(ص 251 - 278) 

الفصل السابع

النظام القضائي في النظرية القرآنية

اهمية القضاء في النظرية القرآنية * خصائص النظام القضائي في الاسلام * نقد النظام القضائي الغربي *

 ---------------------------

 أهمية القضاء في النظرية القرآنية

تنبثق اهمية القضاء في النظام الاجتماعي من النظر لحقيقتين في غاية الاهمية ، وهما : اولا : الاشراف على سلوك الافراد لمنع اي تعارض محتمل بين حق الفرد الشخصي وحقوق الاخرين ، عن طريق بسل السلوك المنحرف عن السلوك المتفق عليه اجتماعياً ودينياً . ثانياً : انزال عقوبة المقاطعة الاجتماعية ، او القصاص ، او النفي بحق المنحرفين . وهذان العاملان يحددان دور القضاء في المجتمع الانساني . فالقضاء بمعاقبته للمنحرف عن الخط الاجتماعي العام يدعم ـ بالدرجة الاولى ـ المصلحة الاجتماعية العليا ، و ـ بالدرجة الثانية ـ مصلحة الافراد باعتباراتهم الشخصية.

ولاريب ان اهم ما يميز النظام القضائي الاسلامي عن مثيله في الانظمة الاجتماعية الاخرى ، هو انشاؤه وتصميمه من قبل الخالق عز وجل لتحقيق العدالة الجنائية والحقوقية بين الافراد ، كما جاء في قوله تعالى (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) [1]، (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)[2] ، ويتمثل ذلك بتقديم منصة القضاء للعارف باحكام الله ، المجتهد العادل الامين الثقة الذي يستطيع استرجاع الحق المغصوب من الظالم ، او انزال القصاص العادل بالجاني ، او اجبار المعتدي على تعويض الضحية مالياً . وفي كل ذلك يكون الجهاز القضائي ميزاناً للحق ، ووسيلة رادعة وفعالة لحفظ النظام الاجتماعي . فالقضاء لا يحل التنازع الشخصي بين المتخاصمين فحسب ، بل يؤثر في قراراته على النظام التجاري والاقتصادي والسياسي للدولة ، وعلى الحياة العائلية ، وعلى نقل الملكية ، والارث ، وتحصيل العلوم ، وعلى كل انواع العلاقات التي تعارف الاجتماع الانساني على الاقرار بها.

واذا كانت النظرية الرأسمالية الغربية ، لا تزال الى حد اليوم ، منقسمة على ذاتها في تشخيص من الذي يحدد الانحراف والمنحرفين[3]  ؛ حيث يذهب الجناح اليساري الى القول بان الطبقة الرأسمالية الغنية هي التي وضعت القوانين الجنائية لحماية مصالحها ضد الفقراء ، ويذهب الجناح اليميني الى القول بان الارتكاز العقلائي في النظام الاجتماعي هو الذي وضع القوانين لحماية المصلحة الاجتماعية العليا . في جو هذا الاضطراب الفكري الرأسمالي يقف الاسلام ونظامه القضائي شامخاً في تحديد الانحراف وتعريف المنحرف على اصول وقواعد شرعية ثابتة ؛ حيث تصرح القواعد الدينية بان الخالق سبحانه وتعالى هو الذي يحدد الانحراف ، وهو الذي يعاقب عليه ، وهو الذي يضع لكل واقعة حكماً يؤخذ من خلاله حق المظلوم ؛ ذلك انه ارسل الرسل والانبياء (ع) لهداية الناس الى تعيين ميزان القضاء العادل ، كما يقول تعالى في كتابه المجيد (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)[4] . فالقضاء الاسلامي لا يضمن حقوق الافراد الشخصية فحسب ، بل يربط الجهاز القضائي بما فيه من قضاة ، وشهود ، ودعاوى ومن يرتبط بها ، بالله سبحانه وتعالى ؛ لانه هو مصدر كل الاحكام الشرعية التي يتعامل بها القاضي مع المدعي والمدعى عليه والشهود . فاصبح القضاء الاسلامي وسيلة من وسائل التعبد لله عز وجل ، وليس وسيلة من وسائل الاثراء وجمع المال والسيطرة السياسية كما هو المعمول به في النظام الرأسمالي.

