(ص 52 - 72)

الرابع: أبو بصير

وفيه جهات من الكلام:

الأولى: أنه اختلفت الأقوال في عدد المشتركين في هذه الكنية:

أحدها: إنها مشتركة بين خمسة: ليث بن البختري المرادي، ويحيى بن أبي القاسم الأسدي، ويحيى بن القاسم الحذاء الأزدي، وعبد الله بن محمد الأسدي، ويوسف بن الحرث.

ثانيها: إنها مشتركة بين أربعة بجعل الثالث عين الثاني.

ثالثها: إنها مشتركة بين ثلاثة، نسب ذلك إلى مولى عناية الله صاحب كتاب الحاوي للأقوال[1]، وحكي عنه المبالغة في نفي كون يوسف مكنّى بذلك بل هو أبو نصر كما في جميع نسخ الكشي المصححة وغير المصححة الموجودة عندي واشتبه على الشيخ وتبعه غيره مثل العلامة في الخلاصة فصار على اشتباههم أبو بصير أربعة، وهذا خلاف الواقع فإنهم ثلاثة، انتهى ملخص ما حكي عنه. ولا يخفى أن إخراج يوسف فقط لا يوجب الاشتراك بين الثلاثة بل لابد من ضم أحد أمور، أما القول بخروج عبد الله أيضاً أو القول باتحاد الثاني مع الثالث كما احتمل كل واحد منهما في توضيح المقال، أو القول بخروج يحيى الثاني عن الكنية، وإن كان رجلاً آخر.

          وهنا وجه رابع لم ينقل عن أحد وهو أنها مشتركة بين اثنين الأول والثاني وهو الأقوى وذلك لأن يوسف بن الحرث مذكور في الكشي هكذا أبو نصر بن يوسف بن الحرث بتري[2] بناء على نسخة نقد الرجال، أبو نصر يوسف بن الحرث بتري بناء على نسخة منتهى المقال، فعلى كلا التقديرين ليس يوسف مكنّى بهذه الكنية. نعم، في رجال الشيخ[3] يوسف بن الحرث بتري يكنى أبا بصير أصحاب الصادق، والظاهر وقوع الاشتباه في قلم الشيخ أو في قلم النسّاخ للاطمئنان بكونه مأخوذاً من الكشي، وأما العلامة في الخلاصة فإنه وإن صرح بأنه مكنّى بأبي بصير بالياء بعد الصاد إلا أن الاطمئنان حاصل بكونه مأخوذاً من رجال الشيخ.

وأما عبد الله بن محمد الأسدي فوجه قولهم كونه مكنّى بهذه الكنية كتاب الكشي قال فيه عبد الله بن محمد الأسدي طاهر عيسى عن جعفر بن أحمد الشجاعي عن محمد بن الحسين عن أحمد بن الحسن الميثمي عن عبد الله بن وضاح عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن مسألة في القرآن فغضب وقال: أنا رجل يحضرني قريش وغيرهم وإنما تسألني عن القرآن؟ فلم أزل أطلب عليه وأتضرع حتى رضي، وكان عنده رجل من أهل المدينة مقبل عليه فقعدت عند باب البيت على بثي وحزني، إذ دخل بشير الدهان فسلّم وجلس عندي فقال لي: سله من الإمام بعده؟ فقلت: لو رأيتني مما قد خرجت من هيبته لم تقل لي سله، فقطع أبو عبد الله (ع) حديثه مع الرجل ثم أقبل، فقال: يا أبا محمد ليس لكم أن تدخلوا في أمرنا وإنما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا إذا أمرتم[4]، انتهى. ولا يخفى أنه ليس في الرواية دلالة على كون أبي بصير كنية لهذا الرجل أصلاً. نعم، ربما يستظهر من ذكر الكشي هذا الخبر في ترجمة الرجل أن اعتقاده كان كذا وهو مندفع بعد لحاظ كتاب الكشي الذي ليس مبناه على الترتيب.

          وأما يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي فلابد أولاً من بيان أنه مغائر مع يحيى بن أبي القاسم الأسدي أو متحد معه، والظاهر هو الأول. لا لأن الأول أزدي والثاني أسدي وهما طائفتان عرضيتان لأن الظاهر أن توصيف الثاني بالأسدي لكونه مولاهم لا لأنه أسدي كما يشهد به ما في رجال الشيخ في بيان أصحاب الصادق (ع): يحيى بن القاسم أبو محمد يعرف بأبي بصير الأسدي مولاهم كوفي تابعي مات سنة خمسين ومائة بعد أبي عبد الله (ع)، بل ذكر الشيخ في رجاله عنوانين وفي أصحاب الإمام الباقر يحيى بن أبي القاسم يكنى أبا بصير مكفوف واسم أبي القاسم إسحاق ويحيى بن أبي القاسم الحذاء، وهذا كما ترى ظاهر في المغايرة، ولذكر الكشي أيضاً كذلك. قال فيما حكى عنه يحيى بن أبي القاسم أبا بصير ، ويحيى بن القاسم الحذاء، ولأن الأول مات بعد سنتين من إمامة الكاظم (ع)، والثاني واقفي[5]، فلو كان عينه كيف يتحقق الوقف منه في زمان حياة الكاظم الذي حدث بعد موته (ع)، ودعوى كون المراد منه الوقف في زمان حياته، أو الوقف على غيره من الأئمة خلاف الظاهر، وبالجملة لا إشكال في تعدد الرجلين.

