(ص 35 - 51)

 [الفصل الثالث]

فصلٌ في مراسيل ابن أبي عمير وطبقته

          ربما يقال بحجية خبر صح عن ابن [أبي] عمير، والبزنطي، وصفوان بن يحيى، ولا ينظر إلى من بعدهم أو خصوص مراسيلهم.

الأول: لما ذكره الشيخ في العدة[1] في ترجمة كل واحد من أنه لا يروي إلا عن ثقة وفيه أن هذا الخبر معلوم الحدسية، إذ من المعلوم عدم سماع الشيخ له عن ابن [أبي] عمير وقرينيه ولا من الإمام، بل إخباره إما مستند إلى ما رأى في أخباره المسندة من كون الرجال الذين بعدهم إلى الإمام ثقات فيكون حدسياً أو إلى نقل الثقات له إليه فيكون المخبر به بهذا الخبر حدسياً فلا يكون حجة، هذا مع أن المخبر به كون المروي عنه ثقة عند الثلاثة لا مطلقاً.

الثاني: لما نقله الذكرى من إجماع الأصحاب على قبول مراسيلهم وهو وإن كان سالماً عما أورده أوثق الوسائل من أنه ليس إجماعاً مصطلحاًً لكون ظاهر لفظ الأصحاب عدم دخول الإمام، وأنه من قبيل الإجماع على الموضوع وذلك لما تقدم سابقاً عند التكلم في أصحاب الإجماع إلا أنه يرد عليه كونه مرهوناً بوجدان الخلاف من قبل الشهيد مع أنه يرد عليه ما تقدم من الوجه الرابع في رد الإجماع المنقول على أصحاب الإجماع.

          وربما يستدل على حجية مراسيل خصوص ابن [أبي] عمير بوجوه:

الأول: ما حكي عن السيد الداماد من أنه قد تلفت كتبه في حال كونه في الحبس وحدّث من حفظه وفيه ما لا يخفى.

الثاني: ما ذكره النجاشي من أن الأصحاب يسكنون إلى مراسيله وفيه ما تقدم من الوجه الرابع.

الثالث: قول العلامة في النهاية من أنه لا يرسل إلا عن ثقة ويرد عليه بعينه ما تقدم من الإشكالين على التمسك بقول الشيخ (قدس سره) في العدة.

          بقي الكلام في معنى المرسل وله معنيان عند أهل الدراية:

الأول: ما سقط عن سنده واحد أو أزيد من أوله أو وسطه أو آخره، وان ذكر الساقط بلفظ مبهم كبعض أصحابنا أو رجل دون ما ذكر بلفظ مشترك، وبهذا المعنى يشمل المعلّق وهو ما كان الساقط من الأول، والمقطوع وهو ما سقط من الوسط، والمرسل بالمعنى الأخص وهو ما سقط عن الأخير، والمعضل وهو ما كان الساقط أكثر من واحد من الوسط أو مطلقاً على الخلاف، وأما الموقوف وهو ما روي عن مصاحب المعصوم. وقد يطلق على ما روي عن غير الإمام ومصاحبه فهو ليس من مصاديق المرسل وإن قال في توضيح المقال: إنه مطلقاً أو ببعض أقسامه من المرسل لأن الظاهر اشتراط كونه مروياً عن المعصوم عليه السلام. الثاني: ما تقدم آنفاً.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه بناء على حجية مراسيل الثلاثة أو خصوص ابن [أبي] عمير فإن كان المدرك قول شيخ الطائفة من أنهم لا يروون إلا عن ثقة كان الحجة المرسل بالمعنى الأول وإن كان المدرك إجماع الذكرى أو إجماع النجاشي أو قول العلامة فالقدر المتيقن هو المعنى الثاني فافهم.

