(ص 18 - 34)

تعريف علم الرجال:

          واما تعريفه فهو انه القواعد التي يمكن[1] أن يعرف بها حال الراوي، واما ما ذكره (توضيح المقال) من أنه ما وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، مدحاً وقدحاً[2]، ففيه:

أولاً: انه يلزم خروج القواعد الغير الموضوعة بعد التي يمكن ان يعرف بها حال الراوي.

ثانياً: انه يلزم خروج جميع قواعدها عنه إذ ليس لنا قاعدة يعرف بها حال الجميع اللهم الا ان يكون مراده من لفظ الرواة هو الجنس وهو كما ترى.

ثالثاً: انه ليس في الرجال قاعدة يعرف بها ذات الرواي بل المعلوم فيها دائماً وصف من أوصافه من كونه ابن فلان أو أباه أو كونه عادلاً أو كونه فاسقاً أو غير ذلك فلا حاجة الى قوله ذاتاً.

رابعاً: انه يلزم خروج القواعد التي يعلم بها كون الراوي غير منصوص بقدحه ومدحه، وزيادة قوله مدحاً وقدحاً مخلٌ بالمقصود واعتذاره عنه بأنه داخل في القدح ولو من حيث عدم اعتبار خبره مدفوع بأنه ليس اللفظ ظاهراً فيه، وقد تقرر في محله ان استعمال المجاز في التعريف غير جائز الا بالقرينة الواضحة، واما الغرض منه فهو معرفة المعتبر من الاخبار عن غيره.

حجية الاخبار:

          بقي الكلام في ان الاستنباط هل يتوقف عليه تعييناً أو تخييراً أو لا توقف له عليه ابداً ومدرك الأخير وجوه:

الاول: دعوى حجية كل خبر كما هو قول الحشوية[3] مع ضميمة عدم وجوب الترجيح بالترجيحات الصدورية والجزء الاول باطل كما قرر في الاصول.

الثاني: دعوى عدم حجية خبر الواحد إما لاستحالتها كما هو المنسوب إلى ابن قبة[4]، أو لعدم وقوعها كما هو قول السيد[5] وأتباعه، وقد فرغنا عن الإمكان والوقوع في الأصول.

الثالث: دعوى كفاية تصحيح الغير وتضعيفه، وفيه: أولاً: إنه ينفي التوقف التعييني دون التخييري، وثانياً: ان حجيته إما من باب الخبروية، وسيأتي ما فيه عند إثبات قول الرجالي من باب الخبروية. وإما من باب أدلة حجية الخبر وفيه أن أدلتها منحصرة فيما كان حسياً أو الاعم منه ومن مشكوك الحسية، وقد علم كون التصحيح والتضعيف من باب الحدس. وإما من باب الانسداد على ما يأتي تفصيله في إثبات حجية قول الرجالي به، وفيه مضافاً إلى ما سيأتي من عدم تمامية مقدماته أن الثابت به حجية الظن المستقر ولم يعلم استقراره قبل الرجوع إلى الرجال، وإما من باب الشهادة، وفيه أنه حجة إذا لم يعلم كون المشهور به حدسياً كما في المقام. وثالثاً: إنه لا يتم فيما تعارض الخبران إذا قلنا بوجوب الترجيح بالمرجحات السندية فيلزم حينئذٍ الرجوع إلى الرجال في ترجيح رجال أحد الخبرين على رجال الآخر.

الرابع: دعوى قطعية صدور جميع الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للإمامية وفيه منع هذه الدعوى.

الخامس: دعوى قطعية أخبار الكتب الأربعة وفيه مضافاً إلى منعها أن الحاجة إلى الرجال حينئذٍ بالنسبة إلى أخبار غير تلك الأربعة موجودة.

السادس: دعوى اعتبار أخبار الكتب الأربعة جميعاً وفيه مضافاً إلى ما يرد على سابقه أخيراً منع اعتبار جميعها كما سيظهر إن شاء الله تعالى.

قطعية صدور الأخبار:

          ثم إن الاخباريين استدلوا لإثبات قطعية الصدور بالنسبة إلى جميع أخبار الكتب الأربعة أو مطلق الكتب المعتمدة بوجوه عديدة وحكى عن الوسائل إنهائها إلى اثنين وعشرين[6]. وعدم القطعية وإن كان واضحاً إلا أنه لا بأس بذكر بعضها فمنها دعوى تنقيح الأخبار في أزمنة الأئمة المتأخرة عن الأخبار المدسوسة، وفيه: أولاً: إنه ليس في خبر من الأخبار إخراج جميع المدسوسات عما وصل إلينا من الأخبار. وثانياً: لو سلمناه إلا أنه خبر غير مقطوع الصدور. وثالثاً: يحتمل الاشتباه والخطأ في غير المدسوسات.

