|
(ص 405 - 428) الفصل الخامس عشر القضاء في الاسلام فلسفة القضاء في النظرية الاسلامية : الإلزامات والواجبات الشرعية * الإجراءات القانونية أو الشرعية * النية أو القصد * فلسفة الحجج والبراهين القضائية * اولاً : المبدأ الاستقرائي * ثانياً : المبدأ الاستدلالي * دور القضاء في النظام الاجتماعي * التركيبة القضائية الاسلامية * اخلاقية النظام القضائي. ------------------------ فلسفة القضاء في النظرية الاسلامية[1] إنّ توسع وتعقد الحياة الاجتماعية أنتج حاجة ملّحة لأشكال مختلفة من العلوم القانونية أو الشرعية، كالقانون الجنائي، وقانون العقود، والقانون الخاص بالأضرار. ولاشك انّ ظهور تلك العلوم كان قد تزامن مع بروز أفكار فلسفية لها علاقة وثيقة بالقانون أو الشريعة كفلسفة الحقوق، والواجبات، والإلتزامات، والشخصية الحقوقية، والتملك، واليد ; وأدى الى مناقشة عناصر اُخرى لها علاقة مباشرة بالأحكام القانونية ايضاً كطبيعة الفعل والنية أو القصد. إلاّ انّ الحدود الفكرية بين فلسفة القانون والنظرية الفقهية أو القانونية ليست واضحة بالشكل الذي نتصوره للوهلة الاولى. فالأحكام والقوانين تختلف بالمحتوى والطرق التي اُنشئت فيها، وتتباين في المقاصد والأهداف التي صُمّمت من أجلها. ومع إنها تمتلك تركيبة متناسقة في الإطار الفني، إلاّ انها تتداخل بشكل معقد في بعض المراحل النظرية. والنظام القانوني يكشف لنا عن مشكلة فلسفية معقدة. فالقانون أداة فعاّلة من أدوات التأثير على السلوك الانساني؛ فهو من جهة يستخدم القوة والإكراه لتغيير سلوك الافراد ومن جهة اُخرى يرفع شعار العدالة والفلسفة الاخلاقية. والمشكلة التي يطرحها الفلاسفة المتأخرون تنعكس في محتوى السؤال التالي: كيف نستطيع أن نجمع بين الشريعة أو القانون وبين الإكراه والنظرة الأخلاقية في وقت واحد ؟ خصوصاً إذا وضعنا بالحسبان عقائد القانون الطبيعي، والفلسفة الوضعية، والطاعة والعصيان. فإنّ تلك العقائد والافكار تجعل العلاقة بين القانون والنظرة الأخلاقية من جهة، والقانون والإكراه من جهة اُخرى أكثر تعقيداً وأصعب منالاً. ومع انّ الأحكام تختلف في الرتب، إلاّ انّ مكوناتها الجوهرية مشتركة. فالتشريع أو الحكم يولد ظروفاً وعلاقات خاصة للافراد أو المجاميع؛ وتلك الظروف والعلاقات لها تأثير واضح على السلوك في الحياة الاجتماعية. ولعل القاسم المشترك الذي تنتجه الفكرة القضائية بين القاضي والجاني والمجني عليه، بل عموم الافراد، هو أنّ هؤلاء جميعاً لابد أن يفهموا اللغة والمصطلحات الشرعية أو القانونية التي وضعت لهم; وفي ضوء ذلك، لابد أن يفهموا ـ وكنتيجة طبيعية لفهم تلك المصطلحات ـ فكرة «الحقوق» و«الواجبات» . إنّ قضايا الحقوق والواجبات هي التي تدفع الافراد للتوجه نحو المحاكم وإلتماس القضاة لتحقيق العدالة الجنائية أو الحقوقية، أو بتعبير أدقّ لتبيين الخط الفاصل بين إنتزاع الحقوق وفرض الواجبات. ولاشك أنّ فكرة «الأحكام الشرعية» الخاصة بالقضاء تنبثق منها ثلاثة عناصر قانونية مهمة، وهي : 1 ـ الإلزام الشرعي أو الواجبات. 