليغ وعرض عليه فكرة العقوبة الاُخروية اذا لم يتوقف عن إرتكاب ذلك العمل، ملّمحاً الى أبواب التوبة التي فتحها الدين أمام المذنبين. فلكي يزول ذلك التنافر بين الطبيعة الفطرية التي يمثلها الدين وبين المخالفة الشرعية التي تدعو لها الشهوة الانسانية، يقف ذلك الفرد أمام نظرية الإقناع عبر الخطوات التالية : أ ـ يغيّر إعتقاده السابق الذي كان يبرر المخالفة الشرعية باعتبارها عملاً طبيعياً مستساغاً. ب ـ يغير سلوكه السابق، وذلك بالتوقف عن إرتكاب تلك المخالفة الشرعية. ج ـ يعيد تقييم سلوكه بالتوبة والإستغفار. د ـ يضيف بعداً جديداً الى تفكيره الجديد حول الإلتزام بتطبيق الأحكام الشرعية. إن الانسان ـ مهما كان إعتقاده ـ ملزمٌ ذاتياً بتقليل التنافر والصراع الفكري الداخلي الى أدنى حد ممكن ; لأن التنافر بين ما يعتقده الفرد وبين ما يعمله يؤدي الى تمزيقه نفسياً وعقلياً. ولذلك كانت الرسالة الدينية ـ ورسالة الحج بالخصوص ـ منسجمة تماماً مع الفطرة الانسانية، كما أشار القرآن المجيد الى ذلك : (...فِطرةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها لا تَبدِيلَ لخلقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لايَعلَمُونَ)[30]. والحمد لله رب العالمين. (نهاية ص 465)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] فقه القرآن – الراوندي ص 327. [2] التفاعل الاستراتيجي – ارفينك كوفمان. فيلادلفيا: مطبعة جامعة بنسلفانيا، 1969م. [3] سورة البينة: الآية 5. [4] الوسائل ج 1 ص 34. [5] فقه القرآن – الراوندي ص 269. [6] التفاعل التقليدي: بحوث حول السلوك وحهاً لوجه – ارفينك كوفمان. نيويورك: دبل دي، 1967م. [7] التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة – بب لاتان، وجون دارلي. مقالة علمية في مجلة (العالِم الامريكي)، عدد 57، 1969م. ص 244 – 268. [8] امرأة في مأزق: التأثيرات المثبّطة للاصدقاء والغرباء على تدخل المتفرجين على الجريمة – بب لاتان، وجين رودين. مقالة علمية في مجلة (علم النفس الاجتماعي التجريبي)ـ عدد 5، 1969م. ص 189- 202. [9] مختصر صحيح مسلم – الحافظ المنذري. حديث 533. [10] اطاعة السلطة: نظرة تجريبيبة – ستانلي ميلكرام. نيويورك: هاربر ورو، 1973م. وايضاً: اسباب الجنوح – ترافيس هيرشي. بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1969م. [11] فقه القرآن – الراوندي ج 1 ص 289. وفروع الكافي ج 4 ص 226. [12] سورة آل عمران: الآية 97. [13] سورة البقرة: الآية 126. [14] فروع الكافي – كتاب الحج ج 4 ص 226. [15] العاطفة في الوجه الانساني – بول ايكمان، وآخرون. نيويورك: مطبعة بيركامون، 1985م. [16] التعابير – ديزموند موريس، وآخرون. نيويورك: ستاين ودي، 1979م. [17] البعد المخفي – ادوارد هول. نيويورك: دبل دي، 1966م. [18] سورة آل عمران: الآية 96- 97. [19] سورة الفتح: الآية 27. [20] سورة المائدة: الآية 2. [21] سورة النمل: الآية 91. [22] سورة البقرة: الآية 197. [23] الطبيعة الانسانية والنظام الاجتماعي – جارلس كولي. نيويورك: سكرايبنـر، 1902م. [24] العقل، النفس، والمجتمع: من وجهة نظر عالم اجتماعي سلوكي – جورج ميد. تحقيق: جارلس موريس. شيكاغو: مطبعة جامعى شيكاغو، 1934م. [25] سورة الاحزاب: الآية 21. [26] سورة الشمس: الآية 7-8. [27] سورة الشمس: الآية 9-10. [28] الاتصال والاقناع – سي اي هوفلاند، وآخرون. نيوهيفن: مطبعة جامعة ييل، 1953م. [29] سورة الرعد: الآية 11. [30] سورة الروم: الآية 30.
|