|
(ص 391 - 404) الفصل الرابع عشر العدالة الاجتماعية في الاسلام فلسفة العدالة الاجتماعية : فلسفة «المساواة» عند الاغريق * فكرة «المساواة» في الفلسفة الغربية * مبادئ العدالة الاجتماعية في الاسلام * طبيعة العدالة الاجتماعية الاسلامية. --------------------------- فلسفة العدالة الاجتماعية إنّ فكرة المساواة بين قطبين، «أ و ب» على سبيل الإفتراض يمكن أن تكون وصفية أو معيارية ولكنها لا تكتمل إلاّ بالإشارة الى مفهوم كامل للمساواة أو المقارنة بمعنى مطلق للعدالة. وإلاّ، فإنّ المساواة المطلقة بين «أ» و «ب» لن تتم إلاّ في الرياضيات، لأنّ ذلك العلم يتعامل فقط بالكميات والأعداد النقية المطلقة. أما في الواقع الخارجي فإنّ شيئين متساويين في الوزن والحجم والقيمة ربما لا يتساويان في أبعاد اُخرى. ولذلك فإننا لا نستطيع أن نقول أنّ هناك شيئين متساويين في كل الأبعاد مطلقاً؛ لكننا نستطيع فقط أن نقول أنّ هناك شيئين متساويين في كل الأبعاد نسبياً . وحتى لو كان الفردان متساويين في الجدارة نسبة الى أدائهما، وأنهما يستحقان أن يُعاملا بشكل متساو؛ إلاّ أنّ هذا الإستحقاق لا يلغي أن يُعاملا بشكل مختلف اذا كانا غير متساويين في مجالات اُخرى. بمعنى آخر أنّ المساواة بين الافراد يفترض أن تكون الأصل في جميع المجالات التي يتفق فيها الافراد ; وأن يكون الإختلاف في التعامل متناسباً مع الإختلافات النسبية بينهم. وهذا التمييز في التعامل له أهمية عظيمة في أصل فكرة «المساواة» على الصعيد الأخلاقي والإجتماعي . وحتى إنّ إدعاء المفكر الأمريكي «توماس جيفرسون» بأنّ الافراد «يولدون جميعاً وهم متساوون»[1] لا يطابق الواقع الخارجي لأسباب واضحة، وهي أن الافراد لا يتساوون تماماً في الذكاء والقدرات الجسدية والفكرية. إلاّ أنّ رأي «جيفرسون» يصدق اذا كان يقصد به تلميحاً لفكرة العدالة الاجتماعية التي ينبغي أن يطرحها النظام الاجتماعي أمام الافراد . ولكن المشكلة الفلسفية تكمن في السؤال الذي يصاغ بالشكل التالي : كيف يمكن تحقيق المساواة التامة بين جميع الافراد وقد إختلفت قدراتهم الجسدية والعقلية على أداء أدوارهم الاجتماعية ؟ فأجابت المدارس الفكرية والفلسفية على مدى التاريخ على هذا السؤال بإجابات متباينة. فلسفة «المساواة» عند الاغريق : إلاّ انّ أول من نقض مفاهيم المساواة بين الناس، حكماء الإغريق أنفسهم . فبعد أن آمنوا بالمساواة الحقيقية بين جميع الافراد حتى مع وجود الإختلافات النسبية، عادوا وصنفوا فكرة «المساواة» على أساس الإنتماء القومي . فـ«أرسطو» زعم صراحةً بأنّ بعض الافراد عبيد بطبيعتهم الذاتية[2]. وزعم «إفلاطون» بأنّ بعض الأنفس لا تستطيع أن تتطور كما تتطور أنفس بقية الافراد[3]. وحتى أنّ مجالس «أثينا» كانت تتحدث ـ كما يصفها لنا «ثوسيدايدس» ـ عن المساواة بين مواطني «أثينا» فحسب، مستثنية العبيد والأجانب عن عدالة تلك المدينة الفاضلة[4] ! ولكن أول من نادى بالمساواة في نوادي الإغريق رواد مذهب «الرواقية أو ستوسيزم» الذي أكّد على المساواة الطبيعية بين جميع الافراد؛ بإعتبارهم كائنات لديها قدرات عقلية وقابليات متساوية على فعل الخير[5]. إلاّ أنّ الستوسيزم لم يستطع التمييز بين مجرد القدرة على فعل الخير، وبين تحقيق ذلك الفعل. وذلك المذهب الرواقي يفسح لنا المجال لنتساءل: هل نستطيع أن ننكر على الافراد الذين لا يفعلون الخير دعوى المساواة ؟ أو هل نستطيع أن نثبت «المساواة» حتى مع الذين يظلمون الآخرين وينكرون عليهم حقوقهم ؟ هنا يصمت «المذهب الرواقي» عن الجواب. بل إنّ ذلك الصمت يفتح الأبواب للرسالة الدينية لتقوم بدورها في الجواب على ذلك. فكرة «المساواة» في الفلسفة الغربية : ولاشك أنّ الرسالات الدينية الالهية كانت أول من نادت بالعدالة الواقعية ، إلاّ أنّ التحريفات التي اُجريت على بعضها قسراً قد إنتهك أقدس مفاهيمها الاجتماعية. ففكرة «الإختيار الالهي» لليهود، وفكرة «الإنقاذ» عن طريق السيد المسيح (ع)، وفكرة أنّ «العبودية البشرية» إنما هي نتيجة من نتائج الذنب الذي يرتكبه الفرد، كلها أدّت الى تشويه صورة الرسالة الدينية الاصيلة التي نادت بالعدالة الاجتماعية بين الافراد أمام المجتمع وأمام الخالق عز وجل . وحتى أنّ العقيدة الكالفنية في القرن السابع عشر الميلادي ـ التي ولدت كصورة من صور الإحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية الزاعمة بأنّ المساواة بين الافراد إنما تنتهك النظام التكويني للعالم ـ نادت بالمساواة بين أفراد الشعب المختار من البروتستانت فحسب ولم تلتفت الى حقوق بقية الافراد من المذاهب أو الديانات الاُخرى. ولم تتطور فكرة «المساواة الطبيعية» في القرن السابع عشر الميلادي إلاّ على يد المفكر السياسي الاوروبي «توماس هوبس» الذي زعم بأنّ الافراد في الطبيعة متساوون في الحقوق لأنهم متساوون في القوة والبراعة[6]. إلاّ أنّ الفيلسوف «جون لوك» لم يتوقف عند فكرة المساواة الطبيعية للافراد عند الولادة، بل زعم بأنه لابد للافراد من التعرض الى نفس القانون الطبيعي، والتمتع بنفس الحقوق الطبيعية[7]. ولكن تلك الأفكار الجديدة وضعت الفلسفة السياسية الاوروبية في مأزق حرج؛ وجعلت المعارضين لتلك الأفكار يتجمعون تحت غطاء الإشكال التالي وهو أنه : اذا كان الافراد متساوين بالحرية والحقوق واقعاً ، فلماذا يخضعون لتحديدات المجتمع المدني والسلطة السياسية والإلزام الاجتماعي ؟ بل كيف نفسر العدالة السياسية اذا قبلنا بوجود الحاكم والمحكوم ؟ إذن، فإنّ تلك التحديدات السياسية والاجتماعية التي وجدت لحفظ الحقوق وفرض الواجبات إنما تنتهك «المساواة الطبيعية» التي نادى بها «هوبس» و«لوك». وهذه الثغرات الفلسفية جعلت الكثيرين يشككون بقدرة المدرسة الاوروبية على تقديم معنى شامل ومقبول للعدالة الاجتماعية بين الافراد. ولاشك أن المسرح الفلسفي الاوروبي في القرن الثامن عشر الميلادي شهد نشوء نظرية جديدة حول «العدالة الاجتماعية» والمساواة الطبيعية في الحقوق، وهي نظرية «الطبيعة الانسانية» التي وضعها «كونديلاك» و«هيلفتيس»[8]، التي زعمت بأنّ الفوارق في الشخصية، والقابليات، والذكاء إنما هي إختلافات في البيئة والتجربة الانسانية وليست في التكوين البشري . فالافراد ـ بطبيعتهم ـ متساوون بلحاظ أنهم، عند الولادة، يملكون قدراً غير محدود من الطاقة الكامنة