          إذا علمت ذلك فاعلم أنه ليس في شيء من التراجم كنيته الواقفي بأبي بصير ولا وجه على القول بتعددها لتوهم أنها كنية للثاني أيضاً عدا عبارة الكشي في كلام له، وهو هذا يحيى بن أبي القاسم أبا بصير، ويحيى بن القاسم الحذاء حمدويه، ذكر عن بعض أشياخه يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي واقفي وجدت في بعض روايات الواقفة علي بن إسماعيل بن يزيد، قال: شهدنا محمد بن عمران البارقي في منـزل علي بن أبي حمزة، وعنده أبو بصير، قال: محمد بن عمران سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: منا ثمانية محدثون سابعهم القائم (ع)، فقام أبو بصير بن أبي القاسم فقبل رأسه، وقال: سمعته من أبي جعفر (ع) منذ أربعين سنة، فقال أبو بصير: سمعته من أبي جعفر وأنا كنت خماسياً جاء بهذا فقال: أسكت يا صبي ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، يعني ولم يقل ابني هذا، حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثنا فش قال حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، ومحمد بن يونس، قال: حدثنا الحسن بن قيام الصيرفي، قال: حججت في سنة ثلاث وتسعين ومائة وسألت أبا الحسن الرضا (ع) فقلت له: جعلت فداك ما فعل أبوك، قال: مضى كما مضى آباؤه، قلت: كيف أصنع بحديث حدثني به يعقوب بن شعيب عن أبي بصير أن أبا عبد الله (ع) قال: إن جاءكم من يخبر أن ابني هذا مات وكفن وقبر، ونفضوا أيديهم من تراب قبره فلا تصدقوا به، قال: كذب أبو بصير ليس هكذا حدثه، إنما قال: إن جاءكم عن صاحب هذا الأمر. حدثني محمد بن يعقوب البيهقي، قال: حدثنا عبد الله بن حمدويه البيهقي، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد عن إسماعيل بن عباد البصري عن علي بن محمد بن القاسم الحذاء الكوفي، قال: خرجت من المدينة فلما جزت حيطانها مقبلاً نحو العراق إذا أنا برجل على بغل أشهب يعترض الطريق فقلت لبعض من كان معي من هذا؟ قال: هذا ابن الرضا (ع)، قال: فقصدت قصده فلما رآني أريده وقف لي فانتهيت إليه لأسلم عليه فمد يده إليّ وسلمت عليه وقبلتها، فقال: من أنت؟ قلت: بعض مواليك جعلت فداك أنا محمد بن علي بن القاسم الحذاء، فقال: أما أن عمك كان ملتوياً على الرضا (ع)، قال: جعلت فداك رجع عن ذلك، فقال: إن كان رجع فلا بأس، واسم عمه القاسم الحذاء، وأبو بصير هذا يحيى بن القاسم يكنّى أبا محمد، قال معد سألت علي عن أبي بصير هذا هل كان متهماً بالغلو. فقال: أما بالغلو فلا، ولكن كان مخلطاً. ولا يخفى أن المُوهِم لذلك قوله: وأبو بصير هذا يحيى بن القاسم يكنى أبا محمد، إما من جهة ذكره بعد رواية وردت في الحذاء، وإما لانتسابه إلى القاسم لا إلى أبي القاسم، ولا يخفى اندفاع كلا التوهمين، أما الأول ففيه: أولاً: إنه ذكره بعد روايات ثلاث اثنتان منها متعلقتان بالأسدي والثالثة بالحذاء فلا دلالة على كون المراد هو الأخير، وثانياً: إن العبارة ظاهرة كمال الظهور في أنه طبّق هذه الكنية فيما سبق من كلامه عليه، وإنما غرضه بيان أن له كنية أخرى أيضاً، وهو أبو محمد ومن المعلوم أن المكنى بهذه الكنية فيما سبق من كلامه هو ابن أبي القاسم لا الحذاء، فلاحظ كلامه وأما تقييده بهذا فللاحتراز عن أبي بصير المرادي، ومن الوجه الأخير يظهر الجواب عن الثاني أيضاً وأن لفظ (أبي) في هذا الكلام الأخير زائد فتبين أنها ليست كنية ليوسف ولا لعبد الله ولا للحذاء. نعم، هي كنية للأسدي كما عرفت، ولليث بن البختري المرادي على ما صرح به أهل الرجال. نعم، ربما يظهر من بعض الأخبار المذكورة في الكشي كونها كنية لرجلين آخرين ولكنهما متأخران طبقة، ومن الرجال الذين لا يلقون أزمنة الأئمة (ع) فلا يقدح.

الجهة الثانية في بيان حال الخمسة المتقدمة من حيث المدح والقدح، فنقول: أما يوسف بن الحرث ففاسد العقيدة لما تقدم من عبارتي رجال الشيخ والكشي، ولم ينقل عن أحد كونه متحرزاً عن الكذب، نعم لو كان هو متحداً مع يوسف بن الحرث الكميداني[6] وثبت اعتباره من جهة أن محمد بن الحسن الصفار يروي عن أخيه سهل بن الحسن عن يوسف هذا لثبت اعتبار يوسف المذكور أيضاً إلا أن كلتي المقدمتين ممنوعتان. وأما عبد الله بن محمد فهو من المجاهيل، وأما يحيى بن الحذاء الأزدي فهو واقفي مذهباً على ما عرفت، ولم ينص في الرجال بكونه موثوقاً به في الحديث.

