(ص 73 - 104)

[الفصل الثامن]

فصل في ألفاظ المدح والقدح

          ولابد أولاً من بيان أمرين: الأول: ان ملاك حجية الخبر يختلف باختلاف المشارب منهم من قال إنه عدالة المخبر، ومنهم من قال حصول الوثوق الفعلي بالصدور وغير ذلك من الأقوال. والحق أنه أحد الأمرين: الوثوق الفعلي بالصدور، وقول الثقة غير الموثوق بخلافه فعلاً. الثاني: انه ينبغي أن يكون المراد من المدح في هذا العلم ما يوجب حصول ملاك حجية الخبر ومن القدح ما يوجب انتفاؤه، وأما الأوصاف المادحة أو الذامة من غير الجهتين نظير قولهم كان قارئاً أو شاعراً أو أديباً أو متكلماً أو غير ذلك فلا ينبغي أن يكون محلاً للكلام كما أن الأوصاف التي هي خالية عن المدح والذم بالمرة كالكوفي والبصري وبياع السابري والطحان وغير ذلك كذلك قطعاً.

          إذا عرفت ذلك فاعلم أنه ينبغي التكلم في مقامات ثلاثة:

[الجهة الاولى]: في ألفاظ المدح وقد علم مما ذكرنا أنه ليس منها (امامي) أو (من أصحابنا) وما يساوقهما من الألفاظ الدالة على كون الراوي من الطائفة المحقة الاثني عشرية لعدم تحصيل ذلك لملاك الحجية على جميع المباني وكذا (ضابط) وهو من لم يكن حفظه أدون من المتعارف ونحوه من الألفاظ الدالة على هذا المعنى مثل ثبت أو على المرتبة الأعلى مثل الحفظة أو كثير الحفظ، وقد عدّوا من أمثلة المقام ألفاظاً:

          منها: عدل وهل هي ظاهرة في كون الرجل مستقيماً في دينه مؤمناً كان أو غير مؤمن ضابطاً أو غيره، أو ظاهر في كونه مستقيماً في دينه مع الايمان والضبط؟ وعلى الأول فهل يمكن إثبات الايمان والضبط من الخارج أو لا؟ وجوه ثلاثة أقربها الأخير. واستدل للأول بانصراف اللفظ إلى الفرد الأكمل وفيه مضافاً إلى منع أكملية العدل الضابط عن العدل غير الضابط بل وكذا العدل المؤمن بالنسبة إلى العدل غير المؤمن إذ المفروض أن عدالة الرجل هي الاستقامة في دينه الذي يتدين به منع كونه منشأ للانصراف. والثاني أما على الإيمان والامامية فبكونه مقتضى الخلقة وبأن بناء كتب الرجال على التعرض لفساد المذهب وحيث لم يتعرض ثبت أنه إمامي وعلى الضبط فبأصالة عدم النسيان أو عدم كثرته، ويرد على الأول وجهان:

الأول: منع كون الخلقة على الاثنى عشرية. نعم، كل إنسان مجبول بحسب خلقته على معرفة صانعه مضافاً إلى عدم دليل على حجية ذلك عند الشك، وعلى ثاني وجهيه منع الكلية، نعم الظاهر تمامية ذلك بالنسبة إلى فهرست الشيخ وكتاب النجاشي، ورجال ابن شهرآشوب[1] لأنهم ذكروا في أول كتبهم أن كتابهم موضوع لذكر رجال الشيعة، وعلى الوجه الثاني بأن الأصل المذكور لا جريان له فيما لم يحرز كون الإنسان متعارفاً. ومن جميع ما ذكر ظهر أقربية الأخير وعلى ذلك قول المزكي إنه عادل لا يثبت ملاك الحجية، أما على قول المحقق الأردبيلي ومن تبعه فلاعتبارهم معها الإيمان، وأما على المختار فلأن ملاك الحجية كون الرجل ثقة وهو لا يحصل بالاستقامة في دينه إلا أن يضم كما هو ليس ببعيد بناء العقلاء على العمل بخبر العدل بلا تفتيش عن حال المخبر ان [كان] حفظه بمقدار المتعارف أو لا، وهذا غير الأصل المتقدم. فالحق (ع) حينئذٍ كون لفظ العدل وما يساوقه مثل متدين أو ديّن أو خيّر وأمثالها من ألفاظ المدح بالمعنى المتقدم.

          ومنها: لفظ الثقة وهل هو ظاهر في كون الرجل ذا ملكة موجبة للتحرز عن الكذب في أقواله، وعن الخيانة في أفعاله في اصطلاح أهل الرجال كما هو كذلك بحسب اللغة والعرف أو ظاهر في معنى العدالة؟ وعلى الثاني يجري فيه أيضاً الوجوه المتقدمة حرفاً بحرف. وأقرب الوجوه الأربعة الأول لأصالة عدم النقل بعد عدم دليل عليه وحينئذٍ يكون محصلاً لملاك الحجية على المختار لا على القول باعتبار العدالة أو سائر الأقوال.

          بقي أمور:

الأول: ان ظاهر عدم اعتبار كونهما واقعين في كلام الامامي بل يجوز أن يكون المزكي أو الجارح من غيرهم كابن عقدة، وعلي بن حسن بن فضال إذا كان ثقة لأن الدليل على اعتبار قولهما دليل خبر الواحد وقد تقدم أن ملاكه كون المخبر ثقة متحرزاً عن الكذب.

