|
(ص 361- 390) الباب الرابع نماذج من مفردات النظرية الاجتماعية الاسلامية الفصل الثالث عشر : نظام العقوبات في الاسلام. الفصل الرابع عشر : العدالة الاجتماعية في الاسلام. الفصل الخامس عشر : القضاء في الاسلام. الفصل السادس عشر : جوانب من السلوك الجمعي لفريضة الحج. -------------------------- في هذا الباب في هذا القسم الأخير من الكتاب إنتخبنا أربعة مواضيع نموذجية مختصرة منتقاة من كتب صدرت أو ستصدر لنا حول النظرية الاجتماعية الاسلامية. وهذه المواضيع تتناول قضايا مهمة في العقوبات، والعدالة الاجتماعية، والقضاء، والحج. والهدف من هذا الإنتقاء هو إعطاء القارئ الكريم فرصة للتعرف على إطروحة النظرية الاجتماعية الاسلامية التي حاولنا إستقصاءها وعرضها بشكل علمي، والتطلع من خلال نافذة هذا القسم على البحوث اللاحقة للنظرية الاجتماعية بتصميمها الواسع الرحيب. -------------------------- الفصل الثالث عشر نظام العقوبات في الاسلام نظرة شاملة حول فلسفة العقوبات : فلسفة العقوبة * العقوبة والمدرستان الجزائية والردعية * المدرسة الجزائية الغربية * العقوبة واستئصال الذنب والمذنب * نظرية «جيرمي بنثام» ونقدها ...* محور النظرية الاسلامية الاخلاقية في العقوبات * المسؤولية الأخلاقية والقانونية للافراد : المسؤولية الفردية والارادة والاختيار * المسؤولية الاخلاقية والقدرة على الفعل * الجبر الذاتي والجبر الموضوعي. ------------------------------- نظرة شاملة حول فلسفة العقوبات لاشك انّ فكرة «العقوبة» تُستخدم في معان مختلفة، فقد تعاقب الدولة الجاني على إرتكابه الجناية وقد يعاقب الأب إبنه عقاباً تأديبياً وقد يعاقب البطل الرياضي خصمه على حلبة الصراع. إلاّ أنّ الفرق بين هذه الأنواع من العقوبات يشابه الفرق بين الحقيقة والمجاز، لأنّ العقوبة الحقيقية لها صفات وخصائص متميزة تختلف عن مفردات السلوك الأبوي أو الرياضي . ولعل أهم صفات العقوبة الحقيقية هي أنها يجب أن تجلب على المعاقَب وضعاً بغيضاً بالفرض. ومن الواضح، فإننا عندما نتحدث عن فلسفة «العقوبة» في النظرية الإمامية، فإننا نتحدث عن العقوبة بمعناها الحقيقي لا العقوبة المجازية التي ينفّذها الأب تجاه ولده أو الرياضي تجاه خصمه. فلسفة العقوبة : إنّ الإهتمام الفلسفي بفكرة «العقوبة» نبعَ أساساً من تفتيش الفلاسفة عن تبرير أخلاقي لتلك العملية الإكراهية. فعرضوا السؤال التالي : هل يجوز أخلاقياً إنزال الأذى والحرمان بفرد آخر إرتكب جرماً معيناً ؟ وبصيغة اُخرى كيف نبرر أخلاقياً إنزال عقوبة جسدية أو معنوية بفرد كان قد إرتكب جناية قد إنقضت واُسدل عليها الستار ؟ وهل هناك مبرر أخلاقي بإنزال العقاب بأحد الجناة بدعوى أنّ تلك العقوبة ستكون وسيلة من وسائل ردع الآخرين عن إرتكاب جنايات مماثلة في المستقبل، فيكون الجاني ضحية اُخرى من ضحايا العقاب ؟ وهل يمكن تبرير العقوبة اذا كانت للفرد نية للقيام بإرتكاب جناية في المستقبل ؟ ولو إفترضنا جدلاً أنّ الجناة يجب أن يعاقبوا ، فمن الذي يمتلك الحق في تشخيص حجم وشدة تلك العقوبة ؟ إنّ الأجوبة على هذه الاسئلة ستتوضح تدريجياً عندما نتعرض بالنقد للمدارس الفلسفية العالمية حول فكرة «العقوبة». العقوبة والمدرستان «الجزائية» و«النفعية»: وتتلخص فلسفة «العقوبة» التي يحمل همها أغلب الفلاسفة المعاصرين بفكرة تحاول التقريب بين مبدأين أو مدرستين متعارضتين هما، الاولى : أن الجاني يجب أن يعاقب على جنايته مهما كانت الظروف وتسمى بالمدرسة «الجزائية». والثانية : أنه من الخطأ ـ أخلاقياً ـ إنزال المعاناة «أو العقوبة» بفرد ما حتى لو كان جانياً ، وتسمى بالمدرسة «النفعية» . فالمدرسة الفلسفية الاولى التي تُبرر «العقوبة» النازلة بالجاني تزعم بأن الجاني يجب أن يعاقب بغض النظر عن التفتيش عن أي تبرير مقنع لأخلاقية العقوبة، حتى لو كانت تلك العقوبة منبثقة عن مؤسسة إجتماعية خاصة لإنزال الأذى والحرمان المتعمد بالفرد الذي إرتكب الجناية. إلاّ أنّ هذا التفكير هو الذي أثار الاسئلة الفلسفية المتعلقة بتبرير الأحكام الجزائية ودور الافراد في صياغتها، والتي طرحتها المدرسة الثانية. فالفرد بزعمها ـ حتى لو كان عالماً بالقضاء وأساليب حل الخصومات بين الافراد ـ لا يستطيع أخلاقياً أن يضع مجموعة من الأحكام الجزائية التي تُنزل الأذى والحرمان ببقية الافراد، بل وحتى لو إفترضنا أنّ هؤلاء الافراد إرتكبوا مخالفات جنائية ضد النظام الاجتماعي . وهذا الرأي يعكس أفكار المدرسة الفلسفية التي تؤمن بالمذهب النفعي . وهاتان المدرستان الغربيتان «الجزائية» و«النفعية» سيطرتا لمدة طويلة على الحقل الفلسفي المتعلق بنظام العقوبات . فالمدرسة «الجزائية» أكدت على فكرتي «الذنب» و«العقوبة التي يستحقها المذنب»، وإدّعت بأن النظر الى الوراء لملاحظة الجريمة أو الجناية هو الذي يبرر العقوبة، وأنكرت أن تكون للعقوبة منفعة ذاتية لأي طرف من الأطراف المتنازعة. إلاّ انّ المدرسة «النفعية» لم تؤمن بهذا التبرير ، بل زعمت بأن العقوبة يمكن تبريرها فقط اذا كانت الآثار الإيجابية المتولدة عنها تفوق الآثار السلبية الناجمة عن إنزال المعاناة والأذى بإنسان آخر، وهو الجاني . المدرسة «الجزائية» الغربية : وقد كان من أعمدة المدرسة الجزائية الغربية فلاسفة ثلاثة هم : «عمانوئيل كانت» ، و«أي. سي. اوينك» ، و«جي. دبليو. هيغل» ، الذين زعموا بأن العقوبة لا يتعدى كونها عملية أخلاقية بذاتها . فـ «كانت» يصّر على أنّ العقوبة يجب أن تكون متطابقة مع الجناية المرتكبة. فالمذنب يجب أن يعاني من ذنبه ، والنظام الاخلاقي والعدالة الجنائية تتطلبان لوناً من ألوان العقوبة[1]. إلاّ أنّ هذا الرأي لا يبرر العقوبة ، بقدر ما ينكر أن العقوبة تحتاج الى تبرير . فقولنا أن شيئاً ما صحيحٌ أو خيّرٌ بذاته لا يحتاج الى تبرير بشروط القيم أو الدوافع الأخلاقية لشيء آخر. بل إنّ قيمته الجوهرية تُلحظ بالتبادر العقلي أو بالحدس والبديهة. إلاّ انّ الشكوك المثارة حول صلاحية العقوبة ومعاناة المذنب تفتح الأبواب لنقاش أوسع حول قضية الربط بين الشر والمعاناة . فاذا كانت العقوبة باباً من أبواب الشر، فهل يمكن أن ندع الشرير أو الفرد المولع بإنزال الأذى بالآخرين أن يعيش متنعماً بسلوكه على حساب الأخيار والضحايا في المجتمع ؟ كلا بالتأكيد، وما وظيفة القانون الجنائي إلاّ إنزال العقاب بالجناة من أجل المحافظة على العدالة القضائية والحقوقية بين الافراد. إلاّ أنّ «أي. سي. اوينك» آمن بأنه لا يوجد سبب جوهري لإدانة الجناية عن طريق إنزال الأذى بالجناة، ما لم تكن المنفعة المتحققة من إنزال العقاب بالجناة نافعة على مستويي الجاني والضحية الى درجة تعلن لهم بأن خرق القانون على الصعيد الأخلاقي يجب أن يواجهه المجتمع بطريقة تمنع حصوله مستقبلاً[2]. وهذا التفكير يمثّل مرحلة وسطية بين النظريتين الجزائية والنفعية. فالعقوبة لها ـ ايضاً ـ تبرير نفعي يتعلق بإحترام القانون أو الشريعة . بمعنى أنّ أخلاقية العقوبة تنبع من كونها عملية تدرّ نفعاً لاحقاً على النظام الاجتماعي . أما «جي. دبليو. هيغل» فقد آمن بأنّ العقوبة ضرورية لمحق وإبطال العمل الجنائي الذي إرتكبه الجاني . وبتعبير آخر، فإنّ العقوبة لا تتحدّد بإرجاع الملكية المسروقة أو تعويض الضحية، بل تتعدى الى إنزال العقوبة الجسدية بالجاني[3]. لأنّ الجاني قد أخّل ـ بقصد وتعمد ـ بميزان النظام الأخلاقي في المجتمع؛ ولا يمكن تصحيح ذلك الخلل إلاّ بجعل الجاني يعاني من الألم جزاء عمله الإجرامي الذي إرتكبه. وبتعبير ثالث، لما كانت الجناية إبطالاً للحق، فإنّ العقوبة إبطالٌ لذلك الإبطال، ولذلك فإنها ـ حسب المنطق الديالكتيكي ـ وسيلة الى إرجاع الحق الى نصابه . العقوبة واستئصال الذنب والمذنب : والسؤال الفلسفي الذي يطرح غالباً على بساط البحث هو : هل أنّ العقوبة صممّت من أجل إستئصال الذنب أو من أجل إستئصال المذنب نفسه ؟ والجواب على ذلك هو أنه لاشك أنّ العقوبة إنما جاءت لإستئصال المذنب نفسه ـ بالدرجة الاولى ـ لأن الدافع الشرير نحو إرتكاب الجرم والشخصية المنحلّة هما أهم شرطين من شروط إرتكاب الذنب. وهذان الشرطان محلهما شخصية المذنب ذاتها. أما المسؤولية الجنائية فهي ليست إلاّ جزءاً من الإطار العام للذنب الذي يحدده القانون. وما وظيفة الدولة إلاّ معاقبة الذين يخرقون القانون أو ينتهكون حرمة الشريعة بحيث يعرّضون المصلحة العامة للخطر ويزعزعون سلامة النظام الاجتماعي. إلاّ أن القانون وما يتبعه من عقوبات لا ينظر الى الافراد بإعتبار نواياهم الداخلية . فالفرد الذي يتجنب إرتكاب الجناية خشية العقوبة الجسدية، والفرد الذي يتجنب إرتكاب الجناية ناظراً قربه من الكمال الآلهي ، سيان في المرآة القضائية الدنيوية . إلاّ أنّ التقييم الآلهي لهذين الفردين يختلف عما عليه القضاء والمحاسبة الدنيوية . ولذلك، فإنّ بعض المخالفات مع خطورتها لا تعاقب عليها الشريعة في حياتنا الدنيوية. فلا يوجد في الشريعة عقاب منصوص ثابت تجاه «الكذب» في عموم الموارد مثلاً ، بينما هناك عقوبة منصوصة ثابتة تجاه «القذف» وهي ثمانون جلدة. مع إنّ الكذب قد يسبب آثاراً سلبية كبيرة على الافراد قد تصل الى حجم القذف. إلاّ أن ممارسة عملية «الكذب» مرتبطة بالنظام الأخلاقي ، في حين أنّ ممارسة عملية «القذف» مرتبطة بالنظام الاجتماعي . وقد ترك الاسلام جملة من القضايا الأخلاقية الى التربية الدينية والتهذيب الذاتي والجزاء أو الثواب والعقاب الآلهي في الآخرة، في حين حدد العقوبات الجسدية في القضايا والمشاكل الاجتماعية التي تهدد النظام الاجتماعي العام. إنّ العلاقة بين الفلسفة