          وأما المرادي والأسدي فكل منهما ثقتان:

أما الأول فلوجوه: الأول: صحيح بن دراج قال سمعت أبي عبد الله (ع) يقول: بشر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست. الثاني: نقل الكشي الإجماع عن مشائخه على أن أبا بصير الأسدي واجب التصديق، وقال بعضهم موضع أبو بصير الأسدي أبو بصير المرادي وهو ليث المرادي، وقد تقدم أن الضمير راجع إلى نقلة الإجماع فيكون كل منهما معقد الإجماع إلا أن في حجيته إشكالاً تقدم هناك. الثالث: ما عن الكشي بسند ضعيف عن الصادق (ع) ان أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً أعني: زرارة، ومحمد بن مسلم، ومنهم ليث المرادي، وبريد العجلي، هؤلاء قوامون بالقسط، هؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون. الرابع: تعداده في حواري الباقر (ع) في خبر اسباط بن سالم عن الكاظم (ع) إلا أن الثالث ضعيف السند كما عرفت، والرابع مجهول بعلي بن سليمان بن داود الرقي، وما ذكره في المجمع[7] من أن دأب أهل الرجال أن الرجل إذا كان مجهولاً أو من غير الإمامية أو مذموماً لتصريح مدفوع بعدم العلم بكون بنائهم عليه، لكن في الوجه الأول غنى وكفاية إن شاء الله.

          وأما ما يتوهم دلالته على ضعف الرجل فأمور: الأول: مرسل ابن أبي يعفور قال: خرجت إلى السواد أطلب دراهم للحج ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي، فقلت له: يا أبا بصير اتق الله وحج بمالك فإنك ذو مال كثير، قال: أسكت فلو أن الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه، وفيه مضافاً إلى ضعف السند ضعف الدلالة لأنها إن كانت باعتبار دلالته على كونه تاركاً للحج الواجب عليه بمقتضى أنه ذا مال كثير ففيه منع واضح، ومن أين علم أنه لم يأت إلى زمان هذا التكلم حجة الإسلام، وإن كانت باعتبار كون لفظ الصاحب كناية عن الإمام ففيه منع الظهور في ذلك لو لم يدّع كونه ظاهراً في نفس القائل. الثاني: المرسل عن بكير الدال على أنه دخل جنباً على الصادق (ع) وقد أحدّ (ع) النظر إليه، وقال: هكذا تدخل بيوت الأنبياء! فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضبك وأستغفر الله ولا أعود، وفيه مضافاً إلى ضعف السند وعدم العلم بكون المراد هو المرادي وأن إحداد النظر لا يستلزم الحرمة انه ربما كان معذوراً لجهله القصوري. الثالث: صحيح شعيب، إلى أن قال: فلقيت أبا بصير فقلت له: إني سألت أبا الحسن (ع) عن المرأة التي تزوجت ولها زوج فظهر عليها، قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل فمسح على صدره، وقال: ما أظن صاحبنا تكامل علمه بعد، وفيه مضافاً إلى عدم العلم بكونه المرادي بل ربما يقال ان فيه قرينتين على كونه الأسدي، إحديهما رواية شعيب الذي قالوا انه يروي عن خالد [خاله] الأسدي، والأخرى كون الخبر ظاهراً في كونه أعمى بمقتضى قوله: فمسح على صدره، كما هو العادة في الأعمى وإن كان كل القرينتين ممنوعة على ما يأتي مع أن مسح الصدر في هذا المقام لا يدل عليه لاحتمال كونه إشارة إلى كون علم المسألة عنده أن مثل ذلك الاعتقاد في الإمام لا يقدح لا سيما في شيعة ذلك الزمان. الرابع: رواية شعيب المجهولة بعلي بن محمد هذا المتن، إلا أنه قال فيه ذكرت ذلك لأبي بصير المرادي وفيه جهالة السند وعدم القدح كما عرفت. الخامس: خبر حماد بن عثمان المجهول بعلي بن محمد قال: خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أو إلى بعض المواضع فتذاكرنا الدنيا، فقال أبو بصير المرادي أما أن صاحبكم إن ظفر بها لاستأثر بها، قال: فأغفى فجاء كلب يريد أن يشغر عليه فذهبت لأطرده، فقال ابن أبي يعفور: دعه، فجاء حتى شغر في أذنه وفيه جهالة السند ومنع الدلالة على أن مراده من الصاحب هو الإمام، بل الظاهر أنه أراد نفسه ولا يكون منع ابن أبي يعفور الاطراد قرينة على الأول. السادس: ما حكى عن منهج المقال في ترجمة زرارة، وفيه كيف أصنع بهم وهذا المرادي بين يدي وقد رأيته وهو أعمى بين السماء والأرض فشك وأضمر أني ساحر، وفيه ضعف السند مع أنه يمكن أن يكون من قبيل ما ورد في حق زرارة حفظاً لدمه كما نص به الصادق (ع) في رواية عبيد بن زرارة. السابع: ما عن ابن الغضائري من أن ليث بن البختري المرادي أبو بصير يكنّى أبا محمد كان أبو عبد الله (ع) يتضجر بها ويتبرم، وأصحابه يختلفون في شأنه، وعندي أن الطعن في دينه لا على حديثه، وفيه عدم قدح طعنه مع أنه لم يطعن في حديثه. الثامن: الحسن الآتي المتضمن لقوله لو كان معنا طبق لأذن لنا وشغر الكلب في وجهه وفيه مع أنه لم يعلم كونه المرادي أنه يأتي منع الدلالة هناك، فالرجل من الأجلاء.