 [الفصل الرابع]

فصلٌ في روايات بني فضّال

          قد ذكر الشيخ (قدس سره) في كتاب الطهارة من أن ما رواه بنو فضّال حجة من غير نظر إلى من بعده تمسكاً بما ورد في كتاب الغيبة[2] للشيخ (قدس سره) عن أبي الحسين بن تمام عن عبد الله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح عن الشيخ عن أبي محمد العسكري (عليه السلام) أنه سئل عن كتب بني فضّال، فقال: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا. وذكر في الوسائل رواية أخرى في مقام إثبات أصل حجية الخبر، قال: وما رواه الشيخ بسنده الصحيح إلى عبد الله الكوفي خادم الشيخ أبي القاسم حسين بن روح حيث سأله أصحابه عن كتب الشلمغاني، فقال الشيخ: أقول فيها ما قاله العسكري (عليه السلام) في كتب بني فضّال، حيث قالوا له ما نصنع بكتبهم وبيوتنا منها ملأى، قال: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا.

          والكلام فيهما يقع من جهتين:

الأولى: في سندهما: الظاهر عدم حجيتها سنداً وإن قال الشيخ (قدس سره) في الطهارة بكون الأول من قبيل الحسن لأن أبا الحسين وعبد الله مجهولان، ومنه يظهر مجهولية الثاني أيضاً.

الثانية: في مقام الدلالة: والظاهر عدمها لأن الرواية مسوقة لبيان جواز أخذ روايتهم في مقابل عدم جواز أخذ رأيهم ولا يستفاد منه أزيد من كونهم ثقات في مقام الرواية وأنهم صحيحوا النقل لأن كل ما نقلوه حجة فافهم.

 [الفصل الخامس]

فصلٌ في معنى الصحة عند المتأخرين

          الصحة عند المتأخرين كون رجال الرواية إماميين عدولاً، والنسبة بين صحيحهم وبين المعمول به هو العموم من وجه وقد حدث هذا الاصطلاح في لسان ابن طاووس[3] على المحكي عن مشرق الشمسين، وإن اشتهر في زمان الفاضلين.

وأما عند القدماء فالظاهر أنها كون الخبر حجة بحسب السند وإن كانت مصاديقه تختلف باختلاف الأنظار فيكون الصحيح مساوقاً للمعمول به فالنسبة بينه وبين صحيح المتأخرين عموماً من وجه. وقد ذكر في منتهى المقال أن الصحيح عندهم هو الموثوق بصدوره قطع به أو ظن به، والنسبة بينه وبين المعمول به عموم من وجه لأن الموثوق بصدوره الموافق للتقية صحيح غير معمول به والنسبة بين صحيحهم وصحيح المتأخرين عموم مطلق.

          ويرد عليه أن الظاهر كون الصحة عندهم ما ذكرنا آنفاً، هذا مع أنه لو سلّم لم يكن النسبة بين الصحيح بهذا المعنى وبين المعمول به عموماً من وجه، لأن المراد من المعمول به ما كان كذلك سنداً وليس المهم مقام الجهة أو الدلالة فافهم. هذا مع أن الظاهر كون النسبة بين الصحيحين عموماً من وجه لا عموماً مطلقاً كما أفاده.

 [الفصل السادس]

فصلٌ في معنى أسند عنه

          قولهم أسند عنه في ترجمة بعض الرواة هل هو مدح، أو ذم، أو مجمل، أو معلوم أنه ليس واحداً منهما، أو توثيق، وجوه خمسة.

          فإن قرىء بصيغة المجهول فيحتمل أموراً. الأول: إنه سمع منه الحديث وهو يفيد الرابع ولكنه خلاف الظاهر مع أنه لم يقل في كل من سمع منه الحديث. الثاني: إنه اعتمد عليه المشائخ وهو يفيد الخامس إلا أنه مع كونه خلاف الظاهر لم يقل في كل من اعتمدوا عليه ولا ينافيه ما في ترجمة محمد بن عبد الملك الأنصاري أسند عنه ضعيف. الثالث: إنه اعتمد عليه بعض الثقات ويرد عليه الوجهان أيضاً. الرابع: إنه اعتمد عليه بعض وهو يفيد التوثيق من مجهول وهو يفيد الرابع، وفيه الوجه الأخير. الخامس: إنه روى عنه المشائخ حتى يظهر بعد حاله، ومفاده الرابع وفيه الوجهان أيضاً. السادس: إنه اعتمد عليه من ليس بثقة ومفاده الرابع وفيه الوجهان أيضاً.