2 ـ الإجراءات القانونية «أو الشرعية». 3 ـ دور النية أو القصد في العمل الجنائي. الإلزامات والواجبات الشرعية : إنّ الإلزام الشرعي والمسؤولية القانونية للفرد مرتبطة أصلاً بالحق، أو الشخصية الحقوقية، أو السلطة، أو الإجراءات القضائية. فعندما تكون العقوبة الجسدية أو المعنوية إحدى أدوات النظام القضائي الفعاّلة تجاه الذين لا ينصاعون للأوامر الالهية، فإنّ فكرة «الواجبات والإلزامات» الشرعية سوف تحتل مكانها الطبيعي على المسرح الاجتماعي . وهذا القدر مسلّم به عند معظم الفلاسفة والمفكرين ; إلاّ انّ الخلاف دبّ في حدود الواجبات والإلزامات الشخصية لا في القانون الجنائي فحسب، بل حتى في قانوني العقود والأضرار. بمعنى، إننا كيف نحدّد حجم الإلزام القانوني المفروض على الافراد ؟ وهل أنّ النصوص الشرعية وحدها المسؤولة عن ذلك التحديد، أو أنّ القاضي المجتهد يستطيع ـ بعدالة واقعية ـ تحديد ذلك ؟ والجواب على ذلك ليس ميسوراً ولكن المسلّم به أنّ الشريعة تمنح المجتهد صلاحية إستخراج الحكم الشرعي المقرر من منابعه الأساسية. فالقاضي المجتهد ـ بقدرته الفكرية التحليلية ـ يستطيع أن يصل الى منابع القرار القضائي العادل ظاهراً. ولاشك انّ العدالة القضائية تعكس جوهر الإلزام الشرعي في النظرية الاسلامية. فمن الواضح انّ الإلزام الشرعي أو القانوني يؤخذ من منظارين: الأول: المنظار التنبؤي، وهو أنّ الواجب الشرعي اذا لم يتم تنفيذه، فإنّ الفرد لابد أن يتوقع عقوبة يستحقها على تخلفه عن أداء ذلك الواجب. والثاني: المنظار المعياري «أو العقلائي»، وهو أنّ الواجب ـ بموجب إرتكاز العقلاء ـ عمل يستحق بحق أن ينفّذ من قبل المكلّف، وإلاّ فإنّ الفشل في تحقيقه يجعل العقوبة قضية عقلائية، ويجعل للمعاناة الناتجة من تلك العقوبة تبريراً مقبولاً. إلاّ انّ المنظار التنبؤي كان قد فسح المجال لفلاسفة الغرب من تحرير فكرة الإلزام القانوني من أسر الإطار الديني، بل شجعهم على تقديم نظام قانوني وضعي يفرض حياة من نوع ما تعيش تحت ظل القانون. وهذا المنحى الفلسفي العلماني هو الذي أدى الى تكوين رؤية جديدة حول فكرة المعاناة الانسانية، وبالخصوص المعاناة التي يمر بها الجاني خلال العمليات الإجرائية للمحاكمة والتجريم ! ولاشك انّ فكرة التجريم، والعقوبة، والتعويض كلها تنتج ـ ضمن المنظار المعياري ـ لوناً من ألوان الإكراه ضد الجاني، الذي هو محط جدال ونقاش من قبل الفلاسفة المعاصرين. فالمنظار المعياري يسلك بالافراد ـ على الصعيدين القضائي والأخلاقي ـ مسلكاً نابعاً من إرشاد وتوجيه جهة مطلقة. وهذا المنظار يعتبر القانون أو الشريعة أو القضاء الحَكَم النهائي للسلوك ; ويعتبر القواعد الشرعية نظاماً مسدّداً من قبل الشارع المطلق، فتكون الحاجة للعقوبة والتعويض، وإكراه الجاني على الرضوخ للحق والعدالة ـ حينئذ ـ قضية من قضايا الإنسجام الاجتماعي التي لابد من تحقيقها في كل مجتمع إنساني. ومن الواضح فإنّ الإهتمام بمواصفات «الحقوق والواجبات» تجعل تطبيقات القانون أو الشريعة أقرب فهماً للافراد والحياة