          وأما الثاني فلوجوه أيضاً: الأول: صحيح شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (ع) ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي يعني أبا بصير، واحتمال كون التفسير من الراوي، فلعله لم يفهم مراد الإمام (ع) من الأسدي كما ترى، وكذا احتمال كون المراد من أبي بصير الأسدي عبد الله بن محمد الأسدي أو استظهاره كما عن بعض لوجوه ضعيفة تأتي، ممنوع. لأنك قد عرفت أن أبا بصير ليس كنية له. الثاني: ما نقله الكشي من إجماع العصابة على تصديقه. الثالث: ما رواه شعيب عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله، فقال: حضرت علياً عند موته؟ قلت: نعم، وأخبرني أنك ضمنت له الجنة وسألني أن أذكرك ذلك، قال: صدق. قال: فبكيت، ثم قلت: جعلت فداك فما لي، ألست كبير السن الضعيف الضرير البصير المنقطع إليكم؟ فاضمنها لي. قال: قد فعلت. وفيه مضافاً إلى ضعف السند وأنه من قبيل الشهادة على النفس أنه لم يعلم كونه الأسدي لاحتمال المرادي أيضاً كما يأتي. الرابع: الموثّق أو الحسن عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر (ع) فقلت: تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرأوا الأكمه والأبرص؟ فقال لي: بإذن الله، ثم قال: ادنُ مني فمسح على وجهي وعيني فأبصرت السماء والأرض والبيوت، وقال لي: أتحب أن تكون كذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة؟ قلت: أعود كما كنت فمسح على عيني، فعدتُ، وفيه الوجه الثاني والثالث الواردان على سابقه. الخامس: توثيق النجاشي قال: يحيى بن القاسم أبو بصير وقيل أبو محمد ثقة وجيه روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وقيل يحيى بن أبي القاسم واسم أبي القاسم إسحاق، وروي عن أبي الحسن موسى (ع) ومات أبو بصير سنة خمسين ومائة.

          وما يتوهم دلالته على الذم أمور: الأول: ما تقدم من الكشي من رواية الواقفة. الثاني: ما تقدم من رواية الحسن بن قيام الصيرفي وفيها مضافاً إلى أن الأول وجد في روايات الواقفة فلا اعتبار به وأن الناقل للثاني ابن قياما الواقفي وأنه قد ورد الحديث بهذا المتن والسند على نحو آخر وفيه فما أصنع برواية زرعة عن سماعة قال (ع): كذب زرعة...الخ أنهما معارضان بخبر العيون عن علي بن حمزة البطائني عن يحيى بن أبي القاسم عن الصادق (ع) عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص) الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على أمتي بعدي المقرُّ بهم مؤمن والمنكر لهم كافر. الثالث: خبر إسحق بن عمار قال: أقبل أبو بصير مع أبي الحسن (ع) يعني الكاظم (ع) من المدينة يريد العراق فنـزل زبالة فدعى بعلي بن أبي حمزة البطائني وكان تلميذاً لأبي بصير فجعل يوصيه بحضرة أبي بصير، فقال: يا علي إذا صرنا إلى الكوفة تقدم في كذا فغضب أبو بصير فخرج من عنده، فقال: ما أرى هذا الرجل وأنا أصحبه منذ حين ثم يتخطاني بحوائجه إلى بعض غلماني فلما كان من الغد تم أبو بصير بزبالة فدعى علي بن حمزة وقال: أستغفر الله مما حلّ في صدري في مولاي من سوء ظني إنه كان قد علم أني ميت وأني لا ألحق بالكوفة فإذا أنا مت فافعل بي كذا وتقدم في كذا فمات أبو بصير بزبالة، وفيه مضافاً إلى ضعف السند وأنه كان في آخر عمره فلا يقدح في أحاديثه أن إظهار الملالة من جهة الطبيعة البشرية لا يقدح في شيء مع أنه تاب منه واستغفر كما تضمنه الخبر. الرابع: صحيح شعيب المتقدم في أحوال المرادي وفيه مضافاً إلى عدم الدلالة كما عرفت أنه لم يعلم كونه الأسدي لاسيما بعد ملاحظة الخبر الآخر المجهول الذي هو مثله إلا أنه صرح فيه بالمرادي. الخامس: ما تقدم من قول علي بن الحسن الفضّال في الكشي أنه كان مخلّطاً، وفيه أولاً منع ظهور التخليط في فساد العقيدة أو في الفسق بالجوارح ولعل المراد به نقل الخبر عن الصحيح والسقيم، وثانياً إن علي بن الحسن فطحي[8] وأبو بصير إمامي وهو بحسب اعتقاده يكون مخلّطاً فلا يقدح. السادس: ما تقدم من خبر الالتواء على الرضا (ع) وفيه مضافاً إلى ضعف السند وأن ظاهره الرجوع أن المراد منه الحذاء الأزدي كما يشهد به كونه عم علي بن محمد أو محمد بن علي الحذاء الكوفي على اختلاف صدر الخبر وذيله. السابع: الحسن جلس أبو بصير على باب أبي عبد الله (ع) ليطلب الإذن فلم يأذن له، فقال لو كان معنا طبق لأذن لنا فجاء كلب فشغر في وجه أبي بصير، قال: اف اف ما هذا؟ قال جليسه هذا كلب شغر في وجهك وفيه أنه لم يعلم كونه الأسدي ولعله المرادي كما يأتي مع أنه ظاهراً من باب المطايبة مع البواب أو المزاح مع الإمام وشغر الكلب لا يدلّ على كونه جد. الثامن: إنه واقفي حسب تصريح الشيخ ونقل الكشي عن حمدويه عن أشياخه وفيه أولاً إنه قد تقدم أنه يحيى الحذاء الأزدي لا أبو بصير الأسدي مع أن الطعن في العقيدة لا يوجب الطعن في الحديث، فلابد من العمل بإجماع العصابة وتوثيق النجاشي المتقدمين.

الجهة الثالثة: في تمييز هؤلاء بعضهم عن بعض وقد ذكروا في هذا المقام أنحاء ثلاثة.

