(ص 279 - 302)

الفصل الحادي عشر

فلسفة الزمان والمكان

في الأدلة الشرعية والاُصول العملية

 

النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان * الرؤية الفلسفية للزمان * الرؤية الإجتماعية والدينية للزمان * فلسفة المكان * الرؤية الشرعية للزمان والمكان .

 ----------------------------

 النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان

          تنبع أهمية الربط بين النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان من فكرة مفادها ان البناء الاجتماعي للحقائق الخارجية انما يقوم به الافراد من خلال تغير عصورهم وتبدل أمكنتهم. فالتفسير الذي نضعه للحاكم والمحكوم، والسلطة والافراد، والثقافة ومصادرها، والطب ومؤسساته ينبع دائماً من رؤيتنا الخارجية للاشياء. ولاشك ان كل مجتمع يحاول بناء فهم معين للحقائق الخارجية من خلال الاطار الفكري والديني الذي وُلِدَ فيه. فالطب، في زمن النص مثلاً، كان لا يُفسَر على اساس انه مؤسسة اجتماعية مهمة لعلاج المرضى وتنشيط الجانب الانتاجي للقوى العاملة. بل كانت ظروف الزمان والمكان تحتّم على الافراد النظر الى الطب باعتباره قضية فردية تهمّ المريض وحده وليست لها علاقة بالنظام الاجتماعي لا من قريب ولا من بعيد. ولم يكن التعليم زمن النص، ضمن شروط الزمان والمكان، مؤسسة اجتماعية إلزامية. ولكن الحثّ على طلب العلم في الاسلام كان يحملُ بذوراً لنظرية التعليم الالزامي التي تطورت لاحقاً، واصبحت بعد مئات السنين ركناً اساسياً من اركان النظام الاجتماعي. وينطبق الامر على قضايا العمل، وتصميم المدن، وطبيعة العيش، ووسائط النقل وغيرها. فالرابطة بين تغير الزمان والمكان وطبيعة النظام الاجتماعي مُحكَمة، لان الافراد يتعلمون ما يحيط بهم من اشياء وعقائد من خلال النظر الى الحقائق الاجتماعية التي صنعها لهم اباؤهم واجدادهم وبيئتهم الاجتماعية.

          ولاشك ان الارتباط بين النظام الاجتماعي وتبدل الزمان والمكان لا يمكن فهمه الا من خلال فهم طبيعة التغير الاجتماعي. فكل شيء في حياتنا الاجتماعية يتغير ويتبدل، ابتداءً من الاشياء والمواد، وانتهاءً بالانسان نفسه. وبطبيعة الحال، فان المجتمعات ذاتها تتبدل وتتغير باستمرار. ونستطيع ان نفهم التغير الاجتماعي من خلال ملاحظة التبدل في الشكل الثقافي، والتركيب الاجتماعي، وسلوك الافراد في المجتمع خلال القرون المتعاقبة من عمر المجتمعات البشرية. وفي ضوء ذلك، فان النظر للنظام الاجتماعي ليس ثابتاً، بلحاظ تلك التغيرات التي تصيب الافراد من خلال سلوكهم وتفكيرهم.

          وبسبب ارتباط التغير الاجتماعي وطبيعة المجتمع بقضايا الزمان والمكان، فاننا سوف ندرس الزمان والمكان على الصعيدين الفلسفي والشرعي. ولاريب ان فهم تأثير الزمان والمكان على النظام الاجتماعي يقودنا في النهاية الى فهم أعمق لطبيعة مجتمعنا المتغير ودور الرسالة الدينية في معالجة مشاكله المتبدلة مع تبدل سلوك الافراد وثقافتهم وتركيبتهم الاجتماعية.

 الرؤية الفلسفية للزمان:

          لا يزال فهم معنى «الزمن» موضع حيرة الفلاسفة والمفكرين لحد اليوم، فهم يستطيعون تصوره بالحدس والبديهة ولكنهم لا يستطيعون التعامل معه على صعيد التحليل العقلي. فما معنى «الماضي»، و«الحاضر»، و«المستقبل»، و«قبل»، و«بعد»، طالما ينقضي الزمن عنا في كل لحظة من اللحظات ؟ فنحن لا نستطيع أن نُبقي لحظة من لحظات الزمن في ضمائرنا بل تنقضي تلك اللحظة وتأتي بعدها لحظة اُخرى، واللحظة الثانية تُستبدل بلحظة ثالثة وهكذا. فهل صحيح أنّ «الحاضر» هو الوجود الحقيقي للزمن باعتبار أنّ «الماضي» قد توقف عن الوجود وأنّ «المستقبل» لم يأتِ بعد ؟ وإذا صح ذلك، فهل نستطيع منطقياً أن نستبدل عندما نشير الى كلام الله في القرآن الكريم أو أقوال رسول الله (ص) في السنّة الشريفة الفعل المضارع «يقول» بدل الفعل الماضي «قال»، فنقول : «يقول الباري عز وجل» أو «يقول رسول الله (ص)» مع أنّ صيغة القول قد تمت في الماضي ؟ إنّ الجواب على هذه الاسئلة وغيرها سيتضح من خلال الوريقات القادمة. ولاشك ان الاستدلال على الطبيعة الشرعية للزمان، يقودنا بصورة منطقية معقولة الى فهم أعمق للعلاقة بين احكام الشريعة الثابتة والتغيرات الاجتماعية التي تعتبر أثراً من آثار تغير الزمان والمكان.

          وبكلمة، فان ما نريد توضيحه في هذا الحقل هو أنّ للزمن أهمية إجتماعية وشرعية بالإضافة الى أهميته الفلسفية. فمع إننا لا نستطيع اعطاء تعريف جامع مانع للزمن، إلاّ إننا نُدرك أنه من أكثر الاشياء التي يألفها الانسان عند تنظيم أفكاره وأعماله. فعندما نتحدث عن الزمن فإننا نواجِه قضيتين مهمتين نستطيع أن نصيغهما على شكل سؤالين مترابطين : الاول : ما هي العلاقة بين الزمن والعالم الخارجي ؟ والثاني : ما هي العلاقة بين الزمن والشعور أو الوعي الانساني ؟ وقد حاولت الإجابة على هذين السؤالين خمس نظريات فلسفية رئيسية هي:

1 ـ نظرية المرور.

2 ـ النظرية المطلقة.

3 ـ النظرية الرابطية.

4 ـ نظرية الإتجاه الزمني.

5 ـ نظرية الزمان والمكان.

          ومن أجل فهم شامل لدور الدين في التأثير الاجتماعي من خلال بعدي الزمان والمكان لابد من إستعراض تلك النظريات الفلسفية التي تناولت بالتحليل موضوع الزمان ودوره في تشكيل عالمنا الخارجي الذي نتحرك فيه، ونقدها.

نظرية المرور :

          وهي نظرية تزعم ـ مجازاً ـ بأن الزمن مجرد تيار يجري كالنهر أو البحر كلما نتقدم في حياتنا البشريـة ; فجريان الزمـن يعني أنّ حركتنا الخارجية ـ حسب ادعائها ـ تكون حركة نسبية تجاه زمن مطلق[1]. ولاشك أنّ الحركة في الفضاء هي حركة نسبية تجاه الزمن ; فاذا كان الزمن يقاس بالثواني، فإنّ حركة الأجسام في الفضاء تقاس بالقدم في الثانية مثلاً . إلاّ أنّ ذلك القياس يجعلنا نقف أمام سؤال صعب ومحيّر جداً وهو : كيف نقيس جريان ذلك الزمن ذاته ؟ فاذا كان قياس حركة الجسم هو القدم بالنسبة الى الثانية، فكيف يقاس مرور الزمن  ؟ الثانية بالنسبة الى الثانية ؟ أم الثانية بالنسبة الى ماذا ؟ هنا لا تستطيع هذه النظرية، ولا أي نظرية اُخرى الجواب على هذا السؤال، لأن الزمن في التفكير البشري حقيقة إجتماعية وليس حقيقة علمية، كما سنبرهن ذلك لاحقاً بإذنه تعالى.