الاجتماعية. وبالإجمال، فإنّ الفرق الفلسفي بين المنظارين التنبؤي والمعياري، تكمن في أنّ الفرد المذنب ـ في المنظار المعياري ـ يستلم العقوبة بأي شكل من الأشكال، بينما يُنذَر الفرد ـ بالمنظار التنبؤي الغربي الحديث ـ ويُحذَّر بأنّ المعاناة سوف تُنزل به في حالة عصيانه القانون المتفق عليه في النظام الاجتماعي. وهذا الفرق مهم للغاية بين المنظارين في حالات التطبيق; لأنّ المنظار التنبؤي يرحم الجاني ومن ثمَّ يظلم المجني عليه، بينما يعاقب المنظار المعياري الجاني وبالنتيجة يعدل ـ ولو ظاهرياً ـ مع المجني عليه. الإجراءات القانونية أو الشرعية : إنّ سن القوانين أو الإفتاء ببعض الأحكام الشرعية، وإنشاء العقود ، ونقل الملكية، وأحكام الإرث، والإيقاعات، كلها أشكال مختلفة من الإجراءات التي تقع تحت مظلة تلك الأحكام الشرعية أو القانونية. وتلك الإجراءات تهدف الى تغيير الوضع القانوني أو الاجتماعي للافراد . وذلك التغيير في وضع الافراد إنما ينتج من إصطلاحات تحريرية أو شفهية أمثال : «بعتك ...»، أو «زوجتك ...»، أو «اُوصي...»، ونحوها. وهذه الإصطلاحات الشرعية تساهم بشكل حاسم في تغيير وضع الفرد الاجتماعي والقانوني. بينما لا تصلح كلمات اُخرى قد تعطي نفس المعنى، للإلزام الشرعي; بل قد لا تصلح بعض الأفعال كالإتفاق القلبي أو إستخدام الإشارات مثلاً من تغيير وضع الافراد، لأنّ تلك الأفعال ليست لها قيمة شرعية مُلزِمة، مع إنّ بعضها له صيغة وصفية. بيدَ أنّ اللغة الشرعية ليست لغة وصفية بقدر ما هي لغة إلزامية. بمعنى أنّ اللغة العرفية تستطيع أن تصف لنا العقود والإيقاعات ونحوها، إلاّ إنها لا تستطيع أن تضع لنا إلزاماً شرعياً ما لم تُنشئ الشريعة تلك اللغة الشرعية أو تمضيها. ولذلك فإنّ عقد الزواج لا يتم ما لم نستخدم الإصطلاح الشرعي المأمورون نحن بإستخدامه في ذلك النوع من العقود. لأنّ ذلك الإصطلاح يولّد إلزاماً شرعياً، يؤدي الى تغيير وضع الفرد الاجتماعي والحقوقي والشرعي. وبذلك تكون للغة الشرعية قوة حاكمة في تثبيت أو تغيير وضع الافراد في النظام الاجتماعي. ولاشك انّ اللغة الشرعية لا تفرض واجبات مجردة فحسب، بل تفرض معها حقوقاً متلازمة ايضاً. وبطبيعة الحال، فإنّ اللغة الشرعية والإجراءات التي تتم ضمن إطارها تلحظ اُموراً خاصة لا تلحظها اللغة العرفية والنشاطات الاجتماعية التي تحصل في ساحتها. ومن تلك الاُمور الخاصة : العقل، وجدية القصد الى الفعل، والبلوغ، والإكراه. وبينما تلحظ اللغة الشرعية بدقة تلك العوامل، نلمس أنّ اللغة العرفية والنشاط الاجتماعي لا يكترثان على الأغلب بها. إلاّ أنّ العين العرفية قد ترى أشياءَ لا تكترث لها العين الشرعية، ومنها القضايا النفسية التي أصبحت مخرجاً طبياً للتحلّل من المسؤوليات الجنائية. فقد تجاوزت المدرسة السايكولوجية الغربية الحديثة حدود العقل والقصد والبلوغ والإكراه، وتناولت موضوع الأمراض النفسية السايكولوجية في القانون الجنائي، ودعت الى إعفاء الفرد المصاب بالمرض النفسي من المسؤولية الجنائية. إلاّ انّ إشكالية المسؤولية الجنائية تبقى مرتبطة بكشف قضيتين مهمتين في شخصية الجاني، وهما : القصد أو النية لإرتكاب الفعل، وعلم الفاعل بأنّ فعله مخالف للقانون أو الشريعة. فهل هناك جنايات تعاقب عليها الشريعة، لكنها لا تحتاج الى نية وعلم مسبق ؟ أو أنّ النية والقصد تؤخذان بنظر الإعتبار في كل الحالات الجنائية ؟ وهل أنّ الإصطلاحات المستخدمة في العقود أو الإيقاعات تقوم بدور النية أو القصد في كل الحالات ؟ لاشك انّ النظرية القضائية الاسلامية تلحظ النية والدافع نحو إرتكاب العمل في عملية التجريم، إلاّ انها تلحظ ظاهر الحال في العقود بإعتبار انّ النية من أفعال القلوب ولا يعلمها إلاّ الخالق عز وجل. ومن الطبيعي فإنّ شرط النية أو القصد في الأحكام الشرعية يقودنا الى مناقشة «نظرية الإرادة»، التي تعتبِر العقد حقيقة نفسية سايكولوجية معقدة. بمعنى أنّ العقد يتحقق فقط في الوجود عندما تتقابل العقول التي تريد أن تضع على صفحة الواقع حقوقاً وواجبات متبادلة. والكلمات أو الإصطلاحات التي توضع في العقد هي مجرد شاهد على ذلك الإختيار. إلاّ أنّ «النظرية الموضوعية» تقف لـ «نظرية الإرادة» بالمرصاد؛ فتزعم بأنّ «العقد» ليس ظاهرة نفسية سايكولوجية، وإنّ إستعمال الإصطلاحات القانونية أو الشرعية يعطي قوة إلزامية لجوهر تلك الكلمات، ولا يتعلق من قريب أو بعيد بالحالة العقلية للمتعاقدين. وهو تلميح بإنتفاء دور النية في إنشاء العقود. إلاّ انّ كلا النظريتين تخطئان في تفسير طبيعة العقود والمشاكل القضائية التي تترتب على الإخلال بها. فمع انّ العقود ليست حقائق نفسية سايكولوجية، إلاّ اننا لا نستطيع إهمال النية أو القصد في إنشاء العقد . ومع انّ الإصطلاحات الشرعية في العقود لها قوة إلزامية، إلاّ انّ الحالة العقلية للفرد هي التي تحدّد الإلتزام بمضامين وشروط العقد. والمجنون، والساهي، والمكُره لا يستطيعون ـ كلٌ على إنفراد ـ تحملّ تلك المسؤولية. النية أو القصد : إنّ الحالة العقلية في الإجراءات القضائية والمسؤولية الجنائية لها دور مهم في التجريم وتشخيص العقوبة. إلاّ أنّ الوضع النفسي السايكولوجي للجاني هو الذي حيّر فلاسفة القانون والفكر والقضاء، وجعل مهمتهم في التمييز بين الإرادة، والنية، والدوافع صعبة للغاية. ولكن ما هي الحالة الطبيعية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية مقياساً موضوعياً لمعاقبة الجاني ؟ وما هي الحالات الإستثنائية التي تكون فيها الشروط النفسية السايكولوجية قد أخلّت بذلك المقياس ؟ من الواضح أنّ اللغة الشرعية تعاملت مع الجناية والجاني بتعابير أو مصطلحات متعددة كـ «التعمد»، و«العلم أو الإختيار»، و«النية أو القصد». فوضعت لها أحكاماً وعقوبات أشّد من تلك الجنايات التي تكون نتيجة «شبه العمد»، أو «الخطأ»، أو «الجهل»، أو «الإكراه». ومن البيّن أن «التعمد» و«الحرية» و«النية» هي أقرب المقاييس الموضوعية لتفسير الحالة الجنائية؛ ولاشك انّ الحالة الطبيعية التي يُجرّم بها الجاني تُشَّخص فقط عندما تكون قدرته العقلية والنفسية السايكولوجية على إرتكاب الجناية متوازية مع قدرته