          وإن قرىء معلوماً بصيغة التكلم فيحتمل كون المراد أنه إني أعتمد عليه فيكون توثيقاً لكون هذه العبارة من شيخ الطائفة والعلامة كما سيأتي، ويحتمل أن يكون المراد اني سمعت منه الحديث ومقطوع العدم لأن هذه العبارة لم تقل إلا في أصحاب الصادق (عليه السلام) وفي أصحاب الباقر (عليه السلام) نادراً، ولا تنافيه الترجمة المتقدمة لأن الضعف في الرجل يجتمع مع الاعتماد على روايته.

          وإن قرىء معلوماً بصيغة الماضي ففيه احتمالات: الأول: أن يكون ضمير الفاعل راجعاً إلى المترجم بالفتح وضمير (عنه) راجعاً إلى المعصوم ويكون معناه انه ممن روى عنه كما هو مختار بعض المحققين، وينافي ذلك قول شيخ الطائفة في ترجمة جابر بن يزيد ومحمد بن إسحق بن يسار بعد قوله أسند عنه روى عنهما. الثاني: الصورة ولكن المراد أنه روى عن أصحاب المعصوم لا عن نفسه وهو مختار السيد الداماد في الرواشح. الثالث: إن المراد أنهم أسندوا عنه ولم يسندوا عن غيره والمراد أنهم لم يرووا إلا عن الإمام ولم يرووا عن غيره، والمراد من العبارة نفي كونهم راوين عن غير المعصوم وكل واحد من تلك الوجوه خال عن الدليل مع أن الأول ينافيه ما تقدم، والثاني ينافيه رواية جماعة منهم عن الصادق (عليه السلام)، والثالث ينافيه رواية جماعة منهم عن غير المعصوم أيضاً كما يظهر للمتتبع. الرابع: إن ضمير الفعل راجع إلى ابن عقدة الذي جمع كتاباً وذكر فيه أسامي أربعة آلاف من رجال الصادق (عليه السلام) وضمير عنه إلى المترجم بالفتح والمراد أنه ذكره في كتابه ويشهد له أنه ذكره الشيخ في رجاله دون فهرسته وفي رجال الصادق (عليه السلام) دون غيرهم مع ذكره في أول رجاله: (إني ذاكر ما ذكره وأورد بعد ذلك ما لم يذكره) فافهم. فتبين مما ذكرنا أن الأقوى هو الوجه الرابع وعلى تقدير التنـزل فمجمل.

 [الفصل السابع]

فصلٌ في تمييز المشتركات

          من أهم المسائل في هذا العلم تمييز المشتركات، وهو قد يكون بالنسب أو بالكنية أو باللقب أو بالانصراف، والمراد منه ليس الانصراف المتعارف في الأصول حتى يقال ان الأعلام ليست من قبيل المطلقات بل المراد كثرة استعمال اللفظ المشترك في أحد معانيه بمرتبة تكون قرينة معينة ولكن لابد من تحقق الكثرة في زمان الراوي عن هذا المشترك وإلا فلا يفيد، ولذا كان إحراز هذه الصغرى في غاية الإشكال، وقد يكون بغير تلك الأربعة، وقد ذكروا أموراً عديدةً للتمييز منها اتحاد مكانه مع مكان المروي عنه أو بالعكس، ومنها اتحاد الزمان، ومنها كونهما من أهل صنعة واحدة، ومنها كون أحد المشتركين معهود الرواية عن المروي عنه المعلوم دون المشترك الآخر، ومنها عكسه إلى غير ذلك، ولكن التحقيق عدم الاعتبار بهما ما لم يحصل الوثوق إذ لم يقم دليل على اعتبارها من باب الظن لا شخصاً ولا نوعاً فالضابط في غير الأربعة المتقدمة هو حصول الوثوق منها.