الأخلاقية للمجتمع وبين العقوبة الجسدية مشخّصة في الشريعة في مواقع محددة، وأهمها الجرائم الخلقية المتعلقة بالإنحرافات السلوكية الجنسية كالزنا واللواط والسحق والقيادة والإنحرافات السلوكية الاُخرى كالقذف وتناول المسكر. إلاّ أن الفلسفة الاخلاقية الاجتماعية لا تتوقف عند هذه الإنحرافات فحسب، بل تتناول كل الجوانب السلوكية للفرد على النطاقين الذاتي والاجتماعي . فالغيبة، والكذب، والإحتيال على دفع الحقوق الشرعية الخاصة بالفقراء أو إساءة إستخدامها، والتهاون في أداء الواجبات مثلاً تقع كلها تحت عنوان الإنحرافات الأخلاقية التي لا تردعها إلاّ الرقابة الذاتية للفرد، لأنّ العقوبة الجسدية لا تنفذ في هذه الموارد. وما التأنيب الذاتي الذي يقوم به الفرد الذي آمن بخطورة تلك الإنحرافات الأخلاقية إلاّ عقوبة تربوية تساهم في تربية ذلك الانسان على ممارسة النقد الاخلاقي الذاتي . فكما انّ العقوبة التي تستخدمها «العائلة» أو «المدرسة» في معاقبة أعضائها ترمي الى هدف تربوي أخلاقي ، كذلك العقوبة الذاتية الناتجة عن تأنيب الضمير الديني لدى الفرد عند إرتكابه عملاً منافياً للأخلاق السماوية . ولاشك انّ تنفيذ العقوبة الجسدية يؤكد على إحترام المجتمع للإطار الشرعي والأخلاقي الذي آمنت به الغالبية الساحقة من الافراد، لأنّ الجناية تحاول ـ بطريق مباشر أو غير مباشر ـ تحطيم ذلك الإطار الشرعي أو الأخلاقي . فنحن لا نستطيع أن نثني الجناة عن إرتكاب جناياتهم إلاّ بإنزال العقوبات المنصوصة بحقهم. نظرية «جيرمي بنثام» ونقدها : إلاّ انّ رواد المذهب النفعي الاوروبي وعلى رأسهم الفيلسوف «جيرمي بنثام» آمنوا بأنّ جميع العقوبات إنما هي أعمال مزعجة ومثيرة، وما هي إلاّ نزوع إنساني نحو تسليط الأذى والحرمان على الآخرين. وحتى لو إفترضنا قبول بعض الوان العقوبات، فإننا ـ حسب زعمهم ـ يجب أن نطرد عن أذهاننا التفكير بالعقوبات الصارمة التي تنزل الأذى بالجناة[4] ! ويقدّم «جيرمي بنثام» إقتراحاً فلسفياً يقضي بإصلاح الجناة بإسلوب معين وهو إدخالهم السجون أو نفيهم من أوطانهم على شرط أن لا تتجاوز تلك العقوبة الإصلاحية جوهر الشر الذي أدى الى إنزال الأذى بالضحية. ولكن اذا كانت العقوبة النازلة بالجاني قد تجاوزت الأذى الذي ألحقه بالضحية أصبحت العقوبة ـ عندئذ ـ قضية ظالمة لا يمكن تبريرها. ولكن النقد الموجَّه الى نظرية «جيرمي بنثام» يتلخص بالسؤال التالي: كيف يمكننا أن نجعل المتهم البريء ـ اذا إقتنع الافراد بإرتكابه الذنب ـ أداةً للردع تماماً كما كان المذنب الحقيقي أداة لذلك ؟ واذا إفترضنا أن العقوبة إنما جاءت لإصلاح الجناة، فلماذا لا تستخدم قبل إرتكاب الجناية لا بعدها ؟ ولاشك ان اصلاح الجناة بعد ارتكاب الجناية لا يؤدي الى تعويض الضحية، ولا يؤدي ـ في الوقت نفسه ـ الى ردع الافراد الذين يملكون قابلية كامنة على ارتكاب الجناية. ويبدو من ظاهر تلك النظرية أنّ «جيرمي بنثام» يقع في خطأ رئيسي وهو الإشتباه في تمييز شروط العقوبة الجنائية. فالشروط الموضوعية للعقوبة تتألف من ثلاثة عناصر، هي: أولاً: أنّ العقوبة لا تنـزل بالجاني ما لم تحصل الجناية. ثانياً: أنّ العقوبة يجب أن تطال الجاني نفسه لأنه يستحقها. ثالثاً : أن الجاني يستحق العقوبة طبقاً لشدة الجناية التي إرتكبها. وإلاّ، فإنّ السجن قد يجمع الجاني الذي إرتكب جنحة بسيطة مع الجاني الذي إرتكب أعظم الجنايات . فكيف تكون تلك العقوبة ردعية مع انها لا تحقق الحد الأدنى من الردع ؟ شدة العقوبة وحجم الجناية : إنّ النظريات الفلسفية الغربية التي واجهت منطقاً قرآنياً فريداً في نقاشها ضد نظام العقوبات في الاسلام، عدلت عن أرائها السابقة فيما يتعلق بالعقوبات الجنائية التي ذكرها القرآن المجيد بعد أن هزمتها الفكرة القائلة : «انّ شدة العقوبة يجب أن تتطابق مع حجم الجناية». إلاّ أنها بدأت تناقش قضية التعزير أو الأرش. وبدأت تتساءل : كيف يمكن أن نحدد عقوبة مناسبة لمخالفة مثل شهادة الزور ؟ وهل يحق لنا أن نضع قائمة بالمخالفات وما يقابلها من عقوبات مفترضة ؟ واذا تم ذلك، إفتراضاً ، فكيف نستطيع بعدالة واقعية أن نُنـزل أذىً مقدّراً لتلك المخالفة ؟ وهل يمكن أن نحدّد بدقة معاناة الضحية بحيث نستطيع أن نُوجد مقداراً عادلاً من العقاب حتى ننزله بالجاني ؟ ولاشك أن الجواب على تلك التساؤلات ينبع من فكرة مفادها أنّ المقننين الاسلاميين في الدولة الشرعية زمن الغيبة يمتلكون، نظرياً ، أعلى مستوى من العلوم الشرعية والعقلية والاجتماعية كي يستطيعوا أن يضعوا ميزاناً أخلاقياً للعقوبات المصمّمة عن طريق التعزير، أو الأرش الذي تقدره «الحكومة» أو الخبراء. فمن الطبيعي أن يكون هؤلاء المقننون مجتهدين، ولديهم القدرة العقلية على إستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية وملء منطقة الفراغ التي تركتها الشريعة لهم. إلاّ أنه يجب أن لا يغيب عن بالنا بأنّ درجة العقوبة التعزيرية تتناسب مع خطورة المخالفة المرتكبة. وهنا يبرز سؤال خطير آخر وهو : ما الذي يجعل إحدى المخالفات أخطر على الصعيد الاخلاقي من المخالفات الاخرى ؟ والجواب على ذلك أنّ النص الشرعي يحدد ذلك. ولكن اذا فُقِدَ النص فإنّ الإرتكاز العرفي وبناء العقلاء يستطيعان تحديد المقياس الاخلاقي للمخالفات. وفي ضوء ذلك المقياس تتحدد العقوبات التعزيرية من قبل المجتهد أو المقنِن الاسلامي . وتلك العقوبات التعزيرية ليست بالضرورة عقوبات ردعية، لأن بعض المخالفين لا يرتدعون بأي شكل من أشكال العقوبات، بل إنها عقوبات جزائية محضة. ولكننا نستظهر من قوله تعالى: (...وليَشهَد عَذَابَهُما طائِفةٌ مِّنَ المُؤمِنينَ)[5] ، لوناً من الوان الردع. لأن في مشاهدة العقوبة شكلاً من اشكال العبرة والتفكر، فلا يقترب الناس بعد ذلك من تلك الفواحش والمخالفات الاخلاقية. إلاّ أن الردع في الاسلام لا يأخذ شكل المعاناة الإضافية التي ينـزلها النظام القضائي وأدواته التنفيذية بالجاني . بل ان الردع في النظرية الاسلامية يعكس فكرة تساوي الألم والمعاناة اللذين أنزلهما الجاني أو الُمخالِف بالضحية مع الألم والمعاناة اللذين ينزلهما النظام القضائي بذلك الجاني أو ذاك المخالف. وهذه هي أصل فكرة «القصاص» في الاسلام. فإنّ في القصاص، بالإضافة الى جانبه الردعي المفترض، عدالة واقعية عظيمة. بحيث أنّ المقتص لا يجوز له التعدي في أي حال من الأحوال. واذا تم التعدي فعلى المتعدي