(ص 279 - 302)

الفصل الحادي عشر

فلسفة الزمان والمكان

في الأدلة الشرعية والاُصول العملية

 

النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان * الرؤية الفلسفية للزمان * الرؤية الإجتماعية والدينية للزمان * فلسفة المكان * الرؤية الشرعية للزمان والمكان .

 ----------------------------

 النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان

          تنبع أهمية الربط بين النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان من فكرة مفادها ان البناء الاجتماعي للحقائق الخارجية انما يقوم به الافراد من خلال تغير عصورهم وتبدل أمكنتهم. فالتفسير الذي نضعه للحاكم والمحكوم، والسلطة والافراد، والثقافة ومصادرها، والطب ومؤسساته ينبع دائماً من رؤيتنا الخارجية للاشياء. ولاشك ان كل مجتمع يحاول بناء فهم معين للحقائق الخارجية من خلال الاطار الفكري والديني الذي وُلِدَ فيه. فالطب، في زمن النص مثلاً، كان لا يُفسَر على اساس انه مؤسسة اجتماعية مهمة لعلاج المرضى وتنشيط الجانب الانتاجي للقوى العاملة. بل كانت ظروف الزمان والمكان تحتّم على الافراد النظر الى الطب باعتباره قضية فردية تهمّ المريض وحده وليست لها علاقة بالنظام الاجتماعي لا من قريب ولا من بعيد. ولم يكن التعليم زمن النص، ضمن شروط الزمان والمكان، مؤسسة اجتماعية إلزامية. ولكن الحثّ على طلب العلم في الاسلام كان يحملُ بذوراً لنظرية التعليم الالزامي التي تطورت لاحقاً، واصبحت بعد مئات السنين ركناً اساسياً من اركان النظام الاجتماعي. وينطبق الامر على قضايا العمل، وتصميم المدن، وطبيعة العيش، ووسائط النقل وغيرها. فالرابطة بين تغير الزمان والمكان وطبيعة النظام الاجتماعي مُحكَمة، لان الافراد يتعلمون ما يحيط بهم من اشياء وعقائد من خلال النظر الى الحقائق الاجتماعية التي صنعها لهم اباؤهم واجدادهم وبيئتهم الاجتماعية.

          ولاشك ان الارتباط بين النظام الاجتماعي وتبدل الزمان والمكان لا يمكن فهمه الا من خلال فهم طبيعة التغير الاجتماعي. فكل شيء في حياتنا الاجتماعية يتغير ويتبدل، ابتداءً من الاشياء والمواد، وانتهاءً بالانسان نفسه. وبطبيعة الحال، فان المجتمعات ذاتها تتبدل وتتغير باستمرار. ونستطيع ان نفهم التغير الاجتماعي من خلال ملاحظة التبدل في الشكل الثقافي، والتركيب الاجتماعي، وسلوك الافراد في المجتمع خلال القرون المتعاقبة من عمر المجتمعات البشرية. وفي ضوء ذلك، فان النظر للنظام الاجتماعي ليس ثابتاً، بلحاظ تلك التغيرات التي تصيب الافراد من خلال سلوكهم وتفكيرهم.

          وبسبب ارتباط التغير الاجتماعي وطبيعة المجتمع بقضايا الزمان والمكان، فاننا سوف ندرس الزمان والمكان على الصعيدين الفلسفي والشرعي. ولاريب ان فهم تأثير الزمان والمكان على النظام الاجتماعي يقودنا في النهاية الى فهم أعمق لطبيعة مجتمعنا المتغير ودور الرسالة الدينية في معالجة مشاكله المتبدلة مع تبدل سلوك الافراد وثقافتهم وتركيبتهم الاجتماعية.