نحو الإبداع، دون وجود خصائص طبيعية تميز أحدهم عن الآخر. ومن ثمّ فإنّ طبعائهم المتباينة هي في الواقع قضية عارضة أو أمر طارىء؛ لأنّ الافراد ـ مبدئياً ـ متساوون في الكمال، شرط أن تعطى لهم فرصاً إجتماعية مناسبة. إلاّ أن «جان ـ جاك روسو» فسّر إنعدام العدالة الاجتماعية بتعقد الحياة الانسانية وتشابكها[9]؛ لأنّ حاجات الفرد الطبيعية ـ بزعمه ـ لو كانت بسيطة لأعتمد الفرد على نفسه في إشباعها، ولِمْا كانت أداةً لإستثمار الآخرين . ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، فإنّ «جان ـ جاك روسو» عرض مفهوم «المصالحة» بين المساواة الطبيعية وحاجات الانسان من جهة وبين الشروط الاجتماعية والسياسية للسلطة من جهة اُخرى; زاعماً بأنّ غياب تلك المصالحة يمنع الافراد من إدراك قابلياتهم الإبداعية ككيانات أخلاقية مستقلة. إلاّ اننا نرد على «روسو» بأنّ المصالحة المزعومة لا تضمن العدالة الحقوقية بين الافراد؛ لأنّ المصالحة غير المشروطة بين الافراد والدولة الظالمة يناقض أصالة العدالة الاجتماعية. وبطبيعة الحال فإنّ «روسو» لم يشترط عدالة الدولة في تلك المصالحة. في حين قدّم «عمانوئيل كانت» تحليلاً أكثر تعقيداً لنفس القضية الأخلاقية التي طرحها «روسو» قائلاً بأنّ جميع الافراد يجب أن يعاملوا كغايات، لا كوسائل[10]؛ بمعنى أنّ جميع الافراد أعضاء متساوون في الدولة «الغائية»، لأنهم جميعاً متساوون في القدرة على إدراك الخير والإرادة الخيّرة. إلاّ انّ هذا التحليل ـ الذي ساهم في صياغة الحركات الثورية في امريكا الشمالية واوروبا الغربية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ـ أضعف دور الدين في الحياة البشرية؛ فبدل أن تكون الغاية النهائية مرضاة الخالق عز وجل أصبحت الغاية القصوى للدولة والنظام الاجتماعي الإهتمام بالفرد وإشباع حاجاته الأساسية. مع أنّ الإهتمام بالفرد ـ لو تم ضمن الحدود الطبيعية ـ لن يتنافى مع الرسالة الأخلاقية الدينية. إلاّ اننا لا نستطيع أن نتحدث عن المساواة الإقتصادية دون التطرق للمساواة السياسية والأخلاقية ايضاً. فالمساواة السياسية لابد وأن تتماشى مع المساواة الإقتصادية. وإلاّ فما معنى الادعاء بان الافراد يشتركون في الحكم والسلطة، ولا يشتركون بشكل عادل في الإستمتاع بالخيرات الاجتماعية. ولاشك أن التوزيع غير العادل للخيرات الاجتماعية سيؤدي الى توزيع غير عادل للسلطة والمنزلة الاجتماعية. يضاف الى ذلك أن عدم إلتزام الفرد بمفردات الرسالة الدينية يضعه على حافة الظلم الاجتماعي المستند على فلسفة أفضلية جنس الانسان ولونه ومنشئه . مبادئ العدالة الاجتماعية في الاسلام : ومن الطبيعي أن نجد الجواب الشافي لمعنى «العدالة الاجتماعية» ومصاديقها العملية متمثلاً في أروع صوره الفلسفية والتشريعية في الرسالة الاسلامية. فالاسلام لم يطرح مفهوم «المساواة» إلاّ في العطاء الذي يقدمه بيت المال للفقراء والذي يفترض فيه أن يشبع حاجاتهم الأساسية. إلاّ انّ الافراد ـ وبسبب إختلاف قدراتهم العقلية والجسدية ـ لا يمكن أن يوضعوا على درجة إجتماعية واحدة بالدقة العقلية; لأنّ ذلك مستحيل على صعيد الواقع الخارجي . ولذلك فنحن لا نجد مورداً من الموارد الفقهية أو القرآنية يشير بشكل من الأشكال الى فكرة «المساواة التكوينية» على المسرح الاجتماعي . ولكن الاسلام طرح بكل قوة فكرة «العدالة الاجتماعية» وحاول بلورة مصاديقها العملية من خلال الإلزامات الأخلاقية والشرعية. ومن أجل تحقيق ذلك، فقد أعلن ثلاثة مبادئ على درجة عظيمة من الأهمية: المبدأ الاول : إنّ الإختلافات التكوينية بين الافراد إنما هي حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. ولذلك فإنّ «المساواة» التي تنادي بها النظريات الاجتماعية تصدق فقط في «المساواة» في إتاحة الفرص لجميع الافراد بإستثمار خيرات النظام الاجتماعي، وفي «المساواة» في العطاء من بيت المال للمحتاجين. وفي غير ذلك يستحيل خلق المساواة التكوينية بين الافراد. ولذلك فإنّ فكرة «العدالة الاجتماعية» التي يطرحها الاسلام إنما تكون جابراً للإختلافات التكوينية التي خلقت أصلاً مع الافراد دون إرادتهم. ولاشك انّ المسؤول عن تحقيق العدالة الاجتماعية هو النظام الاجتماعي الاسلامي بمؤسساته السياسية والاقتصادية والقضائية. المبدأ الثاني : لما كان تحقيق المساواة العقلية بين الافراد مستحيلاً واقعاً ، فقد أكدت الرسالة الالهية على تحقيق المساواة العرفية «أو العدالة الاجتماعية بمعناها الأوسع» عن طريق الإنصاف والعدل والميزان. وقد وردت في ذلك آيات وروايات عديدة أكدت جميعها على إعادة توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد وجعلت للفقراء حقاً محسوباً في أموال الأغنياء. وبمعنى آخر أنّ الشريعة لم تجعل للأغنياء الخيار في مساعدة الفقراء أو عدم مساعدتهم، بل فرضت عليهم ذلك الوجوب بقوة التشريع. ويمكننا أن نصنف الآيات والروايات الواردة حول تحقيق العدالة الاجتماعية الى أربعة أصناف : الصنف الاول : حول الإنصاف : 1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (إنَّ اللهَ يأمُرُ بِالعَدلِ والإحسَانِ...)[11]. 2 ـ ومن كتاب لأمير المؤمنين (ع) الى عماله : «فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خزّان الرعية، ووكلاء الاُمة، وسفراء الائمة»[12]. 3 ـ وفي الخبر عن جعفر بن محمد (ع) عن ابيه (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «من واسى الفقير ، وأنصف الناس من نفسه، فذلك المؤمن حقاً »[13]. والرواية ضعيفة سنداً . الصنف الثاني : حول العدل : 1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (ياأيُّها الذِينَ آمنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بالقِسطِ...)[14]. والقسط هو العدل. والقيام بالقسط هو العمل به على أتم وجه . 2 ـ (الذِينَ آمنُوا ولَم يلبِسُوا إيمانَهُم بِظُلم اُولئِكَ لَهُمُ الأمنُ وَهُم مُّهتَدُونَ)[15]. 3 ـ وعن الامام علي (ع) : «العدل نظام الأمر»[16]. 4 ـ من مصادر اهل السنّة : أ ـ عن رسول الله (ص) : «أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه»[17]. ب ـ قال رجل للنبي (ص) : أحِبُّ أن أكون أعدل الناس، قال (ص) : «أحبّ للناس ما تُحبّ لنفسك تكن أعدل الناس»[18]. الصنف الثالث : حول الميزان بإعتباره أداةً من أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية : 1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (...فأوفُوا الكَيلَ والمِيزَانَ ولا تَبخَسُوا النَّاسَ أشيَاءَهُم ولاتُفِسدُوا في الأرضِ بعدَ إصلاحِهَا...)[19]. 2 ـ (وَيلٌ للمُطفِّفِينَ * الذِينَ اذا اكتَالُوا على النّاسِ يَستَوفُونَ * واذا كَالُوهُم أو وَّزَنُوهُم يُخسِرُونَ)[20]. 3 ـ وعن ابن طاووس في كتاب «الاستخارات» عن احمد بن محمد بن يحيى فيما يخص آداب التجارة قال الامام الصادق (ع) : «...ان التاجر الصدوق مع السفرة الكرام البررة يوم القيامة...»[21]. الا ان الطريق الى كتاب «الاستخارات» غير ثابت. الصنف الرابع : حول المال ودوره في إشباع حاجات الناس : 1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (...وآتُوهُم مِّن مِّالِ اللهِ الذِي آتاكُم...)[22]. 2 ـ (...كي لا يَكُونَ دُولَةً بينَ الأغِنياءِ مِنكُم...)[23]. 3 ـ وفي شرح إبن أبي الحديد في ذكر بيعة الناس لأمير المؤمنين، أنه (ع) قال : «... فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسَّم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد»[24]. 4 ـ ومن كلام له (ع) لما عوتب على التسوية في العطاء : «أتأمرونِّي أن أطلب النّصر بالجور فيمن وُلِّيتُ عليه ! والله لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجمٌ في السماءِ نجماً ! لو كان المال لي لسوَّيت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله ! »[25]. 5 ـ رواية محمد بن الحسين بن الخطاب بسند تام عن الإمام الصادق (ع) : «إنّ الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم»[26]. 6 ـ وَلَّىَ أميرُ المؤمنين (ع) بيت مال المدينة عمارَ بن ياسر وأبا الهيثم بن التيّهان فكتب : «العربي والقرشي والأنصاري والعجمي وكل من في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم [سواء]. فأتاه سهل بن حنيف بمولى له أسود، فقال : كم تعطي هذا ؟ فقال له أمير المؤمنين (ع) : كم أخذت أنت ؟ قال : ثلاثة دنانير وكذلك أخذ الناس، قال : فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير»[27]. 7 ـ رواية ضعيفة رواها حفص بن غياث، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول وقد سُئل عن قسمة بيت المال : «أهل الاسلام هم أبناء الاسلام أُسوّي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين الله، أجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص»[28]. والرواية ضعيفة سنداً بـ «حفص بن غياث»، و«القاسم بن محمد»، و«علي بن محمد القاشاني». 8 ـ ومن كتاب له (ع) الى قثم بن العباس وهو عامله على مكة : «...واُنظر الى ما إجتمع عندك من مال الله فاصرفه الى من قِبَلَكَ من ذوي العيال والمجاعة، مصيباً به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فإحمله إلينا لنقسمه فيمن قِبَلَنا»[29]. 9 ـ وروى مجمع التيميّ ، قال : كان علي (ع) يكنس بيت المال كل جمعة، ويصلّي فيه ركعتين، ويقول : «ليشهد لي يوم القيامة»[30]. ولعل أهم مصاديق العدالة الاجتماعية في النظرية الإمامية هو فكرة الإمام المهدي (عج) وظهوره المرتقب، كما ورد عن رسول الله (ص) حول ذلك: «... حتى يدفعوها الى رجل من أهل بيتي فيملأ الأرض عدلاً كما ملئوها ظلماً...»