(ص 303 - 336)

الرؤية الشرعية للزمان والمكان

          إنّ طبيعة فهمنا الفلسفي والاجتماعي والتجريبي الدقيق للزمان والمكان تساعدنا على إستيعاب الفكرة الشرعية لهذا الموضوع المهم. فحتى نفهم معنى الزمان الشرعي لابد أن نتخلى عن نظراتنا وتجاربنا الشخصية المجردة تجاه التركيب الاجتماعي لمعنى الزمن. فالتركيب الزمني الاجتماعي الذي نلحظه في تجربتنا الشخصية، لا يقدّم لنا أفعالاً خالية من الصيغ الزمنية. بل أنه يحدد ـ بصرامة ـ أفعال الماضي والحاضر والمستقبل، حتى أصبحنا نستنكر على اولئك الذين لا يمارسون هذا التمرين اللغوي الذي نشترك جميعاً في فهمه. ولكن التركيب الاجتماعي للزمن يصاحبه دائماً تركيب ديني زمني. فلابد أن ندرك أن اللغة الشرعية الخاصة بالأوامر والنواهي والإلزامات الاخلاقية على العموم لا تتقيد بزمان ومكان ما، بل انّ صيغ الماضي والحاضر والمستقبل كلها تجتمع مع أبعاد المكان لتكوّن تكليفاً مستمراً مع إستمرار الحياة البشرية على وجه الأرض.

          ولكن الدين لا يلغي الحقيقة الاجتماعية للزمان والمكان، ولا يلغي الماضي والحاضر والمستقبل في الموارد  التي تساعدنا على العيش على هذه البسيطة. بل إن «الماضي» الذي تحتفظ فيه صحف «الكرام الكاتبين» الذين يسجلون كل صغيرة وكبيرة تصدر عنا لا يتوقف عن الوجود ولا يصبح في زمن كان، لسبب فلسفي واضح وهو أن الزمن عندنا ـ  وعندنا فقط ـ يعبّر عن الحقيقة الاجتماعية المحضة ولكنه لا يعبّر عن نفس تلك الحقيقة اذا خرجنا عن هذا العالَم الاجتماعي الذي نعيش فيه الآن.

          ومما يعزز فكرة كون الزمن حقيقة إجتماعية نلمسها نحن من خلال دوران الأرض والشمس والقمر هو إختلاف طبيعة الأيام بين عالمنا والعالم الآخر، فكل يوم من إيامنا البشرية يبدأ من غروب شمس وينتهي بغروب آخر. ولكن اليوم عند المولى عز وجل ـ وهو يوم عذاب المكذبين ـ يختلف عن ذلك : (...وإنَّ يَوماً عِندَ رَبِّكَ كألفِ سَنَة مما تَعُدُّونَ)[1] ، وفي مورد آخر : (يُدَبِّرُ الأمرَ مِن السمآءِ الى الأرضِ ثُمَّ يَعرُجُ إليهِ في يوم كانَ مِقدَارُهُ ألفَ سَنَة مما تَعُدُّونَ)[2]. وفي موضع ثالث حيث (تَعرُجُ الملآئِكةُ والرُّوحُ إليهِ في يَوم كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ ألفَ سَنَة)[3]. وقد لا يُراد من تحديد اليوم في العالَم الآخر كحقيقة بعينها بقدر ما يُراد منه التكثير، وهو مستعمل في كلام العرب، وكما ورد في قوله تعالى : (...يَوَدُّ أحَدُهُم لو يُعَمَّرُ ألفَ سَنَة...)[4] أي يودّ المرء أن يعمّر طويلاً، والظاهر أن اللفظ يعبّر عن تكثير معرفي لا تحديد لغوي. فإختلاف الأزمنة ـ إذن ـ لنفس التعريف الاجتماعي لليوم يعبّر عن حقيقة مهمة وهي أن الزمان مجرد وسيلة من الوسائل التكوينية لتسهيل حياتنا الاجتماعية والدينية على وجه الأرض. وبالتأكيد فإنّ المولى عز وجل منـزّه عن الزمان والمكان، ولكن الخطاب الالهي يمكن أن يؤخذ كسند للإحتجاج على المكلّفين أنفسهم، وبرهان لتقريب الحقائق الكونية التي لا نفهمها إلاّ عن طريق اللغة والألفاظ التقريبية. وحتى أن الخلود في الحياة الآخرة التي أسهب الذكر الحكيم في وصفها، يصعب علينا تصورها لأن الحقيقة الاجتماعية للزمن هي التي تحبس إدراكنا عن فهم معنى ذلك الخلود. ولاشك أن تركيبتنا التكوينية لا تسمح لنا بالتعدي عن ذلك الحد الذي رُسِمَ لنا من قبل.

          ومن هذا المنظار لابد من إدراك المعاني الشرعية للزمان والمكان، لا من وجهة نظر فلسفية مجردة، بل من وجهة نظر إلزامية وأخلاقية في آن واحد. فمع أنّ الشريعة تستخدم الزمن في تحديد وقت العبادات، وتشخيص طبيعة بعض الاُصول العملية كالإستصحاب مثلاً، إلاّ أن صيغها الشرعية في الأوامر والنواهي لا تتخذ صفة الماضي أو الحاضر أو المستقبل بل تتخذ صيغة الفعل الخالي عن الزمن. أما على نطاق المعاملات، فإنّ الشريعة لاحظت التغير الاجتماعي الحاصل نتيجة تبدل الزمان والمكان، فكان الاجتهاد في الفقه والاُصول من أهم الأبواب التي جعلت الاسلام دين الحاضر والمستقبل كما كان دين القرون العديدة الماضية.

          ولأجل شرح هذه الوجوه الشرعية، فاننا سنتناول ثلاثة محاور على ثلاثة أصعدة هي : الصعيد الفني، والصعيد الفكري، والصعيد الإلزامي.

          المحور الاول «الصعيد الفني». ونتحدث فيه عن :

1 ـ النظرية الدينية في الزمن.

2 ـ الدليل الشرعي وصيغة الفعل الخالية من الزمن.

3 ـ الأمد الزمني في الواجب المضيّق.

4 ـ الصيغة الزمنية في الاصل العملي.

5 ـ الزمان والمكان في ظهور النص.

          المحور الثاني «الصعيد الفكري». ونتحدث فيه عن :

          صيغة الاجتهاد وتغير الزمان والمكان :

1 ـ العرف والإرتكاز العقلائي.

2 ـ سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء.

3 ـ الإجتهاد وتغير العرف الإجتماعي.

          المحور الثالث «الصعيد الالزامي». ونتحدث فيه عن:

          تأثير الزمان والمكان على التكليف الشرعي.

ثم نختم الموضوع بعرض النتيجة المستنبطة من هذا البحث.

 المحور الاول «الصعيد الفني»

          ونتناول في هذا المحور الموضوعات الخارجية التي تعاملت مع الزمان والمكان، فنعالج تأثيرها على المفاهيم والأحكام الشرعية. فالرسالة الالهية نظرت الى الزمن من مقياس التركيب الكوني الخارجي والشعور الذاتي للافراد. فكل الأشياء في العالم الخارجي متغيرة بتغير الزمان، وشعورنا الذاتي يواكب ذلك التغير الخارجي ويستنكر مخاطبة الأعراف التي توقفت عن الوجود. إلاّ إنّ اللغة الشرعية لا تحمل في مواردها العامة صيغ الماضي والحاضر والمستقبل، بل إنّ الأدلة الشرعية تعبّر عن صيغة جديدة للفعل الخالي عن الزمن. ولكن بعض الاُصول العملية كالإستصحاب مثلاً، تصلح سنداً لفهم إرتباط التفاوت الزمني مع الإلزامات الشرعية الموجهة للمكلَفين.

 النظرية الدينية في الزمن:

          وتربط النظرية الدينية بين الزمن وشعور الفرد، وبين الزمن والنظام الكوني الذي يضبطه. فالإحساس بالزمن يعتمد على وجود ذلك الشعور الذاتي عند الانسان. فالفرد الذي يعيش في كهف مظلم قد لا يعرف معنى للزمن عدا المساحة الزمنية التي تنسجم مع شعوره الذاتي وهي «قبل» و«بعد». فقد يعرف الزمن من خلال معرفته الوقت الذي حلّ بعد تناوله الطعام أو قبل أدائه أحد ألوان العبادات. وقد تناولت الشريعة «قبل»، و«بعد»، و«عند» وربطتها بالنظام الكوني الذي يضبطها، وحدّدت زمن الواجبات التعبدية الشرعية بـ : بعد الفجر، وعند الظهيرة، وبعد الزوال، وقبل الغروب، وبعد العشاء مثلاً وهكذا. وهذه المصطلحات الزمنية دقيقة للغاية حتى مع عدم وجود وسائل ضبط الزمن كالساعة المائية أو الميكانيكية أو الإلكترونية؛ لأن الأرض ودورانها والشمس والقمر تعتبر الوسائل النهائية لقياس الزمن على الصعيدين العلمي والعملي. فالزمن ـ إن كان مروراً أو إتجاهاً لا عكسياً أو وعاءً ـ إنما يحدّد من قبل الانسان ذاته عن طريق مسلكين رئيسيين هما : الشعور الذاتي الداخلي، والوجود الكوني الخارجي. إلاّ انّ تجريد الزمن عن المكان لا يعطينا تلك الصورة المتكاملة عن معنى التغير الذي نلمسه في حياتنا الاجتماعية. فالزمان والمكان متلازمان إذن في فهم طبيعة الاحداث التي تحصل لنا في حياتنا البشرية.

          وقد تناول القرآن الكريم النظام الكوني في حساب الزمن من زاوية الخلق والوجود والتسخير، يقول سبحانه وتعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ والقَمَرَ دآئبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الليلَ والنَّهارَ)[5] ، و(هُوَ الذي جَعَلَ الشَّمسَ ضِيآءً والقَمرَ نُوراً وقَدَّرَهُ منَازِلَ لِتعلَمُوا عدَدَ السّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلكَ إلاّ بالحقِّ...)[6] ، (وآيةٌ لهمُ الليلُ نَسلَخُ مِنهُ النَّهارَ فإذا هُم مُظلِموُنَ* والشمسُ تجرِي لمُستقر لها ذلِكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ* والقمرَ قدَّرناهُ منازِلَ حتى عادَ كالعُرجُونِ القديم)[7]. فهذا التسخير الالهي لوسائل قياس الزمن تعدّ من أعظم نعم الخالق على الموجودات في الارض; ولولا ذلك التسخير لما كان للوجود التكويني على الأرض من فرصـة للبقاء . والى ذلك أشار المولى العظيم بقوله : (قُل أرأيتُم إن جَعَلَ اللهُ عَلَيكُمُ الليلَ سَرمَداً [8] الى يومِ القيامةِ مَنْ إلهٌ غيرُ اللهِ يأتِيكُم بضِياء أفلا تَسمَعُون* قُل أرأيتُم إن جَعَلَ اللهُ عَلَيكُمُ النَّهارَ سَرمَداً الى يومِ القيامةِ مَنْ إلهٌ غيرُ اللهِ يأتِيكُم بليل تَسكُنُون فيه أفلا تُبصرُونَ)[9].