النحو الأول: ما يميز الأولين عن غيرهما وإن كان الترديد بينهما باق وهو غلبة إطلاق هذه الكنية على المرادي والأسدي، لكن قد تقدم أن الغلبة المعينة ما كان في زمان الراوي عنه وإحراز هذه الصغرى في غاية الإشكال وربما يتراءى من بعض الكلمات كون الغلبة معينة لخصوص المرادي، وفيه مضافاً إلى ما تقدم منع الغلبة في ذلك بالنسبة إلى الأسدي.

[النحو] الثاني: ما يعين خصوص المرادي وهو أمور: منها كون المروي عنه الكاظم (ع) لأن الأسدي لم يدرك من زمانه (ع) إلا ما يقرب من سنتين بخلاف المرادي فإنه أدرك أكثر زمانه (ع) بل قضية نقل ابن مسكان عن أبي بصير تاريخ وفاة الكاظم (ع) أنه أدرك جميع زمانه إذ المراد من أبي بصير هذا هو المرادي بقرينة رواية ابن مسكان ولأن الأسدي لم يدرك إلا قليلاً من زمانه كما عرفت وإن كان ربما يدعي المنافات بينه وبين تصريح النجاشي بموت عبد الله بن مسكان في أيام أبي الحسن (ع) قبل الحادثة إلا أن يقال إن المراد منه الرضا (ع) والمراد من الحادثة إشخاصه إلى مرو أو ولاية العهد له (ع) وكيف كان فيرد على هذا أن غاية التقريب المذكور حصول الظن والظن لا يغني من الحق شيئاً.

ومنها: كون الراوي عنه عبد الله بن مسكان حكى عن الكاظمي والآغا البهبهاني والمولى عناية الله والسيد المصطفى التفريشي. والوجه فيه وجود التصريح بليث المرادي في كثير من الأخبار فلابد من حمل المطلق عليه، وفيه أنه موجب للظن ولا فائدة فيه. نعم، هو سالم عما يورد عليه بأن صاحب المعالم وابنه اطلعا على روايته عن الأسدي لكونه قليلاً لا يقدح في حصول الظن. ومنها: كونه أبو جميلة المفضّل بن صالح للوجه المتقدم في سابقه ولأن النجاشي ذكر أن للمرادي كتاباً يرويه عنه جماعة منهم أبو جميلة المذكور وقد تقدم ما في الأول، وأما الثاني فهو أيضاً ممنوع لاحتمال كون الرواية المرددة من غير روايات هذا الكتاب أو انه رواه الأسدي أيضاً لكن لم يطلع عليه النجاشي.

          ومنها: كونه عبد الكريم بن عمرو الخثعمي نقل التصريح به عن الكاظمي وعناية الله لما في مشيخة الفقيه، وما كان فيه عن عبد الكريم بن عتبة فقد رويته عن أبي (رضي الله عنه) عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن عيسى عن أحمد بن محمد أبي نصر البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي عن ليث المرادي عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي وفيه أنه موجب للظن.

          ومنها كون المروي عنه هو عبد الكريم بن عتبة الهاشمي وتقدم وجهه مع جوابه. ومنها كون الراوي عنه ابان بن عثمان للتصريح به في طريق الكشي إلى سعد بن مالك أبي سعيد الخدري وفيه ما لا يخفى ولما ذكره الكاظمي في ابان بن عثمان من أنه يعرف بروايته عن أبي بصير وفي ابان بن تغلب أنه يمكن استعلامه بروايته عن أبي بصير أيضاً كأبان بن عثمان بضميمة كون المراد في أبي بصير في لسان الكاظمي وأمثاله من المتأخرين هو المرادي، وفيه أولاً: منع كون المراد في اصطلاحهم المرادي، وثانياً: إنه مستند حينئذٍ إلى حدس الكاظمي. وثالثاً: إن غايته إفادة الظن.

          ومنها: كون الراوي عنه الحسين بن مختار على ما ذكره عناية الله وأيده في توضيح المقال بروايته عنه تعليمه للقرآن للمرأة وأنه (ع) غطى وجهه، وتغطية الوجه لا وجه لها في الأسدي الأعمى، وفيه أن حدس عناية الله غير حجة لاسيما مع احتمال استناده إلى الخبر المذكور، وأما الخبر ففيه أولاً: إنه رواية واحدة رواها عن المرادي فلا تفيد الظن. وثانياً: إن التغطية فعل مجمل، وثالثاً: إنه لم يعلم كون المرادي بصيراً كما يأتي، ورابعاً: إن غاية ذلك كله إفادة الظن.

          ومنها: كون الراوي عنه جماعة أخرى كابن أبي يعفور، وبكير بن أعين، وحماد الناب، وسليمان بن خالد، والفضل البقباق، وفضيل الرسان، والمثنى الحناط، وعمر بن طرحان، وليس له دليل إلا ذكر عناية الله والظاهر أنه استند في ذلك كله إلى ما وجده في بعض الأخبار من التصريح بالمرادي وقد تقدم ما فيه.