[31]. وهي دعوة صريحة واضحة لبناء النظام الاجتماعي القائم على أساس العدالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين جميع الافراد. المبدأ الثالث : إنّ الإختلاف بين الفاضل والمفضول في الشريعة الاسلامية يعكس الإختلاف في القدرات العقلية والجسدية بين الافراد. وقد ورد في النص المجيد ما يشير الى ذلك : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ أحَدُهُمَا أبكَمُ لا يَقدِرُ على شَيء وَهُوَ كَلٌّ على مَولاهُ أينَما يُوجِّههُّ لايأتِ بِخير هَل يَستَوِي هُوَ وَمَن يأمُرُ بِالعَدلِ وَهُوَ على صِرَاط مُّستَقِيم)[32] ، (...أفَمن يَهدِي الى الحَقِّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ أمَّن لايَهدِّي إلآ أن يُهدَى فما لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ)[33]. والمعنى أنّ الله عز وجل نفى التساوي بين الافراد الذين خلقهم، تماماً كما نفى التساوي بين الخالق والمخلوق. ولاشك أنّ التفاضل في الرزق، والتفاوت في القدرة على التصرف بالمال يعتبران من السنن التكوينية وجزءاً لا يتجزأ من التصميم الالهي للخلق والتكوين. إلاّ أنّ هذا التفاضل التكويني لا يترك آثاره الاجتماعية إلاّ على صعيد ترجمة ذلك التفاضل الى منفعة يقدمها الفاضل للمفضول. بمعنى أنّ الرزق ـ الذي منحه الخالق الى الفاضل مثلاً ـ اذا لم يُخرَج منه الحق الشرعي ويُسلَّم الى المفضول، أصبح ذلك الرزق نقمةً آلهية على الفاضل نفسه. وعلى ضوء ما ذكرناه، فإنّ التفاضل التكويني، والإختلاف في القدرات العقلية والجسدية إنما تؤديان ثمارهما العملية على الصعيد الاجتماعي، اذا إلتزم الافراد بتطبيق مفردات الشريعة الاسلامية فحسب؛ وإلاّ أصبحت تلك الإختلافات من موارد إنعدام العدالة الاجتماعية. طبيعة العدالة الاجتماعية الاسلامية : ومن دراسة هذه الآيات الكريمة والروايات الشريفة نستطيع أن نستنتج صوراً من طبيعة النظرية الاسلامية في «العدالة الاجتماعية»: الاولى : اُطروحة العدالة الانسانية بين جميع الافراد على وجه الأرض. فوراء كل الفروقات في القدرات العقلية، والقابليات، والأعراف الاجتماعية المقررة، لابد وأن تكون هناك طبيعة إنسانية يحملها الافراد نحو فعل الخير والشعور العميق بأنّ الكل متساوون أمام خالقهم العظيم وأمام نظامهم الاجتماعي الالهي فيما يتعلق بالحقوق والواجبات. الثانية : إنّ اُطروحة النظرية الاسلامية في العدالة الاجتماعية أشمل من اُطروحات النظريات الغربية. ففي حين كانت النظريات الغربية في القرون الثلاثة الأخيرة تناقش التفاضل الاجتماعي بين البرابرة والأغريق، أو أفضلية بعض الأجناس البشرية على غيرها، كانت الاُطروحة الاسلامية تدعو الى العدالة الاجتماعية بين العبيد والأحرار «عن طريق فك الرقاب» ، وبين الفقراء والأغنياء، وبين النساء والرجال، وبين الملّونين وغير الملّونين . الثالثة : والمشكلة الفلسفية تكمن في أنه لو إفترضنا أنّ جميع الافراد يملكون مستوى واحداً من التحليل العقلائي، وصورة متقاربة للنفس البشرية، ومواصفات اُخرى حول الطبيعة الانسانية؛ فما هي الدرجة التي تتساوى فيها إختلافات الافراد في تلك الخصائص الطبيعية ؟ لم تتقدم نظرية فلسفية أو إجتماعية للإجابة الشاملة على هذا السؤال، عدا النظرية الدينية الاسلامية التي كشفت لنا خصائص النفس الانسانية في فعل الخير وفعل الشر، كما ورد في النص المجيد : (وَنَفس وَمَا سَوَّاها * فألهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاها)[34]. فالأنفس الانسانية الخاصة بالافراد متساوية بالأصل في الحد الادنى للفهم والإدراك والعلم والحكمة وتحمل المسؤولية، ولكن الإختلاف ينشأ عندما يتغير توجه الافراد نحو فعل الخير أو فعل الشر أو تركهما معاً . ولذلك فإنّ الاسلام ينادي بالعدالة الحقوقية بإعتبار أنّ الافراد يجب أن يعاملوا بالتساوي على ضوء أعمالهم وحاجاتهم، لا أنهم متساوون بالمعاملة أمام الدولة في هذه الحياة، وأمام الخالق العظيم يوم القيامة. وهذا الفرق مهم، لأننا سوف نظلم الافراد لو إفترضنا أنّ من الحق النظر إليهم بصورة متساوية بالطبيعة، أي بغض النظر عن أعمالهم وقدراتهم. أما لو إفترضنا أنّ مقياس العدالة هو أن يعاملوا بالتساوي مع ملاحظة الفروقات المتباينة في شخصياتهم وقابلياتهم، فإنّ تلك الصورة هي أقرب الصور الواقعية للإنصاف والعدل؛ وهو ما دعى اليه الاسلام تماماً. وعلى ضوء ذلك، فإنّ العدالة الاجتماعية في الاسلام تلحظ الفروقات في شخصيات وقدرات وقابليات الافراد، ولا تلحظ أنهم متساوون بالأصل فتظلمهم دون علم. ومن اللافت للنظر أنّ النظريات الغربية جميعاً قد وقعت في فخ المساواة التكوينية المزعومة، حيث نادت بالمساواة لا في التعامل الاجتماعي فحسب، بل بالمساواة في أصل نشوء الافراد كما لاحظنا ذلك خلال مطالعاتنا السابقة لآراء «جيفرسون» و«روسو» و«كانت». وهو بلا شك يؤكد على كمال الرسالة الالهية، وضعف مقالة تلك النظريات الغربية. ولابد لنا من التأكيد على قضية مهمة وتكرارها مراراً، وهي أنّ مناطق الفراغ التشريعي الخاصة بشروط التغير الاجتماعي والتي تركتها الشريعة للفقهاء المجتهدين بقصد مسبق، إنما تُملأ عن طريق ملاحظة الإرتكاز العقلائي. بإعتبار أنّ الشريعة أمضت الإرتكاز العقلائي الذي يصاحب التغيير الاجتماعي المستمر على مدى السنين. فالعدالة الاجتماعية ضرورية للافراد والدولة، إلاّ أنّ تحديد تفصيلاتها الدقيقة ـ في غير ما ذكر في المفردات الفقهية ـ يرجع الى الإرتكازات العقلائية التي يلحظها الفقيه خصوصاً فيما يتعلق بإشباع الحاجات الأساسية للافراد التي لم تكن موجودة في عصر الرسالة كالنقل والتطبيب والتعليم المدرسي العام. يضاف الى ذلك أنّ العدالة الاجتماعية لا تقتصر على إشباع الحاجات الغريزية، بل تتعدى الى العدالة الحقوقية في إفساح الفرص لجميع الافراد لإستثمار الخيرات الاجتماعية ، وفي حرية التعبير ايضاً . وحتى أن أفكار بعض الفلاسفة الاوروبيين أمثال : «دي. دي. رافائيل» و«كريكي فالدستوس»[35]، حول العدالة الاجتماعية المثالية بتصحيح إختلاف قابليات الافراد وقدراتهم الطبيعية عن طريق تشريع سياسة إجتماعية تقلل من المكآفات