          ومما يعزز فكرة «الشعور الذاتي» بالزمن أنّ الوقت يرتبط أحياناً بالدوافع الانسانية. فما يمتعنا في حياتنا الدنيوية يجعلنا نرى الفاصل الزمني قصيراً، وما يؤلمنا او يزعجنا يجعلنا نرى الفاصل الزمني طويلاً؛ وعندما نهتم بالوقت فإننا نحس بأن الزمن يمر بشكل ثقيل وبطيء، وعندما ننشغل وننسى أنّ هناك وقتاً فإن الزمن يمر بسرعة، مع إنّ الزمن في كلا الحالتين يختبر نفس الفترة. ولاشك أن الفترات التعبدية التي نختبرها كل يوم في الإتصال الروحي بالخالق عز وجل تُشعرنا بأن للفاصلة الزمنية التعبدية حلاوة خاصة. ومما يطوّل أمد التعبد أو يقصرّه هو حجم وقوة دوافعنا ونياتنا في التوجه الى الله سبحانه وتعالى ومناجاته.

          واذا كانت الاحداث تحصل في زمن معين، فهل أن الأشياء تبقى ثابتة أو تتبدل ؟ وبعبارة اُخرى هل أن المنضدة الموضوعة أمامي تتبدل بتغير الزمن ؟ وهل أن ذلك الجرم السماوي يتبدل مع تغير الوقت ؟ وهل أن الأعراف الاجتماعية والإرتكازات العقلائية تتبدل أو تبقى ثابتة على طول التاريخ ؟

          بطبيعة الحال هناك فرق فلسفي بين التغير الزمني والتغير الذي يحصل للأشياء. فالتغير الزمني هو الذي يحصل بذاته بطريقة نستطيع أن نُدركها ونهضمها في عقولنا، ونراها ونلمسها في حواسنا. ومثال ذلك حركة عقرب الثواني في ساعة الحائط المعلقة أمامي. فالحركة الدائرية لذلك العقرب تشرح لي معنى التغير الزمني لأنني أستطيع ـ كانسان ـ أن ألحظ ذلك التغير الزمني المرئي وأستوعبه. إلاّ إنني لا أستطيع أن ألحظ حركة عقرب الساعات، مع إنها تتحرك في واقع الأمر، ولكن حركتها بطيئة جداً. وأمام التغير البطيء الذي يصيب الأشياء والافراد فإننا نضع مصطلح «معدل التغير». فالمنضدة الخشبية تتغير على مر السنين، وكذلك جسد الانسان وتفكيره فإنه يتغير تغيراً محسوساً لا بالثواني بل بالشهور والسنين. والتبدلات الاجتماعية تحصل ببطء وخلال فترة غير قصيرة  . ولذلك فإن معدل التغير الاجمالي الحاصل من تغير تلك الأشياء يمثل حصيلة لتغيرات غير منتظمة تحصل في عالمنا الخارجي. فمعدل تغير الانسان يُحدد بمراحل الطفولة والبلوغ والشباب والنضوج والشيخوخة والهرم ونحوها، وكذلك الأشياء الخشبية فإنها تُحدد بالجدّة والقدم والتفسخ والتحلل. فالزمن الذي نلحظه بالثواني فقط إنما نلحظ تأثيره على الأشياء بالساعات والأيام والشهور والسنين. إلاّ إننا عندما نتحدث عن الأشياء التي تتعرض للتلف، فأننا لا نقول عنها أنها أصبحت من الماضي، بل نقول أنها توقفت عن الوجود. لأن الماضي خاص بالافعال لا بالاشياء. وبتعبير آخر، عندما نتكلم عن تغير الأشياء فإننا لا نعني تغير الزمن بصيغة الماضي والحاضر والمستقبل، بل نعني الوجود أو العدم بالنسبة لغيرها من الأشياء. وهذا ينطبق على العرف الاجتماعي وطبيعة الحياة الاجتماعية، فإنّ تغيرهما وإبتعادنا عنهما بزمن غير يسير يعني توقفهما عن الوجود. فإن الأعراف ـ مع كونها رمزية ـ إلاّ أنّ كيانها المعنوي يشبه ـ الى حد ما ـ الأشياء الخشبية التي تتعرض للتفسخ والتحلل. فالأعراف الاجتماعية تتحلل وتتفسخ، وتأتي على أنقاضها أعراف جديدة يتقبلها المجتمع ببطء  . فلا يستطيع الفرد المعاصر أن يتصور بإيجابية أننا نتحدث اليوم عن إستئجار الحيوانات المعدّة للنقل مثلاً من أجل الإنتقال من مدينة الى اُخرى مع وجود وسائل النقل الحديثة، لأن العرف الذي كان يقرّ تلك الحالة كان قد توقف عن الوجود. فعندما نخاطب مجتمع اليوم بإستئجار الحيوانات المعدّة للنقل فإننا نخاطب ـ في الواقع ـ عرفاً ميتاً لم يعد له وجود. ولذلك فإنّ مخاطبة عرف ميت تزعزع فكرة شعورنا الذاتي بالزمن، وتجعلنا نحس بأننا لا نفهم معنى التغير الكوني والتكويني الذي أقره الدين.

          وحتى لا تبقى الثوابت من الاحكام الشرعية أسيرة تغير الزمن والتبدل الاجتماعي، فقد أقر الاسلام الاجتهاد المطلق كطريقة طبيعية لمواكبة التغيرات الاجتماعية الناتجة بسبب تبدل الزمان والمكان. بل وأوجب تقليد المجتهد الأعلم الحي حتى تكون قضية «الاجتهاد والتقليد» متناسبة مع تطلعات الاسلام في مواكبة التغيرات الاجتماعية.

 الدليل الشرعي وصيغة الفعل الخالية من الزمن :

          ونستنتج من دراسة الأحكام الشرعية وربطها بمفاهيمنا عن الزمن بأنّ الفعل الحاكي عن الأوامر الشرعية ليست له صيغة زمنية، بل انه يعبّر عن معنى حقيقي ليس له زمان. وبتعبير آخر، إنّ اللغة الشرعية فيما يخص الأحكام تناسب كل زمان لأنّ صيغتها المعرفية لم تكن أسيرة زمان معين، فكما إننا نقول في الرياضيات بان (2 + 2 = 4) فان كلمة «يساوي» تمثل فعلاً مضارعاً، إلاّ انها غير محدّدة بزمن معين، فالمساواة «أي النتيجة» قد حصلت في الماضي وتحصل الآن وسوف تحصل في المستقبل. وحقيقة أن (2 + 2 = 4) تبقى ما بقي الانسان على بساط الوجود. وهذا هو عين ما نريد قوله في اللغة الشرعية عندما نشير الى آيات القرآن المجيد وأقوال رسول الله (ص) والعترة الطاهرة (ع). فعندما نقول «يقول المولى عز وجل» أو «يقول رسول الله (ص)» أو «يقول أمير المؤمنين (ع)»، فإننا في الواقع نذكر النص دون تقييد بزمن ماض أو حاضر أو مستقبل. فهنا نستخدم لوناً جديداً من الأفعال الخالية من الصيغة الزمنية. وهذه النظرية ترد على كل الإشكالات التي تتهم الرسالة الدينية بالقدم أو الرجوع الى الماضي أو التخلف أو نحوها، لأن الزمن الشرعي الخاص بالأحكام ليس فيه ماض أو حاضر أو مستقبل، بل ان الأدلة أو الثوابت الشرعية لا تمتلك صيغة زمنية. وما أفعال الماضي والحاضر والمستقبل إلاّ أدوات تشير الى الإستعمال لا الى المعنى الحقيقي . فعندما يقول تعالى : (...الذِيـنَ يؤُمِنُـونَ بالغَيـبِ ويُقِيمُونَ الصّلاةَ وممّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ... )[10] ، فإنّ قوله لا يعبّر عن ماض أو حاضـر أو مستقبل مع ان فيه أمراً صريحاً وإلزاماً شرعياً، ولكن صيغته المعرفية أشارت الى الإستعمال فقط لا الى الزمن الحقيقي. فالإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق عملية تخص الفرد في كل زمان ومكان، ومع كل جيل من الأجيال. فقد آمن آباؤنا بالغيب في الأمس، ونحن نؤمن بالغيب اليوم، وسوف يؤمن أبناؤنا بالغيب في الغد بإذن الله؛ وفي كل تلك الحالات تبقى الآية القرآنية المجيدة منطبقة على كل حالات الماضي والحاضر والمستقبل.

 الأمد الزمني في الواجب المضيّق :

          والأمد الزمني يعني المساحة الزمنية بين بدء الواجب وإنتهاء أمده. فعندما نقول كان أمد الحرب شاقاً، فإننا نقصد المساحة الزمنية بين لحظة بداية الحرب ولحظة إنتهائها. ولكن الأمد الزمني ليس قضية خارجية، بل إنها تجربة ذاتية للفرد فيما يخص التكليف الشرعي. فالفرد يحس ذاتياً بالأمد الزمني للواجب المضيّق حيث يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل في إتجاه واحد وهو أداء الفعل.

          والاصطلاحات التي تستخدمها الشريعة مثل : «من الزوال وحتى الغروب»، و«من الغروب وحتى منتصف الليل»، و«من الفجر وحتى الشروق»، و«من رؤية هلال شهر رمضان وحتى رؤية هلال شوال» كلها تشير الى علاقة معينة بالوسائل الطبيعية في قياس الزمن، التي تستخدم الليل والنهار، والشمس والقمر في القياس. فهي لا تستخدم في هذه الحالات «الماضي» و«الحاضر» و«المستقبل» التي هي مجرد كلمات تفيد الإستعمال فحسب، بل تستخدم هنا «بعد» و«قبل» و«عند» و«من» و«حتى» التي هي مصطلحات نسبية خاصة بجوهر الزمن.

          فالشريعة تنظر للزمن أو الأمد الزمني في الواجبات المضيّقة على ضوء كونها حقيقة دينية لا على ضوء كونها حقيقة إجتماعية. وبمعنى آخر انها لا ترى موجباً لتغير تلك الحقيقة بمرور الزمن، بل ان الأمد الزمني للواجبات المضيّقة يبقى ثابتاً في كل زمان ومكان. فيكون التكليف الشرعي تكليفاً ثابتاً بالرغم من التغيرات الاجتماعية التي يجلبها تأثير الزمان والمكان على الافراد.