النحو الثالث: ما يعني خصوص الأسدي وهو أيضاً أمور منها: وصفه بالمكفوفية ما يساوقها في لسان الراوي أو في الخبر بيان ما يكون دالاً على عماه أو في لسانه بأني الضرير، وهو موقوف على قيام الحجة على أن العمى مخصوص بالأسدي واستدل له في توضيح المقال بوجوه ثلاثة: الأول: انه المستفاد من الأخبار. الثاني: أنه المستفاد من كلمات أهل الرجال. الثالث: أصالة عدمه في المرادي وفيها ما لا يخفى. وحُكي عن المجلسي الأول احتمال كون المرادي أيضاً أعمى حيث قال بعد نقل خبر ضمان الجنة إن هذا الخبر يحتملهما أي المرادي والأسدي، واستدل له أيضاً في توضيح المقال أولاً: بما ذكره الكشي من أخبار المكفوفية في ترجمة أبي بصير المرادي، وثانياً: بما تقدم من الخبر المنقول من منهج المقال في ترجمة زرارة، وثالثاً: ان حديث أول الامساك منقول في التهذيبين بإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر عن عاصم بن حميد عن أبي بصير المكفوف، وفي الفقيه بإسناده عن عاصم بن حميد عن ليث المرادي وأجاب عن الأول بأن عادة الكشي ليست على الترتيب، وعن الثاني بضعف الرواية، وعن الثالث بأنه اشتباه من الصدوق حيث تخيل أنه المرادي والشيخ بقرينة عاصم الراوي عن الأسدي صرح في إسناده بالمكفوف مضافاً إلى أنه يمكن نقل عاصم الخبر عن كليهما.

          أقول هذه الأجوبة تدفع الجزم لا الاحتمال مضافاً إلى ما في الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردها على الثالث من الفساد وبالجملة يحتمل كون المرادي أيضاً أعمى احتمالاً عقلائياً كما يشعر به تكنيته بأبي بصير فلا يكون الوصف بالمكفوفية مميزاً.

          ومنها: رواية شعيب بن يعقوب العرقوفي نقل ذلك عن المولى عناية الله والآغا[9] ونقل عنه أنه قال: والمحققون حكموا بكونه قرينة عليه حيثما وجد واستدل له تارة بأنه ابن أخته وأخرى بأنه قائده، وثالثة بأنه يروي عنه كثيراً، والأول لا يثبت روايته عنه فضلاً عن الاختصاص، وكذا الثاني، وأما الثالث فلا يفيد الاختصاص. وفي مقابله وجهان آخران أحدهما الحكم بعدم التمييز، والثاني ما حكى عن بعض العلماء من أن رواية شعيب المذكور قرينة على كون المراد من أبي بصير هو عبد الله بن محمد الأسدي لا يحيى بن أبي القاسم لوجهين: الأول: أنه يفهم من الرواية المتقدمة التي سأل فيها عن الإمام (ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟) انه لا يروي إلا عمن أمره الإمام (ع) بالأخذ منه وكيف يأمر بأخذه عمن هو دونه فإن شعيب أمتن وأوثق من يحيى فتعين أنه عبد الله. الثاني: إن شعيب في مرتبة يحيى وطبقته يروي عمن يروي عنه فإن علي بن أبي حمزة البطائني قائد يحيى يروي عن شعيب.

          أقول أما الوجه الأول فيرد عليه أولاً: أنه ليس في الرواية دلالة على أنه لا يروي إلا عمن أمره الإمام بالأخذ منه، وثانياً: منع كون شعيب أمتن من يحيى، وثالثاً: أن الأمتنية لا تنافي الرواية عن غير الأمتن، ورابعاً: أن عبد الله بن محمد الأسدي من المجاهيل، وخامساً: أنه ليس مكنّياً بأبي بصير فتحمل الرواية على المتقدمة الآمرة بالأخذ عن الأسدي المكنّى بأبي بصير. وأما الوجه الثاني ففيه أنه لو كان المراد من كونه في مرتبته أنه لا يروي أحدهما عن الآخر فهو أول الكلام، وإن كان المراد كونهما من أصحاب إمامٍ واحدٍ بمعنى أن كل من أدركه يحيى من الأئمة أدركه شعيب ففيه أولاً: أنه لا ينافي رواية أحدهما عن الآخر، وثانياً: أن شعيب يروي عن أبي عبد الله (ع) والكاظم (ع) ويحيى عن الباقر والصادق والكاظم (ع) فرواية علي عن كليهما لا تدل على أن أحدهما غير الآخر غير راوٍ فتبين أن الحكم بعدم التمييز بمعنى أنه مردد بين المرادي والأسدي هو الأوجه.

          ومنها: رواية عبد الله وضاح عنه لما عن الخلاصة من أنه صاحب أبا بصير يحيى بن القاسم كثيراً وعُرف به. ومنها راوية علي بن حمزة البطائني عنه واستدل له تارة بأنه قائده، وأخرى بأنه قد صرح به في بعض الأخبار في الباب السادس من العيون، وثالثة بتصريح عناية الله به وفي كل من الوجوه ما لا يخفى.

          ومنها: رواية الحسن بن علي بن أبي حمزة عنه لأنه حكى عن النجاشي روايته عنه وفيه منع إفادته للظن أولاً ومنع حجيته ثانياً. ومنها: رواية الحسين بن أبي العلاء عنه لما حكي عن الفهرست من روايته عنه وهو كسابقه.

          ومنها: رواية منصور بن حازم عنه كرواية الكليني في باب من طلّق ثلاثاً هكذا عن منصور بن حازم عن أبي بصير الأسدي وفيه ما لا يخفى. ومنها: رواية المعلى بن عثمان عنه لروايته عن أبي بصير قال: دخلتُ على أبي جعفر (ع) وهو يصلي، فقال لي قائدي إن في ثوبه دماً الخبر. وفيه مضافاً إلى عدم ثبوت المدعى بالرواية مرة واحدة أنه لم يعلم كونه الأسدي لاحتمال العمى في المرادي أيضاً كما سبق. ومنها: رواية يعقوب بن شعيب بن يعقوب عنه لنص عناية الله. ومنها: رواية شهاب بن عبد ربه. ومنها: رواية محمد بن عمران لنص عناية الله في كليهما وفي هذه الثلاثة ما لا يخفى.