          إلاّ انّ فكرة «المرور» الزمني ترتبط بشكل الأحداث المتغيرة من المستقبل الى الماضي. فنحن نعتقد ـ كبشر ـ بأنّ الأحداث التي تواجهنا إنما تواجهنا بفضيلة الإستقبال، وعندما نلتقطها في لحظة الحاضر فإننا نودعها بفضيلة الإدبار. وبتعبير آخر أنّ المستقبل يدخل إلينا في لحظة واحدة ليكون بعدها من أفعال الماضي. فكيف يتم المرور ونحن نواجه الزمن لحظة بلحظة ؟ ففكرة «المرور» إذن فكرة وصفية محدودة، لا تشرح لنا طبيعة الزمن وشروط فهمنا له. ومن ثمّ فهي تعجز عن الإجابة على العقدة المستعصية التي تتساءل هل أنّ الزمن حقيقة إجتماعية أو حقيقة علمية ؟ واذا كان الزمن مجرد مرور عابر، فكيف نفسر إرتباط الأشياء بعضها ببعض عن طريق وحدة الزمان ؟

 النظرية المطلقة :

          وهي النظرية التي تزعم بان «الزمن وعاء داخل الكون حيث يحصل التغير»[2]. فوجود الزمن وصفته مستقلان عن العالم الكوني الخارجي. أي أنّ الزمن موجود في ذاته حتى عند عدم وجود العالم الخارجي. فالزمن ليست له نهاية ولا بداية بل أنه سلسلة متصلة من الأشياء. إلاّ أنّ هذه النظرية لم تقدم برهاناً على صحة زعمها بأن الزمن مستقل عن العالم الخارجي. وهي لم تجب عن سؤال مهم وهو : لو كان الزمن مستقلاً في الوجود عن الكون، فهل كان خَلْقُ الزمن لمجرد العبث أو أنه كان جزءً من التصميم الالهي للوجود ؟

 النظرية الرابطية:

          وهذه النظرية تؤمن بان صيغة الزمان والمكان تخلق المناخ المناسب لإنشاء العلاقات بين الاشياء في الوجود. وقد تبنّى هذا الرأي الفيلسوف الاوروبي «ليبنـز»[3] الذي كان معاصراً ومعارضاً لـ «اسحاق نيوتن». فقد كان «نيوتن» مؤمناً بأنّ بعدي الزمان والمكان مطلقين، أي أنّ الزمن الرياضي الحقيقي المطلق يجري بإستقلالية ولا علاقة له مع الأشياء الخارجية[4]. إلاّ إنّ ظهور النظرية النسبية كان قد غيّر تلك المعادلة. فـ «ألبرت انشتاين» وقف موقفاً وسطاً من كلا النظريتين «المطلقة» و«الرابطية»، فقد أعلن «انشتاين» بأنّ تركيبة الزمان والمكان تعتمد كلياً على توزيع المادة في الوجود[5] لا على الكتلة الكلية للوجود كما آمنت بذلك النظرية الرابطية. فهو لم ينفِ إستقلالية الزمن عن الوجود ولم ينفِ ـ ايضاً ـ إرتباط الأشياء في وحدة الزمن داخل ذلك الوجود.

          ولكن أهم هفوات النظرية الرابطية هي أنها أعتبرت الزمن مجرد تغيير في العالم الخارجي. أي أنّ جميع الإفتراضات المطروحة حول الزمن يمكن ترجمتها الى إفتراضات حول الكون والعالم الخارجي الطبيعي. ومن ثمّ، فإن للزمن ـ حسب النظرة الفيزيائية ـ تركيباً حلقياً ملموساً. وبمعنى آخر أنّ الزمن لا يعبّر عن حقيقة إجتماعية بل هو حقيقة علمية مادية بحتة.

 نظرية الإتجاه الزمني:

          وقد كان «عمانوئيل كانت» في كتابه «نقد العقل المجرد» مضطرباً في فهم العلاقة الفلسفية بين الماضي والمستقبل، وبين البداية والنهاية فيما يتعلق بخلق الوجود[6]. فهو يقفُ متحيراً أمام أزلية الوجود، إلاّ إنه يؤمن بأبديته. ومن أجل حل ذلك الإشكال، فقد ظهرت نظرية «الإتجاه الزمني» التي تدعي بأن الأبعاد المكانية للكون متناسقة، بينما يفتقر البعد الزمني الى مثل ذلك التناسق الوجودي[7]. فالمجرات في الكون الفسيح تظهر وكأنها موزعة بإنتظام في كل الإتجاهات في المساحة المكانية. ولكن إتجاه الوقت يُعيّن بحقيقة أنّ تلك المجرات تتراجع عن بعضها البعض، ولا تقترب من بعضها الآخر. وكذلك ـ وعلى نطاق أضيق ـ فإن للذاكرة عند الانسان، آثاراً في الماضي ولكن ليس لها آثار أو بصمات على المستقبل. ومن هنا جاء ذلك السؤال الفلسفي المهم الذي يمكن أن نصيغه بالشكل التالي : لماذا نحس ببصماتنا على الماضي، ولا نحسُّ ببصماتنا على المستقبل ؟ أي لماذا لا نحتفظ بذاكرة ما للمستقبل كما نحتفظ بذاكرتنا للماضي ؟ لاشك انّ الإجابة على هذا السؤال تتطلب فهماً معيناً للقوانين الطبيعية والفيزيائية وعلاقتها بالتناسق الزمني الموجود في الكون. حتى أنّ القانون الثاني للديناميكا الحرارية «الثرموداينمك» الذي يبحث في العلاقة بين الحرارة والطاقة الميكانيكية، يتضمن زمناً. ويمثل العلماء الطبيعيون على ذلك بالمثال التالي : إذا وضعنا إناءً معدنياً وفيه قطعاً من الثلج على طابوقة ساخنة، فإننا سنواجه بعد فترة زمنية معينة الحقيقة التالية : إناء فيه ماء موضوع على طابوقة باردة. ولو إفترضنا أننا صورنّا فلماً متحركاً لهذه الظاهرة الطبيعية من البداية وحتى النهاية، فسوف نلاحظ بأننا لا نستطيع أن نعكس تلك الظاهرة الطبيعية وذلك برؤية الإناء المملوء بالماء الموضوع على طابوقة باردة يتحول الى اناء مملوء بقطع من الثلج موضوع على طابوقة ساخنة تحت نفس الشروط الطبيعية، مع العلم بأنّ ذلك ممكن ـ نظرياً ـ في قانون الديناميكا الحرارية[8]. ونستنتج من ذلك أنّ التناسق الزمني يتناسب مع القانون الطبيعي الفيزيائي. وبتعبير ثان، أنّ الزمن له أتجاه واحد يسير فيه ولا يمكننا عملياً عكس ذلك التوجه، أي إنه لا يمكننا عملياً الرجوع الى الوراء إلاّ بالذاكرة فقط.

          ومع صحة بعض إفتراضات نظرية «الاتجاه الزمني»، إلاّ إنّ تلك النظرية لم تقدمّ لنا حلاً شافياً لأزلية الوجود الذي وقف «عمانوئيل كانت» عاجزاً عن تفسيره. ولم تستطع ـ ايضاً ـ تفسير زعمها القائل بعدم التناسق الوجودي للزمن، اذا إفترضنا صحة عدم ذلك التناسق. بل إنّ برهان «ذاكرة الماضي» عند الإنسان قد يدعم نظرية «المرور» أكثر مما يدعم نظرية «الاتجاه الزمني». ذلك أنّ لحظات الحاضر تختزن في الدماغ فتكون من ذكريات الماضي القريب، وهذا ما أصرّت نظرية «المرور» على الإيمان به.