          إذا عرفت ذلك فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى حال جملة من الأشخاص المشتركة:

 الأول: ابن سنان

وهو مشترك بين ثلاثة أحدهم: محمد بن سنان بن ظريف وهو مجهول لا أصل له[4] ولا رواية. ثانيهم: عبد الله بن سنان بن ظريف الذي هو أخوه وهو جليل كثير الرواية. ثالثهم: محمد بن حسن بن سنان وهو مختلف فيه إلا أن الأقوى جلالته. ومنه ظهر أن قول بعض بأنه أخ الثاني واقع في غير محله.

وحيث عرفت ما ذكرنا علمت أنه لا إشكال فيما إذا وقع ابن سنان في السند لأن الأول لا رواية له ولكن بناء على عدم توثيق الأخير يقع الإشكال. وحينئذٍ إن وردت رواية عن ابن سنان، فإن كان المروي هو الصادق (عليه السلام) فهو عبد الله بن سنان، لأن التتبع شاهد على أن محمد بن سنان يروي عنه (عليه السلام) بالواسطة. وذكر الشيخ قدس سره في الرجال جماعة منهم محمد بن سنان أنهم يروون عنه (عليه السلام) بالواسطة. وأما ما ذكر من أن محمداً مات سنة عشرين ومائتين، ووفاة الصادق (عليه السلام) على ما ذكره الشيخ سنة ثمان وأربعين ومائة، فإن كان راوياً عنه (عليه السلام) فلابد من كونه قابلاً للتحمل كالبلوغ وما قاربه وحينئذٍ يكون من المعمرين، وقد نقلوا عمر من هو أقل منه سنّاً، فلا دلالة فيه على شيء كما لا يخفى.

وأما إذا كان في وسط السند كما في رواية إسماعيل بن جابر الواردة في تحديد الكر مساحة بثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار حيث إن الراوي عنه ابن سنان فينحصر التمييز بالراوي عنه، وإن كان الراوي عنه مشتركاً في الرواية عن كليهما كيونس بن عبد الرحمن يشكل الأمر، ولكنا في غنى من ذلك.

 الثاني: محمد بن قيس

وهو مشترك بين رجال، قال الشهيد الثاني: والمشهور بين أصحابنا رد روايته حيث يطلق مطلقاً نظراً إلى احتمال كونه الضعيف. والتحقيق في ذلك أن الرواية إذا كانت عن الباقر (عليه السلام) فهي مردودة لاشتراكه حينئذٍ بين الثلاثة الذين أحدهم الضعيف واحتمال كونه الرابع حيث لم يذكروا طبقته، وإن كانت الرواية عن الصادق (عليه السلام) فاحتمال الضعيف منتفٍ هنا لأنه لم يرو عنه (عليه السلام) لكن يحتمل كونها من الصحيح أو الحسن. وقال الشيخ عبد النبي الجزائري ما حاصله أن ما ذكره حسن إلا أن رد الرواية إذا كانت عن الباقر (عليه السلام) مطلقاً في غير محله، لأن الظاهر كونه هو الثقة إذا كان الراوي عن محمد المذكور عاصم بن حميد أو يوسف بن عقيل أو عبيد ابنه لأن النجاشي ذكر أن هؤلاء يروون عنه كتاباً. بل لا يبعد كونه الثقة إذا روى عن الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) لأن كلاً من البجلي والأسدي صنف كتاب القضايا لأمير المؤمنين كما ذكره النجاشي وقال في توضيح المقال: (ان حكمه بانتفاء الضعف إذا كانت الرواية عن الصادق ضعيف أيضاً لأن فيمن روي عنه (عليه السلام) من الموصوفين بهذا الوصف من هو مجهول فتأمل) انتهى.