الثاني: إنه إذا لم يعتبر ووقع لفظ العدل كذلك، فهل يحمل على العدالة عند المتكلم أو السائل أو على الاستقامة في دينه من دون تعيين، أو يفصل بينما كان ما عند السائل مشهوراً بحيث اتباعه أكثر فيحمل عليه وإلا فعلى ما عند المتكلم وكذا لفظ الثقة بناء على كونه ظاهراً في معنى العدل؟ وإلا فعلى التحقيق من كون معناه عند أهل الرجال أيضاً مطابقاً لمعناه الحرفي، وهو كونه واجداً لملكة رادعة عن الكذب والخيانة؟ يسقط هذا البحث وجوه أظهرها الثالث لأن العدالة بحسب المعنى الأول هي الاستقامة وبحسب المعنى الثاني هي الاستقامة في الدين لكن لا في الدين الواقعي بل ما هو دين عند المتصف به فلكل من هو مستقيم في دينه الذي يتدين [به] يصدق عليه هذا المفهوم. وحينئذٍ إذا قال الإمامي أو غيره فلان عدل لا يستكشف منه أنه معتقد بأية عقيدة بل المفهوم منه أنه مستقيم في دينه ويتفرع عليه أنه إذا قيل في حق أحد عدل أو ثقة ثم صدر قول من هذا القائل متصلاً أو منفصلاً أو من شخص آخر أنه فطحي أو زيدي أو غير ذلك من المذاهب الفاسدة فلا تنافي في البين، وأما إذا كانا دالين على الاستقامة عند السائل وكان السائل في الأول من الامامية وقعت المنافاة.

          وحينئذٍ هل المعول العمل بالظن الحاصل من الثاني لأنه من جهة قوة الدلالة يحصل منه الظن فعلاً دون الأول؟ بناء على حجية الظن في الأحكام الرجالية اختاره في توضيح المقال أو الجمع الدلالي بحمل الظاهر على النص وهو الثاني، أو يحكم بالتعارض، إلا إذا كان الكلام الثاني من القائل الأول وكان متصلاً لمنع حجية الظن كما تقدم. ومنع حجية الجمع الدلالي في كلام غير المعصوم على ما قررناه في الأصول، وحينئذٍ لو قلنا بشمول أدلة العلاج لمطلق الإمارتين أو لمطلق الخبرين يرجح او يتخير وإن قلنا بعدم شمولها إلا للخبرين الناقلين عن المعصوم كما هو الأظهر بالتساقط فيكون الرجل في حكم المجهول وجوه أربعة أقربها الأخير وقد علم وجهه.

الثالث: إنه إذا وقع الرمي بغير مذهب الامامية في كلام من كان غير إمامي كابن عقدة وعلي[2] وكان المرمي ممن عدّل أو وثّق في كلام إمامي كأبان بن عثمان الأحمر المرمي في كلام علي بالناووسية[3] وهم الواقفون على الصادق (ع) والقائلون أنه (ع) حي لم يمت ففي القبول وعدمه قولان. والتحقيق عدم الواقع لهذا النـزاع أصلاً لأنه إن قلنا بأن ملاك حجية الخبر كون الراوي عادلاً فلا وجه لاعتبار قول هذا الجارح لكونه غير عادل حتى يعارض به قول المعدّل. وإن قلنا بأن ملاك الحجية كونه ثقة وأن العدل والثقة ليسا بظاهرين في الامامية فلا إشكال في حجية قول المعدّل وعدم حجية قول الجارح لعدم ترتب أثر عليه مضافاً إلى عدم المنافاة بين القولين. وإن قلنا بظهورها فيها فربما يتوهم المنافاة حينئذٍ لتنافي ظهورهما في الامامية مع ظهور قول الجارح في ضده ويتساقطان، ولكنه مندفع بأدنى تأمل لعدم شمول أدلة حجية الخبر لقول الجارح أبداً ولا لقول المعدّل من حيث ظهوره[4] في إمامية الرجل لعدم أثر عملي له، فيكون ظهور كلامه في التحرز عن الكذب ولو في مرتبة الالتزام حجة فتأمل. ثم ان الظاهر عدم كون ابان مثالاً للمقام بوجهين: الأول: أنه لم يعدّل ولم يوثق في كلام أهل الرجال بل الدليل على حجية خبره كونه من أصحاب الإجماع.  الثاني: ان كونه ناووسياً موثوق الخلاف [كذا] لكثرة روايته عن الكاظم (ع) فتأمل، وترحم شيخ الطائفة عليه في موضعين من الفهرست على ما في التعليقة، ولما نقل عن شرح الإرشاد للأردبيلي في باب الكفالة منه أنه قال: وفي الكشي الموجود عندي عن معد عن علي أن ابان بن عثمان كان من القادسية فكأنه تصحيف انتهى. ولروايته ان الأئمة اثني عشر فتأمل وبالجملة فالوثوق حاصل بكون هذا الخبر مخالفاً للواقع.

          ومنها: قولهم ثقة في الحديث أو في الرواية وظاهره كونه متحرزاً عن الكذب في اخباره الذي يكفي في حجية الخبر لا كونه ثقة في نفسه فضلاً عن كونه عادلاً. وإن ذكر الآغا (قدس سره) في فوائده الرجالية ان المعروف المشهور كونه تعديلاً وتوثيقاً للراوي لكنه خلاف ظاهر اللفظ.

ومنها: قولهم صحيح الحديث وفيه وجوه: كونه إمامياً عادلاً في نفسه أو مع من بعده، كونه ثقة في نفسه أو مع من بعده، كونه ثقة في حديثه أو مع من بعده، كون خبره موثوق الصدور من قبله وحده أو مع من بعده. وأدنى الاحتمالات هو الخامس ومنه يظهر أن هذه العبارة أقوى من المتقدمة أو مساوٍ لها وهذا الأدنى أو الظاهر منها.

          ومنها: قولهم من مشائخ الإجازة، وهل يستفاد من كون الرجل شيخ الإجازة كونه عادلاً وحده، أو مع من بعده، أو غيره من الوجوه المتقدمة، أو يستفاد منها ما هو فوق العدالة في نفسه كما نقل عن بعض، أو مع من بعده، أو لا يستفاد منها شيء بل هو في المجاهيل؟ وجوه أحد عشر أقربها ما تقدم في السابقة.