 الصيغة الزمنية في الاصل العملي :

          ومن أهم الاُصول العملية التي تتناول الصيغة الزمنية هو الإستصحاب. وعلّة نقاشنا إصالة الإستصحاب هنا هو البحث والتفتيش عن حل للإشكال التالي : هل أن الإستصحاب الشرعي يمثل حقيقة شرعية أو حقيقة كونية خارجية ؟ فالإستصحاب هو الإلتزام بآثار معلوم الحدوث وأحكامه بعد عروض الشك في بقائه وإستمراره. والشرط الأساس فيه أن يقع الشك على بقاء المستصحَب بعد العلم بوجوده. وبمعنى آخر إنّ زمن المتيقن «وهو الحدوث» يتقدم دائماً على زمن المشكوك «وهو البقاء». ولاشك أنّ للإستصحاب أربعة أركان هي : 1 ـ المستصحَب 2 ـ اليقين بحدوثه 3 ـ الشك في بقائه 4 ـ أن يكون كل من اليقين والشك موجوداً بالفعل في عملية الإستصحاب.

          وقد اُستدل على صحة الإستصحاب بآيات قرآنية وروايات مروية عن أهل بيت النبوة (ع)، منها قوله تعالى : (...إنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شَيئاً...)[11]. وهذه الآية تصلح سنداً لقاعدة الإستصحاب، فقد اُشير الى اليقين بلفظ الحق والى الشك بلفظ الظن. ومنها : قوله تعالى : (...فقد لَبِثتُ فِيكُم عُمُراً مِّن قَبلِهِ أفلا تَعقِلُونَ)[12]. فقد أحتج القرآن الكريم بهذه الآية في مخاطبة المشركين على توجيه سؤال ضمني لهم بأنهم كانوا على يقين بصدق النبي (ص)، فقد كانوا يلقبونه لوقت قريب بالصادق الأمين، فكيف يكّذبون دعوته الآن ؟ ومنها : صحيحة زرارة عن الامام الصادق (ع) : قال : قلتُ له الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة[13] والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : «يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والإذن والقلب وجب الوضوء. قلت : فإن حرّك على جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجيىء من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشك، وإنما تنقضه بيقين آخر»[14]. وبطبيعة الحال، فإنّ قوله «لا تنقض اليقين أبداً بالشك» يعني أنّ العلّة الموجبة للحكم بعدم نقض اليقين بالشك هي قوة اليقين وضعف الشك ; لأن الحكم يدور مدار علّته وجوداً وعدماً.

          ولاشك أنّ ألوان الإستصحاب التي تهمنا في هذا الموضع من البحث ثلاثة هي : إستصحاب «الزمان» و«الزماني» و«المقيد بالزمان». فـ «إستصحاب الزمان» هو أن يستصحب المكلّف زماناً كالليل والنهار والصباح والمساء، ومثاله شك الصائم في إنتهاء النهار ودخول الليل في أحد ايام شهر رمضان، فيستصحب بقاء النهار وعدم دخول الليل، وعلى هذا أكثر الفقهاء قولاً وعملاً. ولكن الشيخ الانصاري (رضوان الله عليه) ألمح بأنه لا يأخذ بهذا الإستصحاب، يقول في كتابه «الرسائل»: «إلاّ انّ هذا المعنى على تقدير صحته والإغماض عما فيه لا يكاد يُجدي في إثبات كون الجزء المشكوك فيه متصفاً بكونه من النهار أو من الليل، حتى يصدق على الفعل الواقع فيه أنه واقع في الليل أو النهار، إلاّ على القول بالأصل المُثبت مطلقاً أو على بعض الوجوه...»[15]. ومراده أنّ علينا أن نُثبت أنّ ذلك الحين الذي نحن فيه هو من الليل لا من النهار، أو من النهار لا من الليل لكي نرتّب عليه أثره الخاص به، وإستصحاب بقاء النهار أو عدم دخول الليل لا يُثبت أنّ هذا الحين نهار لا ليل أو بالعكس إلاّ على القول بالأصل المثبت. ومن ذلك نستنتج أنّ علينا أن نترك إستصحاب الزمان وأن نتمسك بأصل آخر، وهو البقاء على الإمساك حتى يثبت دخول الليل. وهو قول وجيه لأن إستصحاب ثبوت علامات الزمن قد يناقض الحقائق التكوينية التي لابد من التفتيش عن اصالة وجودها أو عن اصالة بقاء إستمرارها في الوجود على الاقل. إلاّ إنّ «الأصل المثبت»، وهو وصف لكل أصل يثبت أمراً شرعياً بطريق غير شرعي كالملازمة العقلية والعادية، إنما يستخدم في نقض القضايا الحسية الملموسة، أما الحقائق الاجتماعية التي ليس لها وجود علمي «مثل الزمن» فإننا لا نستطيع تطبيق «الأصل المثبت» عليها. والنتيجة أنّ البقاء على الإمساك حتى ثبوت دخول الليل لا يتم على أساس قاعدة الإستصحاب، بل يتم على أساس قاعدة اُخرى ولنفترض أنها البقاء على الإمساك حتى يثبت دخول الليل.

          واللون الثاني من الإستصحاب هو «إستصحاب الزماني» وهو التيقن في عمل شيء والشك في إستمرار ذلك العمل، ويمثّل له بالشك في إستمرار البقرة الحلوب في درها. وفي كتاب «أجود التقريرات»[16] لخصّ السيد الخوئي (رضوان الله عليه) ما أفاده استاذه المحقق النائيني صور الشك بثلاث :

1 ـ إحراز المقتضي والشك في وجود المانع. كالعلم اليقيني بأنّ لهذه العين مادة غزيرة ثم عرض الشك في فيضها، فنجري الإستصحاب بلا إشكال.

2 ـ الشك في وجود المقتضي وهو الإدرار، ولا يجري الإستصحاب هنا.

3 ـ العلم بعدم إستمرار أو بقاء المقتضي، ولكن يحتمل وجود خلف له، ولا مكان للإستصحاب هنا ايضاً.

          وبطبيعة الحال، فإنّ هذا اللون من الإستصحاب، أي الصورة الاولى من صور الشك الثلاث، يقتضي إستصحاب تأثير الزمان على المستصحَب أو عدم تأثيره. وهو يخرج عن طبيعة نقاشنا حول كون الزمن حقيقة إجتماعية أو حقيقة دينية.

          واللون الثالث من الإستصحاب هو «الإستصحاب المقيد بالزمان» ومحل البحث فيه أن يكون الزمان قيداً للوجوب أو للواجب لا ظرفاً. ومثالُ ذلك: «يقولُ الآمر مثلاً: اُجلس في المسجد من الشروق وحتى الزوال» فالمشكل هنا هو أننا نعلم يقيناً بإنتهاء الزمان الذي قُيد به الأمر وذهابه ولكن شككنا في وجوب المكث وإستمراره، فهل نستصحب الوجوب ؟

          لاشك أنه ليس هناك مبرر لهذا اللون من الإستصحاب، لأن ما كان مقيداً بالزمان «فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه. ووجهه: أنّ الشيء المقيد بزمان خاص لا يعقل فيه البقاء، لأن البقاء وجود الموجود الاول في الآن الثاني»[17]، ولأن المعلّق بالشرط عدمٌ عند عدم شرطه.

          ونستنتج من دراسة موارد الإستصحاب المتعلقة بالزمن أنّ الزمن الإجتماعي الذي كان مورداً لليقين والشك له حقيقة دينية شرعية. وهذه الحقيقة قد تخالف الواقع في بعض الاحيان، إلاّ ان الشرع جعل منها مؤيداً شرعياً يطابق الحقائق التكوينية.

 الزمان والمكان في ظهور النص :

          ولاشك انّ معالجة الفرق بين المدلولين اللفظي والإجتماعي للنص الشرعي تعتبر من أهم مراحل الإجتهاد. فإن في تلك المعالجة فهماً دقيقاً للصيغة الشرعية الشمولية للنص، وبضمنها حجية الظهور. وحجية الظهور من القواعد المسلّمة عند الاصوليين، وفيها أنّ كل خطاب شرعي يجب أن نفهمه ونفسّره على ضوء ظهوره اللفظي والإجتماعي ما لم توجد قرينة على الخلاف.

          وبطبيعة الحال، فإنّ الظهور اللغوي اللفظي ليس محل نقاش هنا. لأن الدلالات اللفظية الوضعية ـ وهي الدلالات الناتجة عن الوضع في اللغة ـ والدلالات اللفظية السياقية ـ وهي الدلالات الناتجة عن سياق الحديث واُسلوب التعبير ـ هما اللتان تحددان شكل الظهور اللفظي للنص وتشخّصان معناه المنسجم مع تلك الدلالات.

          إلاّ انّ الظهور الإجتماعي للنص هو الذي يثير المشكلة التي نحن بصددها، وهي دور الزمان والمكان في ظهور النص. ففي الشريعة العديد من الأحكام التي تبدو للناظر أنها متعارضة في النص. ولكن نظرة فاحصة لذلك التعارض المزعوم يتبين لنا أنّ ذلك التعارض لا يعكس صحة أو سقامة تلك الروايات المعبّرة عن تلك الأحكام، بل إنّ التغير الإجتماعي وتبدل مناسبات الحكم والموضوع هي التي جعلت من ذلك الإختلاف وكأنه تعارض بين الأحكام الشرعية. وقد اُستفيد من دلالات بعض الاخبار، مع عدم تمامية سندها، فكرة الإرتباط بين ظهور النص والإختلاف في الزمان والمكان وما يتبعه من تغير إجتماعي :

1 ـ رواية المعلى بن خنيس قال : قلتُ لأبي عبد الله (ع) : إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم، بأيهما نأخذ ؟ فقال : «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله، قال : ثم قال ابو عبد الله (ع) : إنا والله لا نُدخلكم إلاّ فيما يسعكم»[18]. ولكن هذه الرواية ضعيفة بالمعلى بن خنيس الذي اختلف في شأنه علماء الرجال.

2 ـ وفي رواية اخرى : «خذوا بالأحدث»[19]. وسند هذه الرواية كسابقتها.

3 ـ وعن ابي عبد الله الصادق (ع) أنه قال : «أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئت من قابل فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ ؟ قال : قلت : كنت آخذ بالأخير، فقال لي : رحمك الله»[20]. وهذه الرواية غير تامة السند، فهي مرسلة ومرسلها الحسين بن المختار الذي ضعّفه علماء الرجال.

          وكيفما كان فان في تلك الأخبار، وانجبار ضعفها بعمل الاصحاب، دلالات لا تقبل الشك على انّ المدلول الإجتماعي والمدلول اللفظي للنص ـ الخاص بالمعاملات ـ يتغيران مع التغير الإجتماعي المستمر الذي نلمسه من خلال تعاقب الأجيال. وقد تنبه الى ذلك «الفيض الكاشاني» في كتابه «الاصول الاصيلة» بخصوص إرتباط تغير الأحكام بتبدل الزمان والمكان، وهو إنتباه يناقض عقيدته الإخبارية، فقال : «و[الحديث] الأخير هو مقتضى وقته، فإنّ لكل وقت مقتضى بالإضافة الى العمل، وليس ذلك بنسخ فإنّ النسخ لا يكون بعد النبي حقاً. والأخذ بقول الحيّ ايضاً كذلك، لأنه أعلم بما يقتضي الوقت العمل به»[21].