          أقول يرد على ما ذكره الفاضل الشيخ (ره) في مقام التمييز إذا كان الراوي عنه أحد هؤلاء الثلاثة من جهة كونهم راوين عن محمد الثقة كتاباً إنه لا يدل على كون الرواية المشكوكة من روايات هذا الكتاب، وعلى ما ذكره في التمييز إذا كانت الرواية عن الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) أولاً إنه لا يدل على التعين إذا كانت الرواية في غير باب القضاء، وثانياً إنه لا يدل عليه في القضاء أيضاً إذ كونهما راويين للقضاء غير ملازم مع عدم رواية غيرهما له، فالحق ما حكاه الشهيد عن المشهور. أما إذا كان راوياً عن الباقر (عليه السلام) فلما تقدم عن الشهيد (قدس سره) لما عرفت من عدم تمامية ما ذكره الجزائري من القرائن الأربع وأما إذا كان راوياً عن الصادق (عليه السلام) فلأن المحمدين بن قيس  الراوين عنه هم خمسة، ثلاثة منها من المجاهيل.

 الثالث: محمد بن إسماعيل

وفيه مقامات من الكلام.

الأول: إنه مشترك بين ثلاثة عشر رجلاً، ثلاثة من الثقات: البرمكي والزعفراني ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وبعضها مذموم كمحمد بن إسماعيل بن جعفر (عليه السلام)، وواحد محل الخلاف وهو النيشابوري، والباقي من المجاهيل. فإذا أطلق يكون الخبر مردوداً. الثاني: إن ثقة الإسلام قد أكثر الرواية عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان حتى قيل إنه يزيد على خمسمائة حديث، وقد وقع الخلاف في تعينه على أقوال خمسة، أحدها: ما نسب إلى المشهور من أنه النيشابوري، ثانيها: إنه ابن بزيع، ثالثها: إنه البرمكي، رابعها: إنه مردد بين الجميع، خامسها: إنه مردد بين أبناء إسماعيل المجاهيل.

          واستدل للأول بوجوه، الأول: ذهاب المشهور وهو يفيد الظن وفيه أن حجيته مبنية على تمامية الانسداد في تعيين الرجال وقد تقدم عدمها. الثاني: إن الكشي معاصر الكليني[5] يروي عنه بلا واسطة مصرحاً بنيشابوريته، فيظن أنه الذي يروي عنه الكليني بلا واسطة، وفيه المنع صغرى وكبرى. الثالث: إن المستفاد من ترجمة الفضل أنه يذكر بعض أحواله فيظن أنه الراوي عنه وفيه منع أيضاً صغرى وكبرى. الرابع: إنه نيشابوري كالفضل فيظن أنه الراوي عنه. الخامس: إنه تلميذ الفضل الخصيص به فيحصل الظن المذكور وفيها ما تقدم من الوجهين. السادس: إنه من مشائخ الكليني كما عن الرواشح وفيه أنه يحتمل قريباً كونه حدسياً مأخوذاً من الوجوه المتقدمة وإلا فلم يذكر في كلام أنه من مشائخه. وبالجملة هذه الوجوه الستة غير ناهضة لتعيين كونه النيشابوري.

          وأما القول الثاني فلم يعرف له مدرك بل الدليل على عدمه من وجوه. الأول: إن الكليني (ره) روى عن ابن بزيع فيما صرح بكونه ابن بزيع بواسطتين بل روى عنه في باب نص الله تعالى ورسوله (ص) على الأئمة (ع) بثلاث وسائط. قال الحسين بن علي عن معلّى بن محمد عن محمد بن جمهور عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وكذا في باب الركوع، ومن البعيد جداً روايته عنه بلا واسطة. واحتمال كون ذلك من المرسل بعيد عن مذاق الكليني، وفيه أن الثاني وإن كان بعيداً إلا أن الأول لا بعد فيه. الثاني: إن الكليني قد صرح بكونه ابن بزيع عند روايته عنه مع الواسطة كما تقدم فيظهر أن المراد من المطلق عنده غيره. الثالث: إنهم ذكروا فيمن يروي عنه الفضل بن بزيع ولم يذكروه فيمن يروي عن الفضل وفيه احتمال كون ذلك لاعتقادهم بأن محمد بن إسماعيل هذا غيره. الرابع: إن الفضل يروي عن ابن بزيع كثيراً فكيف يكون راوياً عنه بالكثرة التي عرفتها، وفيه عدم المنافاة. الخامس: إن ابن بزيع توفي في زمان حياة الجواد (ع) وهو من أصحاب الكاظم (ع) والكليني توفي في أول الغيبة الكبرى وهي ثمان وعشرون وثلثمائة سنة أو تسع كذلك، فلابد حينئذٍ من أحد أمور، الأول: إنه قد حذف الواسطة بينه وبين ابن بزيع وهو بعيد عن سليقة الكليني. الثاني: إنه نقل هذه الروايات من كتاب ابن بزيع وهذا أيضاً بعيد من مذاقه. الثالث: إنه أدرك زمان ابن بزيع وأخذ هذه الروايات على كثرتها وفيه بعد من وجوه، الأول: إنه على هذا يكون من المدركين لزمان أربعة من الأئمة (ع) ولو كان كذلك لنبهوا عليه في الرجال. الثاني: إنه حينئذٍ يكون من المعمرين إذ وفاة الجواد (ع) في سنة ستين ومائتين، ولابد من فرضه حينئذٍ ابن عشرين سنة حتى يكون قابلاً لأخذ الرواية فيكون عمره مائة وتسعاً وعشرين، ولو كان كذلك لذكروه من المعمرين. الثالث: إنه يبعد جداً أن يدرك زمان أربعة من الأئمة ولا يأخذ منهم (ع) حديثاً بلا واسطة، وبالجملة فالإنسان يثق كمال الوثوق بأن ابن إسماعيل هذا ليس ابن بزيع.