 الرؤية الفلسفية للزمان:

          لا يزال فهم معنى «الزمن» موضع حيرة الفلاسفة والمفكرين لحد اليوم، فهم يستطيعون تصوره بالحدس والبديهة ولكنهم لا يستطيعون التعامل معه على صعيد التحليل العقلي. فما معنى «الماضي»، و«الحاضر»، و«المستقبل»، و«قبل»، و«بعد»، طالما ينقضي الزمن عنا في كل لحظة من اللحظات ؟ فنحن لا نستطيع أن نُبقي لحظة من لحظات الزمن في ضمائرنا بل تنقضي تلك اللحظة وتأتي بعدها لحظة اُخرى، واللحظة الثانية تُستبدل بلحظة ثالثة وهكذا. فهل صحيح أنّ «الحاضر» هو الوجود الحقيقي للزمن باعتبار أنّ «الماضي» قد توقف عن الوجود وأنّ «المستقبل» لم يأتِ بعد ؟ وإذا صح ذلك، فهل نستطيع منطقياً أن نستبدل عندما نشير الى كلام الله في القرآن الكريم أو أقوال رسول الله (ص) في السنّة الشريفة الفعل المضارع «يقول» بدل الفعل الماضي «قال»، فنقول : «يقول الباري عز وجل» أو «يقول رسول الله (ص)» مع أنّ صيغة القول قد تمت في الماضي ؟ إنّ الجواب على هذه الاسئلة وغيرها سيتضح من خلال الوريقات القادمة. ولاشك ان الاستدلال على الطبيعة الشرعية للزمان، يقودنا بصورة منطقية معقولة الى فهم أعمق للعلاقة بين احكام الشريعة الثابتة والتغيرات الاجتماعية التي تعتبر أثراً من آثار تغير الزمان والمكان.

          وبكلمة، فان ما نريد توضيحه في هذا الحقل هو أنّ للزمن أهمية إجتماعية وشرعية بالإضافة الى أهميته الفلسفية. فمع إننا لا نستطيع اعطاء تعريف جامع مانع للزمن، إلاّ إننا نُدرك أنه من أكثر الاشياء التي يألفها الانسان عند تنظيم أفكاره وأعماله. فعندما نتحدث عن الزمن فإننا نواجِه قضيتين مهمتين نستطيع أن نصيغهما على شكل سؤالين مترابطين : الاول : ما هي العلاقة بين الزمن والعالم الخارجي ؟ والثاني : ما هي العلاقة بين الزمن والشعور أو الوعي الانساني ؟ وقد حاولت الإجابة على هذين السؤالين خمس نظريات فلسفية رئيسية هي:

1 ـ نظرية المرور.

2 ـ النظرية المطلقة.

3 ـ النظرية الرابطية.

4 ـ نظرية الإتجاه الزمني.

5 ـ نظرية الزمان والمكان.

          ومن أجل فهم شامل لدور الدين في التأثير الاجتماعي من خلال بعدي الزمان والمكان لابد من إستعراض تلك النظريات الفلسفية التي تناولت بالتحليل موضوع الزمان ودوره في تشكيل عالمنا الخارجي الذي نتحرك فيه، ونقدها.

نظرية المرور :

          وهي نظرية تزعم ـ مجازاً ـ بأن الزمن مجرد تيار يجري كالنهر أو البحر كلما نتقدم في حياتنا البشريـة ; فجريان الزمـن يعني أنّ حركتنا الخارجية ـ حسب ادعائها ـ تكون حركة نسبية تجاه زمن مطلق[1]. ولاشك أنّ الحركة في الفضاء هي حركة نسبية تجاه الزمن ; فاذا كان الزمن يقاس بالثواني، فإنّ حركة الأجسام في الفضاء تقاس بالقدم في الثانية مثلاً . إلاّ أنّ ذلك القياس يجعلنا نقف أمام سؤال صعب ومحيّر جداً وهو : كيف نقيس جريان ذلك الزمن ذاته ؟ فاذا كان قياس حركة الجسم هو القدم بالنسبة الى الثانية، فكيف يقاس مرور الزمن  ؟ الثانية بالنسبة الى الثانية ؟ أم الثانية بالنسبة الى ماذا ؟ هنا لا تستطيع هذه النظرية، ولا أي نظرية اُخرى الجواب على هذا السؤال، لأن الزمن في التفكير البشري حقيقة إجتماعية وليس حقيقة علمية، كما سنبرهن ذلك لاحقاً بإذنه تعالى.