          ومنها أن الائمة (ع) لم يكونوا يضيعون من في الأصلاب بل يلزم عليهم تبليغ الأحكام على وجه تصل إلى الجميع، وفيه أن بناء التبليغ على المعتاد ولا ينافي وجود تقصير من المكلفين مانع عن وصول بعض الأحكام مضافاً إلى أنه ربما يكون في جعل الإمارة مصلحة لا يلزم معها التبليغ القطعي فافهم.

          ومنها شهادة المحمدين الثلاثة[7] على كون جميع ما في كتبهم مقطوع الصدور وفيه مضافاً إلى أنه لا تثبت القطعية في غير الكتب الأربعة أن محل الاستشهاد لذلك في عبارة الكافي هو قوله (قدس سره): (وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين بالعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام)[8].

          ولا يخفى أنه يرد عليه، أولاً: إنه ليس له ظهور في كون جميع ما في الكتاب صحيحاً بل غايته الدلالة على أن المريد للعمل بالأخبار الصحيحة يكفي له هذا الكتاب، وثانياً: إنه على تقدير تسليمه ظهور غير مفيد للعلم بأنه مراده، وثالثاً: إن الصحة غير العلم [بالصدور]، ورابعاً: إنه على تقدير تسليمه لا يفيد القطع لنا بل غاية دعويه حصوله له وأما عبارة الفقيه هو قوله: (ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبد الله ...الخ)[9]، وهذه صريحة في أن مراده حجية جميع ما يورده فيه إلا أنه يرد عليه الأخيران. وأما ما أورد عليهما بأنهما قد عدلا عن ذلك في الأثناء بقرينة تصريحهما بعدم العمل ببعض الأخبار الموجودة فيهما وبقرينة وجود بعض أخبار يقطع بعدم صدورها كما في الروايات الثلاث الدالة على عدم نقصان شهر رمضان عن الثلاثين يوماً[10] وغيرها فهو مدفوع بأنه من قبل التخصيص، فلا ينافي قطعية صدور غير هاتين الطائفتين لهما.

          وأما عبارة التهذيب فمحل الاستشهاد قوله: (ثم اذكر بعد ذلك ما ورد في أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك...)الخ[11]. ولا يخفى أنه ليس فيه دلالة على علمه بصدور تلك الأخبار وعلى تقدير التسليم فلا يوجب العلم بالنسبة إليه لعدم كونه معصوماً مع أنه قال بعد ذلك: (وانظر فيما ورد بعد ذلك مما ينافيها ويضادها وأبين الوجه فيها إما بتأويل اجمع بينها وبينها، أو اذكر وجه الفساد فيها إما من ضعف إسنادها أو عمل العصابة بخلاف متضمنها)[12]، وهو صريح في عدم قطعية جميع ما في هذا الكتاب، وأما مدرك التخيير فهو ما نقله الأستاذ (قدس سره) عن صاحب الكفاية من أن الحجة من الأخبار هو الموثوق الصدور وكل ما هو محصل لذلك المناط فهو كاف ومن جملة مصاديقه علم الرجال، وإلا فيمكن تحصيله من عمل جمع بالخبر أو غير ذلك من أسباب الوثوق وفيه أنه موقوف على كون الحجة منحصرة في ذلك. وعلى أن كل خبر يحصل الوثوق بصدوره من المراجعة إلى الرجال يحصل الوثوق بصدوره من سائر الأسباب وكلاهما ممنوعان.

          أما الأول: فإن الحجة الأعم منه ومن قول الثقة الذي لم يثق بعدم صدوره وهو مختاره (قدس سره) أيضاً، وإحراز القسم الأخير لا يمكن بغير الرجال غالباً. وأما الثاني: فلعدم العلم المذكور وح [حينئذٍ] يتعين المراجعة إليها تعيّناً لعدم جريان الأصول قبل اليأس من الدليل وهو قبل المراجعة إليها مفقود ومنه ظهر وجود الحاجة إلى هذا العلم تعيناً لو قلنا بأن المناط هو عدالة المخبر أو كونه ثقة أو أحدهما مع الظن بالصدور أو الوثوق به. نعم لو كان الملاك منحصراً في الظن بالصدور أو الوثوق به مع ضميمة العلم المتقدم لاتجه القول بالتخيير.