          ومنها: قولهم عين، أو وجه مطلقاً، أو مقيداً بقولهم من عيون أصحابنا، أو من وجوه أصحابنا. وفيه احتمالات وجوه أحد عشر أظهرها ما تقدم في السابقتين. نعم، لا يبعد استفادة الوجه الأول في صورة التقييد ولا يتوهم أن معنى الوجه ذو الجاه وهو قد يكون بالعشيرة أو المال لأنه من المعلوم أن إطلاقه في ذلك الزمان كان باعتبار الوثوق والعلم لا بأحد هذين الاعتبارين. ومثله قولهم رئيس الطائفة وشيخ الطائفة. ومن ذلك يظهر أنه إذا قال الرجالي فلان أوجه من فلان أو أصدق أو أوثق أو أعدل يستفاد منه التوثيق.

          ومنها: قولهم فلان معتمد الطائفة ولا إشكال في كونه مفيداً للمدح بالمعنى المتقدم.

          ومنها: قولهم لا بأس به وهل هو ظاهر في عدم البأس بروايته أو بدينه على الإطلاق أو من جهة العقيدة فقط، وعلى الأخير لا يكون مدحاً وعلى الثاني يكون تعديلاً وعلى الأول يكون توثيقاً في الرواية فقط. والظاهر في عبائر أهل الرجال هو الأول.

          ومنها: قولهم إنه روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة فإن الظاهر استفادة التوثيق منه فيكون هذا القول حجة ما لم يظن بكون ذلك مبنياً على الحدس.

          ومنها: قولهم إنه كان وكيلاً للإمام فإن الإمام لا يوكل غير الثقة.

          ومنها: قولهم اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وفيه احتمالات ثمانية تقدمت في قولهم صحيح الحديث وأظهرها الخامس.

          ومنها: غير ذلك مما هو مذكور في الرجال.

الجهة الثانية: في ألفاظ الذم أي ما تؤدي معنى يسقط الخبر عن الحجية بحيث لو كان توثيق في البين لعارضه ويكون الملاك حينئذٍ بناءً على اعتبار العدالة في الراوي ما دل على عدمها من فساد عقيدة أو عمل جارحي قادح في العدالة وبناء على المختار ما دل على عدم الوثاقة في الحديث فلا يكون من ألفاظه فطحي أو زيدي أو عامي أو غير ذلك مما دل على خروج الرجل من الاثنى عشرية وكذا قولهم شارب الخمر أو غيره مما دل على تحقق المعصية الجارحية غير اللسانية أو اللسانية غير الكذبية. وأما اللفظ الدال على كونه كاذباً في أقواله أو غير مأمون فيها فهو من ألفاظ الذم مثل قولهم ليس بثقة أو كذاب أو وضّاع مطلقاً أو للحديث إلى غير ذلك، وأما قولهم فاسق أو فاسق بجوارحه فالحق عدم كونه ذماً بالمعنى المتقدم لصدق الفاسقية بنحو الإطلاق أو بالجوارح على ما كان ثقة في لسانه وكان فاسقاً بسائر جوارحه فيكون بالنسبة إلى المدعى مجملاً فلا يعارض ما دل على التوثيق لو كان. نعم، لو لم يكن كان الرجل من المجاهيل، وأما قولهم ضعيف ففيه احتمالات الضعف في العقيدة فلا يكون ذماً بالمعنى المتقدم أو الضعف بحسب القدح في العدالة مع كونه ثقة في أخباره فلا يكون ذماً بالمعنى المتقدم أو الضعف بحسب القدح في العدالة مع كونه ثقة في أخباره فلا يكون ذماً أيضاً أو الضعف بحسب أخباره فيكون ذماً أو الضعف من حيث أخذه للخبر من الضعفاء ونقله المراسيل فلا يكون ذماً أيضاً. والظاهر[5]  من إطلاقه في الرجال هو الثالث فيكون من ألفاظ الذم.

          إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذم يتحقق بألفاظ منها: قولهم كذاب. ومنها: قولهم وضاع. ومنها: قولهم ليس بثقة. ومنها: قولهم ليس بشيء أو ساقط أو متروك أو متروك الحديث أو متهم. ومنها: قولهم ضعيف الحديث أو في الحديث أو مضطرب الحديث أو مختلط الحديث. ومنها: قولهم ليس بنقي الحديث. ومنها: قولهم يعرف حديثه وينكر. ومنها: قولهم منكر الحديث أو غمز عليه في حديثه إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على الذم بالمعنى الذي قدمناه. وأما قولهم مخلط أو مختلط فالظاهر العدم لإجماله بين إرادة فساد العقيدة وبين إرادة أنه ينقل الصحيح والسقيم. وعلى تقدير ظهوره في الأول فلا يكون ذماً بالمعنى المتقدم أيضاً. وكذا قولهم كاتب الخليفة أو الوالي أو من عماله، أو كان عاملاً من قبل بني أمية أو بني العباس أو خازناً للمنصور ونحو ذلك لوجهين: الأول: احتمال الصحة للتقية أو غير ذلك من الأسباب المجوزة لهذا المحرم. الثاني: ان ملاك القبول في الخبر كونه ثقة في أقواله ولو كان مرتكباً الكبائر بسائر الجوارح فلا تكون هذ الألفاظ من ألفاظ الذم بحيث تعارض التوثيق على تقدير وجوده. وأما قولهم ليس بذاك فهل هو ذم أو توثيق بأن يكون المراد أنه ليس بمرتبة كمال الوثوق وأصل الوثوق موجود أو مجمل وجوه أقربها الأخير وكذا قولهم ليس بذاك الثقة أو ليس بذاك النقي إلا أن الأظهر أيضاً الإجمال لاحتمال كون الثقة والنقي بدلاً من اسم الإشارة.