          ولاشك أنّ مقتضيات الزمان والمكان هي التي تنشىء فهماً مشتركاً لدى الافراد تجاه نص معين دون غيره، وهو ما يطلق عليه في الفقه بـ «مناسبات الحكم والموضوع». فإذا دلّ الدليل على أن من احيى أرضاً فهي له، نفهم من ذلك انّ إحياء الأرض في زمن النص كان عملاً لا يتعارض ولا يتصادم مع حقوق الآخرين. إلاّ انّ مناسبات الحكم والموضوع لا تسمح اليوم بالتملك بمجرد إحياء أي قطعة من الأرض ما لم يكن هناك نظام دقيق مقنّن يحدد حقوق وواجبات الافراد ضمن إطار فكرة التملك عن طريق الإحياء. فلا يتعدى الفهم الاجتماعي لذلك النص ـ حينئذ ـ العمل بظهور الدليل.

 المحور الثاني «الصعيد الفكري»

          ونتناول في هذا المحور قضية «الإجتهاد» بإعتبارها تشكل حيزاً مهماً من إهتمامات النظام الاجتماعي في كل زمان ومكان. فإستفراغ الوسع في تحديد العلاقة الشرعية بين الأحكام الثابتة والموضوعات الخاصة بالقضايا الإجتماعية المتبدلة على الدوام هو جوهر فكرة «الإجتهاد». ومن الطبيعي فإنّ تغير الظروف الموضوعية للفرد والجماعة على مر الزمن كان قد أوجد حاجة دائمية ملّحة لفهم «الإجتهاد والتقليد» على أساس إنه حق من حقوق الجماعة المؤمنة في معرفة وظيفتها الشرعية، من خلال إرجاع الفروع المتغيرة بتغير الزمان والمكان الى الاُصول الشرعية الثابتة.

 صيغة الإجتهاد وتغير الزمان والمكان :

          ولاشك انّ المحور الفلسفي لطبيعة الإجتهاد يدور حول فكرة السؤال التالي وهو : كيف نُنشىء جسراً عملياً بين الأحكام الشرعية الثابتة والتغيرات الاجتماعية المستمرة المرتبطة بتبدل الزمان والمكان ؟ فاذا كان الإجتهاد هو إرجاع الفروع الى الاُصول، فكيف نستطيع إرجاع الفروع المتبدلة بتبدل الزمان الى الاُصول الثابتة التي هي عبارة عن حكم الله عز وجل ؟ وبطبيعة الحال، فإنّ «إستفراغ الوسع» في إستنباط الحكم الشرعي لا يتم ما لم تطبّق العناصر المشتركة في الاُصول على القضايا الشخصية والاجتماعية المتغيرة موضع البحث.

 طبيعة الإجتهاد في عصر النص :

          وقد أثارت فكرة «إرجاع الفروع الى الاُصول» المجردة من أي شروط مسبقة نقاشاً حول طبيعة الإجتهاد وإرتباطه بعصر النص. وأنقسم الفقهاء الأعلام في ذلك الى مدرستين :

الاولى : المعارِضة لإنبثاق فكرة «الاجتهاد» في عصر النص. فقد أصرّت تلك المدرسة على ان الاجتهاد في المدرسة الشيعية كان قد بدأ في بداية القرن الرابع الهجري، في نفس الفترة ـ إتفاقاً ـ التي إنسدّ فيها باب الاجتهاد في المدرسة السنّية. وطرح هؤلاء الاعلام رأيهم عبر تساؤل متوقع وهو : كيف يستطيع اصحاب الامام (ع) ان يجتهدوا زمن النص، وهم القادرون على الوصول اليه (ع) بأي طريقة من الطرق ؟

الثانية : المؤيدة لإنبثاق فكرة «الاجتهاد» في عصر النص، وبالخصوص في عصر ائمة اهل البيت (ع). فقد ظهرت اول بوادر التفكير الاُصولي في زمن الصادقين(ع). فقد كان أئمة أهل البيت (ع) يدربون أصحابهم على أساليب الإستدلال الفقهي والإستنباط. وكان لقربهم «رضوان الله عليهم» من أئمتهم (ع) أثر عظيم في تكامل ذلك التدريب. فنرى الإمام الصادق (ع) يدربّ «زرارة بن أعين»، وهو من خيرة أصحابه، على فهم الروايات العلاجية وممارسة ترجيحاً في الأعدلية مثلاً، والأفقهية، والأشهرية، والأوثقية، وما خالف العامة، كما ورد في «غوالي اللئالي» عن العلامة الحلي مرفوعاً الى زرارة قال : «سألت أبا جعفر (ع) فقلتُ : جعلتُ فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فأيهما آخذ ؟ فقال (ع) : يا زرارة خُذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فقلتُ : يا سيدي إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم ؟ فقال (ع) : خُذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك. فقلتُ : إنهما معاً عدلان مرضيان موثقان. فقال (ع) : اُنظر ما وافق منهما العامة فإتركه، وخُذ بما خالف فإن الحق فيما خالفهم. قلتُ : ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين : فكيف أصنعُ ؟ قال : إذن فخُذ بما فيه الحائطةُ لدينك واُترك الآخر. قلتُ : فانهما معاً موافقان للإحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنعُ ؟ فقال : إذن فتخيّر أحدهما وتأخذُ به وتدع الآخر»[22].

          وهو قد يمارس حجية ظواهر الكتاب والعمل بعموم الآيات، كما ورد في رواية عبد الأعلى في حكم من عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة، قال : قلتُ لأبي عبد الله (ع) : «عثرتُ فإنقطع ظفري فجعلتُ على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء ؟ قال : يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى : (...وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن حَرَج)[23] ، إمسح عليه»[24].

          وفي صحيحة زرارة في سؤاله أبا جعفر(ع) : «ألا تخبرني من أين علمتَ وقلتَ : أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك فقال (ع) : يا زرارة قاله رسول الله (ص) ونزل به الكتاب من الله عز وجل. لأن الله عز وجل قال : «فاغسلوا وجوهكم»، فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال : «وأيديكم الى المرافق»، فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي أن يُغسلا الى المرفقين. ثم فصّل بين الكلام فقال : «وامسحوا برؤوسكم» فعرفنا حين قال : «برؤوسكم» أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال : «وأرجلكم الى الكعبين». فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله (ص) للناس فضيعوه»[25].

          وهو قد يمارس أصالة البراءة، كما ورد في صحيحة عبد الصمد بن بشيرعن أبي عبد الله (ع) في حديث من أحرم في قميصه قال : «...أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه»[26].

          وغير ذلك من الموارد التي يستطيع فيها فقهاء الأصحاب إفتاء الناس بها. فـ «زرارة بن أعين» المعاصر للائمة : الباقر والصادق والكاظم (ع)، و«يونس بن عبد الرحمن» المعاصر لإمامين الكاظم والرضا (ع)، و«زكريا بن آدم» المعاصر للائمة : الصادق والرضا والجواد (ع) وغيرهم من أصحاب الأئمة (ع) كانوا أكثر تحمساً لأهمية القواعد المشتركة في تحديد الأحكام الشرعية الثابتة تجاه متغيرات الزمان والمكان. وكانوا يحملون بوادر التفكير الاُصولي، وهذا واضح من خلال دراسة طبيعة تلك الحقبة الزمنية وطبيعة الاسئلة والأجوبة الشرعية المتبادلة بين الأصحاب وأئمتهم (ع). ومعنى الإفتاء الذي كان الأئمة (ع) يأمرون أصحابهم بممارسته في المراكز العلمية والعبادية كمسجد المدينة، لا يخرج عن إطار الفقه الإستدلالي بشكله الأولي الذي فصلناه.

          ويستدل على ذلك بروايات منها : الإرجاع الى أمثال «زكريا بن آدم»، و«ابي بصير الأسدي»، و«يونس بن عبد الرحمن» من ثقاة أصحابهم (ع)بعنوان كلي كقول الإمام الحجة(ع) لإسحاق بن يعقوب، على ما في كتاب «الغيبة» للشيخ، و«إكمال الدين» للصدوق، و«الإحتجاج» للطبرسي : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجةُ الله عليهم»[27]. وعنوان «الحوادث الواقعة» يشمل الرواية والفتوى. فـ «الحوادث الواقعة» غير المتوقعة تناسب الإجتهاد بما فيه من إستدلال وحجية. فقد لا ترد في تلك الحوادث آية محكمة أو رواية مسندة. والرجوع المذكور في الحديث الشريف مقيد برواة الأحاديث لا بالروايات ذاتها. وهو يعكس معنى الإستدلال الفقهي بالرجوع الى القواعد المشتركة في الإستنباط.

          وقريب من ذلك ما ورد في أمره (ع) بالإفتاء لـ «أبان بن تغلب» قائلاً : «إجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإني اُحب أن أرى في شيعتي مثلك»[28]. وربما كان أمل الإمام (ع) وحبه بأن يرى في شيعته أمثال «أبان بن تغلب» كنموذج من نماذج فقهاء الشيعة المتمرسين على الإستدلال بالكتاب والسنّة من طريق مشروع في مقابل مدرسة القياس وإجماع الصحابة والمصالح المرسلة التي كانت ناشطة في بث أفكارها المستندة على الإجتهاد بالرأي.

          وفي رواية اُخرى أن الإمام الصادق (ع) قال لـ «معاذ بن مسلم النحوي» : «بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس، قلتُ : نعم، وأردتُ أن أسألك عن ذلك... الى أن يقول (ع) : إصنع ذلك فأني كذا أصنع»[29].

          وفي تلك الشواهد التأريخية دلالات قوية تعبّر عن بدايات تمرس الأصحاب على إدراك القواعد الاُصولية في عملية الإستنباط.

          ومع ان كلا المدرستين قد استدلتا حول الموضوع، الا انهما تحاشيا ـ  من غير قصد ـ نقاش جوهر القضية الاجتهادية، وهي النظرة الشرعية للعلاقة بين الاحكام الثابتة والتبدل المستمر للقضايا الاجتماعية والشخصية في الزمان والمكان. فالاجتهاد يحفظ العلاقة المتصلة بين الاحكام الشرعية وآلية التعامل الاجتماعي المتغيرة باستمرار.

          ولاشك ان تدريب الاصحاب على اساليب الاستدلال الفقهي، يفتح الابواب للاجتهاد بعد انتهاء عصر النص وغياب المعصوم (ع). فمع وحدة الزمان والمكان ووجود المعصوم (ع) فلا حديث للاجتهاد عدا التدريب عليه. أما عندما يتبدل الزمان والمكان، فان حاجة الاُمة للاجتهاد الفقهي لمعرفة احكامها الشرعية تتبلور بشكل قطعي. فان بُعدنا عن عصر النص الشرعي وتبدل الظروف الموضوعية والشروط الاجتماعية للحياة الانسانية تدفعنا للتفتيش عن عوامل تنضيج الحركة الاجتهادية عند الاُمة. ولم يتوقف الفهم الموضوعي لطبيعة الاجتهاد عند مدرسة اهل البيت (ع)، بل امتد ايضاً الى المدرسة السنّية. فقد تنبّه أحد فقهاء السنة «وهو الجويني ت  478 هـ » الى ذلك فكتب يقول في مقدمة كتاب القياس من كتب «البرهان في اُصول الفقه» : «إن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة. فما ينقل منهما تواتراً فهو المستند الى القطع، وهو معوز قليل، ما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينـزل منـزلة خبر الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها»[30]. ومع إقرارنا بأنّ طريقه في الإستنباط خاطىء لأنه إستخدم القياس الذي ثبتت حرمته عن طريق ائمة أهل البيت (ع)، إلاّ ان تحسسه لعمق المشكلة الإجتهادية الناتج من تغير الزمان والمكان يشوبه لون من الصدق.