          ومنها: رواية المثنى الحناط عنه لما في الكشي بسنده إلى المثنى المذكور عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي جعفر (ع) قلتُ: تقدرون على أن تحيوا الموتى؟ إلى أن قال: ادنُ مني فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت السماء الخبر. وقد تقدم هذا الخبر بتفصيله وفيه: أولاً: عدم ثبوت المطلب بمرة واحدة. وثانياً: إنه لم يعلم كونه الأسدي لما تقدم. وثالثاً: إنه معارض بما في الفقيه بإسناده عن عاصم بن حميد عن ليث المرادي فالحق عدم التمييز ما لم يحصل اطمئنان إلا أنه لا يقدح بعد كونه مردداً بين المرادي والأسدي، وكون كليهما ثقة. نعم، ربما يقال بظهور الثمرة في باب الترجيح لكون المرادي أعدل وأوثق، وفيه منع ثبوت كونه أعدل من الأسدي أولاً، وكون الوصفين من المرجح ثانياً بل منحصر بموافقة الكتاب ومخالفة العامة كما قررناه في الأصول.

الخامس: عمر بن يزيد

وفيه أيضاً جهات من الكلام:

الأولى: في اشتراك هذا الاسم وعدمه وجوهاً وبيانه أن هنا عناوين ستة: عمر بن يزيد ابن ظبيان الصيقل الكوفي ذكره النجاشي، عمر بن محمد بن يزيد الصيقل الكوفي ذكره الشيخ في رجاله، عمر بن يزيد بياع السابري ذكره في الفهرست مع التوثيق، عمر بن محمد بن يزيد أبو الأسود بياع السابري مولى ثقيف كوفي ذكره النجاشي مع التوثيق، عمر بن يزيد الثقفي موليهم البزاز الكوفي ذكره في رجال الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، عمر بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني دخل الكوفة أسند عنه رجال الشيخ في أصحاب الصادق (ع). اختار توضيح المقال اتحاد الأولين واستدل له بأن النجاشي والشيخ لم يذكرا إلا عنواناً واحداً الأول والثاني للثاني وفيه ما لا يخفى لاحتمال ظفر كل بما لم يظفر به الآخر. نعم، لو كان كل منهما ذكر كلا الاسمين في عنوان واحد لكان دليلاً للاتحاد.

          وكذا اختار اتحاد الثالث مع الرابع مستدلاً عليه بوجهين: الأول: إن الشيخ والنجاشي لم يذكرا لهما عنوانين بل الشيخ للأول والنجاشي للثاني وفيه ما تقدم في سابقه. الثاني: إن    الخلاصة قال في ترجمة عمر بن محمد بن يزيد إنه أثنى عليه الصادق (ع) والظاهر أنه إشارة إلى ما ذكره الكشي في ترجمة عمر بن يزيد وهو الخبر المشتمل على قوله (ع) يابني أنت والله منّا أهل البيت الخبر وفيه: أولاً: إن فهم الخلاصة غير حجة. وثانياً: إنه لم يعلم كون نظره إلى هذا الثناء.

          وأما دليل التعدد فهو انتساب أحدهما إلى يزيد والآخر إلى محمد والقول بأن ذلك من باب انتسابه إلى الجد خلاف الظاهر، وأما...[10] الخامس: فاختار أيضاً الاتحاد ولم يأتِ بشيء يساعده والظاهر التعدد أيضاً لذكره مع الثالث في عنوانين في رجال الشيخ قدس سره. وقد يتوهم اتحاد الخمسة لاقتصار الكشي والخلاصة والفهرست بعنوان واحد وهو كما ترى مع أنه معارض بذكر عناوين ثلاثة في رجال الشيخ على ما عرفت.

          ولما في النجاشي والعلامة في ترجمة أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل من ذكرها بعد ذلك أن جده عمر بن يزيد بياع السابري وفيه أن الظاهر كون الصيقل لقباً لأحمد لا لعمر وإلا لكان قضية السياق أن يقال بياع السابري متصلاً بالصيقل لا منفصلاً مضافاً إلى أنه لا يثبت إلا اتحاد الصيقل مع بياع السابري. اللهم إلا أن يقال إن نظره بعد اتحاد الاثنين الأولين وبعد اتحاد الثلاثة بعدهما إلى اتحادهما.

          وأما دليل التعدد فأمور: الأول: ذكر النجاشي والشيخ في رجاله لهما عنوانين، الثاني: توثيقهما بياع السابري دون الصيقل، الثالث: كون الأول من أصحاب الصادق والكاظم (ع)، والثاني من أصحاب الأول فقط، الرابع: إن الراوي عن الأول بحسب الكتابين محمد بن عذافر ومحمد بن عبد الحميد، وعن الثاني محمد بن زياد.

وأما السادس: فالظاهر مغايرته مع الخمسة سواء قلنا باتحادهم أو بالتغاؤر مطلقاً، وفي الجملة لذكر الشيخ له في رجاله عنواناً آخر.