 نظرية الزمان والمكان :

          وكان من أهم الإنجازات التي أنجزتها «النظرية النسبية» التي صمّمها المفكر الرياضي «ألبرت انشتاين» سنة 1905م هي محاولة الجمع بين الزمان والمكان. فقد أضاف «انشتاين» بُعداً رابعاً للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة بالطول والعرض والإرتفاع. وهذا البعد الرابع هو الزمن[9]. فأصبحت نظرية «الابعاد الاربعة» طاغية على كل النظريات التي سبقتها خصوصاً نظرية «اسحق نيوتن» الحركية التي كانت تَعتبِر الأبعاد المكانية الثلاثة، الأصل في التغيرات الفيزيائية.

          إلاّ أنّ نظرية «الابعاد الاربعة» لم تتوقف عند التغيرات الفيزيائية بل تعدت في نظرتها الفلسفية الى الدوام والإستمرارية في التغير التكويني، بمعنى أنّ التغير في الأشياء ليست له صيغة زمنية ذاتية. ولكننا ـ وبسبب تركيبتنا البشرية ـ لابد أن نفهم التغير التكويني عن طريق الزمن. وبتعبير آخر إننا لا نفهم طبيعة الحركة الخارجية للأشياء ما لم نضع فكرة الزمان والمكان في الصورة الكلية للقضية التي نتحدث عنها.

 * * *

          وهذه النظريات الخمس حول «الزمان» بصورة رئيسية و«الزمان والمكان» بصورة فرعية ـ مع إفتراض ثبوت الخلل في بعض مبانيها الفلسفية ـ تمنحنا فرصة ثمينة لفهم قضية «الزمان والمكان» من وجهة نظر فلسفية أو تجريبية لا تستند على البعد الديني ولا تعترف أنّ للخالق عز وجل دوراً في إنشاء الزمن وتصميم الكون. إلاّ إنّ دراستنا اللاحقة حول الرؤيتين الاجتماعية والشرعية للزمان والمكان سوف تقوّض تلك الرؤية الفلسفية اللادينية للأبعاد الأربعة، وتعرّي مبانيها الباطلة.

 الرؤية الإجتماعية والدينية للزمان

 هل ان الزمن حقيقة إجتماعية ؟

          لاشك أنّ الأشياء تتغير، والأحداث تحصل في زمن ما. فالتغيير الكوني أو الإجتماعي أو الفردي لا يمكن أن ندركه ونفهمه ما لم نقس الزمن ونفهم حجم تأثيره علينا. فمن الطبيعي، أنّ الزمن يساهم في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية. فالحقيقة الخارجية التي نواجهها هي تفسير نضعه نحن في مشاعرنا على ضوء «الزمان والمكان» الذي نعيش فيه. ولذلك فإنّ الافراد الذين تختلف ثقافاتهم يفسرون الحقيقة الخارجية بصور مختلفة في ضوء مفاهيمهم في ذلك الزمان والمكان. فالحقائق الخارجية قبل ألف عام تبدو لنا بسيطة وساذجة في بعض الاحيان; ولاشك أنّ الحقائق التي نراها نحن اليوم ربما كانت لاولئك الناس الذين عاشوا قبلنا غير قابلة للتصديق. ولكن أرجو أن لا يقودنا هذا الفهم الى تصور خاطئ عن تأثير الحقيقة الاجتماعية على السلوك الانساني، لأن دقة الفهم الاجتماعي للحقيقة ليس له تأثير خطير على السلوك الاجتماعي في ذلك الزمان الذي يختبره المجتمع بالذات. فاذا شخّص الافراد الحقيقة الخارجية في زمن ما، فان ما يترتب على ذلك من أفعال يكون أمراً حقيقياً نسبياً للافراد أنفسهم. فاذا آمن اولئك الافراد في مجتمع ما بأنّ الأرض مسطحة مثلاً، فإنّ ذلك الإيمان سيكون جزءً من الحقيقة التي يرونها في ذلك المجتمع تجاه عالمهم الطبيعي أو الاجتماعي. وفي ضوء تلك الشروط التي وضعوها للحقيقة فإنهم سوف لن يبحروا على سفينة في بحر لجي الى حافة الأرض، لأنّ في ذلك نهايتهم المحتومة، كما كانوا يظنّون. وكذلك اذا آمن الافراد بأنّ بإمكانهم علمياً الوصول الى سطح كوكب آخر، فإنهم سوف يتصرفون بموجب الحقيقة الخارجية التي فهموها وخضعوا لشروطها. ومن الطبيعي، فإنّ النّاس الذين يعيشون ضمن حدود ثقافية ودينية متضافرة سوف يشتركون في فهم موحّد وذهنية مشتركة تجاه الحقيقة الخارجية.

          فمن المسلّم به، أنّ معرفة الحقيقة الخارجية تتمّ ضمن رؤية الأشياء في زمان ومكان واحد. فالزمن قد يختبره الافراد بشكل سايكولوجي مختلف، فقد يكون للبعض بطيئاً ثقيلاً وقد يكون للبعض الآخر سريعاً يمرّ كلمح البصر. إلاّ إنّ ما يوحّد النظرة البشرية للزمن على طول التاريخ هو أنها تشترك جميعاً في حساب الزمن التكويني. فالسنة هي تعبير للوقت الذي تحتاجه الأرض للدوران حول الشمس لإكمال دورة الفصول الأربعة، والشهر تعبير للوقت الذي يحتاجه القمر لإكمال دورته حول الأرض، واليوم عبارة عن الوقت الذي يبدأ بغروب الشمس وحتى غروب شمس نهار آخر، وهو ما تحتاجه الأرض لإتمام دورتها حول نفسها.

          والالآت الميكانيكية الحديثة التي اُخترعت في القرن الرابع عشر الميلادي لحساب الزمن، غيّرت أفكارنا حول دقة الزمن وطريقة الإستفادة منه. فأصبحت الاُجور والمكافآت الاجتماعية تُحدّدان بموجب الساعة العرفية الحديثة التي تشكل عدداً محدوداً من الدقائق، وغدت الحياة الاجتماعية متوقفة كلياً على الطريقة الميكانيكية أو الآلية الحديثة في ضبط الوقت. ومع كل ذلك التقدم التقني، إلاّ إنّ الوقت يبقى حقيقة إجتماعية أكثر منه حقيقة علمية. ولنأخذ مثالاً على ذلك، وهو «الخط العالمي للتوقيت» الذي يمر بخط (180) درجة من دائرة خط الزوال أو الطول، وهو خط وهمي يمر بالمناطق غير المأهولة من الكرة الارضية[10]. فاذا وقفتَ على ذلك الخط، فإنك تستطيع أن تضع قدماً في يوم الجمعة وقدماً آخر في يوم السبت. أما اذا كنتَ على ذلك الخط في «31 كانون الاول» أو «1 كانون الثاني» فإنك تستطيع أن تمشي بين السنة الميلادية السابقة والسنة الميلادية اللاحقة بخطوة واحدة. وهذا كله يدلّ على أنّ قياس الزمن هو من تركيباتنا الاجتماعية التي خلقناها لأنفسنا وليست له حقيقة علمية.

          واذا آمنا بأنّ الزمن حقيقة إجتماعية، فان تنظيم ذلك الزمن ذي الأمد القصير أو البعيد يدعونا الى تشخيص الأشياء التالية:

          أ ـ معرفة نظام قياس الزمن الكوني والإنساني.

          ب ـ معرفة دوافعنا نحو الماضي، والحاضر، والمستقبل.