          وإذا كان الحكم يتبع الموضوع تماماً كما أن العرض يتبع المعروض، فلنا أن نتساءل : كيف يتم الاجتهاد ما لم تخضع الموضوعات الخارجية لفهم دقيق حتى يتم تشخيص الحكم عليها بنفس الدرجة من الدقة التي يتم فيها تشخيص الموضوع ؟ وإذا كان الموضوع مبهماً فكيف يكون الحكم المتعَلق به واضحاً ؟ فلاشك أن الموضوعات الخارجية تتبدل بإستمرار بتبدل الزمان والمكان; ومن هنا كان للاجتهاد تلك القيمة الحقيقية في ربط الأحكام الشرعية الثابتة بالموضوعات المتغيرة. فلابد من تشخيص الموضوعات في الموارد التي يتمكن الفقيه من التعامل معها شرعياً ومعالجتها معالجة إستدلالية. واختلاف طبيعة الزمان تدفع الفقيه الى تنمية قدرته على إدراك العناوين التي تمثل الموضوعات الحقيقية للأحكام. فهو لا يستطيع أن يكتفي بفهم ظواهر الموضوعات وظواهر الألفاظ الواردة في النصوص، بل لابد أن يحلّل بدقة أوصاف الموضوع ويفهم بعمق العلاقة بين الأحكام والموضوعات وما يترتب عليها من مصلحة أو مفسدة.

 العرف والإرتكاز العقلائي :

          وبطبيعة الحال، فإنّ المصطلحات الشرعية عبّرت عن معاني التغير الاجتماعي بـ «تغير العرف» وتغير أو تطور «الإرتكاز العقلائي». وقد كانت الكتب الفقهية زاخرة بمعطيات هذا الفهم. ولم يفرق بعض الفقهاء بين السلوك العرفي والطريقة العقلائية، فقد ذكر الشيخ النائيني بأنّ بناء العقلاء «قد يعبّر عن الطريقة العقلائية ببيان العرف، والمراد منه العرف العام كما يقال أنّ بناء العرف في المعاملة الكذائية على كذا. وليس بناء العرف شيئاً يقابل الطريقة العقلائية...»[31] ، لكن السلوك العرفي قد لا يطابق الطريقة العقلائية في كل الحالات، فإنهما قد يتحدان في الذهنية الجماعية المشتركة التي يمارسها الافراد في النظر للأشياء في زمان ومكان مشترك، وقد يفترقان إستثناءً في بعض الموارد القليلة. فبعض الأعراف الإجتماعية اليوم في قضايا الزواج والمهر والطلاق مثلاً، ليس لها منشأٌ عقلائي. فيكون دور العقلاء عندها تصحيح ذلك العرف الخاطىء.

 سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء :

          ومن الراجح ايضاً التمييز بين السيرة العقلائية والسيرة المتشرعية. فالسيرة «تارة بإضافتها الى المسلمين بما هم مسلمون واُخرى بإضافتها الى العقلاء بما هم عقلاء. وقد يعبر عن الأول بالسيرة وعن الثاني ببناء العقلاء وطريقتهم... أما السيرة : فلا إشكال في حجيتها والإعتماد عليها لكشفها لا محالة عن رضاء الشارع بذلك لأنه من المستحيل إستقرار السيرة المزبورة من المسلمين من حيث كونهم متدينين على أمر من تلقاء أنفسهم من دون جعل شرعي فيما قامت السيرة عليه وعلى هذا لا يحتاج في حجيتها الى إثبات عدم ردع الشارع عنها لوضوح مضادة ردع الشارع لأصل السيرة المزبورة... فمهما إستقرت السيرة المزبورة يستكشف أنه لم يكن لهم رادع شرعي. نعم إن السيرة العقلائية، فإنها بعدم مضادتها وجوداً مع الردع الشرعي، يحتاج حجيتها الى إثبات عدمه»[32]. ولكن، فإنّ «بناء العقلاء من المسلمين على شيء تارة يكون بما أنهم مسلمون ومتدينون بشرائع الاسلام واُخرى يكون ذلك منهم لا بما هم مسلمون ومتدينون بل بما هم من العقلاء ومن أهل العرف، والذي يضاد وجوده مع الردع الشرعي بحيث يستحيل تحققه مع ثبوته إنما هو الاول. وأما الثاني : فلا يكون ردع الشارع مضاداً مع أصل وجوده بل إنما يكون مانعاً عن حجيته، وحيث أن المقصود من السيرة المزبورة هي سيرة العقلاء الذين منهم المسلمون. فلابد في تتميمها من التشبث بمقدمات عدم الردع لإثبات إمضاء الشارع لها...»[33].

          ونفهم من ذلك أن السيرة المتشرعية هي سيرة عقلائية ولكنها عاشت ضمن إطار الممارسة الشرعية والتمرين الجماعي للأحكام. فهي تفرض علينا إلزاماً شرعياً أقوى من الإلزام العقلائي الذي أمضاه الشرع، لأنها طُبّقت تطبيقاً كاملاً أمام نظر الشرع مباشرة. ولكن إنتهاء زمن المتشرعة، أضفى على بناء العقلاء سمة شرعية خاصة، لأن ذلك البناء أصبح الطريق الوحيد لمعرفة بعض مدلولات الشريعة في ظهور النص، وتشخيص ملاكات الأحكام والموضوعات.

 الإجتهاد وتغير العرف الإجتماعي :

          ويمكننا فهم العرف باعتباره مجموعة من الأحكام الإجتماعية المشتركة التي توصف للسلوك المناسب في وضع إجتماعي تحت شروط نفس الزمان والمكان. فالعرف هو الذي يشخّص ويحلّل سلوك الافراد في ظروف زمانية ومكانية معينة في المجتمع. فأكل الطعام باليد مثلاً كان عرفاً مقبولاً في المجتمعات الاسلامية الشرقية قبل أقل من مائة عام، ولكن العرف تبدل بظهور صناعة الملاعق. فاصبح عرف الناس تناول الطعام بتلك القضبان الحديدية المسطحة. ولكن العرف الاجتماعي لنفس العادة يختلف في المجتمعات الاسلامية في شرق اسيا، حيث يتناول الافراد طعامهم بواسطة الاعواد الخشبية. وكل فرد يعيش في اي من تلك المجتمعات يعتقد بأن عرفه هو الأصح. ولذلك فإن الافراد يتبعون العرف دون مناقشة أو معارضة فكرية أو نفسية. إلاّ انّ العرف الاجتماعي يختلف عن القانون، فالعرف يولد مع الافراد ويتناغم مع حاجاتهم الأساسية بينما يُفرض القانون عن طريق السلطة السياسية والقضائية على الافراد لتنظيم حقوقهم وواجباتهم. لكن الشريعة الاسلامية لم تتعرض للعرف الاجتماعي بالشكل الذي فعله القانون الوضعي بالنظام العائلي مثلاً كالقوانين الوضعية الخاصة بإمضاء الانحراف الخلقي المخالف للعرف، بل إنها أمضت الكثير من الأعراف الاجتماعية التي درج الناس على ممارستها ولم ترَ فيها خللاً أخلاقياً ولم ترَ فيها بأساً من الاستمرار. وقد إستثمر علماؤنا الاعلام (رض) المباني الإجتهادية في معالجة المشاكل المتغيرة بتغير العرف الإجتماعي. وفي ذلك الكثير من النصوص الفقهية التي درج على ذكرها الفقهاء تحت باب الموضوعات العرفية، نختار منها ثلاثة :

1 ـ في بحث إحياء الأراضي الموّات ذكر السيد العاملي مصنف «مفتاح الكرامة» : «والميت منها [ أي من الأراضي] يملك بالإحياء بإجماع الاُمة اذا خلت عن الموانع كما في [كتاب] المهذب البارع... وعليه عامة فقهاء الأمصار وإن إختلفوا في شروطه والأخبار به كثيرة من طريق الخاصة والعامة كما في [كتاب] التذكرة، ولأن الحاجة تدعو الى ذلك وتشتد الضرورة اليه لأنّ الانسان ليس كالبهائم بل هو مدني بالطبع لابد له من مسكن يأوي اليه وموضع يختص به فلو لم يشرع لزم الحرج العظيم بل تكليف ما لا يطاق...»[34]. وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول (رضوان الله عليه): «...وفي [كتاب] السرائر بعد أن قال ما سمعته آنفاً [حول شروط إحياء الأراضي الموّات] من أن الرجوع في الإحياء الى العرف وأنه الحق اليقين، قال : ولا تلتفت الى قول المخالفين فإنّ لهم تعريفات وتقسيمات فلا يظن ظّان اذا وقف عليها أن يعتقدها قول اصحابنا...»[35]. وفي كتاب «كفاية الاحكام» للسبزواري ذكر المصنف بأن «الإحياء ورد في الشرع مطلقاً من غير تعيين فلابد فيه من الرجوع الى العرف فالتعويل فيه على ما يسمى في العرف إحياء...»[36].

2 ـ في باب الوقف ذكر السيد كاظم اليزدي بأن ظاهر إجماع الإمامية على أن الوقف لا يتم إلاّ مع الصيغة اللفظية الدالة عليه صراحة، لأن لفظ «وقفتُ» و«تصدقتُ» وردت في حديث أهل البيت[37]. ولكن، وبعد أن أقرّ المصنف بصحة النص وثبوت الإجماع أفتى بعدم وجوب الصيغة وكفاية المعاطاة بالوقف إستناداً الى أن سيرة الناس وعاداتهم قد جرت على بناء المسجد للصلاة، وغرس الاشجار للإنتفاع العام، وترك الأراضي للدفن من غير إجراء أية صيغة تذكر. ويكون ذلك العمل وقفاً عندهم، فهو وقف عند الشرع ايضاً.

          فالفقيه في هذا المورد لاحظ تغير الحكم تبعاً للتغيير الاجتماعي الذي طرأ خلال القرون المتعاقبة. فهو لم يخالف النص الشرعي بدعوى المخالفة الفكرية، بل أنه إستند الى قاعدة عقلية وهي انّ الأحكام إنما جاءت لتسهيل وتنظيم اُمور الافراد والنظام الاجتماعي. والأحكام إنما تشرّع لمواجهة مشكلة ما في عرف معين. فاذا تبدل ذلك العرف، فلابد للفقيه أن يجد دليلاً لتشخيص الحكم الشرعي من خلال تشخيص الموضوع المتبدل يوماً بعد يوم. وهذا يدلّ على ان للزمان والمكان تأثيراً مباشراً على ملاك الحكم وموضوعه لا على الحكم ذاته.