دفع قيمة الأضرار الناجمة عن ذلك التعدي . وهذا الأصل المنبثق عن فكرة «القصاص» يطبّق ايضاً في التعزير أو الأرش، لأنّ أي تعدي يقوم به النظام القضائي ضد المخالِف ينبغي أن يُدفَع عوضه لذلك المخالِف. ولاشك أن العقوبة قضية مؤسفة لا يتمتع العقلاء بمشاهدة تنفيذها وهي تلحق فرداً آخر. إلاّ أن الجناية أو المخالفة لا تصحح بمجرد التهديد أو الوعيد، بل يحتاج ذلك التصحيح الى نظام تنفيذي جبار يقوم بإنزال الأذى المماثل بالجاني الذي إرتكب مخالفته بتعمد وعن قصد مسبق. ومن البديهي فإنّ إنزال العقوبة بالجاني، أو قل إنزال الأذى بالجاني الذي أنزل أذىً مماثلاً بالضحية، يقلّل مستقبلاً من المعاناة الجمعية التي ينزلها الافراد بعضهم ببعض، لإنّ العقوبة النازلة بالجناة ستُقَلِل الى أدنى حد الجرائم والجنايات المتوقع حصولها فيما اذا لم يطبّق ذلك النظام الصارم في العقوبات . فكرة «العقوبة» في المدرسة الامامية : ويمكننا الآن، وبعد دراسة المدارس الفلسفية الخاصة بفكرة «العقوبات» ، أن نضع بعض الحقائق الخاصة بـ «العقوبات» في النظرية الاسلامية طبقاً لمذهب أهل بيت النبوة (ع)؛ هذه النظرية التي ترى أن إنزال العقوبة بالجاني قضية أخلاقية لا تحتاج الى تبرير . الحقيقة الاولى : انّ شدة العقوبة في النظرية الاسلامية تتطابق تماماً مع فظاعة الجريمة. ففي الجنايات المتعمدة المتعلقة بالنفس الانسانية يتعين القصاص، وفي جرائم الملكية ـ بإستثناء الغصب ـ يتعين القطع، وفي الجرائم الخلقية يتعين الجلد أو الرجم أو الحرق، وفي المحاربة يتعين القتل. فنحن لا نستطيع أن ننظر الى العقوبة بشكل مجرد ما لم نأخذ حجم الجناية وتأثيرها الاجتماعي بنظر الإعتبار. ولاشك أنّ القاعدة القرآنية في العقوبات : (وَلَكُم في القِصَاصِ حَياةٌ ياأولي الألبابِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ)[6] ، (وكَتَبنَا عَلَيهِم فيها أنّ النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والاُذُنَ بالاُذُنِ والسِّنَّ بالسِّنِّ والجُروحَ قِصَاصٌ...)[7] ، هي الأصل في تحقيق العدالة الجنائية في الجرائم الخطيرة التي تطال الافراد في النظام الاجتماعي . إلاّ أنّ تلك النظرة القرآنية تجاه العقوبات كان قد عارضها المذهب النفعي الاوروبي ـ الذي لاحظنا فشله في تحقيق العدالة الجنائية ـ وأصرّ على أن العقوبة يجب أن تكون وسيلة من وسائل «إصلاح» الجاني ومنعه من إرتكاب الجناية وذلك عن طريق إدخاله السجن فحسب; إلاّ أنّ ذلك المذهب كان قد جُوبِهَ بمعارضة شديدة من قبل المدرسة الجزائية التي أيّدت النظرية القرآنية وقالت بأنّ الأذى الذي أوقعه الجاني ـ متعمداً ـ بالضحية يستحق على أقل تقدير إنزال اذىً مماثل به . الحقيقة الثانية : اذا إفترضنا جدلاً أنّ العقوبة تحتاج الى تبرير، فإنّ لها ـ في النظرية الاسلامية ـ تبريراً أخلاقياً فقط اذا إرتبطت الجناية بإختيار الجاني نفسه لإرتكاب ذلك الإنحراف. بمعنى أن الإنحراف اذا كان متعمداً ، أضحت العقوبة الجسدية عملية أخلاقية لتصحيح ذلك الإنحراف. لأنّ العقوبة هدفها التأثير على السلوك الانساني وتصحيحه، ولذلك فإنّ الإنحراف شبه العمد والخطأ لا يوجب العقوبة الجسدية، بل