          ج ـ تنظيم وقت الافراد والجماعة.

          وهذه الألوان الثلاثة من النشاطات لها أبعاد إجتماعية تخص حياة الافراد وطبيعة الحياة الاجتماعية للناس. فتغير الأشياء عبر الزمن يشجعنا على تنظيم أوقاتنا عبر مقياس محدد، ويشجعنا ايضاً على فهم طبيعة دوافعنا الذاتية الفطرية تجاه الماضي بما فيه من أحداث تأريخية ودينية وعقائدية. وبكلمة، فإنّ للزمن دوراً فعاّلاً في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية التي نفهمها كأفراد نشترك معاً بذهنية موحدة في زمان ومكان واحد.

 الأبعاد النفسية :

          والبعد الزمني بعدٌ مهم في تجاربنا الحياتية ونشاطاتنا الشخصية. إلاّ إنّه ـ مع اهميته ـ لا يمثّل حقيقة خارجية نستطيع أن نفهمها وندركها بسهولة. ففكرة الزمن أو الوقت قد عُرضت علينا من خلال تجاربنا في التغيير البيولوجي والاجتماعي والكوني للحياة ; وهذه الألوان من التغيير نراها بإستمرار. حتى أنّ علماء الطبيعة التجربيين لم يكن ليستطيعوا القيام بتجاربهم ما لم يضعوا فواصل زمنية محددة لدراسة الظواهر الطبيعية والبيولوجية.

          ولاشك إننا نفهم الزمن من زاويتين متميزتين : الاولى : نظام التغيير أو السلسلة المتعاقبة من الأشياء المتبدلة في كل لحظة. والثانية : الفاصلة الزمنية بين تلك التغيرات التي نراها أو نلمس آثارها. فنحن نلمس نظام التغيير الحاصل في الليل والنهار، وتبدل فصول السنة، وتغير حياة الانسان، وتغير الحياة الاجتماعية، ونحسّ ايضاً بالفاصلة الزمنية التي تفصل تلك التغيرات الطبيعية وتأثيرها على المتغيرات ذاتها.

          وهنا يتبادر سؤال فرعي مهم، وهو : هل أنّ الزمن حقيقة إجتماعية مجردة أو إنه نشاط ذهني أيضاً نحسّه بسبب إحساسنا بالتغير الحاصل للأشياء ؟

          أجاب الفلاسفة الاوروبيون وعلى رأسهم «عمانوئيل كانت» بـ «أن الزمن هو شكل من أشكال أحاسيسنا الذاتية، بل هو نشاط ذهني مجرد وليست له حقيقة خارجية»[11]. وهو جواب غير تام لأن الزمن، مع إنه شعور ذاتي نلمسه بالتغير، إلاّ أن الحقائق الخارجية التي تقيس ذلك الزمن كالظواهر الطبيعية والفيزيائية لا يمكن إنكارها أو إنكار وجودها. ولاشك أن البُعد النفسي للزمن ـ  الذي يعبّر ذاته عن حقيقة خارجية ـ يمكن أن يُشخَّص عن طريق دراسة السلوك الزمني، أو بتعبير آخر التكيف الانساني نحو التغيرات الشخصية والاجتماعية والطبيعية التي تحصل خلال تلك السلسلة المتعاقبة من الأيام أو الشهور أو السنين. يضاف الى ذلك أن الإنسان يقابل التغير الخارجي بإشارات ورموز مفهمومة فينقلها من جيل الى آخر عبر التعليم ووسائل نقل المعرفة الاُخرى. فيكون الزمن والإحساس به نشاطاً ذهنياً شخصياً يستند على ثبوت ظواهر تكوينية خارجية.

          ولكن التكيف لقبول نظام التغيير الشخصي والاجتماعي مشروط بقابلية الافراد على إعادة وممارسة ذلك التغيير بنظام متجه نحو طريق واحد لا يقبل العكس. فعندما نتعلم الكتابة في طفولتنا، فاننا نتعلمها من اليمين الى اليسار مثلاً ولا يمكننا أصلاً أن نكتب بطريقة عكسية اي من اليسار الى اليمين لنفس اللغة التي تعلمناها في الصغر; وكذلك التكلم وحساب الأرقام وتركيب المعلومات، فإنّ كل ذلك يسير بطريقة متجهة نحو إتجاه واحد لا تقبل العكس بتاتاً. وتلك الطريقة مرتبطة بطبيعة فطرتنا النفسية نحو الزمن. فإننا نلمس من خلال مشاعرنا وأحاسيسنا بأن الحياة تتحرك وتتطور بإتجاه واحد. ولكن هذا لا يعني أنّ الافراد أو الشعوب اذا تطورت في الحضارة فإنها لا تمر بأدوار من الإنحطاط والتخلف، فهذا موضوع آخر يرتبط بقابليات الافراد وظروفهم لا بما نحن فيه من حديث حول الأبعاد النفسية للزمن.

 الابعاد الدينية :

          ونستلهم من فكرة الإتجاه غير العكسي للزمن أننا ماضون نحو هدف محدد في حياتنا الإجتماعية، وهو السير الى باب نطرقها ـ جبراً أو إختياراً ـ ليؤذن لنا بالدخول الى عالم آخر لا نفهم معناه وطرازه إلاّ من خلال الدين والرسالة السماوية. وتلك الباب ـ بلا شك ـ تمثل الموت والفناء عن هذا العالم الدنيوي. فإن تصميم الزمن في الوجود بحيث يمر بإتجاه واحد يجعلنا ننظر الى المستقبل من زاوية تصحيح وتعديل سلوكنا الشخصي والاجتماعي، ويجعلنا ـ في الوقت نفسه ـ ننظر الى الماضي من زاوية الندم على تقصيرنا في ادآء واجباتنا الشرعية. وفوق كل ذلك يجعلنا نقبل بالحقائق الالهية الحتمية التي ستواجهنا في المستقبل من قبيل الخلافة في الارض : (وَلَقَد كَتَبنا في الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحُونَ)[12] ، والموت والبعث والنشور : (ألاّ يَظُنُّ اُولئِكَ أنَّهُم مَّبعُوثُونَ ليوم عَظِيم...)[13] ، والخلود في حياة جديدة تختلف عن الحياة التي ألفناها، فيقال للمتقين :(ادخُلُوها بِسَلام ذلِكَ يَومُ الخُلُودِ)[14] ، ويقال للعاصين : (ادخُلُوا أبَوابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فيها فبِئسَ مَثوَى المُتَكَبّرِينَ)[15]. ولكن ذلك الخلود الموعود في الحياة الآخرة غريب على الانسان الذي ألِفَ تأثير الزمن على المباني البيولوجية والإجتماعية للحياة. ولذلك فإننا، ومن أجل فهم ذلك الخلود الذي لا يخضع لنظام التغيير ولا يتأثر بنظام الفواصل الزمنية، ملزمون بالإيمان بأنّ القوة الخارقة التي خلقت لنا الزمن ومقاييسه الكونية في حياتنا الدنيوية قادرة على خلق الخلود في حياتنا الآخروية.

 التنظيم الاجتماعي :

          إنّ أول تنظيم إجتماعي للزمن في التاريخ كان قد جاء عن طريق الاسلام. فالرسالة الاسلامية نظّمت ـ عن طريق نظام متكامل للعبادات ـ وقت الفرد في اليوم والشهر والسنة. فالصلوات اليومية الخمس تنظّم أوقات اليوم؛ وصلاة الجمعة تنظّم أوقات الاسبوع والشهر; والصيام الواجب في شهر رمضان، والحج ـ عند الإستطاعة ـ في شوال وذي القعدة وذي الحجة ينظّمان أوقات السنة. ولاشك أن النشاطات الإنسانية الحاصلة في أي لحظة من لحظات الزمن تحتاج الى نظام متكامل لتنظيم الوقت.