 [الفصل الأول]

فصلٌ في حجية قول الرجالي

          هل حجية قول الرجالي من باب النبأ والرواية أو من باب الشهادة فيتعتبر التعدد، أو من باب الانسداد، أو من باب الخبروية، وجوه بل أقوال. وقبل الشروع في أدلة الأقوال لابد من ذكر مقدمة وهي أن الظاهر أن كون النبأ والرواية مساوقاً للإخبار مقابل الإنشاء، فيكون أعمّ من الفتوى والشهادة وقول أهل الخبرة وقول من يفيد قوله الظن الشخصي فما في الجواهر من أن الرواية والشهادة متباينان داخلان في كلي الخبر ممنوع.

          وأما الفتوى فهي عبارة عن كل خبر حدسي تعلق بالموضوع أو بالحكم فرعياً أو أصولياً أو تنجيمياً وغير ذلك. نعم اشتهر في كلمات المتأخرين في خصوص الخبر الحدسي المتعلق بالحكم الفرعي ولكن الظاهر أنه من باب الانطباق إلا أنه حدث فيه اصطلاح جديد، ولذا ليس في إطلاقه على سائر الأخبار الحدسية عناية أبداً. وأما الشهادة فالظاهر أنها عبارة عن الإخبار الجزمي ولا يعتبر في صدقها كون الإخبار عن غير الله والمعصوم المخبر عن إلهام أو وحي كما يشهد به إطلاقها في تلك الموارد بلا عناية مثل قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو)[13]إلى غير ذلك ولا كون متعلقها حسياً كما يشهد به استعمالها في الحدسيات بلا عناية نظير قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وغير ذلك، ولا كون متعلقها جزئياً حقيقياً أو إضافياً لترتيب أمر شرعي عليه والاستدلال عليه بالتبادر عند الفقهاء والمتشرعة وصحة سلبها عن غيره كما ترى، إذ ليس له حقيقة شرعية ولا متشرعية، بل الظاهر استعمالها عندهم بما لها من المعنى العرفي ولا تبادر عندهم إلى ما ذكر ولا صحة سلب عن غيره بل مطلق الإخبار الجزمي شهادة عندهم واشتراطه مأخوذ من كونها في الأصل هو الحضور كما في قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)[14] الآية المناسب للإخبار الجزمي فتبين أن النسبة بين الفتوى والشهادة عموم [وخصوص] من وجه لتصادقهما فيما كان حدسياً جزئياً وصدق الأول في الحدس الظني، والثاني فقط في الجزئي الحسي، وأن كلاً منهما أخص من الرواية والنبأ. وأما قول أهل الخبرة فهو من مصاديق الفتوى، وبينه وبين الشهادة عموم من وجه، وأما الظن الانسدادي فهو متبائن مع كل من تلك الأربعة. نعم النسبة من حيث المورد والتحقق بينها وبينه عموم من وجه.

          بقي الكلام في أنه هل يعتبر في حجية الشهادة عدم الكتابة أو تعدد المخبر بعد القطع بعدم اعتبارهما في صدقها؟ الظاهر العدم. أما الأول: فلإطلاق الأدلة وعدم المقيّد، وأما الثاني: فلأن ما دل على حجية قول الثقة أو العادل مطلق لم يخرج منه إلا موارد مخصوصة مثل باب الزنا واللواط وإثبات الحقوق المالية أو غيرها، مما دل الدليل على اعتبار أربعة عدول أو اثنين أو عدل ويمين أو غير ذلك. وأما دعوى دلالة قوله تعالى: (واشهدوا ذوي عدل منكم)[15] وأمثاله على اعتبار التعدد في مطلق الشهادة فمدفوع بعدم دلالته على ذلك أصلاً، وكذا دعوى أن اعتباره فيها من المسلّمات عندهم لاحتمال استنادهم فيه إلى أمثال ذلك.

          إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما يمكن الاستدلال للقول الأخير دعوى استقرار بناء العقلاء على العمل بقول الخبير ولم يردع عنه مع عدم المانع عنه فيكشف رضا المعصوم، وفيه: أولاً: إن المتيقن منه البناء ما لم يكن إمكاناً عادياً حصول الاطلاع بمدرك قول الخبير كما في غير الأئمة الأربعة من أهل الرجال وهم الشيخ[16] والنجاشي[17] والكشي[18] والغضائري[19] لأن غيرهم مستندون في غالب الموارد إلى كلماتهم، وثانياً: إن المتيقن منه هو ما حصل القطع أو الاطمئنان، وثالثاً: إنه على تقدير التنـزل فالمتيقن هو صورة التعدد، وأما مدرك الأول فلأنه نبأ فيشمله أدلة حجية النبأ والخبر، وفيه أنه كما قرر في محله أن أدلة حجية الخبر غير بناء العقلاء منحصرة فيما كان الخبر حسياً فلا تكفي في المحسوس أيضاً، وأما بناء العقلاء فلأنه وإن كان أعم في المشكوك إلا أنه فيما لم يكن ظن على الحدسية كما هو الغالب في كلمات غير الأئمة الأربعة. وأما وجه الثاني فلأنه شهادة والتعدد معتبر فيها، وفيه: أولاً: منع كلية الصغرى لأن الشهادة لا تطلق إلا على الجزمي، وثانياً: منع كلية الكبرى كما تقدم آنفاً، وأما وجه الثالث: فهو دعوى انسداد باب العلم والعلمي في المعظم الملجأ إلى العمل بالظن الشخصي، وفيه أنه لو كان المراد هو انسدادهما في الأحكام الكلية فقد تقرر في الأصول عدم تمامية مقدماته بعضاً ولو كان المراد انسدادهما في خصوص المعتبر من الأخبار بأن يقال أن العلم الإجمالي باعتبار طائفة من الأخبار موجود وقد انسد باب العلم والعلمي في تعيينها وأصالة عدم الحجية غير جارية، والاحتياط باطل للعسر، وترجيح المرجوح على الراجح قبيح، ففيه: أولاً: منع المقدمة الثانية لأن الظاهر كون الموثوق الصدور من الأخبار الذي قام الدليل على حجيته بمقدار المعلوم بالإجمال، وثانياً: منع لزوم العسر من الاحتياط في موارد الأخبار التي تكون طرفاً لهذا العلم الإجمالي إذ يخرج عن هذا الاحتياط موارد خلت من الأخبار، وموارد الأخبار التي يقطع بعدم كونها طرفاً لهذا العلم نظير الأخبار الضعاف، وموارد الأخبار النافية للتكليف وموارد تعارض فيها خبر التحريم مع خبر الإيجاب فتبين أن الأقوال الأربعة كلها باطلة. والتحقيق أنه حيث كان المختار في باب حجية الأخبار كون الحجة طائفتين من الأخبار الموثوق الصدور وقول الثقة الذي لم يثق بخلافه، فبالنسبة إلى الأولى يكون الرجوع إلى قول الرجالي من باب تنقيح موضوع الحجية به وحيث كان مفيداً للوثوق بصدور الخبر حسياً كان قوله أو حدسياً يكفي لحصول الموضوع ولذا كان كلما كان مفيداً للخوف في باب الضرر المجوز للإفطار كافياً في جوازه ولو كان قول كافر. وبالنسبة إلى الثاني لابد من تحقق شرائط حجية الخبر من الحسية أو مشكوكها مع عدم الإمارة على خلافها فافهم.

 [الفصل الثاني]

فصلٌ في أصحاب الإجماع

          في الإجماع الذي نقله الكشي رحمه الله على تصحيح ما يصح عن جماعة عن مشائخه وتحقيق الكلام فيه يحتاج إلى التكلم في جهات:

الأولى: إن المراد بالصحة في تلك العبارة هو الوثوق بالصدور لا العلم به ولا الصحة عند المتأخرين. فإن الصحيح عندهم هو الذي كان جميع رجاله امامياً [إماميين] عدولاً، وهل المراد بالتصحيح هو الحكم بكون أخبارهم في الحجية بمنـزلة الموثوق الصدور وإن لم يحصل الوثوق بصدوره، أو حصول الوثوق الفعلي لهم بصدور أخبارهم؟ وجهان ظاهر العبارة هو الأول.