على اداء بقية الأفعال التي يقوم بتأديتها العقلاء في المجتمع. وتستثنى من ذلك حالات الإكراه والخطأ فقط. وبطبيعة الحال، فإنّ النية أو القصد الى أداء الفعل هو محط إهتمام النظريات الفلسفية في القانون والقضاء. لأنّ النية تعبّر عن الحالة العقلية والنفسية للفرد وقت إرتكاب الجناية، وبذلك فإنها تعكس قدرة الفرد على تحمل المسؤولية الاجتماعية والجنائية. وهذا يعني أنّ قابلية الفرد على إنشاء النية تجعله قادراً على التحكم بسلوكه الشخصي دون عوامل خارجية، إلاّ اللهم في الحالات الإستثنائية كالإكراه والخطأ، فيتلاشى عندها دور النية وينتهي دور الإرادة والتصميم. والنية أو القصد الى أداء الفعل لها أشكال ثلاثة، وهي : أ ـ النية الإبتدائية في إرتكاب الجناية، ومثالها : قيام فرد بقتل فرد آخر، مع صورة واضحة لنيته في الإقدام على العمل. ب ـ النية الإستمرارية في إرتكاب الجناية، ومثالها : القيام بسطو مسلح على منزل ليلاً لإرتكاب الجريمة. فهو وإن لم يقم بإرتكاب الجريمة النهائية بعد، إلاّ أنّ عمله هذا كان مقدمة لعمله الجنائي اللاحق. ج ـ النية المبيّتَة لإرتكاب الجناية لاحقاً، ومثالها : قيام فرد بالإستدانة من فرد آخر، ولكن بقصد مسبق ونيّة مبيّتة بعدم دفع مبلغ الدين لاحقاً. ومن إستعراض تلك الحالات الخاصة بالنية، يتسائل الانسان : كيف يحدّد الشرع السلوك الجنائي للفرد ؟ والجواب على ذلك : أنّ الشرع يحمّل الفرد ـ ظاهراً ـ مسؤولية الجناية عندما يحرز وقوعها، فيعاقب عليها الجاني مباشرة . لأنّ النية من الاُمور القلبية الذاتية التي يختبرها الفرد ولا يمكن إحرازها من الخارج. إلاّ أنّ الشريعة تفسح المجال للقاضي المجتهد بملاحظة النية المبيتة أو الإستمرارية، خصوصاً اذا كانت القرائن الموضوعية والعرف العقلائي يؤيدان خطورة ذلك العمل وجدية النية نحو إرتكابه. فلسفة الحجج والبراهين القضائية : إنّ دراسة القرائن الموضوعية وما يتعلق بها من حجج وبراهين تهمّ جميع الدارسين في الحقل الفقهي، بإعتبار أنّ تلك الحجج والبراهين لا تختص بعلوم المنطق والبراهين الإستقرائية والإستدلالية، بل تتعدى الى علم الفقه ايضاً . إلاّ أنّ هناك سؤالاً يتبادر الى الذهن، وهو : في حالة غياب النصوص، أيهما أقرب في إصابة الواقع في قضايا حل التخاصم : فهم النظريات الفلسفية «المنطقية» وتطبيقها من قبل القاضي، أم الإعتماد على التجربة الشخصية للحاكم في الحكم على المتخاصمين ؟ وهذا السؤال ادى الى نشوء مدرستين في الفكر القضائي الغربي. وهما : المدرسة المنطقية، والمدرسة التجاربية الشخصية. ولاشك انّ هاتين المدرستين القضائيتين الغربيتين اللتين تجيبان على ذلك السؤال، تستندان في تبنيهما لفلسفتيهما على آراء متباينة. فالمدرسة التجاربية تتخذ من مقولة الفيلسوف الاوروبي «هولمز»: «إنّ حياة القانون لم تكن يوماً منطقية، بل كانت تجاربية شخصية»[2] مناراً لها. والمدرسة المنطقية تعتمد على الإستدلالية والصورية «المنطق الصوري» من جهة، وعلى «الإختيار الإبداعي» و«الحدس المناسب» من جهة اُخرى. إلاّ انّ تلك النظريات