          فالزمن ليست له تركيبة إجتماعية فحسب، كما يزعم علماء الاجتماع[16]، بل له تركيبة إجتماعية ودينية ايضاً. وما ورد عن تقسيم الزمن علمياً[17] يؤيد ما ذهبنا اليه. فالفلاسفة يؤمنون بأن الزمن يتشكل في صيغتين رئيسيتين تتشابهان مع صيغتي الأبعاد النفسية التي ذكرناها قبل صفحات قليلة وهما : الاولى : السلسلة المتعاقبة من اللحظات، وما الأحداث التي نختبرها إلاّ قضايا تقع في نظام دقيق متحرك بإنتظام. والثانية : الفاصلة الزمنية، وهي الفواصل التي تحدد الأحداث أو تعلن عن نهايتها أو بدايتها. فذواتنا الشخصية والاجتماعية تشعراننا في أعماقنا بأنّ حياتنا العامة تجري بشكل متواصل، إلاّ أنّ الأشكال التعبدية والإلزامية بفواصلها الزمنية تجعلنا نؤمن ـ بكل قوة ـ بأنّ للزمن تركيبة دينية صممتها الرسالة الالهية. والزمن الكوني يندمج هنا بالزمن الإنساني. فالنهار والليل يحددان لنا أيامنا الاجتماعية والتعبدية، والقمر يحدد لنا شهورنا الاجتماعية والتعبدية، والفصول الأربعة المنبثقة من دوران الأرض السنوي حول الشمس تحدد لنا سنواتنا الاجتماعية والتعبدية ايضاً. وفي كل حلقة من تلك الحلقات الزمنية نلحظ التغيير التكويني في الافراد والمجتمع والطبيعة، ونلحظ ـ في كل تغيير ايضاً ـ ضعفنا كمخلوقات، ونلحظ عظمة الباري عز وجل كخالق للموجودات.

          فالليل والنهار ينظّمان حياتنا البشرية على صورة يوم كامل من السكون والحركة، والظلام والضياء، والنوم والإستيقاظ، والراحة والعمل. والى ذلك أشار الذكر المجيد : (وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لِباساً والنَّومَ سُبَاتاً وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً)[18]. ولاشك إنّ تنظيم الاسلام لأوقات الصلاة كالفجر، والزوال، والعصر، والمغرب، والعشاء يتناغم مع الطبيعة الكونية في تنظيم وقت الانسان. ومع إنّ هذا التنظيم الطبيعي للزمن يسدّ حاجات الانسان لتنظيم يومه، إلاّ أن إختراع آلة ضبط الوقت الميكانيكية في القرن الرابع عشر الميلادي أو الألكترونية في القرن العشرين جعل الوقت يقسّم الى ثوان، ودقائق، وساعات؛ وجعل ساعات الليل تساوي ساعات النهار خلافاً للتنظيم الكوني الطبيعي للزمن. ولكن التنظيم الميكانيكي الحديث لقياس الزمن ضروري في تشغيل الآلة الصناعية العملاقة وضبط وقت العاملين وتنظيم الحياة الاجتماعية من جديد. فكانت آلة ضبط الوقت أهم حدث من أحداث الثورة الصناعية التي لها علاقة بالاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والقضاء، والجيش، وجميع النشاطات الاجتماعية الاُخرى. وبسبب تلك التغيرات أصبح إستثمار الوقت بدقة من أهم معالم العصر الجديد، بل أن تضييع الوقت في نشاطات غير نافعة بات إثماً يدينه العرف العقلائي اليوم. بينما لم يكن الأمر كذلك قبل إختراع آلة ضبط الوقت الميكانيكية.

          أما الاُسبوع فليست له حقيقة خارجية بالمرة، بل هو مجرد تركيب إجتماعي خلقه الإنسان لنفسه من أجل تنظيم الزمن. ولذلك فإنه يختلف من مجتمع لآخر، ففي بعض المجتمعات الافريقية الوثنية يكون فيها عدد أيام الاُسبوع ثلاثة أو أربعة أيام، وفي روما القديمة ثمانية أيام، وفي الصين القديمة عشرة ايام[19]. ولاشك أن الاُسبوع الذي يجمع عدداً قليلاً من الايام ـ سبعة على الاعمّ الاغلب ـ ينظّم الزمن القصير الأمد وينظّم يوماً للسكون وللنشاطات العبادية والاجتماعية. وقد أقرّت الشرائع السماوية جميعاً ذلك، فالاسلام نظّم يوم الجمعة، واليهودية يوم السبت، والنصرانية يوم الأحد كيوم يحملُ نشاطات تعبدية وإجتماعية للافراد. وقد نحت الثورة الصناعية نفس منحى الأديان فجعلت يوماً أو أكثر من كل اُسبوع كوقت من أوقات الركون الى الراحة والإبتعاد عن العمل ووقت من أوقات الفراغ.

          أما الشهر، فإنّ قياسه يعتمد على ولادة القمر وحركته حول الأرض. والشهور، على عكس الأسابيع، تعتبر مقاطع منظّمة لفصول السنة. فعلى ضوئها يتم تنظيم القطاع الزراعي في الإبذار أو الإنبات والنمو والحصاد. ولاشك أن القرآن المجيد كان في غاية الوضوح بخصوص تحديد الزمن وتعيين أمده خصوصاً فيما يتعلق بالأيام والشهور والسنين، يقول عز وجل : (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثنَا عَشَرَ شَهراً في كِتَابِ اللهِ يَومَ خَلَقَ السَّموَاتِ والأرضَ)[20] ، (وَجَعَلنا الليلَ والنَّهارَ آيَتَينِ فَمَحَونَا ايةَ الليلِ وَجَعَلنا ايةَ النَّهارِ مُبصِرَةً لِّتبتغُوا فَضلاً مِّن رَّبِّكُم ولِتَعلَمُوا عددَ السّنينَ والحِسَابَ وكُلَّ شيء فَصَّلناهُ تَفصِيلاً)[21] ، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الليلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَك يَسبَحُونَ)[22] ، (إنَّ في اختِلافِ الليلِ والنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ في السَّموَاتِ والأرضِ لأيات لقَوم يَتَّقُونَ)[23].

 التنظيم الديني :

          وقد أعلن الاسلام منذ بزوغ فجره بدء عصر جديد. فالزمن الجديد الذي بدأ بهجرة المسلمين المباركة من مكة الى المدينة عكس حقيقة مهمة وهي أن نظاماً إجتماعياً إسلامياً قد ولد على أنقاض المجتمع الجاهلي. وأنكسر الزمن الانساني بفاصلة ضخمة بضخامة الفارق الفكري والنفسي بين الجاهلية والاسلام. فكان نظام حساب الزمن في الاسلام نظاماً قمرياً يعتمد على جمع الأشهر القمرية الإثني عشر لتكوّن سنة هجرية إسلامية كاملة. وهذا النظام الزمني الذي يعتمد على الرؤية الشرعية للهلال لم يرق الدول النصرانية في اوروبا في العصور الوسطى لأنه لم يكن يرتبط بعقيدتهم الدينية بصلة. فكان التقويم القمري لا يمثل تلك الحقيقة الدينية في أفكارهم. ومن المرجح ان ذلك كان أحد الأسباب التي أدت الى طرح التقويم القمري. إلاّ أن أهم سبب أدى الى إهمال الأخذ بالسنة القمرية في اوروبا وفي غيرها من البلدان، هو ظهور التقويم المكتوب الذي إعتمد على السنة الشمسية. وبذلك أصبح التقويم المكتوب «الذي عرف بالميلادي، أو السنة الكريكورية، أو السنة الهجرية الشمسية» تقويماً زمنياً ثابتاً متناسباً مع الفصول الأربعة، ويزيد على حساب الأشهر القمرية بعشرة أيام لكل سنة تقريباً [24]. بيدَ أن الحسابين الشمسي والقمري يستمدان نظامهما الزمني الدقيق من الظواهر الطبيعية التي خلقها الباري عز وجل وبالخصوص الشمس والقمر، والى ذلك أشار القرآن الكريم :(فَالِقُ الإصباحِ وَجَعَلَ الليلَ سَكنَاً والشَّمسَ والقَمَرَ حُسبَاناً ذلِكَ تقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ)[25]. إلاّ أنّ الحساب القمري بالنسبة لنا يبقى الحساب الإلزامي الذي نستطيع ـ على ضوئه ـ أداء واجباتنا وشعائرنا الدينية.