          ومنها: أن يروي الراوي عن الإمام (ع) على وجه يظهر أنه حسبه (ع) راوياً لا حجة كأن يقول عن جعفر عن أبيه عن آبائه كما هو الغالب في أخبار السكوني فإنه يظن منه كون الرجل من غير الإمامية وفيه، أولاً: إن غايته الظن به وليس بحجة، وثانياً: إن فساد العقيدة لا يوجب الذم الخبري كما عرفت ولذا نقل عن العدة أنه ادعى الإجماع على العمل بروايات السكوني، وحفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج. قال في محكي العدة إن رواية المخالفين عن الأئمة إن عارضتها رواية الموثوق به وجب طرحها وان وافقتها وجب العمل بها وإن لم يكن ما يوافقها ولا ما يخالفها ولا يعرف لها قول فيها وجب أيضاً العمل بها لما روي عن الصادق (ع): إذا نزلت بكم حادثة ولا تجدون حكمها فيما رووا عنا فانظروا إلى ما رووا عن علي (ع) فاعملوا به، ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا (ع) ولن ينكروه ولم يكن عندهم خلاف انتهى.

          بقي الكلام في أنه هل يثبت بدعوى الشيخ عمل الطائفة برواية هؤلاء أو لا؟ وعلى تقدير الأول فما المراد؟ ويحتمل وجوهاً ثمانية تقدمت في صحيح الحديث، والأظهر الثبوت بلا حاجة إلى توثيق شخص على حدة في الرجال، وقد عرفت أن الأقوى خامس الوجوه. ومثل هؤلاء الأربعة طلحة بن زيد من العامة لقول الشيخ في الفهرست له كتاب معتمد[6]، وكذلك عبد الله بن بكير، وسماعة بن مهران، وبني فضّال، والطاطريين، وعثمان بن عيسى من غير العامة لقول الشيخ في العدة: "عملت الطائفة بما رواه بنو فضال وفي موضع آخر منها عملت الطائفة بما رواه الطاطريون، وفي موضع آخر ان الطائفة عملت بما رواه سماعة بن مهران، وفي موضع آخر ان الطائفة عملت بما رواه عبد الله بن بكير، وفي موضع آخر ان الأصحاب يعملون بأخبار عثمان بن عيسى، فنفس هذه الدعوى كافية بلا حاجة إلى توثيق كما ورد في بعض هؤلاء على ما يظهر من تراجمهم بل يظهر من موضع آخر من العدة أن وقوع العمل بأخبار هؤلاء لكونهم من الثقات قال فيها أجمعت العصابة على العمل بروايات السكوني وعمار ومن ماثلهما من الثقات"[7] انتهى. وإن كان كون بعض هؤلاء من غير الامامية ممنوعاً فلاحظ التراجم. وأما علي بن أبي حمزة فالأقوى عدم اعتبار خبره وإن قال في العدة إن الطائفة عملت بأخباره إلا أنه معارض بقول علي بن أبي حمزة كذاب متهم وقوله الآخر كذاب ملعون وربما في التعليقة من أن المشهور ضعفه.

الجهة الثالثة: في الألفاظ التي لا تفيد مدحاً ولا ذماً بالمعنى المتقدم أفادت بمعنى آخر أولاً منها: قولهم أسند عنه وقد تقدم الكلام فيه في فصل مستقل.

          ومنها: قولهم له أصل أو كتاب أو كتب وربما يتوهم إفادته التوثيق أو الحسن المصطلح ولكنه ممنوع. نعم، هو حسن في نفسه وأما الفرق بين الأصل والكتاب فقيل وجوه شتى والأظهر أنه مجموعة جمعت فيها أخبار للتحفظ عن النسيان بلا تبويب ولا تفصيل بخلاف الكتاب فإنه أعم أو مقابل له ولا أهمية في ذلك.

          ومنها: قولهم فلان مولى فلان، أو فلان مولى بني فلان أو مولى وهو لا يفيد شيئاً وهو يطلق على معاني كثيرة ولكن الظاهر تردده في لسان الرجال بين ثلاثة: الحليف والنـزيل وغير العربي الخالص، والملازم المصاحب، ودعوى الكثرة في الثالث ممنوع[8].

          ومنها: قولهم إن فلاناً من غلمان فلان، ولا يفيد شيئاً وربما يتوهم أن معناه أنه رق له وهو حاصل من خلط اللغة الفارسية بالعربية فإنه مرادف في الفارسية للعبد في العربية، وأما فيها فهو الصبي الذي لم يحتلم، إلا أن المراد منه في الرجال التلميذ.

          ومنها: قولهم فلان قريب الأمر وهو مجمل لتردده بين كونه بمعنى قريب العهد بالتشيع، وبين قريب الأمر بقبول القول، وبين أن مذهبه قريب [من] المذهب الحق.

          ومنها: فلان مضطلع بالرواية وهو مردد بين قوي الخبر وبين مطلع به.

          ومنها: قولهم فلان سليم الجنبة وهو أيضاً مردد بين سليم الاخبار وبين سليم العقيدة بل يمكن دعوى ظهوره في الأخير.

[الفصل التاسع]

فصلٌ في قبول الجرح والتعديل

          هل الجرح والتعديل يقبلان بلا ذكر سبب أو لا؟ وقد نقل في الفصول[9] أقوالاً ستة وأقويها القبول في كليهما مطلقاً لعموم ما دل على حجية قول الثقة. نعم، ربما يستشكل في قبول العبارة التعديل بأن العدالة على التحقيق عبارة عن الملكة مع اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، والملكة من الأمور الحدسية التي لا يكون الخبر فيها حجة ولكنه مندفع بما قررنا في الأصول من الأمر الحدسي الذي له مبادىء محسوسة ظاهرة كالملكة داخل في أدلة الحجية فراجع.