الجهة الثانية: إن الصيقل ليس فيه توثيق من أئمة الرجال بكلي عنوانيه إلا ما حكاه ابن داود[11] عن النجاشي، وقد أخبر جماعة ممن لاحظ النجاشي خلوه عن التوثيق، فلعل الحكاية مبنية على توهم الاتحاد وأن النجاشي وثق بياع السابري على ما تقدم من عبارته. نعم، ربما استفيد من كون الراوي عنه محمد بن زياد، وأنه ابن أبي عمير، وأنه لا يروي إلا عن ثقة وفي المقدمتين الأخيرتين منع، وكذا عمر بن يزيد الثقفي، وعمر بن محمد بن يزيد بن عبد الله بناء على كونهما مغائرين مع بياع السابري وأما بياع السابري فقد وثقه النجاشي بعنوان عمر بن محمد بن يزيد أبو الأسود بياع السابري مولى ثقيف كوفي كما عرفت، والشيخ بعنوان عمر بن يزيد بياع السابري على ما عرفت، وربما يستدل على توثيق بياع السابري بما في الكشي بإسناده عن محمد بن عذافر عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قال لي أبو عبد الله (ع) يابن يزيد أنت والله منا أهل البيت، قلت: جعلت فداك من آل محمد؟ قال: أي والله من انفسهم الخبر. وبالصحيح عن حماد بن عثمان عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله الرجل يشهدني على الشهادة فاعرّف خطي وخاتمي، ولا أذكر عن الباقي قليلاً ولا كثيراً، قال فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة ومعك رجل ثقة فاشهد له، وتقرر دلالته من وجوه: الأول: إنه يفهم منه أنه كان رجلاً معروفاً بالعدالة. الثاني: إن الشهادة تعتبر فيها العدالة. الثالث: أمر الإمام (ع) له بالشهادة.

          أقول أما الخبر الأول فيرد عليه أنه نقل ثناء في حق نفسه، وأما الثاني ففيه مضافاً إلى أنه لم يعلم كونه بياع السابري إلا بقرينة رواية حماد، وسيأتي الاشكال فيه وإلى أن الظاهر فرض المسألة كلية لا شخصية وقع بها الابتلاء لشخص عمر بن يزيد أن معروفية الرجل بالعدالة لا تلازم العدالة واقعاً، وأن اعتبار العدالة في الشهادة لا يلازم كون من دعي للشهادة عادلاً واقعاً، وأن أمر الإمام (ع) له بالشهادة كناية عن نفوذها من جهة عدم معرفة خصوصيات القضية لا من جهة أخرى.

الجهة الثالثة: في بيان مميز أحدهما عن الآخر وقد ذكر أمور في ذلك أحدها: انصراف المطلق إلى الثقة وفيه ما تقدم. الثاني: إن رواية الحسين بن عمر بن يزيد، ومحمد بن عذافر، وعلي الصيرفي، ومحمد بن يونس، والحسن بن عطية، والحسن بن السري، وربعي بن عبد الله، وعمر بن أذينة، وحريز، وهشام بن الحكم، ودرست بن أبي منصور، وحماد بن عثمان، ومحمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وابان بن عثمان، ومعاوية بن عمار، ومعاوية بن وهب، والحسن بن محبوب تعيّن بياع السابري. ورواية محمد بن زياد عنه تعيّن الصيقل ذكره الطاظمي في المشتركات وفيه ما تقدم مراراً مع أن جعل محمد بن أبي عمير مميزة للأول، ومحمد بن زياد مميزة للثاني مع احتمال كونه عين بن أبي عمير بل استظهره بعض كما تقدم ممنوع أصلاً. الثالث: كون المروي عنه هو الكاظم (ع) فإنه يعين بياع السابري، فإن الصيقل كما عرفت من أصحاب الصادق (ع) فقط.

 (نهاية ص 72)

 

السابق                   صفحة التحميل                      الصفحة الرئيسية

 


[1] كتاب الحاوي للأقوال هو من تصنيف الشيخ الجزائري، ولعل هذا الخطأ التباس في النقل.

[2] البترية بضم الباء الموحدة وقيل بكسرها ثم سكون التاء المثناة من فوق. قيل سموا بذلك نسبة إلى المغيرة بن سعد الملقب بالأبتر أو لأنهم لما تبرأوا من أعداء الشيخين التفت إليهم زيد بن علي (عليه السلام) وقال أتبرأون من فاطمة بترتم أمرنا بتركم الله. وهذه الطائفة دعت الناس إلى ولاية علي (ع) ثم خلطتها بولاية إبي بكر وعمر (فرق الشيعة ص 57).

[3] لا يوجد في رجال الشيخ الطوسي المطبوع. يراجع ص 336.

[4] اختيار الرجال للكشي ص 174.

[5] الواقفة فرقة أنكرت مقتل الإمام موسى بن جعفر وسموا بالواقفة لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه الإمام القائم ولم يأتموا بعده بإمام ولم يتجاوزوه إلى غيره (فرق الشيعة ص 81).

[6] الكميداني من كميذ، وكميذ هو الاسم الفارسي لمدينة قم.

[7] لعله يقصد مجمع الرجال للقهبائي المتوفى حدود سنة 1011هـ، ومجمع الرجال طبع بسبع مجلدات بأصفهان سنة 1384هـ - تحقيق السيد ضياء الدين الأصفهاني.

[8] الفطحية هي الفرقة التي قالت بإمامة عبد الله بن جعفر، وسموا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرأس وقيل غير ذلك. ومال إلى هذه الفرقة جل مشايخ الشيعة وفقهائها ولم يشكوا في أن الامامة في (عبد الله بن جعفر) وفي ولده من بعده فمات عبد الله ولم يخلف ذكراً فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته (سوى قليل منهم) إلى القول بإمامة موسى بن جعفر (فرق الشيعة ص 78).

[9] محمد باقر الوحيد البهبهاني المتوفى 1206 هـ .

[10] كلمة لا تقرأ أشبه بـ (الأصح).

[11] رجال ابن داود. لم يذكر العنوان في القسم الاول ولا القسم الثاني راجع ص 187 وص 459 من الطبعة الايرانية 1342هـ.