          ولاشك أنّ الأعياد الاسلامية كعيدي الفطر والاضحى، وأيام الجمعة، وشهر الصيام، وأشهر الحج، ورأس السنة المالية للفرد، وعاشوراء، ومناسبات مواليد ووفيات النبي (ص) وائمة أهل البيت (ع) كلها تعكس إهتمام الاسلام بالفواصل الزمنية، ودور الزمن في النشاطات الاجتماعية والعبادية والعقائدية للافراد.

          ولم تتوقف نظرة الاسلام تجاه الزمن عند الحساب الزمني، أو المناسبات الاسلامية المرتبطة بالزمن، بل تعدت الى فكرة تأثير الزمن وما تتبعه من تغيير بيولوجي على الانسان نفسه. فحياة الانسان عبارة عن أطوار متباينة تبدأ من التخصيب والنمو كجنين والولادة والرضاعة، كما ورد في النص المجيد: (... حَمَلَتهُ اُمُهُ كُرهاً وَوضَعتهُ كُرهاً وحَملُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً...)[26] ، والبلوغ أو الإشتداد والإستواء في الحياة : (ولَمَّا بَلَغَ أشُدّهُ واستَوى اتيناهُ حُكماً وعِلماً...)[27] ، والنضوج الملازم عادة للكمال العقلي : (... حَتَّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أربَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزِعني أن أشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أنعَمتَ عليَّ وعلى والِدَىَّ...)[28]، والشيخوخة والهرم : (ومَن نُّعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ في الخَلقِ أفلا يَعقِلوُنَ)[29] ، (...ومِنكُم مَّن يُرَدُّ الى أرذَلِ العُمُرِ لكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلم شَيئاً...)[30]. وإنتقال الانسان من طور الى طور يحملّه مسؤوليات إضافية ويمنحه حقوقا لم يتمتع بها من قبل. فالبلوغ الشرعي يَفرض على الانسان تكاليف شرعية كان متحللاً منها زمن الطفولة; والشيخوخة قد تحلله من مسؤوليات شرعية كان ملزماً بها كالإفطار عند المشقة ونحوها.

          وبطبيعة الحال، فإنّ رؤيتنا للماضي والحاضر والمستقبل تنبع من فهم أبعاد التنظيم الإجتماعي والديني للزمن. فنحن لا نفهم أن للماضي معنىً معيناً في حياتنا ما لم نربطه بعقيدتنا التي نؤمن بها ونجعله جزءً لا يتجزأ من الحاضر الذي نعيشه. فذاكرتنا الاجتماعية حيّة وفعالّة على الدوام خصوصاً فيما يتعلق بنظرتنا نحو التاريخ والعوامل التي تحرّكه. فمعارك رسول الله (ص) ضد المشركين وحرب صفين وواقعتي الجمل والنهروان وواقعة عاشوراء ومعاناة أئمة أهل بيت النبوة (ع) كلها جزءٌ لا يتجزأ من تركيبتنا الدينية التي تعيش في ضمائرنا حيّة وكأنها جزء من الحاضر.

          إن الماضي في الاسلام يمتد الى الحاضر. فالزمن الشرعي بالنسبة لنا ـ خصوصاً فيما يتعلق بحياة رسول الله (ص) وائمة اهل البيت (ع) ـ هو زمن دائمي ليس فيه صيغة ماضوية إلاّ فيما يتعلق بالإنقضاء. أما فيما يتعلق بالإلزام الشرعي والأخلاقي فإننا نفهم النصوص الشرعية للقرآن الكريم وسنّة رسول الله (ص) وائمة الهدى (ع) كما لو كانت تصاغ الآن في الزمن الحاضر. فالماضي يمتد ويندمج بالحاضر في الفلسفة الزمنية لتشريع الأحكام الشرعية. ولاشك أن الجهاز الشرعي الإلزامي يسمح لهذا الإمتداد والإندماج بالتحقق. فالقرآن الكريم يخاطبنا وكأنه يتنزل على كل فرد منا كل يوم. ورسول الله (ص) وائمة أهل البيت (ع) يخاطبوننا وكأنهم معنا ويعيشون حولنا. وهذا يعني أن الماضي ـ في نظرتنا الاسلامية ـ ليست له حدود نفسية، وعقيدتنا الحية لا تسمح لنا بالتصور بأن الانبياء والائمة والشهداء والصالحين أموات بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، كما أخبرنا القرآن المجيد بذلك. وبتعبير آخر أنّ المخزون الثقافي والديني الذي تركوه لنا لم يكن إرثاً مجرداً، بل كان نظاماً فكرياً يتكيف مع فكرتي الزمان والمكان. فعندما نقول أنّ الماضي يمتد ويندمج بالحاضر نعني أنّ التغير الاجتماعي الذي نلمسه في كل لحظة من لحظات حياتنا البشرية إنما هو ركن ركين من ذلك الوجود الذي إمتد إلينا وإندمج بنا. فنحن لا نتغير إلاّ بالإطار الذي رسمته لنا الشريعة الاسلامية قبل أربعة عشر قرناً من الزمان. وكل التغيرات الاجتماعية التي نقبلها أو نرفضها يجب أن تدخل ضمن تلك المساحة التي حددتها لنا الشريعة.

          ومن الطبيعي فإنّ الحاضر يعكس حجم التغيرات الاجتماعية التي نفهمها، كبشر. فعن طريق مخزوننا العلمي والثقافي نتقبل التغير الاجتماعي; إلاّ أن تقبل ذلك التغيير لا يتم باليسر الذي قد نتصوره للوهلة الاولى. فالافراد يعارضون التغيير الاجتماعي حتى لو كان لصالحهم. ولكن نحن لا نفهم الحاضر على أساس التغيرات فحسب، بل نفهمه على أساس التكاليف والإلزامات ايضاً. فالحاضر يعني مساحة من مساحات الواقع العملي الذي نستطيع من خلاله أداء التكاليف الشرعية الزمنية التي اُمرنا بتأديتها.

          أما نظرتنا الشخصية نحو المستقبل فقد صوّرها القرآن الكريم على لسان حال تلك الذات التي لا تدري ما خُطِّطَ لها من اشياء، بالقول : (...وما تَدرِي نَفسٌ مَّاذا تَكسِبُ غَداً ومَا تَدرِي نَفسٌ بأيّ أرض تَموُتُ...)[31]. وقد جاء قول الإمام أمير المؤمنين (ع) الذي سنذكره جامعاً مانعاً لكل ما نطمح اليه ; فقد ورد عنه (ع) مخاطباً الانسان الذي يسأله عما يعمل في الغد، فقال (ع) : «إعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»[32]. وكأنه يأمرنا بالتخطيط للمستقبل على الصعيدين الفردي والاجتماعي. فالفرد يخطط لمستقبله الثقافي والعائلي والديني. والدولة والنظام الاجتماعي يخططان لمستقبلهما السياسي والاقتصادي.