 [الفصل العاشر]

فصلٌ في تعارض الجرح والتعديل

          إذا تعارض التعديل مع الجرح فهل يقدّم المقدّم، أو المؤخر، أو يقدّم الجرح مطلقاً، أو التعديل كذلك، أو يقدّم الجرح إذا كان التعارض من حيث الإطلاق ووجوب الرجوع إلى المرجحات إن كان من حيث الخصوص بأن قال الجارح وجدته يشرب الخمر في الوقت الفلاني، وقال المزكي إني وجدته في هذا الوقت نائماً اختاره في الفصول، أو المدار على الظن المطلق بناء على حجيته في الرجال وإن لم يحصل من واحد منهما فلا حجية في البين، أو على الوثوق الفعلي فلا حجية لواحد منهما إذا كانا فاقدين له، أو المدار على الوثوق الفعلي، وفي فقده في كليهما يتعارضان ويرجع إلى الترجيح والتخيير بناء على كون أدلة العلاج عامة لكل إمارة أو لكل خبر، أو يكون الرجل في حكم المجاهيل للتساقط وعدم عمومها إلا الأخبار الحاكية لقول المعصوم وجوه بل أقوال أظهرها الأخير.

          أما بطلان الخمسة الأولى فواضح. وأما السادس فلأن مبناه انحصار كون الملاك الظن وفيه أولاً: منع حجيته، وثانياً: منع الانحصار فإن قول الثقة أيضاً حجة. وأما السابع فلأنه مبني على انحصار الملاك في الوثوق والانحصار ممنوع لكون قول الثقة غير الموثوق بكذبه حجة أيضاً. وأما الثامن فهو مبني على عموم أدلة العلاج، وقد قررنا في الأصول عدم العموم فتعين التاسع.

 [الفصل الحادي عشر]

فصلٌ في أقسام الحديث

          الظاهر أن الحجة من الأخبار عند القدماء ما كان راويه متحرزاً عن الكذب أو الموثوق بالصدور لا خصوص الأخير كما قد ينسب إليهم، وهذا هو المراد بالصحيح عندهم فالخبر عندهم قسمان صحيح وغير صحيح. وأما المتأخرون فقد قسموه إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف، وأصل هذا التقسيم حدث في زمان ابن طاووس (قدس سره)، واشتهر في زمان العلامة (قدس سره).

          والأول: ما كان جميع رجال سنده إماميين عدولاً مع الاتصال بالمعصوم. والثاني: ما كان جميع رجاله إماميين ممدوحين مع عدم تعديل الكل. والثالث: ما كان جميع رجاله موثقين مع عدم كون الكل إمامياً مع الاتصال في كليهما، ولو كان بعض الرجال موثقاً غير إمامي، وبعضهم إمامياً ممدوحاً غير موثق، ففي كونه ملحقاً بالحسن أو الموثق قولان مبنيان على أن الأقوى هل هو الحسن أو الموثق لأن النتيجة تابعة للأحسن. والرابع: ما لم يكن واحداً من الثلاثة، والأقوى أن هذه الأقسام ليست بحيث يكون الكل حجة أو غير حجة. والصحيح الحجة منه ما كان الرجال ثقات مع عدم الوثوق بكذبه، فلو فرض أنهم عدول غير ثقات أو ثقات لكن وثق بالكذب من جهة إعراض القدماء وغيره فليس بحجة بما هو لأن المفروض أن في رواته من لم يثبت توثيقه. نعم، لو وثق بصدوره من جهة من الجهات لكان حجة، والموثق حجة إلا إذا وثق بعدم صدوره من جهة من الجهات، والضعيف كالحسن بل أولى بالعدم إلا إذا حصل الوثوق بالصدور. والملاك في ذلك كله كون ملاك الحجية الموثوق أو كون الراوي ثقة في الحديث بشرط عدم الوثوق الفعلي بالخلاف.

 [الفصل الثاني عشر]

في أنحاء تحمل الحديث

          أنحاء تحمل الرواية سبعة:

أحدها: السماع بأن يقرأ الشيخ من حفظه أو في الكتاب مع كون الراوي هو المخاطب فقط أو أحد المخاطبين، أو يكون سامعاً له من دون خطاب له. فهذه ستة وجوه، وفي هذا القسم لا إشكال في جواز العمل وجواز الرواية، وجواز التعبير بقوله حدثني أو أخبرني مطلقاً، أو مقيداً بقوله سماعاً منه.

ثانيها: القراءة على الشيخ من الحفظ او من الكتاب مع اعترافه بأنه مسموعه أو مرويه ولا إشكال فيه أيضاً في جواز العمل وجواز الرواية، ولكن هل يجوز حدثني أو أخبرني مطلقاً أو لا يجوز إلا مقيداً بقوله قراءة عليه أو لا يجوز مطلقاً. نقل الأخير عن علم الهدى واحتج بأنه مناقضة لأن قوله حدثني ظاهر في السماع منه، وقوله قراءة عليه تكذيب له واختار الثاني في توضيح المقال محتجاً بأن التقييد من قبيل المجاز مع القرينة ولكن الإطلاق لا يجوز من حيث كونه ظاهراً في السماع منه.

          أقول: بالجواز مطلقاً أما مع التقييد فواضح، وأما بدونه فلمنع ظهور الإطلاق في الإخبار السماعي أولاً ولمنع لزوم مفسدة موجبة لعدم الجواز على تقدير ظهوره في السماعي مع فرض إرادة خلاف الظاهر لأنه لا يلزم الكذب حينئذٍ حتى يحرم من هذه الجهة ولا مفسدة في البين توجب حرمة ذلك الاستعمال.