الثانية: إنه [هل] يشمل معقد الإجماع المنقول لأبي بصير المرادي وأبي بصير الأسدي وغيرهما ممن يذكر بعضهم مكان بعض أم لا ؟ وجهان. ولابد أولاً من نقل عبارة الكشي في هذا المقام، قال (قدس سره): (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة، وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي [أبو بصير] المرادي وهو ليث ابن البختري)[20] . وقال في الطبقة الثانية: (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله: ثم أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا لهم بالفقه، من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان، وحماد بن عثمان. وقالوا: زعم أبو إسحق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون [ان] أفقه هؤلاء: جميل بن دراج، وهم أحداث[21] أبي عبد الله عليه السلام)[22]. وقال في الطبقة الثالثة: (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم الكاظم وأبي الحسن الرضا عليهما السلام أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم، وأقروا لهم بالفقه والعلم. وهم ستة نفر أخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد أبي نصر، وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب: علي بن فضال، وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم: مكان فضالة [ابن فضال]: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى)[23].

          أقول إن كان الضمير في قوله: وقال بعضهم راجعاً إلى العصابة أو إلى المعنيين لمعقد الإجماع فلا يكون الستة الموضوع بعضها مكان بعض داخلين في معقد الإجماع إما قطعاً كما على الأول، أو احتمالاً كما على الثاني وإن كان راجعاً إلى نقلة الإجماع فيكونون داخلين، وهو وإن كان خلاف الظاهر ولا أقل من الإجمال إلا أنه يعينه قول الكشي في ترجمة فضالة بن أيوب، قال بعض أصحابنا إنه ممن أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم، فعلى تقدير تمامية الإجماع المنقول المتقدم يكون أصحاب الإجماع اثنين وعشرين[24].

الثالثة: إن ظاهر معقد الإجماع [هل] هو الحكم بصحة خبر الجماعة إذا استجمع شرائط الحجية إليهم فلا ينظر إلى من كان واسطة بينهم وبين المعصوم فيكون نقلهم عن الضعيف أو عن المجهول أو نقلهم مرسلاً حجة حينئذٍ أو الحكم بصحة أنفسهم والعبارة ساكتة عن حال من بعدهم، أو هو مجمل؟ وجوه ثلاثة أقربها الثاني ثم الأخير، وقد استدل للأول بوجوه: الأول: إن عنوان الثقة ليس منحصراً في هؤلاء ولا وجه حينئذٍ لتخصيص الحكم بهم، وفيه: أولاً: إن كون الرجل ثقة لا يلازم تحقق الإجماع على كونه كذلك، وثانياً: سلمناه إلا أن الإجماع بصحة خبر شخص غير الإجماع على وثاقته إذ بين العنوانين عموم من وجه. الثاني: إن الإجماع منعقد على وثاقة غير هؤلاء أيضاً فلا معنى لتخصيص الإجماع بهم وكان المراد وثاقة أنفسهم وفيه أنه لو كان المراد تحقق اتفاق الكل على الوثاقة في غير هؤلاء، ففيه: أولاً: منعه إذ كل جليل من غيرهم إما محل الخلاف أو مسكوت عنه عن بعض العصابة، وثانياً: ان الإجماع قد انعقد على صحة الخبر وهو غير وثاقة الرجل في نفسه وقد عرفت أن بينهما عموماً من وجه ولو كان المراد تحقق الاتفاق في غير هؤلاء من المعدّلين المعروفين ففيه مضافاً إلى الوجهين في سابقه أن إجماع الكل المدعى فيما نحن فيه غير الإجماع المدعى من بعضهم وهو المعدلون المعروفون. الثالث: ما ذكره في أوثق الوسائل[25] وحاصله أن كلمة (ما) في قوله على تصحيح ما يصح...الخ لو كانت كناية عن الخبر المنقول فالعبارة ظاهرة فيما فهم السيد الداماد ونسبه إلى المشهور، وإن كانت كناية عن النقل فهي ظاهرة في توثيق أنفسهم من دون نظر إلى الوسائط، ولكن الظاهر الأول، وفيه: أولاً: إنه وإن كان ظاهراً في كونه كناية عن المنقول إلا أن كون العبارة ظاهرة حينئذٍ فيما ذكر ممنوع بل الظاهر ظهورها في توثيق هؤلاء الرجال كما يشهد لذلك عدم فهم أبناء المحاورة من قول المولى صدق زيداً فيما نقله إلا كونه ثقة لا أنه إذا نقل عن المولى بواسطة ضعيف أو مجهول أو غير ذلك، فهذا النقل حجة ويؤيده بل يدل عليه عدم نقل بعض هؤلاء مثل زرارة عن الإمام مع الواسطة أبداً فتأمل، وعدم ذكر تلك الفقرة المتوهم دلالتها على ما فهمه الداماد في عبارة الكشي في الطبقة الأولى الذين هم أفضل من الثانية والثالثة باعترافه بل لم يذكر فيهم إلا إجماع العصابة على تصديق ما يقولون والانقياد لهم بالفقه وكون ظاهر العطف في الطبقتين الأخيرتين أي عطف قوله وتصديقهم على قوله تصحيح ما يصح عنهم من قبيل عطف التفسير فلو كان المراد ما فهمه لكان من عطف الخاص على العام لأن وثاقة هؤلاء الرجال داخلة في العبارة الأولى حينئذٍ. وبالجملة فالعبارة ظاهرة فيما ذكرنا بنفسها وعلى تقدير ظهورها في ما ذكره أو إجمالها في نفسها فهي ظاهرة فيما ذكرنا بمعونة القرائن الثلاثة المتقدمة، وثانياً: إنه لو تنـزلنا عن ظهورها فيما ذكرنا فلا أقل من الإجمال.