 1 ـ التخطيط الاجتماعي :

          فلابد للدولة من التخطيط للمستقبل المجهول. فحتى تواجِه الجفاف غير المتوقع مثلاً، لابد لها من خزن كمية من المواد الغذائية الأساسية حتى تتفادى مجاعة محتملة بين الناس وقت ذلك الجفاف المفاجىء. ولابد للدولة من تنظيم جهازها الدفاعي العسكري حتى لا تفاجأ بحرب عدوانية من طرف معادي. ولابد للمجتمع من تخطيط سياسة عامة لتنظيم النسل حتى تتوازن الواردات الاقتصادية والحضارية مع عدد الافراد الذين يعيشون على تلك الساحة الاجتماعية. ولاشك أنّ التخطيط قد يؤدي الى نجاح أو فشل لأننا لا نتوقع من كل تخطيط نجاحاً مضموناً. فقدراتنا التحليلية وتصميمنا على العمل وثقتنا بالله هي التي توصلنا الى أبواب النجاح. ولكن النجاح يبقى متوقفاً، بصورة رئيسية، على التوفيق الالهي.

 2 ـ التخطيط الفردي :

          أما على الصعيد الفردي، فإنّ الفرد يخطط دائماً لتأمين موارده المالية التي تيسر له سبل العيش، ويخطط ايضاً للحفاظ على حياته وعرضه وماله. وهذا اللون من التخطيط يتداخل بشكل عرضي مع التخطيط الاجتماعي ولا ينفصل عنه بأي حال من الأحوال.

          ولو رجعنا الى القول المأثور عن أمير المؤمنين (ع) السالف الذكر ونظرنا اليه من زاوية النظرة الفردية الشمولية، لشعرنا أن الانسان لابد له من تخطيط شخصي لمستقبلين : الاول : مستقبل حياته الدنيوية. والثاني : مستقبل حياته الآخروية. فتخطيط مستقبل حياته الدنيوية يتماشى مع ما يقره العرف العقلائي من العمل، والتحصيل العلمي والثقافي، وتأمين قدر لائق من خصوصيات الحياة الاجتماعية لعائلته. وهذا التخطيط متغير بتغير الأعراف الاجتماعية والإرتكازات العقلائية. أما تخطيط الفرد لمستقبله الآخروي، فهو ثابت ويتناول القواعد الروحية الثابتة عند الانسان دون النظر الى الزمن بمعانيه المتغيرة. ولاشك أن الثواب والعقاب يعتبران من أهم وسائل تهذيب سلوك الافراد على الأرض; فإن ما يعزز إعتقادنا بالله سبحانه وتعالى هو أن طبيعة الحياة الآخروية بما فيها من حساب وسؤال هي التي تقرر المصير النهائي للبشرية. فمع كل التطور التقني الذي حصل ومع كل التيارات الفكرية العلمانية التي وفدت على البشرية ومع كل التقدم الاجتماعي الذي تم خلال القرون الأخيرة، إلاّ إنّ ذلك لم يغير من مصير الانسان في العبور الى حياة اُخرى لا نفهمها إلاّ من خلال الدين. فقد كان من الصعب على الانسان أن يفهم السدرة النهائية للزمن، كونياً كان ذلك الزمن أو بشرياً، لأن كل فرد ـ لم يمتلك قدراً من الخلود ـ وحاول فلسفة طبيعة الموت لقي مصيره المحتوم قبل أن يقدم لنا مصاديق فلسفته وإرتباطها بطبيعة التوقف النهائي للزمان عند الانسان.

 فلسفة المكان

          ويهتم الفلاسفة بـ «المكان» بإعتباره إناءً يحوي الموجودات المادية. فبدون ذلك المكان فإن تلك الموجودات لا تستطيع أن تعيش وتحيا حياتها التكوينية في الطبيعة. ولاشك إنّ السؤال المهم الذي برز على هذا النطاق هو : هل أنّ «المكان» كيان مادي محدود أو أنه كيان لا نهائي ؟ فتقاسمت الجواب مدرستان رئيسيتان، هما : المدرسة الدينية، والمدرسة المادية. فالمدرسة الدينية أعلنت بأنّ «المكان» سيُفنى في لحظة محددة يختارها الخالق عز وجل. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الكون وما فيه، وهو الذي خلق معاشه ونظامه، وهو الذي صمم لحظة البداية ولحظة النهاية. ومكانٌ بهذا الإتساع والضخامة لابد وأن يحكمه النظام والدقة في التصميم. فالأرض إنما خُلِقت لنا لتكون مكاناً مثالياً لمعيشتنا وسعينا نحو تنظيم حياتنا الفردية والاجتماعية. فهي المكان الذي يجمعنا في حياتنا القصيرة لكي نقوم بواجباتنا الشرعية التي حُددت لنا ضمن ثنايا الرسالة الدينية السماوية. ولكن تلك الأرض معرّضة للفناء في لحظة ما من اللحظات. فقد ورد في القرآن الكريم ما يعزز ذلك، يقول عز وجل محذّراً من لحظات نهايتنا الدنيوية ونهاية العالم المحيط بنا : (إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ* فإذا النُّجُومُ طُمِسَت* وإذا السَّمآءُ فُرِجَت* وإذا الجِبَالُ نُسِفَت)[33] ، (فإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفخَةٌ واحِدَةٌ* وحُمِلَتِ الأرضُ والجِبَالُ فدُكَّتا دَكّةً واحِدَةً* فيَومَئِذ وقَعَتِ الواقِعَةُ* وانشَقَّتِ السَّمآءُ فهيَ يَومَئِذ واهِيَةٌ)[34] ، و(...إذا رُجَّتِ الأرضُ رَجّاً* وبُسَّتِ الجِبَالُ بَسّاً* فكانت هَبَآءً مُّنبثّاً)[35] ، (ويَسئلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُل يَنسِفُها رَبِيّ نَسفاً* فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفصفاً* لاّ تَرى فِيهَا عِوَجاً ولآ أمتاً)[36] ، (...لا إلَهَ إلاّ هُوَ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إلا وَجهَهُ)[37].

          أما المدرسة المادية، فقد آمنت بـ «لا نهائية» الكون. وكان من أعمدتها الفكرية فلاسفة غربيون أمثال : «ديكارت» و«ليبنـز» و«كانت» و«نيوتن». فقد آمن «ديكارت» بإمتدادية جوهر المادة، بإعتبار أنّ المكان أو الفضاء يشابه جوهر الشيء؛ ولذلك فليس هناك شيء يسمى بـ «الفراغ» في الوجود[38]. ولكن اذا لم يكن هناك فراغ موضوعي فكيف تتحرك الأجسام في الفضاء ؟ لم يستطع «ديكارت» الجواب على ذلك السؤال. إلاّ أن «ليبنـز» عرض في نظريته الرابطية فكرة نظام العلاقات والإرتباطات بين الأشياء في مكان ما[39]، فادّعى بأننا نرى الأشياء كما هي لأنّ بينها علاقة رابطية في زمان ومكان معينين. ولكن «كانت» سخر من النظرية الرابطية بإفتراض أنه لو وجدت في الكون يد إنسانية واحدة ولم يكن  هناك بشر، فهل تكون اليد اليمنى أو اليد اليسرى ؟ فأجاب «كانت» نفسه على ذلك بالقول بأنه يجب أن تكون واحدة من الإثنين، إما اليمنى وإما اليسرى[40]. وزعم بأنّ النظرية الرابطية لو كانت صحيحة لقبلت بذلك التحليل. إلاّ أن النظرية الرابطية لا تستطيع قبول ذلك التحليل لأن اليد اليمنى لها علاقة رابطية مع اليد اليسرى في زمان ومكان معينين. ولكن يُردّ على «كانت» بأن العلاقة الرابطية صحيحة لأنه لو وجدت يد إنسانية واحدة في الكون لما أطلقنا عليها يداً يمنى أو يداً يسرى. ولكننا عرفنا طبيعة اليدين ووظيفتهما عند الإنسان من خلال فهمنا للطبيعة التناسقية والتماثلية في مخلوقات الكون. فهنا تتحطم نظرية «كانت» في إمتداد جوهر المادة. ولكن، ومما زاد الطين بلّة، أن «نيوتن» إفترض أن المكان عبارة عن نظام فيزيائي عاطل أو نظام ذات قصور ذاتي. لأن الذرات الطبيعية في المكان أو الكون تقابل بعضها البعض بصورة متساوية وعلى خط مستقيم ولكن بتعجيلات مختلفة[41]. إلاّ أن «نيوتن» لم يلتفت الى أن الأجسام الذرية في كواكب اخرى في الكون من غير الأرض، ليست لها تعجيلات مختلفة. أما ما يغيّر تعجيلات الأجسام في محيط الأرض التي نعيش فيها فهو قانون الجاذبية.