ثالثها: الإجازة وهي أن يجيز رواية كتاب شخص أو معنون بعنوان عام كأن يقول أجزت لمن كذا من الصفة أن يروي إلى ما صح عندك روايتي له من الكتاب لشخص معين، أو غير معين كأن يقول أجزت لمن كان كذا من الصفة أن يروي عني كتاب كذا، وهذه أربع صور. وقد فرق بين أن تكون بلفظ الإجازة أو بما يساوقها كقوله إروِ هذا الكتاب عني ونحوه، ولا إشكال في جواز العمل، وجواز الرواية وأما التعبير بقوله حدثني أو أخبرني ففيه وجوه ثلاثة متقدمة أقويها الجواز مطلقاً.

رابعها: المناولة وهي أن يتناول الكتاب ويدفعه إليه ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان أو عمن ذكرته في الكتاب وهو على أنحاء فتارة يقول له أجزت لك روايته، وأخرى يسكت، وثالثة يقول لا ترووه عني، ولا إشكال في جواز العمل في كل من الثلاثة، وأما جواز الرواية فلا إشكال أيضاً في الأولى، وأما الأخيرين فالأقوى هو الجواز أيضاً إذ الملاك فيه هو النقل لا الرخصة، هذا مضافاً إلى خبر أحمد بن عمر بن الجلال بإسناد الكافي إليه، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع) الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب، ولا يقول ارووه عني، قال فقال: إذا علمت أن الكتاب له فارووه عنه وإطلاقه يشمل صورة النهي أيضاً. وأما التعبير بقوله حدثني أو أخبرني ففيه الوجوه الثلاثة المتقدمة التي أقويها الجواز مطلقاً في جميع الصور الثلاث.

خامسها: المكاتبة، وهي أن يكتب للإمام بنفسه أو من يأمره بها بحيث علم أنه خط الإمام، أو بأمره أو يكتب الشيخ بنفسه أو من يأمره به مع العلم أو الاطمئنان بكونه كتابته أو كتابة مأموره، ولا إشكال في جواز العمل لعدم قدح الكتابة، ولا في جواز الرواية إذا انضمت الإجازة وفي جوازها في صورتي السكوت والنهي عنها وجهان تقدم أن الأقوى أولهما، وأما التعبير بقوله حدثني أو أخبرني أو ما يساوقهما ففيه أيضاً وجوه ثلاثة أقربها الجواز مطلقاً.

سادسها: الإعلام وهو أن يعلم شخصاً أو أشخاصاً بقول أو فعل أن ما كتب في الكتاب الفلاني من مروياته ولابد أن يكون المراد من الفعل غير الكتابة حتى يصح التقابل لما سبق، ولا إشكال في جواز العمل وكذا في جواز الرواية عنه مع انضمام الإجازة وبدونها فالأقوى الجواز أيضاً نهى عنها أو سكت، وأما عبارة حدثني وأخبرني ففيه الوجوه الثلاثة أقويها الجواز مطلقاً لكون التحديث موضوعاً لمعنى عام يشمله وعلى فرض العدم فباب المجاز واسع وعلى تقدير عدم صحته لعدم الاستحسان فغاية الأمر يكون من الغلط فالأصل جوازه.

سابعها: الوجادة بأن يجد الخبر مكتوباً بخط الإمام أو الشيخ أو من يأمره به وهي على انحاء: الأول: أن يعلم بعدم الانتساب ولا إشكال في عدم جواز العمل ولا الرواية ولا التعبير بكلمة حدثني ونحوه. الثاني: أن يعلم الانتساب ولا إشكال في جواز العمل ولا في جواز الرواية ولا في جواز التعبير بقوله حدثني ونحوه إذا كان في الكتاب خطاب عمومي مثل قوله: إعلم يا أخي أرشدك الله أني قد سمعت من الإمام  أو من الشيخ هذا المطلب فإنه يكون حينئذٍ إخباراً لكل من نظر في هذا الكتاب فيجوز التعبير المذكور حينئذٍ مطلقاً ومقيداً وإن لم يكن فالإخبار غير متحقق فلا يجوز التعبير المذكور ولو مقيداً. الثالث: أن يشك في ذلك ظن بالوجود أو العدم أو تساويا وحينئذٍ إن قام حجة من قول الثقة أو الثقتين فصاعداً بحيث علم استنادهم إلى الحس أو شك فيه مع عدم الظن أو العلم بالخلاف فهو كمعلوم الانتساب فيجري فيه جميع ما ذكرنا فيه وإلا فهو كمعلوم العدم من غير فرق بين كون إخبار الثقة عن حدس ظني أو عملي، فإن علمه حجة في حقه دون غيره.

          إذا عرفت ذلك فاعلم أن من جملة مصاديق الوجادة الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (ع) وقد وجده القاضي أمير حسين بن حيدر سبط المحقق الكركي في أزمنة مجاورته لبيت الله الحرام عند جماعة من شيعة قم الوافدين إلى البيت، واستنسخه وجاء به إلى أصفهان وعرضه على المجلسي التقي.