الرابعة: في حجية النقل المذكور وما أورد عليه وجوه: الأول: إن ظاهر لفظ العصابة عدم دخول المعصوم فليس هذا النقل متضمناً لنقل قول المعصوم وفيه أنه لا يضر بعدما كان المنقول ملازماً له عند المنقول إليه. الثاني: ان معقده هو الموضوع الخارجي والإجماع حجة في الأحكام وفيه: أولاً: منع كونه كذلك فإن معقده حجية الخبر الذي نقله الجماعة لا وثاقة هؤلاء الجماعة كما تقدم. وثانياً: منع انحصار الحجية للإجماع في الحكم بل حجة مطلقاً إذا تمت شرائطه. وبالجملة ليس كون معقده حكماً شرعياً شرطاً آخر وراء سائر الشروط ولهذا قلنا في الأصول إنه حجة في العقليات أيضاً إلا أنه ينتفي شرطه فيها من جهة أخرى وهي احتمال كون مدركه العقل أو القطع به غالباً ولذا أطلقوا عدم حجيته فيها لأن العقلية مانع مستقل فافهم. الثالث: ان هذا النقل موهون بعدم نقل غير الكشي له وفيه: أولاً: إن الكشي نقله عن مشائخه لا أنه ناقل له بدواً، وثانياً: إن عدم نقل الغير له لا يوجب الوثوق بالعدم الذي هو القادح في حجية الخبر. الرابع: إن هذا النقل متعلق باتفاق الإمامية ومن المعلوم أن الناقل لم يظفر لجميع أقوالهم من طريق الحس بل حدس أقوال كثيرين منهم من أقوال المعروفين ولا أقل من حصول الظن به وحينئذٍ يكون المنقول الحسي وهو أقوال المعروفين غير ملازم عندنا لقول الإمام والمركب منه ومن الحدسي ليس النقل فيه حجة لما حققنا في الأصول من أن الخبر غير حجة في معلوم الحدسية أو مظنونها.

الخامسة: هل الكلام المذكور ظاهر في ترتيب الطبقات الثلاث في الفضيلة كما فهمه السيد الداماد أم لا؟ وجهان أقربهما الثاني إذ الدال عليه هو قوله من دون أولئك الستة في بيان حال الطبقة الثانية وقوله دون الستة نفر في بيان حال الطبقة الثالثة ولا ظهور لهما في كونهم أدون مرتبة، بل الظاهر كون لفظة دون بمعنى سوى وغير ولا أقل من الإجمال.

 (نهاية ص 34)

 السابق                 صفحة التحميل                   الصفحة الرئيسية


 

[1] ذكر المستنسخ السيد الخلخالي في الحاشية انه: يلزم تقييد الحال بما هو دخيل في الاعتبار وعدمه ولو بالوسائط ككونه ابن فلان وأباه (م. خ. م.).

[2] توضيح المقال ص 1.

[3] الحشوية: فرقة قالت أن علياً وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم وأن المصيبين هم الذين قعدوا عنهم وأنهم يتولونهم جميعاً ويتبرؤون من حربهم ويردون أمرهم إلى الله عزّ وجلّ (فرق الشيعة ص 15).