          وربما نحس ـ من خلال النظريات المادية التي طرحناها لمعالجة مشكلة «المكان» ـ أن أرضنا أو المكان الذي نعيش عليه، فيه خاصية معينة تختلف عن خاصية الأقمار والكواكب المحيطة بنا. وهذا ما أكدته تلك النظريات في معرض معالجتها للعلاقة بين «المكان» و«الزمان» اللذين نعيش فيهما.

          ولكن لم يسفر ذلك النشاط الفلسفي المحموم للمدرسة المادية عن نتيجة قطعية حول طبيعة المكان، وحول طبيعة العلاقة بينه وبين المخلوقات التي تعيش فيه. فالبحث في جوهر المكان ـ إن كان مملوءاً بالفراغ او مملوءاً بجوهر المادة ـ لا ينفعنا بقدر ما ينفعنا الجواب عن سؤال حيوي وهو : هل أن المكان يعبّر عن حقيقة إجتماعية أو أنه يعبّر عن حقيقة علمية مجردة ؟ وجواباً على ذلك يمكن القول بأن المكان يعبّر عن حقيقة خارجية علمية فانية من جهة وعن حقيقة إجتماعية من جهة اُخرى. فالمكان جزء من المادة الخارجية وليس من تركيباتنا الذهنية أو العرفية. ولكننا لا نستطيع أن ننكر حقيقة مهمة اُخرى وهي أن «المكان» يعتبر أحد أهم القواعد الرئيسية في بناء العرف الإجتماعي، لأن الافراد الذين يشتركون بذهنية موحدة يشتركون ايضاً بالسكن على قطعة واحدة من الأرض. والطبيعة الجغرافية للمكان تحدد طبيعة الاُمة التي تسكن على أرضه، ومن ثمّ تحدد طبيعة العرف الذي يشترك الافراد بالتسليم بصحته. فالعرف الاجتماعي للمكان الصحراوي يختلف عن العرف الإجتماعي للمناطق الجبلية، والعرف الاجتماعي لسكان الجزر النائية يتباين مع العرف الاجتماعي لسكان المدن الكبيرة المزدحمة. وبذلك تكون للمكان حقيقة إجتماعية ايضاً، ولكن لا بالشكل الذي لاحظناه في دراستنا للحقيقة الإجتماعية للزمان. إلاّ إن ارتباط الزمان والمكان بتركيبتنا الذهنية، يجعل لتلك «الأبعاد الأربعة» أهمية خاصة على نطاق الحقائق الاجتماعية والدينية. فقد إنتقلت الرؤية الاجتماعية للزمان والمكان من نطاقها الفلسفي الضيق الى نطاق أرحب وأوسع وهو نطاق التكليف الشرعي والمسؤولية الفردية والاجتماعية، بإعتبار أن العرف الإجتماعي جزء لا يتجزأ من الحقائق الإجتماعية التي أقرتها الرسالة الدينية فيما يخص الإلزام الشرعي والاخلاقي. وأصبح «الزمان والمكان» جزء من التصميم الكلي للوجود، بما فيه تصميم الانسان في تحمل المسؤولية ووجوب اداء التكاليف الالهية.

(تليها صفحات 303 - 336)

 

 اللاحق                صفحة التحميل                 الصفحة الرئيسية


 

[1]  فلسفة سي دي برود – بي اي شليب. لاسال، الينوي: 1959م.

[2]  الجعل الفلسفي للفضاء المطلق في النظرية النسبية العامة لانشتاين – ادولف كرونبام. مقالة فلسفية في كتاب (مشاكل الزمان والمكان). تحقيق: جي جي سمارت. ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة اكسفورد، 1962م.

[3]  مراسلات ليبنـز – كلارك. اج جي الكسندر. مانشستر: 1956م.

[4]  المنطق، المنهجية، وفلسفة العلم – ارنست نيكال وآخرون. ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، 1962م.

[5]  مبادئ النظرية النسبية . مع ملاحظات من (ارنولد سومرفليد) – البرت انشتاين. نيويورك: 1923م.

[6]  نقد العقل المجرد – عمانوئيل كانت. لندن: 1881م.

[7]  طرازات ومجازات – ماكس بلانك. اثاكا، نيويورك: 1962م. وبالخصوص فصل (اتجاه الوقت).

[8]  الكون الطبيعي – الفيزيائي. كونراد كورسكوف، وآرثر بايسر. نيويورك: ماكرو هيل، 1987م.

[9]  مبادئ النظرية النسبية – البرت انشتاين. نيويورك: 1923م.

[10]  التركيب الاجتماعي للحقيقة – بيتـر بيركر، وتوماس لوكمان. نيويورك: دبل دي، 1963م.

[11]  الادراك والاتصال – دونالد بوردبنت. اكسفورد: بيركامون، 1958م.

[12]  سورة الانبياء: الآية 105.

[13]  سورة المطففين: الآية 4-5.

[14]  سورة ق: الآية 34.

[15]  سورة غافر: الآية 76.

[16]  الزمن والتركيب الاجتماعي – ماير فورتس. نيويورك: رسل، 1963م.

[17]  الطبيعة الفلسفية للزمن – جي جي ويترو. لندن: 1961م.

[18]  سورة الفرقان: الآية 47.

[19]  قياس الوقت – ليندن بولتن. برنستون، نيوجرسي: فان نوستراند، 1924م.

[20]  سورة التوبة: الآية 36.

[21]  سورة الاسراء: الآية 12.

[22]  سورة الانبياء: الآية 33.

[23]  سورة يونس: الآية 6.

[24]  الزمن وحراس الزمن- ويليس ميلهام. نيويورك: ماكميلان، 1945م. وايضاً: الانسان، الزمن، والمجتمع – ويلبرت مور. نيويورك: وايلي، 1963م.

[25]  سورة الانعام: الآية 96.

[26]  سورة الاحقاف: الآية 15.

[27]  سورة القصص: الآية 14.

[28]  سورة الاحقاف: الآية 15.

[29]  سورة يس: الآية 68.

[30]  سورة النحل: الآية 70.

[31]  سورة لقمان: الآية 34.

[32]  مستدرك الوسائل ج 1 ص 18. وتنبيه الخواطر ص 416.

[33]  سورة المرسلات: الآية 7 – 10.

[34]  سورة الحاقة: الآية 13- 16.

[35]  سورة الواقعة: الآية 4- 6.

[36]  سورة طه: الآية 105- 107.

[37]  سورة القصص: الآية 88.

[38]  فلسفة الزمان والمكان – هانس ريخنباخ. نيويورك: 1958م.

[39]  فلسفة ليبنـز – برتراند رسل. لندن: 1900م.

[40]  مقدمة نقدية للميتافيزيقيا المستقبلية – عمانوئيل كانت. مانشستر: 1953م.

[41]  المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية – م شوليوم. بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1934م.