          إلاّ انّ فكرة «المرور» الزمني ترتبط بشكل الأحداث المتغيرة من المستقبل الى الماضي. فنحن نعتقد ـ كبشر ـ بأنّ الأحداث التي تواجهنا إنما تواجهنا بفضيلة الإستقبال، وعندما نلتقطها في لحظة الحاضر فإننا نودعها بفضيلة الإدبار. وبتعبير آخر أنّ المستقبل يدخل إلينا في لحظة واحدة ليكون بعدها من أفعال الماضي. فكيف يتم المرور ونحن نواجه الزمن لحظة بلحظة ؟ ففكرة «المرور» إذن فكرة وصفية محدودة، لا تشرح لنا طبيعة الزمن وشروط فهمنا له. ومن ثمّ فهي تعجز عن الإجابة على العقدة المستعصية التي تتساءل هل أنّ الزمن حقيقة إجتماعية أو حقيقة علمية ؟ واذا كان الزمن مجرد مرور عابر، فكيف نفسر إرتباط الأشياء بعضها ببعض عن طريق وحدة الزمان ؟

 النظرية المطلقة :

          وهي النظرية التي تزعم بان «الزمن وعاء داخل الكون حيث يحصل التغير»[2]. فوجود الزمن وصفته مستقلان عن العالم الكوني الخارجي. أي أنّ الزمن موجود في ذاته حتى عند عدم وجود العالم الخارجي. فالزمن ليست له نهاية ولا بداية بل أنه سلسلة متصلة من الأشياء. إلاّ أنّ هذه النظرية لم تقدم برهاناً على صحة زعمها بأن الزمن مستقل عن العالم الخارجي. وهي لم تجب عن سؤال مهم وهو : لو كان الزمن مستقلاً في الوجود عن الكون، فهل كان خَلْقُ الزمن لمجرد العبث أو أنه كان جزءً من التصميم الالهي للوجود ؟

 النظرية الرابطية:

          وهذه النظرية تؤمن بان صيغة الزمان والمكان تخلق المناخ المناسب لإنشاء العلاقات بين الاشياء في الوجود. وقد تبنّى هذا الرأي الفيلسوف الاوروبي «ليبنـز»[3] الذي كان معاصراً ومعارضاً لـ «اسحاق نيوتن». فقد كان «نيوتن» مؤمناً بأنّ بعدي الزمان والمكان مطلقين، أي أنّ الزمن الرياضي الحقيقي المطلق يجري بإستقلالية ولا علاقة له مع الأشياء الخارجية[4]. إلاّ إنّ ظهور النظرية النسبية كان قد غيّر تلك المعادلة. فـ «ألبرت انشتاين» وقف موقفاً وسطاً من كلا النظريتين «المطلقة» و«الرابطية»، فقد أعلن «انشتاين» بأنّ تركيبة الزمان والمكان تعتمد كلياً على توزيع المادة في الوجود[5] لا على الكتلة الكلية للوجود كما آمنت بذلك النظرية الرابطية. فهو لم ينفِ إستقلالية الزمن عن الوجود ولم ينفِ ـ ايضاً ـ إرتباط الأشياء في وحدة الزمن داخل ذلك الوجود.

          ولكن أهم هفوات النظرية الرابطية هي أنها أعتبرت الزمن مجرد تغيير في العالم الخارجي. أي أنّ جميع الإفتراضات المطروحة حول الزمن يمكن ترجمتها الى إفتراضات حول الكون والعالم الخارجي الطبيعي. ومن ثمّ، فإن للزمن ـ حسب النظرة الفيزيائية ـ تركيباً حلقياً ملموساً. وبمعنى آخر أنّ الزمن لا يعبّر عن حقيقة إجتماعية بل هو حقيقة علمية مادية بحتة.

 نظرية الإتجاه الزمني:

          وقد كان «عمانوئيل كانت» في كتابه «نقد العقل المجرد» مضطرباً في فهم العلاقة الفلسفية بين الماضي والمستقبل، وبين البداية والنهاية فيما يتعلق بخلق الوجود[6]. فهو يقفُ متحيراً أمام أزلية الوجود، إلاّ إنه يؤمن بأبديته. ومن أجل حل ذلك الإشكال، فقد ظهرت نظرية «الإتجاه الزمني» التي تدعي بأن الأبعاد المكانية للكون متناسقة، بينما يفتقر البعد الزمني الى مثل ذلك التناسق الوجودي[7]. فالمجرات في الكون الفسيح تظهر وكأنها موزعة بإنتظام في كل الإتجاهات في المساحة المكانية. ولكن إتجاه الوقت يُعيّن بحقيقة أنّ تلك المجرات تتراجع عن بعضها البعض، ولا تقترب من بعضها الآخر. وكذلك ـ وعلى نطاق أضيق ـ فإن للذاكرة عند الانسان، آثاراً في الماضي ولكن ليس لها آثار أو بصمات على المستقبل. ومن هنا جاء ذلك السؤال الفلسفي المهم الذي يمكن أن نصيغه بالشكل التالي : لماذا نحس ببصماتنا على الماضي، ولا نحسُّ ببصماتنا على المستقبل ؟ أي لماذا لا نحتفظ بذاكرة ما للمستقبل كما نحتفظ بذاكرتنا للماضي ؟ لاشك انّ الإجابة على هذا السؤال تتطلب فهماً معيناً للقوانين الطبيعية والفيزيائية وعلاقتها بالتناسق الزمني الموجود في الكون. حتى أنّ القانون الثاني للديناميكا الحرارية «الثرموداينمك» الذي يبحث في العلاقة بين الحرارة والطاقة الميكانيكية، يتضمن زمناً. ويمثل العلماء الطبيعيون على ذلك بالمثال التالي : إذا وضعنا إناءً معدنياً وفيه قطعاً من الثلج على طابوقة ساخنة، فإننا سنواجه بعد فترة زمنية معينة الحقيقة التالية : إناء فيه ماء موضوع على طابوقة باردة. ولو إفترضنا أننا صورنّا فلماً متحركاً لهذه الظاهرة الطبيعية من البداية وحتى النهاية، فسوف نلاحظ بأننا لا نستطيع أن نعكس تلك الظاهرة الطبيعية وذلك برؤية الإناء المملوء بالماء الموضوع على طابوقة باردة يتحول الى اناء مملوء بقطع من الثلج موضوع على طابوقة ساخنة تحت نفس الشروط الطبيعية، مع العلم بأنّ ذلك ممكن ـ نظرياً ـ في قانون الديناميكا الحرارية[8]. ونستنتج من ذلك أنّ التناسق الزمني يتناسب مع القانون الطبيعي الفيزيائي. وبتعبير ثان، أنّ الزمن له أتجاه واحد يسير فيه ولا يمكننا عملياً عكس ذلك التوجه، أي إنه لا يمكننا عملياً الرجوع الى الوراء إلاّ بالذاكرة فقط.

          ومع صحة بعض إفتراضات نظرية «الاتجاه الزمني»، إلاّ إنّ تلك النظرية لم تقدمّ لنا حلاً شافياً لأزلية الوجود الذي وقف «عمانوئيل كانت» عاجزاً عن تفسيره. ولم تستطع ـ ايضاً ـ تفسير زعمها القائل بعدم التناسق الوجودي للزمن، اذا إفترضنا صحة عدم ذلك التناسق. بل إنّ برهان «ذاكرة الماضي» عند الإنسان قد يدعم نظرية «المرور» أكثر مما يدعم نظرية «الاتجاه الزمني». ذلك أنّ لحظات الحاضر تختزن في الدماغ فتكون من ذكريات الماضي القريب، وهذا ما أصرّت نظرية «المرور» على الإيمان به.

 نظرية الزمان والمكان :

          وكان من أهم الإنجازات التي أنجزتها «النظرية النسبية» التي صمّمها المفكر الرياضي «ألبرت انشتاين» سنة 1905م هي محاولة الجمع بين الزمان والمكان. فقد أضاف «انشتاين» بُعداً رابعاً للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة بالطول والعرض والإرتفاع. وهذا البعد الرابع هو الزمن[9]. فأصبحت نظرية «الابعاد الاربعة» طاغية على كل النظريات التي سبقتها خصوصاً نظرية «اسحق نيوتن» الحركية التي كانت تَعتبِر الأبعاد المكانية الثلاثة، الأصل في التغيرات الفيزيائية.

          إلاّ أنّ نظرية «الابعاد الاربعة» لم تتوقف عند التغيرات الفيزيائية بل تعدت في نظرتها الفلسفية الى الدوام والإستمرارية في التغير التكويني، بمعنى أنّ التغير في الأشياء ليست له صيغة زمنية ذاتية. ولكننا ـ وبسبب تركيبتنا البشرية ـ لابد أن نفهم التغير التكويني عن طريق الزمن. وبتعبير آخر إننا لا نفهم طبيعة الحركة الخارجية للأشياء ما لم نضع فكرة الزمان والمكان في الصورة الكلية للقضية التي نتحدث عنها.