لم تضع لها قاسماً مشتركاً يجمع بين حسنات المدرستين المنطقية والدينية، أو قل بين الفكرتين المنطقية والتجاربية الشخصية؛ ولذلك فإنها بقيت نظريات مجردة لم تخضع للتطبيق، خصوصاً اذا أخذنا فكرة «هيئة المحلَفين» القضائية بنظر الإعتبار. فإنّ المحلَّف الذي يُنتخب ليحكم على القضية الجنائية ضمن تلك الهيئة يفتقد قوة الإستدلال من جهة، ويفتقد التجربة الشخصية في القضاء من جهة اُخرى. وتعتمد فلسفة الحجج والبراهين القضائية على مبدأين. الأول: المبدأ الإستقرائي، وهو المبدأ الذي يقرر إعتماد القاضي في الحكم على القضية الجنائية من خلال إستقراء حالات سابقة مشابهة للحالة الجنائية الحاضرة. والثاني: المبدأ الإستدلالي، وهو المبدأ الذي يقرر إستنباط القاضي المجتهد الحكم على القضية الجنائية الحالية عن طريق الإستدلال لا الإستقراء. اولاً : المبدأ الاستقرائي : هذا المبدأ يعطي القاضي الحق في إستقراء الحالات السابقة. إلاّ انه يتناقض مع النظرية الإستدلالية في مجال التطبيق. فبدلاً من إنشاء حكم جديد مستنبط، يقوم القاضي بدراسة الحالات السابقة المتوفرة لديه ليستخرج منها حكماً مناسباً للحالة الجنائية الجديدة. وتلك العملية تشابه الى حد بعيد عملية «القياس» الديني في إستنباط الأحكام الشرعية التي حرمها ائمة أهل البيت (ع)؛ وهي بالتأكيد تختلف عن عملية القياس العقلي التي لابد من إستخدامها في القرائن الموضوعية والعقلية المجردة. ولكن اُعترض على هذا المبدأ بالقول بإننا لا نستطيع القياس في حالات جديدة على حالات سابقة. لأنّ قدرتنا على تعيين حقوق الافراد وواجباتهم محدودة بحدود الإستنباط في الزمان والمكان وليس القياس. فنحن لا نقدر على تعيين الخطأ من الصواب في حالات واقعية سابقة، لأنّ تلك الحالات الجنائية المتباينة إنما هي في الواقع متباينة منطقياً. ولم يستطع المبدأ الاستقرائي من الصمود أمام تلك الاعتراضات الفلسفية وردّها. ثانياً : المبدأ الاستدلالي : وهذا المبدأ يفسح المجال للقاضي بالنظر للقواعد الفقهية والعقلية، فاذا وردت حالة جنائية جديدة، كان على القاضي البحث عن حكم جديد يستنبطه من القواعد الفقهية. ولما كانت المقدمات متباينة في كل حالة جنائية، فإنّ النتائج قد تختلف على النطاق الإستدلالي ايضاً. يضاف الى ذلك أنّ الإختلاف في الحقيقة والوهم، والتباين بين الحجج الإستدلالية نفسها قد يؤدي الى إختلاف في الأحكام الصادرة تجاه القضايا الجنائية الموضوعية المختلفة. إلاّ انّ اهم وجوه المبدأ الاستدلالي هو انّ الحكم على قضية جنائية معينة فيه ينبغي أن يكون بقضاء واحد لا بقضائين، حسب النظرية القضائية الإمامية. فقد ورد في كلام لأمير المؤمنين (ع) ما يدلّ على ذمّ إختلاف الفقهاء في الفتيا : «... ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي إستقضاهم، فيصوِّب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ! ونبيهم واحد ! وكتابهم واحد ! أفأمرهم الله سبحانه بالإختلاف فأطاعوه ! أم نهاهم عنه فعصوه ! أم أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فإستعان بهم على إتمامه ...»