          وأما القول الثالث فقد استدل له بكونه رازياً كالكليني وبرواية الصدوق عن الكليني بواسطة وعن البرمكي بواسطتين وبرواية الكشي المعاصر مع الكليني عنه بلا واسطة تارة وبواسطة واحدة أخرى وبموت محمد بن جعفر الأسدي الذي هو معاصر البرمكي قبل وفاة الكليني بتقريب من ستة عشر سنة وكل ذلك كما ترى. واستدل على نفيه تارة بذكر بعض أهل الرجال في ترجمة البرمكي أنه يروي عنه محمد بن جعفر الأسدي فلو كان ذلك هو البرمكي لذكروا فيمن يروي عنه الكليني أيضاً وفيه أن عدم ذكرهم لعله مستند إلى اعتقاد أنه هو النيشابوري، وأخرى بأنه قد روى عن البرمكي بواسطة محمد بن جعفر الأسدي مع التقيد بالبرمكي تارة وبالرازي أخرى وإن أطلقه نادراً فيظهر منه أن محمداً بن إسماعيل الذي روي عنه بلا واسطة غير البرمكي (وفيه) أنه مع الإطلاق في بعض الموارد لا يحصل الاطئمنان بكونه غير البرمكي.

          وأما [القول] الرابع فوجهه أنه مشترك بين ثلاثة عشر رجلاً وفيه أن طبقة غير النيشابوري والبرمكي مخالفة مع طبقة الكليني فلابد من الحمل على الإرسال وهو كما ترى، ومنه يظهر نفي [القول] الخامس[6] ، فإن المجاهيل كلهم مخالف له طبقة على ما يظهر لمن لاحظ تراجمهم مضافاً إلى أنه لا وجه له من جهة اتحاد طبقة النيشابوري والبرمكي مع الكليني فلا وجه لإخراجهما عن أطراف الترديد. فظهر من جميع ما ذكرناه قوة وجه سادس وهو تردده بين النيشابوري والبرمكي.