 * * *

          وهذه النظريات الخمس حول «الزمان» بصورة رئيسية و«الزمان والمكان» بصورة فرعية ـ مع إفتراض ثبوت الخلل في بعض مبانيها الفلسفية ـ تمنحنا فرصة ثمينة لفهم قضية «الزمان والمكان» من وجهة نظر فلسفية أو تجريبية لا تستند على البعد الديني ولا تعترف أنّ للخالق عز وجل دوراً في إنشاء الزمن وتصميم الكون. إلاّ إنّ دراستنا اللاحقة حول الرؤيتين الاجتماعية والشرعية للزمان والمكان سوف تقوّض تلك الرؤية الفلسفية اللادينية للأبعاد الأربعة، وتعرّي مبانيها الباطلة.

 الرؤية الإجتماعية والدينية للزمان

 هل ان الزمن حقيقة إجتماعية ؟

          لاشك أنّ الأشياء تتغير، والأحداث تحصل في زمن ما. فالتغيير الكوني أو الإجتماعي أو الفردي لا يمكن أن ندركه ونفهمه ما لم نقس الزمن ونفهم حجم تأثيره علينا. فمن الطبيعي، أنّ الزمن يساهم في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية. فالحقيقة الخارجية التي نواجهها هي تفسير نضعه نحن في مشاعرنا على ضوء «الزمان والمكان» الذي نعيش فيه. ولذلك فإنّ الافراد الذين تختلف ثقافاتهم يفسرون الحقيقة الخارجية بصور مختلفة في ضوء مفاهيمهم في ذلك الزمان والمكان. فالحقائق الخارجية قبل ألف عام تبدو لنا بسيطة وساذجة في بعض الاحيان; ولاشك أنّ الحقائق التي نراها نحن اليوم ربما كانت لاولئك الناس الذين عاشوا قبلنا غير قابلة للتصديق. ولكن أرجو أن لا يقودنا هذا الفهم الى تصور خاطئ عن تأثير الحقيقة الاجتماعية على السلوك الانساني، لأن دقة الفهم الاجتماعي للحقيقة ليس له تأثير خطير على السلوك الاجتماعي في ذلك الزمان الذي يختبره المجتمع بالذات. فاذا شخّص الافراد الحقيقة الخارجية في زمن ما، فان ما يترتب على ذلك من أفعال يكون أمراً حقيقياً نسبياً للافراد أنفسهم. فاذا آمن اولئك الافراد في مجتمع ما بأنّ الأرض مسطحة مثلاً، فإنّ ذلك الإيمان سيكون جزءً من الحقيقة التي يرونها في ذلك المجتمع تجاه عالمهم الطبيعي أو الاجتماعي. وفي ضوء تلك الشروط التي وضعوها للحقيقة فإنهم سوف لن يبحروا على سفينة في بحر لجي الى حافة الأرض، لأنّ في ذلك نهايتهم المحتومة، كما كانوا يظنّون. وكذلك اذا آمن الافراد بأنّ بإمكانهم علمياً الوصول الى سطح كوكب آخر، فإنهم سوف يتصرفون بموجب الحقيقة الخارجية التي فهموها وخضعوا لشروطها. ومن الطبيعي، فإنّ النّاس الذين يعيشون ضمن حدود ثقافية ودينية متضافرة سوف يشتركون في فهم موحّد وذهنية مشتركة تجاه الحقيقة الخارجية.

          فمن المسلّم به، أنّ معرفة الحقيقة الخارجية تتمّ ضمن رؤية الأشياء في زمان ومكان واحد. فالزمن قد يختبره الافراد بشكل سايكولوجي مختلف، فقد يكون للبعض بطيئاً ثقيلاً وقد يكون للبعض الآخر سريعاً يمرّ كلمح البصر. إلاّ إنّ ما يوحّد النظرة البشرية للزمن على طول التاريخ هو أنها تشترك جميعاً في حساب الزمن التكويني. فالسنة هي تعبير للوقت الذي تحتاجه الأرض للدوران حول الشمس لإكمال دورة الفصول الأربعة، والشهر تعبير للوقت الذي يحتاجه القمر لإكمال دورته حول الأرض، واليوم عبارة عن الوقت الذي يبدأ بغروب الشمس وحتى غروب شمس نهار آخر، وهو ما تحتاجه الأرض لإتمام دورتها حول نفسها.