[3]. وفي رواية عن الإمام الصادق (ع) يقول فيها : «كان علي (ع) يقول : لو أختصم إليّ رجلان فقضيت بينهما ثم مكثا أحوالاً كثيرة ثم أتياني في ذلك الأمر لقضيت بينهما قضاءً واحداً ، لأنّ القضاء لا يحول ولا يزول أبداً»[4]. وفيما كتب أمير المؤمنين (ع) لمحمد بن أبي بكر : «لا تقضِ في أمر واحد بقضائين مختلفين فيختلف أمرك وتزيغ عن الحق ...»[5]. وجوه التضافر بين المبدأين الاستقرائي والاستدلالي : والفرق بين المبدأين الإستقرائي والإستدلالي هو : أنّ في الحالة الإستقرائية يكتشف القاضي الحكم من حالات سابقة، وفي الحالة الإستدلالية يُنشيء القاضي الحكم إنشاءً عن طريق الإستدلال بالمصادر الفقهية الرئيسية. إلاّ أنّ السؤال الذي طرح في المقام هو: هل أنّ الحكم في الحالات الجنائية السابقة يعتبر حجة أو تبريراً شرعياً أو قانونياً تجاه القضية الجنائية الجديدة ؟ يقول المؤيدون للحالة الإستقرائية نعم إنه حجة، لأنّ الحكم في الحالات الجنائية السابقة كان مستنداً الى دليل إستدلالي والى جملة من الحقائق المرتبطة بالقضية. إلاّ أنّ المعارضين للحالة الإستقرائية يردّون على ذلك بالقول بأنّ حقوق وواجبات الافراد تتغير مع تغير الشروط الموضوعية الخاصة بالحالة الجنائية. فلا نستطيع تطبيق الحالات الجنائية السابقة في الزمن على الحالات الجنائية الحاضرة. ولاشك أنّ النظرية الإمامية تأخذ بالمبدأين الإستقرائي والإستدلالي ولكن بشروط. فمع أنّ القاضي المجتهد يدرس الأحكام والفتاوى الخاصة بالقضايا السابقة على الصعيد الإستقرائي، إلاّ انه لابد أن يستعين بالشروط والقرائن الموضوعية الحالية على الصعيد الإستدلالي. ومع أنّ للمنطق دوراً في منهجة التفكير الانساني في الحكم على القضية، إلاّ انّ ذلك العلم لا يستطيع تفسير معاني الأحكام الشرعية، ولا يستطيع تصنيف العقوبات أو التعويضات المالية. والأصل في النظرية القضائية الاسلامية أنّ القضاء يجب أن يؤدى بطريق العلم والقطع ـ إستقراءً أو إستدلالاً ـ وأن لا يمحق الدليل إلاّ دليل أقوى. ومن الطبيعي فإنّ الزعم القائل بأنّ لعلم المنطق دوراً أساسياً على المسرح القضائي كان قد أدى الى ظهور النظريتين القضائيتين الغربيتين : الوصفية والعلاجية. فالنظرية الوصفية تناقش إستحالة إجتماع الشروط الموضوعية لإنشاء حكم يتوقع فيه الفرد إطاراً ثابتاً يتعامل مع كل الحالات المتغيرة. بينما تناقش النظرية العلاجية منطقية المحاكمة وشكلياتها وآليتها. ولكن النظريتين تفشلان في التعامل مع القضية الجنائية التي يتعذر فيها الجزم أو الفصل، ويفشلان ايضاً في تفسير طبيعة القضية الجنائية الواحدة التي لها حكمان مختلفان، خصوصاً عندما يفشل القاضي في التوصل الى إستنتاج سليم لمقدمة منطقية سليمة. وعندها يضطر تحت ضغط العجلة الى إصدار قرار الحكم دون إحراز مقدمات العدالة الجنائية. ومن المسلّمات العقلائية أنّ الشهادة الشرعية للشهود كانت قد وضعت أضواءً جديدة على فلسفة الحجج والبراهين القضائية. فالشهادة حجة شرعية قضائية تستند على مقدمات منطقية، إ |