3 ـ وفي باب المهر ذكر الشيخ النجفي في موسوعته الجليلة «جواهر الكلام»[38] خبر الحسن بن زياد عن الامام الصادق (ع) : «اذا دخل الرجل بامرأته ثم أدعت المهر وقال : قد اعطيتك فعليها البينة وعليه اليمين»[39]، وفي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج : «اذا اُهديت إليه ودخلت بيته وطلبت بعد ذلك فلا شيء لها، إنه كثير لها أن يستحلف بالله ما لها قبله من صداقها قليل ولا كثير»[40]. ولكن المصنّف الكبير إعترض على ذلك الحديث وأرجعه الى طبيعة العرف في ذلك الزمان، وأفتى بنقيض ظاهر الحديث. فأوجب البينة على الزوج لأنه أدعى الإيصال، واليمين على الزوجة لأنها أنكرت ذلك الإيصال. يقول المصنّف (رضوان الله عليه) دفاعاً عن إستدلاله : «قد يقال : الظاهر إنّ مبنى هذه النصوص على ما اذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول، بل قيل أن الأمر كذلك كان قديماً، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل، وعلى حال موضوعها غير مفروض المسألة، ضرورة كونه في إختلافهما في وصول المهر اليها وعدمه، بخلاف ما نحن فيه الذي قد سمعت مفروضه إستحقاق المهر وعدمه»[41]. وبتوضيح أجلى إنه قد يقال أن العادة كانت في عصر الائمة على إن الزوجة لا تُهدى الى بيت زوجها إلاّ بعد أن تقبض المهر بكامله، وعلى ذلك تحمل نصوص أهل بيت النبوة (ع)، ولكن تبدل العرف ـ في زمن المصنّف ـ أوجب تبدل الحكم.

          ونستنتج من كل تلك الموارد أن الحكم الشرعي يتبع العرف الاجتماعي والظروف الموضوعية التي تختلف بإختلاف الزمان والمكان. فالإجتهاد يجب أن يلّبي هذا الشعور نحو سد وإشباع حاجات الافراد في المجتمع على شرط أن لا يخرج ذلك الفهم عن إطار الشرع والعقل. ولا يتم ذلك الإجتهاد ـ بالتأكيد ـ إلاّ ببناء جسر بين العرف الاجتماعي المتغير والحكم الشرعي الثابت. فإن للزمان والمكان دوراً في تشخيص ملاكات الأحكام والمواضيع والخصائص. بمعنى أن الحكم المستند الى دور الزمان والمكان في الموضوعات المتغيرة لا يخالف النص، بل يقوم على أساسه. لأن الموضوع الاول في زمان ومكان ما، كان متعلقاً بنص معين بينما تعلق الموضوع الجديد في زمان ومكان آخر بنص ثان لا علاقة له بالنص الاول. فهنا لم يتغير حكم الشريعة بتأثير الزمان والمكان، بل إنّ الذي تغير هو موضوع الحكم المتأثر بتغير الزمان والمكان. وقد أشار الفقيه السيد الإمام الخميني (رضوان الله عليه) الى هذا الموضوع، فقال بخصوص إلقاء الضوء على دور الزمان والمكان في الإجتهاد : «ان الكثير من الطرق السائدة في إدارة اُمور الناس [ستتغير] في السنوات القادمة، وستحتاج المجتمعات الانسانية الى المسائل الاسلامية الجديدة لحل مشاكلها، فيجب على علماء الاسلام العظام أن يفكروا بهذا الموضوع من الآن»[42]، لأن «دور الزمان والمكان في الاجتهاد ونوعية إتخاذ القرار هو أحد القضايا المهمة جداً في عالم اليوم المضطرب»[43]. والى ذلك نبّه (رضوان الله عليه) الفقهاء بالقول : «اذا كانت بعض القضايا لم تطرح من قبل، او لم يكن لها موضوع، فيجب على فقهاء اليوم ان يفكروا فيها»[44].

          وهذا الفهم الدقيق لطبيعة تأثير الزمان والمكان على إستنباط الحكم الشرعي في عملية الإجتهاد لابد وأن يقودنا الى تكثيف جهودنا من أجل فهم الجانب الموضوعي المتغير المرتبط بثوابت الأحكام الشرعية، وتدقيق النظر في تلك الجسور التي ذكرناها بين الأعراف الاجتماعية والأحكام الشرعية.

          ولاشك إننا لا نستطيع أن نعيش حياة طبيعية ما لم نرجع الى العرف الاجتماعي والسيرة العقلائية، لأننا لا نستطيع ـ كأفراد ـ أن نغيّر العرف الإجتماعي في كل جيل من الاجيال المتعاقبة بموجب أذواقنا ورغباتنا. فالشروط الإجتماعية تؤثر على حياتنا الشخصية والعاطفية، فاللغة والقيم الفاضلة والاعتقادات كلها تقفُ جنباً الى جنب مع العرف الاجتماعي في كونها أموراً أساسية في بناء شخصياتنا منذ الطفولة. وما لم نكيّف حياتنا مع العرف الاجتماعي المتغير، فإننا سوف نعيش في معزل وإنفصال وتفكّك عن النظام الاجتماعي العام. ولاشك أن أحد أعظم منجزات الشريعة الاسلامية هو إمضاؤها للعرف الاجتماعي والسيرة العقلائية. فهي بذلك، جعلت عملية التطبيع الإجتماعي تسير متضافرة جنباً الى جنب مع عملية تطبيق التكاليف الشرعية الخاصة بالمعاملات. إلاّ أنّ العبادات لا ترجع الى شروط العرف الإجتماعي أبداً. فالمتغير هو المعاملات فقط لا العبادات. وقد ألتفتَ الى هذه النقطة الخطيرة أغلب فقهائنا الاعلام وذكروها في متونهم الفقهية. يقول مصنف الجواهر (رحمه الله) : أنه «لا يخفى عليك أن ما ذكرنا [بخصوص موضوع بطلان الصلاة بالفعل الكثير ] ليس رجوعاً الى العرف في الأحكام الشرعية كي يقال : أنه بمعزل عنها وليس هو من مداركها، بل المراد أنه يرجع اليه في حفظ الصورة المتلقاة من الشرع التي علق التكليف بها، ففي الحقيقة إنما رجع اليه في متعلق الحكم الشرعي وموضوعه الذي هو وظيفته. كما أنه لا يخفى عليك عدم منافاة ذلك لكون الصلاة من محدثات الشرع ومخترعاته التي لا مجال للعرف في معرفتها بدون التوقيف...»[45] ، لأن العبادات ثابتة ولا تخضع لتغير الأعراف أو تبدل الزمان والمكان لسبب فلسفي وهو أن ملاكات وموانع الأحكام التعبدية غير قابلة للإستيعاب والتحليل الذهني والعقلي بالنسبة للفقهاء. وفي موضع آخر : «والمرجع في القيام الى العرف كما في سائر الألفاظ التي لم يعلم فيها للشرع إرادة خاصة، ضرورة أنه ليس في النصوص هنا إلاّ الأمر بالقيام...»[46].

          ومن ذلك ندرك أن معرفة العرف الاجتماعي وإدراك الإرتكاز العقلائي يساعدان على إتمام عملية الاجتهاد. فلاشك أن الاجتهاد التطبيقي لمعرفة فروع الاُصول ومصاديق القوانين الكلية للأحكام هو العلاج الرئيسي لمشاكلنا الاجتماعية التي نعاني منها في كل زمان ومكان. فمعرفة العرف المتبدل مع الزمن يساعدنا على تشخيص ملاكات الأحكام والموضوعات على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. وهذه بدورها تساعدنا على تشخيص نوعية الأحكام للموضوعات المتغيرة، فيكون الحكم الاولي من مختصات المكلف المختار، والحكم الثانوي من مختصات المكلف المضطر. وبكلمة، فإنّ الأحكام الشرعية مرتبطة بعلّلها من حيث الوجود والعدم. فالعلّة هي التي توجِد الحكم. وبإنتفاء العلّة ينتفي الحكم ايضاً. فعلّة حكم القصاص مثلاً الجناية التي يقوم بها فرد جاني ضد آخر بريء دون مبرر شرعي، فاذا إنتفت الجناية أنتفى القصاص. فإرتباط العلّة بالحكم اذن، وتغير ذلك الارتباط بتغير الزمان والمكان هو الذي يمدّ المجتهد بآفاق جديدة من أجل مواصلة عمله الدؤوب في إرجاع الفروع المتغيرة الى الاُصول الثابتة، ومن أجل مد المجتمع الاسلامي بأسباب الحياة والبقاء حتى اليوم الموعود.

 المحور الثالث «الصعيد الالزامي»

          ونتناول في هذا المحور قضية «الإلزام» الديني في ظل التغيرات المستمرة للزمان والمكان، وطبيعة الموقف الديني من الثبات والتوازن الاجتماعي.

تأثير الزمان والمكان على التكليف الشرعي :

          إنّ جميع التغيرات التي تحصل في الكون إنما تحصل بسبب الحركة التي نعتبرها من صميم خصائص الذرات في الطبيعة. فالحركة مرتبطة بالطبيعة الى درجة أننا لا نستطيع تمييز الطبيعة من دون تمييز حركة الأجسام فيها. واذا طبقّنا ذلك على طبيعة النظام الاجتماعي ـ التي هي بذاتها جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية الكلية ـ رأينا أن الحقيقة الاجتماعية تتحرك بتحرك وتغير الزمان والمكان.

          فتغير الزمان والمكان يجلب لنا دائماً تغييراً إجتماعياً في الأعراف والإرتكازات العقلائية. والتغير الاجتماعي يعني تعديلاً في الأشكال الثقافية، والتركيبة الاجتماعية، والسلوك الاجتماعي للافراد. فلا يستطيع أي مجتمع على وجه الارض منع حصول ذلك التغير الاجتماعي خلال تغير الزمان. فالثقافة الاجتماعية تتبدل وتتطور يوماً عن يوم. وتتغير التركيبة الاجتماعية مع تغير الزمان كتبدل الافراد في السلطة السياسية، والتغير المستمر في الطبقات الاجتماعية وإنتقال الثروة بين الافراد، وتغير أيدي المالكين للممتلكات غير المنقولة.

          وأمام هذا التغيير الاجتماعي خلال تبدل الزمان والمكان، لا نستطيع ـ كأفراد ـ أن نقف مكتوفي الايدي ونرى الأحداث تمرُ من أمامنا وليس لنا فيها من موقف وليس لنا فيها ناقة ولا جمل، كما يقول المثل العربي. بل إنّ موقفنا لابد أن ينبع من موقف الشريعة التي كان لها في كل حادث حدثَ في عصر رسول الله (ص) وائمة أهل البيت (ع) موقف شرعي واضح، لأن ذلك الوضوح في الموقف الشرعي تجاه الأحداث يساهم في بناء الثبات والتوازن الاجتماعي الذي أراد ذلك التغيير تخريبه، من دون قصد.