          والالآت الميكانيكية الحديثة التي اُخترعت في القرن الرابع عشر الميلادي لحساب الزمن، غيّرت أفكارنا حول دقة الزمن وطريقة الإستفادة منه. فأصبحت الاُجور والمكافآت الاجتماعية تُحدّدان بموجب الساعة العرفية الحديثة التي تشكل عدداً محدوداً من الدقائق، وغدت الحياة الاجتماعية متوقفة كلياً على الطريقة الميكانيكية أو الآلية الحديثة في ضبط الوقت. ومع كل ذلك التقدم التقني، إلاّ إنّ الوقت يبقى حقيقة إجتماعية أكثر منه حقيقة علمية. ولنأخذ مثالاً على ذلك، وهو «الخط العالمي للتوقيت» الذي يمر بخط (180) درجة من دائرة خط الزوال أو الطول، وهو خط وهمي يمر بالمناطق غير المأهولة من الكرة الارضية[10]. فاذا وقفتَ على ذلك الخط، فإنك تستطيع أن تضع قدماً في يوم الجمعة وقدماً آخر في يوم السبت. أما اذا كنتَ على ذلك الخط في «31 كانون الاول» أو «1 كانون الثاني» فإنك تستطيع أن تمشي بين السنة الميلادية السابقة والسنة الميلادية اللاحقة بخطوة واحدة. وهذا كله يدلّ على أنّ قياس الزمن هو من تركيباتنا الاجتماعية التي خلقناها لأنفسنا وليست له حقيقة علمية.

          واذا آمنا بأنّ الزمن حقيقة إجتماعية، فان تنظيم ذلك الزمن ذي الأمد القصير أو البعيد يدعونا الى تشخيص الأشياء التالية:

          أ ـ معرفة نظام قياس الزمن الكوني والإنساني.

          ب ـ معرفة دوافعنا نحو الماضي، والحاضر، والمستقبل.

          ج ـ تنظيم وقت الافراد والجماعة.

          وهذه الألوان الثلاثة من النشاطات لها أبعاد إجتماعية تخص حياة الافراد وطبيعة الحياة الاجتماعية للناس. فتغير الأشياء عبر الزمن يشجعنا على تنظيم أوقاتنا عبر مقياس محدد، ويشجعنا ايضاً على فهم طبيعة دوافعنا الذاتية الفطرية تجاه الماضي بما فيه من أحداث تأريخية ودينية وعقائدية. وبكلمة، فإنّ للزمن دوراً فعاّلاً في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية التي نفهمها كأفراد نشترك معاً بذهنية موحدة في زمان ومكان واحد.

 الأبعاد النفسية :

          والبعد الزمني بعدٌ مهم في تجاربنا الحياتية ونشاطاتنا الشخصية. إلاّ إنّه ـ مع اهميته ـ لا يمثّل حقيقة خارجية نستطيع أن نفهمها وندركها بسهولة. ففكرة الزمن أو الوقت قد عُرضت علينا من خلال تجاربنا في التغيير البيولوجي والاجتماعي والكوني للحياة ; وهذه الألوان من التغيير نراها بإستمرار. حتى أنّ علماء الطبيعة التجربيين لم يكن ليستطيعوا القيام بتجاربهم ما لم يضعوا فواصل زمنية محددة لدراسة الظواهر الطبيعية والبيولوجية.

          ولاشك إننا نفهم الزمن من زاويتين متميزتين : الاولى : نظام التغيير أو السلسلة المتعاقبة من الأشياء المتبدلة في كل لحظة. والثانية : الفاصلة الزمنية بين تلك التغيرات التي نراها أو نلمس آثارها. فنحن نلمس نظام التغيير الحاصل في الليل والنهار، وتبدل فصول السنة، وتغير حياة الانسان، وتغير الحياة الاجتماعية، ونحسّ ايضاً بالفاصلة الزمنية التي تفصل تلك التغيرات الطبيعية وتأثيرها على المتغيرات ذاتها.