واذا كان من مهمة القضاء وضع الخط الفاصل بين الاعتدال والانحراف ، والتمييز بين السلوك الطبيعي والجنائي ، فان الاسلام باعتباره دين العدالة والمساواة اعتبر القضاء جزءًا من رسالته الكلية التي تمتد مع امتداد تطلعات الانسان ، ونظرته الشمولية حول الكون والحياة . فلا يحتاج الفرد في النظام الاسلامي الى خبراء يصممون له قوانين قضائية ، لتجعله اشد تماسكاً مع بقية الافراد في النظام الاجتماعي ؛ فإن ذلك قد ترك للرسالة الاسلامية بأبعادها المختلفة لتعمل عملها بتغيير نفسية الفرد ، وتشكيله من جديد على اساس حب الخير والتعاون والتآزر مع النظام الاجتماعي ؛ بمعنى ان الجريمة اذا وقعت في المجتمع الاسلامي ، فانها لا تعتبر عاملاً من عوامل تماسك المجتمع ، بل لابد من استئصالها بانزال اقصى العقوبات التي شرعها الخالق عز وجل ، وهي عقوبات القصاص والحد والدية ونحوها . وهذا الرأي معاكس تماماً لرأي النظرية الرأسمالية ، التي ترى على ضوء افكار ( اميلي ديركهايم)، بأن الجريمة ضرورية لتماسك المجتمعات الانسانية ، لانها تعرف حدود السلوك المقبول[5].  وهذه الفكرة الرأسمالية الغربية يرفضها الاسلام رفضاً قاطعاً ، لأن هذه الرسالة السماوية حددت ابعاد السلوك المقبول اجتماعياً عبر النصوص الشرعية المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، دون ضرورة الرجوع الى تشجيع الجريمة في النظام الاجتماعي. فاذا كانت عقوبة جناية القتل واضحة للافراد وهي القصاص في حكم الله ، فكيف يكون وقوع هذه الجناية سبباً لتماسك النظام الاجتماعي ؟ الا تكفي جدية النظام الاجتماعي في انزال العقوبة بالمهالفين نظريا ، سببا في الردع والتماسك الاجتماعي ؟ واذا كانت ابعاد السلوك المقبول معرفة في الرسالة التي يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي ، فكيف يكون ارتكاب الجريمة تعريفاً لحدود السلوك المقبول ؟ اليس هذا دليلاً على ضعف النظام الاجتماعي الذي لايتماسك افراده الا بمشاهدة الجريمة والتماس العقوبة التي تلحقها ؟

ومع ان الرسالة السماوية العظيمة ، قد حددت وعرفت السلوك المقبول شرعياً ، وعلى اساسه وضعت مباني الثواب والعقاب ، الا انها مع ذلك ، صممت نظاماً قضائياً فريداً لم تشهد له البشرية مثيلاً في تاريخها الطويل ؛ فوضعت شروطاً للقاضي ، والمدعي ، والمدعى عليه ، والشهود . اوجبت ، وأكدت وجوبها مراراً على اجتهاد وعدالة القاضي ، لان المظلوم يرى فيه صوت الحق ونور العدالة الالهية . واوجبت في المدعي العقل والبلوغ والرشد والاصالة والجزم . وفي المدعى عليه البلوغ والتعيين . وفي المدعى به المعلومية والشرعية . ووضعت اصولاً للاثبات كالاقرار ، والكتابة ، والقرائن الشرعية والموضوعية ، والشهادة ، والبينة ، واليمين ، واليد ، والعلم والاستفاضة . واوجبت في الشهادة الوضوح والمطابقة ، والعلم ، وعدم النفي . واوجبت في الشاهد العقل ، والبلوغ ، والاسلام ، والعدالة ، والضبط . وشجعت على الصلح بين المتخاصمين اذا كان لا يحل حراماً ولايحرم حلالاً . ونظاماً كهذا لابد له من تحقيق العدالة القضائية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية بصورتها الشمولية الواسعة . ولاشك ان الاسلام سعى بكل جد لتحقيق تلك العدالة الاجتماعية ، منذ ان ارعبت كلماته الصاعقة بطون مكة ونظامها الجاهلي الظالم.

 خصائص النظام القضائي في الاسلام

ومن اهم خصائص النظام القضائي في الاسلام ، ان القضاء وظيفة شرعية الزامية يجب على القاضي القيام بها ، كبقية الوظائف الشرعية الاخرى . بمعنى ان مهمة القضاء مهمة كفائية اذا قام بها البعض سقطت عن الكل ، وان تقاعس الجميع اثموا جميعاً . والاصل في القضاء هو احقاق الحق ، تعويضاً كان او ردعاً . وقد اجمع فقهاء الامامية علىان لله في كل واقعة حكماً ثابتاً ، لقوله (ع) : ( ما من شيء الا وفيه كتاب وسنة ) ، و( ان الله تعالى انزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج اليه العباد ، فلا يستطيع عبد ان يقول : لو كان هذا انزل في القرآن).