          وما استدل أو يمكن الاستدلال به بكونه تأليف الإمام أمور: الأول: إخبار الأمير به حيث قال إنه كان في موضع منه خطه (ع) وكان على ذلك جماعة من الفضلاء بحيث حصل لي العلم العادي بأنه تأليفه (ع) فاستنسخته وقابلته، وفيه أنه إخبار حدسي. الثاني: ما في أول الكتاب يقول عبد الله علي بن موسى الرضا: أما بعد فإن أول ما افترض الله على عباده، وأوجب على خلقه معرفة الوحدانية...الخ، وفيه أنه يحتمل كون المؤلف مسمى بهذا الاسم مع أنه يحتمل أنه دسه بذاك مضافاً إلى احتمال أن يكون هذا الحديث بهذا الترتيب من الإمام ذكره مؤلف الكتاب في أول كتابه تيمناً، ثم ذكر في تأليفه سائر أجزاء الكتاب. الثالث: ما في باب الأغسال ليلة تسع عشر من شهر رمضان الليلة التي ضرب فيها جدنا أمير المؤمنين، وفيه أنه يحتمل كونه من تتمة قول أبي عبد الله (ع) المقدم على هذه الفقرة مع أنه لعله كان علوياً لا إماماً مضافاً إلى احتمال الدس. الرابع: ما في باب غسل الميت روى أبي عن أبي عبد الله (ع) وفيه مضافاً إلى احتمال الدس أن الراوي عن الصادق (ع) ليس بمنحصر في موسى (ع) فلعل أبا هذا المؤلف كان من جملة الرواة. الخامس: ما في كتاب الزكاة أني أروي عن أبي العالم، وفيه مضافاً إلى احتمال الدس أن العالم ليس منحصراً في المعصوم. السادس: ما في باب الربا بعد ذكر حديث اللؤلؤ وقد أمرني أبي ففعلت وفيه مضافاً إلى احتمال الدس وعدم البعد في تعويل الإنسان على قول أبيه كما يشهد به تعويل الصدوق على رسالة أبيه إليه أنه يحتمل كونه من تتمة الرواية التي ذكرها قبل هذه العبارة. السابع: قوله في موضع من الكتاب ومما نداوم به نحن معاشر أهل البيت، وفيه مضافاً إلى احتمال الدس أنه لعله كان علوياً. الثامن: قوله بعد ذكر قوله تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شيء...)[10]، فتطوّل علينا امتناناً منه ورحمة، وفيه مضافاً إلى احتمال الدس واحتمال كونه من مستحقي الخمس من العلوي أو العباسي أو غيرهما من طوائف بني هاشم أنه يحتمل كون التطول باعتبار إيجاب الدفع وأنه يحتمل كونه من تتمة الرواية السابقة. التاسع: نقل بعض الأعاظم أنه وجد في نسخة من هذا الكتاب في الكتب الموقوفة على الخزانة الرضوية قد كتب عليها أن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) صنف هذا الكتاب لمحمد بن مسكين وفيه أن شهادة هذا العظيم بكونه خطه (ع) من باب الحدس الظني أو القطعي فلا يفيد. العاشر: ما بعض أجلاء الإمامية في رجاله الموضوع لذكر من تأخر عن شيخ الطائفة السيد الجليل محمد بن أحمد بن محمد الحسيني صاحب كتاب الرضا ثقة، وفيه أولاً: إنه لم يعلم أن المراد من الرضا هو الإمام (ع). وثانياً: إنه لم يعلم أن المراد من الكتاب هذا الكتاب، فإن له (ع) كتابات عديدة إلى المأمون وغيره. وثالثاً: سلمنا كلا الأمرين إلا أنه كونه صاحبه لا يلازم أنه وصله بطريق معتبر فلعله كان راوياً له بنحو الوجادة غير المعتبر. الحادي عشر: مطابقة فتاوى الصدوقين ومقنعة المفيد له في العبارة فيعلم أنه كان عندهم معتبراً يأخذون منه الفتوى بحيث يعبرون بعبارته وفيه أن صاحب الكتاب لعله أخذه منهم أو هو وهم أخذوا هذه العبائر [العبارات] من ثالث. الثاني عشر: ان جملة من فتاوى القدماء التي ليس لها مدرك في الأخبار موجودة في هذا الكتاب فيعلم أنه كان معتبراً عندهم، وكان مدركاً لهم، وفيه: أولاً: عدم العلم بكون مدرك هذه الفتاوى ذلك الكتاب مع أنه ليس جميع هذه الفتاوى موجوداً فيه. الثالث عشر: ما نقل عن الميرزا حسين النوري (قدس سره) من أنه شهد بكونه تأليفه (ع) من طريق الرمل والجفر، وفيه أن هذه الأخبار لا تفيدنا شيئاً كما تقدم.

          وبالجملة، فهذه الوجوه لا تسمن ولا تغني مع أن هنا أشياء موجبة للاطمئنان بأنه ليس تأليفه (ع) منها: عدم ذكر المحدثين مثل الصدوقين وغيرهما اسم هذا الكتاب مع كون الصدوق جامعاً لخصوص الأخبار الرضوية في العيون. ومنها: إكثاره لقول روي عن العالم، رويت عن العالم وأمثالهما مما لم يعهد في سائر كلمات الرضا (ع) ولا في كلمات سائر الأئمة. ومنها: اشتماله على نقل أخبار متعارضة في المسألة مثل قوله في الأضحية تجزي البقرة عن خمسة، وروي عن سبعة، وروي أنها لا تجزي إلا في واحد، فإن وظيفة الإمام بيان الحكم الواقعي ولا أقل من بيان حكم المتعارضين من حيث الترجيح والتخيير ولم يفعل واحداً منهما. ومنها: قوله في باب القدر سألت العالم أأجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال: الله أعزّ من ذاك. فقلت له: ففوض إليهم؟ فقال: هو أعزّ من ذلك. فقلت له: فصف لنا المنـزلة بين المنـزلتين، فإنه يبعد جداً كون هذا السائل هو الرضا (ع) إلى غير ذلك.

          هذا مع عدم الثبوت يكفي فتبين أن الرضوي ليس حجة. نعم، أخباره المرسلة مثل سائر المرسلات تنفع في باب السنن إلا أنه هل هي قابلة للجبر؟ ربما يقال نعم، إلا أن الأقوى خلافه لأن الجبر لا يكاد يكون إلا بالعلم باستناد القدماء إلى الخبر وهذا الكتاب قد وجد في زمان المجلسي التقي فلو لم ندع العلم بعدم الاستناد فلا أقل من الشك ومثله في ذلك مرسلات دعائم الإسلام وتحف العقول فإنهما وإن اطمئن بكونهما كتاب للقاضي نعمان المصري والحسن بن علي بن شعبة الجليل إلا أنه لا يكفي في حجية مرسلاتهما ولا في قابلية الخبر لما أشرنا إليه من أنه لو لم يعلم بعدم استناد القدماء إلى مرسلاتهما فلا أقل من الشك.