          وهنا يتبادر سؤال فرعي مهم، وهو : هل أنّ الزمن حقيقة إجتماعية مجردة أو إنه نشاط ذهني أيضاً نحسّه بسبب إحساسنا بالتغير الحاصل للأشياء ؟

          أجاب الفلاسفة الاوروبيون وعلى رأسهم «عمانوئيل كانت» بـ «أن الزمن هو شكل من أشكال أحاسيسنا الذاتية، بل هو نشاط ذهني مجرد وليست له حقيقة خارجية»[11]. وهو جواب غير تام لأن الزمن، مع إنه شعور ذاتي نلمسه بالتغير، إلاّ أن الحقائق الخارجية التي تقيس ذلك الزمن كالظواهر الطبيعية والفيزيائية لا يمكن إنكارها أو إنكار وجودها. ولاشك أن البُعد النفسي للزمن ـ  الذي يعبّر ذاته عن حقيقة خارجية ـ يمكن أن يُشخَّص عن طريق دراسة السلوك الزمني، أو بتعبير آخر التكيف الانساني نحو التغيرات الشخصية والاجتماعية والطبيعية التي تحصل خلال تلك السلسلة المتعاقبة من الأيام أو الشهور أو السنين. يضاف الى ذلك أن الإنسان يقابل التغير الخارجي بإشارات ورموز مفهمومة فينقلها من جيل الى آخر عبر التعليم ووسائل نقل المعرفة الاُخرى. فيكون الزمن والإحساس به نشاطاً ذهنياً شخصياً يستند على ثبوت ظواهر تكوينية خارجية.

          ولكن التكيف لقبول نظام التغيير الشخصي والاجتماعي مشروط بقابلية الافراد على إعادة وممارسة ذلك التغيير بنظام متجه نحو طريق واحد لا يقبل العكس. فعندما نتعلم الكتابة في طفولتنا، فاننا نتعلمها من اليمين الى اليسار مثلاً ولا يمكننا أصلاً أن نكتب بطريقة عكسية اي من اليسار الى اليمين لنفس اللغة التي تعلمناها في الصغر; وكذلك التكلم وحساب الأرقام وتركيب المعلومات، فإنّ كل ذلك يسير بطريقة متجهة نحو إتجاه واحد لا تقبل العكس بتاتاً. وتلك الطريقة مرتبطة بطبيعة فطرتنا النفسية نحو الزمن. فإننا نلمس من خلال مشاعرنا وأحاسيسنا بأن الحياة تتحرك وتتطور بإتجاه واحد. ولكن هذا لا يعني أنّ الافراد أو الشعوب اذا تطورت في الحضارة فإنها لا تمر بأدوار من الإنحطاط والتخلف، فهذا موضوع آخر يرتبط بقابليات الافراد وظروفهم لا بما نحن فيه من حديث حول الأبعاد النفسية للزمن.

 الابعاد الدينية :

          ونستلهم من فكرة الإتجاه غير العكسي للزمن أننا ماضون نحو هدف محدد في حياتنا الإجتماعية، وهو السير الى باب نطرقها ـ جبراً أو إختياراً ـ ليؤذن لنا بالدخول الى عالم آخر لا نفهم معناه وطرازه إلاّ من خلال الدين والرسالة السماوية. وتلك الباب ـ بلا شك ـ تمثل الموت والفناء عن هذا العالم الدنيوي. فإن تصميم الزمن في الوجود بحيث يمر بإتجاه واحد يجعلنا ننظر الى المستقبل من زاوية تصحيح وتعديل سلوكنا الشخصي والاجتماعي، ويجعلنا ـ في الوقت نفسه ـ ننظر الى الماضي من زاوية الندم على تقصيرنا في ادآء واجباتنا الشرعية. وفوق كل ذلك يجعلنا نقبل بالحقائق الالهية الحتمية التي ستواجهنا في المستقبل من قبيل الخلافة في الارض : (وَلَقَد كَتَبنا في الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحُونَ)[12] ، والموت والبعث والنشور : (ألاّ يَظُنُّ اُولئِكَ أنَّهُم مَّبعُوثُونَ ليوم عَظِيم...)[13] ، والخلود في حياة جديدة تختلف عن الحياة التي ألفناها، فيقال للمتقين :(ادخُلُوها بِسَلام ذلِكَ يَومُ الخُلُودِ)[14] ، ويقال للعاصين : (ادخُلُوا أبَوابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فيها فبِ