يتطلب تعويض الضحية عن طريق دفع الغرامة المالية المعروفة بالدية. والسبب في ذلك إنتفاء الإختيار الشخصي في الإنحرافات الناتجة عن شبه العمد والخطأ . أضف الى ذلك أنّ العقوبة لو تحققت في الإنحرافات المتعلقة بشبه العمد والخطأ، لما كان لها أي تأثير على عملية الردع المتوخآة من إنزال الأذى المماثل بالجاني الذي إرتكب الجناية واقعاً . الحقيقة الثالثة : إنّ المسؤولية الجنائية في الاسلام مرتبطة بشكل مباشر بالحالة العقلية للفرد. فإحساس الفرد بالمسؤولية الشخصية وإرتباطها بالعقوبة يطابق أفكار النظرية الاخلاقية الاسلامية التي تجعل من النفس اللوامة المحطة الرئيسية لفحص الأعمال التي يقوم بها الانسان ونقدها . فالفرد الذي يمتلك القدرة العقلية على إختيار الأفعال يتحمل المسؤولية بصورة كاملة عندما يرتكب جناية أو مخالفة يستحق على ضوئها عقوبة معينة. ولم يستثن من ذلك إلاّ المجنون أو المضطرِب عقلياً ، والمُكره، والفرد الذي إرتكب الجرم بطريق الخطأ. لأنّ هؤلاء الافراد يفقدون القدرة على الإختيار، ولذلك فإنّ الشريعة لا تعاقبهم بالمقدار الذي تعاقب فيه الافراد الذين يملكون قدرة عقلية كاملة وقت ارتكاب الجناية. الجناية وحالات الإغراء الشديد : ولاشك أنّ هذا القدر من الفهم الفلسفي للعقوبة مسلّم به عند الفقهاء والفلاسفة على حد سواء. إلاّ انّ السؤال المهم الذي طرح على هذا الصعيد، هو: أن الفرد لو تعرض الى حالة إغراء شديدة ساعدته على إرتكاب الجناية، فهل يكون جانياً بغض النظر عن تلك الحالة الإغرائية، أو أنّ الإغراء يؤخذ بنظر الإعتبار في تخفيف العقوبة ؟ ولو أنّ فرداً ما كان قد حُرِّضَ على إرتكاب الجناية، فهل أنّ للتحريض دوراً مزاحماً للقدرة العقلية على الإختيار ؟ لاشك أن الرسالة الدينية تعاملت مع هذه الحالات قبل إرتكاب الجناية. فمن البديهي أن رسالة الدين الاخلاقية قامت بتهذيب النفس الداخلية على مقاومة الإغراء مهما كان حجمه التأثيري وقوته الغريزية . واذا كانت النفس البشرية قد مارست تهذيباً دينياً صارماً ، فليس هناك إغراء يتجاوز حدود الطبيعة الانسانية في المقاومة. لأنّ قوة الإغراء تتحطم بقوة الإرادة الفردية في تحمل المسؤولية الشرعية. فالنفس قد تُغري الفرد بإلتقاط قطعة ذهبية ثمينة مطروحة على قارعة الطريق، إلاّ ان قوة الإرادة التي ربّتها الشريعة في نفس المؤمن تدفعه إما لتسليم تلك القطعة بطريق ما الى صاحبها المجهول، أو تركها على وضعها حتى يلتفت مالكها الحقيقي الى فقدانها ويرجع لإلتقاطها. ولعلنا نستشعر من قوله تعالى : (الزَّانيةُ والزَّاني فاجلِدُوا كُلَّ واحِد منهُما مِائَةَ جَلدَة ...)[8] أنّ الإغراء الشديد له دور في تصميم شكل العقوبة، ولذلك قُدّمت الزانية على الزاني في الترتيب اللفظي للآية الشريفة. ولكن يبدو أنّ ذلك لم يغير شيئاً من دور الإرادة الانسانية عند الذكر أو الانثى من السيطرة على الإنحراف رغم وجود الإغراء، لأنّ العقوبة متساوية لهما على الرغم من تقديم الزانية على الزاني في الترتيب اللفظي . وربما أراد القرآن المجيد من ذلك الترتيب اللفظي حثّ الافراد من أحد الجنسين على ملاحظة دور الإغراء في إرتكاب مثل تلك المخالفات الشرعية. &n |