          فمن وراء كل تغيير اجتماعي يحدث في وقت ما، هناك هزة تصيب التوازن الاجتماعي الذي أعتاد الافراد على الإيمان به. وما لم يكن للفقيه موقف واضح تجاه تلك التغيرات الاجتماعية التي تحصل على مر الزمن، فإنّ ذلك الثبات والتوازن الإجتماعي المعهود سيكون على المحك. فالإختراعات الحديثة خلال القرنين الماضيين مثلاً، غيّرت الركائز الاساسية في النظام الاجتماعي فيما يخص السلوك الفردي، وشكل السلطة وطبيعة وجود الدولة، والثقافة الاجتماعية والدينية للافراد.

          ولاشك فإننا عندما نتحدث عن التغير الاجتماعي فإننا لا نقصد التغير في الثوابت الدينية كالعبادات. فإنّ الثوابت الدينية لن تتغير الى يوم القيامة لأن ملاكات وموانع الأحكام التعبدية غير خاضعة للتحليل العقلائي عند الفقهاء، كما بينا ذلك سابقاً. ولكن ما نقصده بالتغير الاجتماعي، هو التغير الحاصل على صعيد التعامل الاجتماعي بين الافراد، أو ما يصطلح عليه في الفقه بـ «المعاملات». فإنّ «المعاملات» تدخل في صميم النظام الاجتماعي الذي جاء الاسلام لتثبيت اُسسه ضمن قواعد العدالة الاجتماعية وتنظيم حقوق وواجبات الافراد. ولكن التغيير الاجتماعي الذي قد يحصل بتأثير مؤثر إنما يصيب النظام الاجتماعي بالصميم. فالاقتصاد مثلاً جزء لا يتجزأ من جهاز النظام الاجتماعي، فإنّ أي تغيير في السياسة الاقتصادية للدولة كتحريم الفائدة الربوية على سبيل المثال، سيغير من شكل إقتصاد الدولة وسلوك الافراد نحوه، ومن ثم يساهم في تغيير طبيعة النظام الاجتماعي الذي يسيّر تلك الدولة.

          ومن المؤكد، فإنّ التغير الاجتماعي المستمر يضع نظرتنا الاخلاقية تحت المجهر، بمعنى أن ذلك التغير المستمر سيجعل دوافعنا الاخلاقية نحو إختيار أو تمييز الطريق الصحيح عن الطريق الخاطىء أقوى من أي وقت مضى. وعلى نفس الصعيد فإنّ التغير المستمر سيجعل الفقيه يستلهم من نظرية «المصلحة والمفسدة» في إستنباط الأحكام الشرعية أحقية النظام الاسلامي في معالجة مشاكل التغيير الإجتماعي التي تتواصل دون هوادة. فمن المسلّم به أن الأحكام الشرعية تتبع المصالح والمفاسد، بمعنى أن الأحكام الشرعية إنما سُنّت بالنظر لملاكاتها في المصلحة والمفسدة. فالحرمة والكراهية والوجوب والاستحباب والإباحة كلها شرعت ضمن هذا الإطار. وحينما يدرك الفقيه حجم وأهمية تلك المصالح والمفاسد التي هي بمثابة علل منطقية للأحكام الشرعية، فإنّ إستنباطه للأحكام سيكون دائراً مدار تلك العلل وجوداً وعدماً. ومن ذلك الفهم، جاءت القاعدة الفقهية التي تقول بأن «العلّة هي التي تعمّم وتخصص». وهذا ما آمن به علماء الامامية بقوة.

          فلاشك أننا نستطيع التكيف مع تغيرات الزمان والمكان، عبر الإيمان بالقواعد الفقهية والاُصولية الثابتة. فنستطيع أن نُرجع كل متغير الى ثوابته الدينية والمنطقية. فحرمة إستخدام وسائل القتل المتطورة يوماً بعد يوم، هي حالة خاصة متغيرة لقاعدة عامة وهي «حرمة الاعتداء على النفس البشرية». ووجوب دفع الدين ـ عن طريق الكمبيالة أو البطاقة الالكترونية الحديثة ـ هي حالة خاصة متغيرة لقاعدة عامة وهي «وجوب الوفاء بالوعد» أو «وجوب الوفاء بشروط العقد بين الطرفين المتعاقدين». وإرجاع تلك الفروع الى اُصولها يحقق سعادة عظمى للنظام الاجتماعي وسعادة أعظم للافراد الذين يعيشون تحت مظلته الاجتماعية.

          بَيْدَ إنّ السلام الذاتي والوحدة الموضوعية اللذان يختبرهما الفرد في حياته الدينية وواجباته الاخلاقية يتعرضان لإنتهاكات مباشرة من قبل التغيير الاجتماعي وتغير الزمان والمكان. وما لم يتكيف الانسان، على ضوء إلزاماته الاخلاقية والدينية، مع التغير الاجتماعي وتبدل الزمان والمكان فإنه سيواجه إنفصاماً خطيراً في حياته الروحية والاجتماعية. فالدين يأمره بالإلتزام بتشريعاته وأحكامه الشخصية والاجتماعية، بينما يأمره التغير الاجتماعي بالتخلي عن بعض مبادئه الأساسية لحساب ذلك التطور والتبدل الذي يسير بسرعة تفوق سرعة الافراد على إستيعابه والحكم الاخلاقي عليه بالخطأ أو الصواب. وهذا الأمر الحيوي يُرجعنا مرة اُخرى لفهم الزمن كحقيقة اجتماعية وليس كحقيقة علمية خارجية.

          وبتعبير آخر، إنّ نظرتنا الشخصية التكليفية يجب أن تنصّب على أنّ الزمن هو من مختراعاتنا الذهنية والاجتماعية. فالشريعة ثابتة في عالمنا المادي والمعنوي الذي نعيش فيه، وتعاملها مع الثوابت والمتغيرات ينطلق من منظار أن الزمن حقيقة إجتماعية. فاذا وضعنا الشريعة نصب أعيننا فإننا سوف نرى أنّ العلاقة بين الزمن والعالم الخارجي هي علاقة التغير الاجتماعي للموضوعات بثبوت الشريعة في القواعد التعبدية والتعاملية للأحكام. فالتغير في الأشياء ليست له صيغة زمنية ذاتية. ولكننا ـ وبسبب تركيبتنا الانسانية ـ لابد أن نفهم التغير التكويني عن طريق الزمن، كما اشرنا الى ذلك سابقاً.

النتيجة :

          وعلينا الآن أن نصل الى نتيجة مهمة قبل أن ننهي هذا الفصل وهي أن جوهر الزمن لو كان من الحقائق العلمية الخارجية، لكان حاكماً على الشريعة. ولكننا أثبتنا أنّ الزمن من الحقائق الاجتماعية التي إخترعناها نحن لتسهيل مهمتنا ورسالتنا في الحياة الدنيوية. فاذا كان الامر كذلك، فإنّ الشريعة هي الحاكمة على الحقائق الاجتماعية، بما فيها الزمن. بمعنى أنّ علينا أن نحكّم الشريعة في شرعية المتغيرات الاجتماعية، لا أن نجعل أبواب التغيرات الاجتماعية وسائل لإثبات عدم صلاحية الشريعة لتغير الزمان والمكان. وأرجو أن لا يختلط هذا المفهوم بمفهوم آخر وهو مفهوم حساب الزمن عبر الوسائل الكونية الكبرى كالشمس والقمر والتي خلقها الباري عز وجل لنا لمعرفة حساب وقياس الزمن. فلاشك أن وسائل حساب الزمن تختلف عن جوهر الزمن. وبطبيعة الحال فإنّ مفاد هذه النتيجة، وهي كون الشريعة حاكمة على الحقائق الاجتماعية وبضمنها الزمن، مهم للغاية من زاوية أنّ الشريعة كانت وستبقى ثابتة وصالحة في كل أحوال تبدل الزمان والمكان.

          واذا كانت الشريعة قد نجحت في بناء الحقيقة الدينية الاجتماعية التي آمنا بها، وجعلتها بعيدة عن تأثيرات الزمن بخصوص الجّدة والقدم أو الحاضر والماضي، فإنّ الذهنية المشتركة للافراد في زمان ومكان واحد لابد وأن ترى تلك الحقيقة مجردة من عناصر التفكك والانفصال الديني. بمعنى أنّ الشريعة وأحكامها هي أصل الحقائق الاجتماعية، والزمن ومتغيراته توابع طيعة لها تدور في مدارها وفلكها الخاص. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نحدد طبيعة مسؤوليتنا الشرعية تجاه الزمان والمكان. فلابد من النظر الى ثبوت الأحكام والقواعد الشرعية، وفي الوقت نفسه الى تغير الموضوعات بشكل مستمر. فيكون إستنباط الأحكام الشرعية التي نحتاجها بشكل متواصل في حياتنا الاجتماعية المتغيرة بإستمرار، محصوراً بين هذين القطبين.

 ملخص الموارد المستفادة من بحوث هذا الفصل:

          إنّ أهم سؤال يطرح بخصوص «الماضي» و«الحاضر» و«المستقبل» والأبعاد المكانية الثلاثة هو : هل أنّ «الزمان والمكان» من الحقائق الإجتماعية التي أخترعها الإنسان أو إنها من الحقائق العلمية الخارجية ؟

          إنّ الجواب على هذا السؤال وغيره من الاسئلة لا يتم بصورة متكاملة ما لم نحلّل بدقة المدارس الثلاث التي تناولت البحث عن الزمان والمكان، وهي المدرسة الفلسفية والإجتماعية والشرعية. فالمدرسة الفلسفية إعتبرت الزمان حقيقة مادية بحتة، عبر نظرياتها الخمس وهي : نظرية المرور، والنظرية المطلقة، والنظرية الرابطية، ونظرية الإتجاه الزمني، ونظرية الزمان والمكان لـ «انشتاين». إلاّ أنّ الخلل الفني في مباني تلك النظريات الفلسفية جعلها غير صالحة للتمييز بين الحقيقة الإجتماعية والحقيقة العلمية الخارجية. فنظرية «المرور» لم تتجاوز الطبيعة الوصفية للزمن، والنظرية «المطلقة» لم تقدم برهاناً يثبت زعمها بأن الزمن مستقل عن العالم الخارجي، والنظرية «الرابطية» أعتبرت الزمن مجرد تغيير مادي يحصل في العالم الخارجي، ونظرية «الإتجاه الزمني» عجزت عن تفسير عدم التناسق الوجودي المزعوم للزمن، بينما نفت نظرية «الزمان والمكان» أن يكون للتغيير في الاشياء صيغة زمنية ذاتية. وهذا الفشل الفلسفي للتمييز بين الحقيقة الاجتماعية والحقيقة العلمية الخارجية فتح الباب واسعاً للمدرسة الإجتماعية للتعبير عن وجهة نظرها تجاه الزمن. فالزمن يساهم في بناء التركيب الإجتماعي للحقيقة الخارجية، ولكن لا يمكن أن يكون هو بذاته حقيقة خارجية. فمقياس الزمن هو من تركيباتنا الإجتماعية التي خلقناها لإنفسنا؛ أما وسائل قياس الزمن كالشمس والقمر فهي من الحقائق التكوينية. ولاشك أنّ الفرق شاسع بين جوهر الزمن الذي نتحدث عنه ووسائل قياس الزمن الكونية العظمى. والنتيجة أنّ الزمن لابد أن يكون حقيقة إجتماعية مجردة; ولاشك أن وصولنا الى هذه النتيجة المهمة ينقلنا الى مرحلة متطورة من فهم طبيعة العلاقة بين الزمان والرسالة الدينية. فلو كان جوهر الزمان من الحقائق الخارجية لكان حاكماً على الشريعة. ولكن، وبفضيلة تلك النتيجة المذكورة آنفاً نستطيع أن نبني بطريق فلسفي على أن الشريعة هي الحاكمة على الحقائق الإجتماعية بما فيها الزمان والمكان. إنّ صعوبة فهم السدرة النهائية للزمن الكوني او الإجتماعي جعل «الفلسفة الوضعية» تخضع صاغرة لمفاهيم الرسالة الدينية حول الزمن خصوصاً فيما يتعلق بالخلق والموت والبعث والوجود.