          نعم، كتب بعض السادة الأجلة المقيم في الكاظم[11] سيد حسن الصدر العاملي الكاظمي رسالة في كون [كتاب الفقه] الرضوي من تأليف الإمام (ع) وإثبات أنه كتاب التكليف للشلمغاني[12] وأنه كان موجوداً عند القدماء وحينئذٍ يمكن استناد القدماء إلى بعض رواياته إلا أنه يرد عليه: أولاً: عدم العلم بكونه هذا الكتاب ولا قام علمي أيضاً بذلك، وما استدل به لذلك وهو وجود الفتاوى الثلاث إحداها: جواز الشهادة عند الحاكم إذا كان للحق شاهد واحد ثقة. ثانيتها: كون الميزان في الكر إلقاء حجر في وسط الماء بحيث لا يتحرك جانباه. ثالثها: إجزاء غسل الرجلين إذا نسى المسح عليهما في الفقه الرضوي كما هي موجودة في كتاب التكليف بضميمة شهادة جمع مثل شيخ الطائفة والعلامة والشهيد في اللمعة والشهيد الثاني في شرحها وغيرهم بكون الفتوى الأولى مختصة بالشلمغاني، وللإجماع على أنه ليس الميزان في الكر ما ذكره، وعلى أن الغسل لا يجزي مطلقاً، فلو كان الفقه الرضوي غيره لم يكن لذلك وجه فهو مدفوع بأنه يحتمل أن يكون جامع الفقه الرضوي غير الشلمغاني إلا أنه لما لم يظفروا بهذا الكتاب ولم يكن عندهم تخيلوا أن الأولى من مختصاته، وأن الإجماع من غير الشلمغاني قائم على خلاف الفتوائين الأخيرتين. وثانياً: إنه سلمناه إلا أنه لا علم لنا باستنادهم إلى مرسلات هذا الكتاب، وهذا الاحتمال قائم في كل واحد واحد من مرسلاته، وما نقل عن النائب الثالث الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من أنه قال: ما فيه شيء إلا وقد روي عن الأئمة (ع) إلا موضعين أو ثلاثة فإنه كذب عليهم في روايته لعنه الله لا يثبت الحجية كما اعترف به صاحب الرسالة لأن الرواية لا تلازم الحجية، وبالجملة هذا السيد الجليل وإن أتعب نفسه الشريفة إلا أنه لم يأت بما يفيد في حجية مرسلات الرضوي المعروف ولو في الجملة تمت.

[في نهاية هذه المخطوطة دوّنت الملاحظة التالية من قبل تلميذه رحمه الله:]

          (إلى هنا جف قلمه الشريف لا جفّف الله سحائب إفاضاته علينا، فقد باحث بذلك في أيام التعطيل، ولما كان الاشغال فيه أكثر من التحصيل اكتفينا عن تحرير تقرير درسه باستنساخ مؤلفه مع أنه لم ينقص عما باحث إن لم يزد عليه وكان تمامية الاستنساخ أيام تمامية عمر العلم والعلماء لشيوع لبس الكفر والسفور في عمدة أقطار الإسلام فعلى الإسلام السلام. يوم 11 ربيع الثاني سنة ألف وثلثمائة وأربع وخمسين من الهجرة أقل تلامذته مرتضى الموسوي الخلخالي).

(نهاية ص 104)

صفحة التحميل                    الصفحة الرئيسية


 

[1] معالم العلماء لابن شهرآشوب رشيد الدين محمد بن علي المتوفى سنة 588هـ. راجع ص 13 من طبعة طهران 1353هـ.

[2] علي بن حسن بن فضّال.

[3] الناووسية فرقة قالت إن جعفر بن محمد الصادق (ع) حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس وإنه هو المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم. وأنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه فإني صاحبكم صاحب السيف. وسميت هذه الفرقة بالناووسية لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس (فرق الشيعة ص 67).

[4] وإلا لما عارضه الجارح أيضاً لكن لعدم إماميته لا لعدم الأثر بخبره كما على الأول (م.خ.م.).

[5]  لا يخفى أنه كذلك في فاسق أو فاسق بجوارحه إن أطلق في الرجال إن كان الملاك عندهم ما سبق وإلا فلا حتى في ضعيف فافهم وتأمل (م.خ.م.).

[6] الفهرست ص 118.

[7] عدة الأصول ص 386.

[8] هذا غير صحيح، فغير العربي الخالص يعبر عنه بالحليف أو النـزيل.

[9] الفصول في الأصول للشيخ محمد حسين الأصفهاني المتوفى سنة 1250هـ.

[10] سورة الأنفال: الآية 41.

[11] فصل القضاء في الكتاب المشتهر بفقه الرضا – السيد حسن الصدر. قال في المقام الأول: "في الدلالات والعلامات المنتجة بالبرهان اتحاد الكتاب المشتهر بالفقه الرضوي مع كتاب التكليف المذكور لوجود أشياء في الفقه الرضوي محكية في كتب الشيوخ عن كتاب التكليف، وأنه تفرد الشلمغاني بوضعها وكذبها في كتاب التكليف وأنها لم تكن لغيره بل كذبها هو في كتاب التكليف بنص الشيوخ الحجج عليها وعلى مواضعها من ذلك الكتاب، وهي على الوصف المنصوص من الشيوخ موجود في الكتاب المشتهر بفقه الرضا (ع)" ص 402.

[12] الذريعة ج 16 ص 234.