المقام الثالث: إنه لا إشكال في كون البرمكي ثقة لتوثيق النجاشي له وتضعيف ابن الغضائري له غير قادح. وأما النيشابوري فلم يوثقه أحد من قدماء أهل الرجال، وقد ذكر لاعتبار خبره وجوه، الأول: إنه الخصّيص بالفضل ومثله لا يجعل الفاسق من خواصه وفيه ما لا يخفى. الثاني: تصحيح جمع من الأفاضل للسند الذي هو فيه من جهته. الثالث: تصحيح الجميع على ما حكي عن بعض الأجلة للخبر الذي يروي عنه الكليني وفيهما أنه يحتمل أن يكون المدرك لذلك الوجه الأول أو غيره من الوجوه الآتية مع أنه يرد على الثالث كونه موهوناً لما عرفت من الاختلاف في كونه النيشابوري. الرابع: إنه من مشائخ الكليني وفيه أنه لم يثبت لأن ذلك موقوف على كون المراد من محمد بن إسماعيل المتقدم هو النيشابوري وقد عرفت أنه غير ثابت. نعم هذا السند معتبر لتردده بينه وبين البرمكي ولا ينفع فيما كان النيشابوري مذكوراً في سند آخر. الخامس: إكثار الكليني للرواية عنه مع ما قال في أول كتابه وفيه أنه لم يثبت كونه النيشابوري مع أنه لم يقل في أول كتابه ما يدل على كون جميع رجال روايات كتابه ثقات كما تقدم. السادس: عدم توصيف الكليني له بقيد يميزه عن غيره فظاهره عدم الحاجة إليه لوضوح وجه الاعتماد أو لعدم الحاجة لكونه من مشائخ الإجازة وفيه أنه قد مر أنه لم يثبت كونه النيشابوري. السابع: ما ذكره المحقق الداماد من أنه شيخ كبير فاضل جليل القدر معروف الأمر دائر الذكر بين أصحابنا وقد ذكر ما يقرب منه المحدث الكاشاني وفيه أنه من المعلوم أو الموثوق به كونه مستنبطاً من كونه شيخ الكليني وسائر الوجوه وقد عرفت عدم ثبوت ذلك، وأما ذلك فلأنه ليس في كتب الرجال القديمة والحادثة توثيق له. الثامن: إنه قد وصف في ترجمته بوصف (بندفر) و(بند) بالفتح والسكون العلم الكبير و(فر) القوم، أي من خيارهم ووجوههم، وفيه أنه لم يثبت كونه ملقباً بهذا اللقب. نعم، وصف به الكاشاني والسيد الداماد طاعناً على ما وصفه بالبندقي بضم الباء وسكون النون وضم الدال إلا أنه في كثير من الكلمات لقب بالبندقي الذي هو منسوب إلى بندقة أبي قبيلة باليمن منها ما عن الكشي ذكر أبو الحسن محمد بن إسماعيل البندقي النيشابوري أن الفضل بن شاذان نفاه عبد الله بن طاهر من نيشابور...الخ فتبين عدم ثبوت اعتبار خبره. والثمرة في غير سند الكافي الذي روى عن محمد بن إسماعيل عن الفضل وإلا فهو معتبر لأنه إما البرمكي فهو ثقة، وإما النيشابوري فهو حينئذٍ شيخ الإجازة فافهم.

(تليها صفحات 52 - 72)

 

اللاحق             صفحة التحميل                الصفحة الرئيسية


 


[1] ذكر الشيخ الطوسي في عدة الأصول: (ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممن يوثق به وبينما أسنده غيرهم ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن روايتهم) ص 386.

[2] الغيبة ص 240.

[3] ابن طاووس هو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطاووس. ولد بالحلة 15 محرم الحرام 589 هـ، وأقام ببغداد زمن العباسيين خمس عشرة سنة ثم رجع إلى الحلة ثم جاور الغري (النجف) ثم رجع إلى بغداد في أول عصر المغول. ولي النقابة من قبل نصير الدين الطوسي عن هولاكو ثلاث سنين وأحد عشر شهراً مع امتناعه عن ذلك في عهد المستنصر العباسي. توفي سنة 664 هـ. من تلامذته والرواة عنه يوسف بن علي بن المطهر وحسن بن يوسف (العلامة) وغيرهم كثير. له كتب منها (الاقبال) و(سعد السعود) في تاريخ القرآن (الأنوار الساطعة ص 116).

[4] ذكر السيد بحر العلوم في تنقيح المقال أن (الأصل في اصطلاح المحدثين من أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم ينتزع من كتاب آخر) ج 1 ص 464.

[5] لم يثبت أن الكشي قد عاصر الكليني، ولم نجد تاريخ وفاة الكشي. أما الكليني فقد توفي سنة 329هـ.

[6] أي إنه مردد بين أبناء إسماعيل المجاهيل.