          أما المكان فهو يمثل حقيقتين : الاولى : علمية خارجية، والثانية : إجتماعية ذهنية. فالمكان هو أحد أهم القواعد الرئيسية في بناء العرف الإجتماعي، لأن الافراد الذين يشتركون بذهنية موحدة يشتركون ايضاً بالسكن على قطعة واحدة من الارض.

          وبطبيعة الحال، فإنّ المدرسة الدينية آمنت بأن معرفة الحقيقة الخارجية من قبل الافراد تتم من خلال رؤية الاشياء في زمان ومكان واحد. بمعنى أن فهم دوافعنا الذاتية الفطرية تجاه الماضي بما فيه من أحداث تأريخية ودينية وعقائدية، والحاضر بما فيه من تفاعلات دينية وإجتماعية يعبّر عن دور الزمان والمكان في بناء التركيب الاجتماعي للحقائق العلمية التي نفهمها كأفراد نشترك معاً بذهنية موحدة في نفس الزمان والمكان.

          ولاشك انّ التصميم الالهي للزمن في الوجود الكوني بحيث يمر بإتجاه واحد يشجعنا على النظر الى المستقبل من زاوية تصحيح وتعديل سلوكنا الشخصي والاجتماعي، ويساعدنا ـ على الصعيد نفسه ـ في النظر الى الماضي من زاوية الندم على تقصيرنا في ادآء واجباتنا الشرعية.

          ولكن المدرسة الدينية لم تتوقف عند الإيمان بالتركيبة الإجتماعية للزمن فحسب، بل تعدت الى الإيمان به كحقيقة دينية ايضاً. فالزمن الكوني يندمج بالزمن الديني، والنهار والليل يحددان لنا أيامنا الإجتماعية والتعبدية، ودوران القمر يحدد لنا شهورنا الإجتماعية والتعبدية، والفصول الأربعة المنبثقة من دوران الأرض السنوي حول الشمس تحدد لنا سنواتنا الإجتماعية والتعبدية ايضاً.

          وعلى ضوء معتقداتنا الدينية، فإننا لا نفهم الحاضر على أساس التغيرات الإجتماعية فحسب، بل نفهمه على أساس التكاليف والإلزامات الاخلاقية ايضاً. فالدين جاء بلغة شرعية خاصة فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وبقية الإلزامات الشرعية. إلاّ انّ تلك اللغة الشرعية لا تتقيد بزمان ومكان ما، بل إنّ صيغ الماضي والحاضر والمستقبل كلها تجتمع مع أبعاد المكان لتكوّن تكليفاً مستمراً مع إستمرار الحياة البشرية على وجه الأرض. إلاّ أننا لا ننكر أن بعض الاُمور الفنية قد تحتاج الى زمن معين بذاته، كالصيغة الزمنية في الأصل العملي وأنصع أمثلتها : الإستصحاب الزماني. حيث يكون الزمن الإجتماعي ـ الذي كان مورداً لليقين والشك ـ مع مخالفته للواقع، مطابقاً للحقائق التكوينية بجعل من الشارع.

          وبطبيعة الحال، فإنّ للزمان والمكان دوراً في ظهور النص. فهناك العديد من الأحكام الشرعية التي تبدو وكأنها متعارضة في النص. ولكن نظرة معمقة لذلك التعارض المزعوم تكشف عن أنّ ذلك التعارض لا يعكس صحة أو سقامة تلك الروايات المعبّرة عن تلك الأحكام، بل إنّ التغير الاجتماعي وتبدلّ مناسبات الحكم والموضوع هو الذي جعل من ذلك الإختلاف وكأنه تعارض بين الأحكام الشرعية. فمقتضيات الزمان والمكان هي التي تُنشىء فهماً مشتركاً لدى الافراد تجاه نص معين دون غيره. وهنا لا يتعدى الفهم الإجتماعي لذلك النص العمل بظهور الدليل.

          ولكن ظهور الدليل ـ أحياناً ـ قد لا يكفي لتحديد الحكم الشرعي، فالفروع المتبدلة بتبدل الزمان والمكان لا يمكن أن نرجعها الى اُصولها إلاّ عن طريق «الاجتهاد». فالإجتهاد يمثل ربطاً بين الأحكام الشرعية الثابتة والتغيرات الاجتماعية المستمرة المتصلة بتبدل الزمان والمكان، عن طريق إستنباط الحكم الشرعي. وجوهر القضية الاجتهادية يتناول كيفية صياغة النظرة الشرعية للعلاقة بين الأحكام الثابتة والتبدل المستمر للقضايا الإجتماعية والفردية في الزمان والمكان. ولاشك أن وحدة الزمان والمكان لا تدع مجالاً للاجتهاد في عصر النص، عدا التمرين الذي كان يمارسه الاصحاب على الاستدلال. بل إنّ حاجة الاُمة الى الاجتهاد لمعرفة أحكامها الشرعية تتبلور فقط عندما يتبدل الزمان والمكان وتتبدل الظروف الموضوعية والشروط الإجتماعية للحياة الإنسانية ونبتعد رويداً رويداً عن عصر النص الشرعي. فتكون معالجة النصوص ـ عندئذ ـ معالجة إستدلالية لا معالجة نصية محضة. ومن الطبيعي فإنّ إختلاف طبيعة الزمان والمكان تدفع الفقيه الى تنمية قدرته على إدراك العناوين التي تمثل الموضوعات الحقيقية للأحكام. وكل ما ذكرناه ينطبق على «المعاملات»، أما «العبادات» فهي ثابتة ولا تخضع لتغير الأعراف أو تبدل الزمان والمكان، لأن ملاكات وموانع الأحكام التعبدية غير قابلة للتحليل الذهني بالنسبة للفقهاء.

          وبذلك، فيكون الزمان حقيقة إجتماعية ذهنية ليس لها وجود علمي خارجي. وعندها تكون الشريعة هي الأصل في طبيعتنا التكوينية، وما الزمن ومتغيراته إلاّ توابع صغيرة طيّعة تدور في فلك التشريع.

(تليها صفحات 337 - 360)

 

 اللاحق              السابق                 صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية 


 

[1]  سورة الحج: الآية 47.

[2]  سورة السجدة: الآية 5.

[3]  سورة المعارج: الآية 4.

[4]  سورة البقرة: الآية 96.

[5]  سورة ابراهيم: الآية 33.

[6]  سورة يونس: الآية 5.

[7]  سورة يس: الآية 37- 39.

[8]  السرمد على وزن فعلل، بمعنى الدائم.

[9]  سورة القصص: الآية 71- 72.

[10]  سورة البقرة: الآية 3.

[11]  سورة يونس: الآية 36.

[12]  سورة يونس: الآية 16.

[13]  قال في (الصحاح): خَفَقَ الرجلُ، أي حرك رأسه وهو ناعسٌ. وفي الحديث: (وكانت رؤوسهم تخفق خفقة أو خفقتين) ج 3 ص 1469.

[14]  وسائل الشيعة – الباب الاول من ابواب نواقض الوضوء، الحديث الاول ج 1 ص 175.

[15]  فرائد الاصول – الشيخ مرتضى الانصاري. التنبيه الثاني في الاستصحاب ج 2 ص 644.

[16]  أجود التقريرات ج 2 ص 403.

[17]  فرائد الاصول – الشيخ الانصاري ج 2 ص 646.

[18]  اصول الكافي ج 1 ص 67.

[19]  المصدر السابق.

[20]  المصدر السابق.

[21]  الاصول الاصيلة – الفيض الكاشاني  ص 152.

[22]  غوالي اللئالي ج 4 ص 133.

[23]  سورة الحج: الآية 78.

[24]  الوسائل – باب 39 من أبواب الوضوء – حديث 5. ج 1 ص 327.

[25]  الوسائل – باب 23 من ابواب الوضوء – حديث 1. ج 1 ص 290.

[26]  الوسائل – باب 45 من تروك الاحرام – حديث 3. ج 9 ص 125.

[27]  إكمال الدين – الشيخ الصدوق ص 484.

[28]  الكافي – ابواب الرجوع الى الكتاب والسنة ج 1 ص 59.

[29]  الوسائل – باب 11 من ابواب صفات القاضي – خبر 36 ج 18 ص 108.

[30]  البرهان في أصول الفقه – الجويني. الجزء الثاني ص 743.

[31]  فوائد الاصول – الشيخ محمد حسين النائيني ج 3 ص 68.

[32]  نهاية الافكار – آقا ضياء العراقي. القسم الاول من الجزء الرابع ص 138.

[33]  المصدر السابق ص 36.

[34]  مفتاح الكرامة – السيد محمد جواد العاملي ج 7 ص 3.

[35]  المصدر السابق ج 7 ص 67.

[36]  كفاية الاحكام – محمد باقر السبـزواري ص 241.

[37]  ملحقات العروة الوثقى – السيد كاظم اليزدي. كتاب الوقف ج 2 ص 175.

[38]  جواهر الكلام – الشيخ محمد حسن النجفي ج 31 ص 133.

[39]  الوسائل- باب 8 من ابواب المهور حديث 7، ج 15 ص 15.

[40]  الوسائل – باب 8 من ابواب المهور حديث 8، ج 15 ص 15.

[41]  جواهر الكلام ج 31 ص 133.

[42]  صحيفة النور ج 21 ص 100.

[43]  المصدر السابق ج 21 ص 61.

[44]  المصدر السابق ج 21 ص 46.

[45]  جواهر الكلام ج 11 ص 65.

[46]  جواهر الكلام ج 9 ص 245.