الاجتماعية والاقتصادية التي يستلمها هؤلاء، فيها الكثير من الأخطاء. لأننا لا نستطيع أن نمحي التفاضل الاجتماعي بين الافراد على أساس قابلياتهم الإبداعية، لأننا لو فعلنا ذلك لظلمنا اولئك المبدعين، ولم نعدل في الوقت نفسه مع غير المبدعين. ولكن القضية الحاسمة هنا ـ والتي أكدها الاسلام أكثر من مرة ـ أنّ التفاضل يجب أن يكون عادلاً. فبدلاً من إلغاء التفاضل بين الافراد لابد لنا من تحديد صيغة تفاضلية عادلة تأخذ بنظر الإعتبار قابليات الافراد الإبداعية. وفي ضوء ذلك، جعل الاسلام في أموال الأغنياء حقاً ثابتاً للفقراء، وبذلك فهو لم يلغِ التفاضل الاجتماعي ، بل وضع له ضريبة ثابتة تدخل في دائرة منفعة الافراد الذين لم يولدوا مبدعين، أو الافراد الذين خانهم الحظ في التوفيق الاقتصادي والاجتماعي . (نهاية ص 404)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] يولد الافراد جميعاً وهم متساوون – جي مارجوليس. مقالة فلسفية في (المجلة الفلسفية) الامريكية، عدد 52 رقم 13، 1955م. ص 337 – 346. [2] الاخلاق – ارسطو طاليس. الكتاب الثالث. نيويورك: بنكوين، 1962م. [3] الايام الاخيرة لسقراط – افلاطون. نيويورك: بنكوين، 1969م. [4] فكرة العدالة – جورج ابرنيثي. ريجموند، فرجينيا: 1959م. [5] المساواة – ديفيد تومسون. كامبردج: مطبعة جامعة كامبردج، 1949م. [6] الدولة – توماس هوبس. تحقيق: ميشيل اوكشوت. نيويورك: 1962م. الطبعة الاصلية عام 1651م. [7] الرسالة الثانية حول الحكومة المدنية (1690م) – جون لوك. في كتاب (رسالتان حول الحكومة). تحقيق: بيتـر لاسليت. اكسفورد: مطبعة جامعة اكسفورد، 1960م. [8] المساواة في الفلسفة السياسية – ساندفورد لاكوف. كامبردج، ماساشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1964م. [9] محاضرة حول اصل انعدام العدالة الاجتماعية – جان جاك روسو. امستردام: 1755م. [10] نقد العقل المجرد – عمانوئيل كانت. لندن: 1881م. [11] سورة النحل: الآية 90. [12] نهج البلاغة – خطبة 51. [13] الوسائل – كتاب الجهاد ج 11 ص 227. [14] سورة النساء: الآية 135. [15] سورة الانعام: الآية 82. [16] غرر الحكم – للامام علي (ع). [17] بحار الانوار ج 75 ص 25. [18] كنـز العمال ح 44154. [19] سورة الاعراف: الآية 85. [20] سورة المطففين: الآية 1- 3. [21] الوسائل – كتاب التجارة ج 12 ص 285. [22] سورة النور: الآية 33. [23] سورة الحشر: الآية 7. [24] شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 7 ص 36- 37. [25] نهج البلاغة – خطبة 126. [26] علل الشرائع ص 130. والوسائل ج 6 ص 150. ولكن سند رواية الكليني ضعيف بـ (عثمان بن يحيى). [27] بحار الانوار ج 40 ص 107 – 108. [28] الوسائل ج 11 ص 81. [29] نهج البلاغة – كتاب 67. [30] شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 2 ص 199 [31] الملاحم والفتن – ابن طاووس ص 52. [32] سورة النحل: الآية 76. [33] سورة يونس: الآية 35. [34] سورة الشمس: الآية 7-8. [35] المساواة في الفلسفة السياسية – ساند فورد لاكوف. كامبردج، ماساشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1964م.
|