[4] ابن قبة: محمد بن عبد الرحمن بن قبة أبو جعفر الرازي الضبط قبة بكسر القاف وفتح الباب الموحدة من تحت المخففة المفتوحة. متكلم عظيم القدر حسن العقيدة قوي في الكلام كان قديماً من المعتزلة وتبصر وانتقل. له كتب في الكلام وقد سمع الحديث وأخذ عنه ابن بطة وذكره في فهرسته. له كتاب الانصاف في الامامة وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي وغير ذلك (تنقيح المقال ج 3 ص 138).

[5] السيد الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم (عليه السلام)، متكلم، فقيه، أصولي، مفسر ، أديب، نحوي، لغوي، شاعر. ولد في رجب 355هـ وولي نقابة الطالبيين وتوفي ببغداد في 25 ربيع الأول 436هـ. من تصانيفه الكثيرة: إيقاظ البشر في القضاء والقدر، غرر الفرائد ودرر القلائد في المحاضرات، الذخيرة في الأصول وغيرها (معجم المؤلفين ج 7 ص 81).

[6] وسائل الشيعة ج 20 ص 96.

[7] المحمدين الثلاثة هم:

أ-محمد بن يعقوب الكليني، كان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. صنف كتاب الكافي في عشرين سنة. وتاريخ ولادته مجهول، ولكن الأرجح أن ولادته كانت بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام). توفي سنة 329 هـ ، ودفن بباب الكوفة (معجم رجال الحديث ج 18 ص 50).

ب-محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، نزيل الري، ووجه الطائفة بخراسان. ورد بغداد سنة 335 هـ ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، وله كتب كثيرة تبلغ نحواً من ثلثمائة مصنف منها: كتاب التوحيد، كتاب مدينة العلم، كتاب علل الشرائع، وغير ذلك. كان بصيراً بالفقه والأخبار والرجال (معجم رجال الحديث ج 16 ص 316).

ج-محمد بن الحسن الطوسي. شيخ الطائفة، ثقة جليل، له مصنفات كثيرة منها: تهذيب الأحكام، والاستبصار، والنهاية، وغير ذلك من أمهات كتب الطائفة. ولد سنة 385 هـ وتوفي سنة 460 هـ في النجف الأشرف بعد أن أسس أكبر مدرسة علمية لتخريج الفقهاء والمجتهدين (معجم رجال الحديث ج 15 ص 246).

[8] الكافي (الأصول) للكليني ج 1 ص 8 خطبة الكتاب.

[9] من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 3.

[10] تهذيب الأحكام ج 4 ، باب علامة أول شهر رمضان وآخره، الحديث 477 – 482. والكافي ج 4 ، الكتاب 2، باب نادر 7.

[11] تهذيب الأحكام ج 1 ص 3.

[12] المصدر السابق.

[13] سورة آل عمران: الآية 18.

[14]  سورة البقرة: الآية 185.

[15]  سورة الطلاق: الآية 2.

[16] الشيخ هو محمد بن الحسن الطوسي، وقد وردت ترجمته سابقاً.

[17] النجاشي، هو أحمد بن علي بن العباس. ثقة، جليل القدر، له كتاب الرجال. ولد سنة 372 هـ وتوفي سنة 463 هـ ، وقيل 450 هـ (معجم رجال الحديث ج 2 ص 156).

[18] الكشي، هو محمد بن عمر بن عبد العزيز، ثقة بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد. له كتاب الرجال. كانت داره مرتعاً للشيعة وأهل العلم. صحب العياشي وأخذ عنه. ويظهر من الروايات أن الكشي في طبقة الكليني وأضرابه (معجم رجال الحديث ج 17 ص 63).

[19] الغضائري، الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم، وهو شيخ النجاشي، له كتب كثيرة منها: كتاب كشف التمويه والغمة، كتاب تذكرة العاقل وتنبيه الغافل في فضل العلم، كتاب يوم الغدير، وغيرها من الكتب. توفي سنة 411 هـ (معجم رجال الحديث ج 6 ص 19).

[20] رجال الكشي ص 238.

[21] الأحداث هم الطبقة الصغرى من أصحاب الإمام (ع).

[22] رجال الكشي ص 375.

[23] رجال الكشي ص 556.

[24] ذكر السيد  الخوئي في معجم رجال الحديث أن عدد أصحاب الإجماع ثمانية عشر رجلاً (معجم رجال الحديث ج 1 ص 59).

[25] أوثق الوسائل في التعليق على الرسائل – الميرزا موسى التبريزي.