وفي اللغة معنى القضاء هو الحكم ، ومنه قوله تعالى : (وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه) [6]، وفي الاصطلاح هو ولاية الحكم شرعاً لمن له الفتوى[7].  والاصل فيه كتاب الله ، وبالخصوص قوله تعالى : (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)[8] ، وفي السنة انه (ص) بعث علياً (ع) قاضياً الىاليمن[9] ، وبعث علي (ع) عبدالله بن العباس قاضياً الى البصرة.[10]

ومن اجل عرض اهم خصائص النظام القضائي الاسلامي لابد لنا من ترتيب النقاط التالية :

اولاً : يشترط الاسلام في القاضي شرطي العدالة والاجتهاد ، اضافة الى شروط اخرى مثل العقل والبلوغ والاسلام والذكورية والضبط . ولكن اهمية الشرطين الاولين تضع الاسلام على قمة الانظمة القضائية في التاريخ الانساني . فالعدالة تعني ائتمان الفرد على تطبيق جزئيات الشريعة ، باقامة علاقة حقيقية وثيقة بينه وبين الله عز وجل ، وبينه وبين بقية افراد النظام الاجتماعي . وقيل ان معنى العدالة مقابل لمعنى الطاغوت في قوله تعالى (ألم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك ، وما أنزل من قبلك ، يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به). [11]اما الاجتهاد ، فيعني القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها المقررة وتطبيقها على مواردها الخاصة ، وقد اكد عليه القرآن الكريم بقوله (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)[12] ، وبهذين الشرطين ، يستطيع القاضي القضاء بين الناس بالحق على الصعيد الظاهري ، لان الواقع لا يحرزه الا الله سبحانه وتعالى ، ولان الوصول الى الحق المطلق مستحيل على الانسان ، الا لفرد متصل بالمطلق . ولكن الشريعة اجازت لمجتهدين استخدام الادلة الظنية الموصلة للحق . وعليه فان المجتهد ، هو اكثر الافراد حظاً في اصابة الواقع واقامة العدل ، ولذلك أسند له دور القضاء.

ثانياً : ان حكم المجتهد في النظرية الاسلامية لا يغير الحكم الواقعي . فلو ظهر لمجتهد آخر خطأ المجتهد الاول بطريق القطع واليقين ، جاز له نقضه . لان المدار في الاجتهاد الدليل القاطع كالآية القرآنية الصريحة ، والاجماع المحصل ، والحديث المتواتر . والمعيار لنقض الحكم هو العلم اليقيني بمخالفته للواقع . بمعنى ان الحكم ينفذ ظاهراً لا باطناً . والاصل في ذلك ، ان كل القضاة المجتهدين يعتمدون على الادلة الظنية الموصلة للحق اولاً ، والاجتهاد الذي يحتمل فيه الخطأ والصواب ثانياً ، فلا يستطيع احدهم نقض حكم الآخر ، الا اذا ظهر لقاضٍ ثانٍ خطأ حكم القاضي الاول بطريق القطع واليقين . وعليه ، فان الاستئناف هنا ، استثنائي ومحدود جداً ، وليس الاصل في كل الاحكام الجنائية والحقوقية.

اما في النظام القضائي الغربي ، فان الاستئناف حق دستوري وليس قضية ثانوية[13] ؛ بل ان اول ما يلمح به محامي الدفاع امام هيئة المحلفين ، حق المتهم في محاكمة استئنافية اذا لم تحرز عدالة المحاكمة الاولى . ولكن اذا كانت هيئة المحلفين في المحاكمة الاولى بعيدة عن روح العدالة في حكمها على المتهم، فمن الذي يضمن عدالة محاكم الاستئناف بهيئة محلفين جديدة او بقضاة آخرين يمتلكون نفس مواهب نظائرهم في المحاكم الدنيا؟

والاختلاف هنا بين النظامين ، هو ان النظام القضائي الاسلامي يؤمن بأن الحكم على المتهم يجب ان يستند الى العلم بالاصول والقواعد الشرعية في المرافعات ، اي ابتناء الحكم القضائي على اساس القطع واليقين او الدليل الظني الموصل للحق . اما الاستئناف في النظام القضائي الغربي ، فهو محاولة لمعالجة الخطأ الذي حصل في ابناء الحكم القضائي المستند على ادلة باطلة من الاساس.

ثالثاً : اقرار المتهم في الجناية ـ حسب النظرية الاسلامية ـ حجة مقتصرة بالمقر وحده . فلا ينفذ بغير احد غير المقر . ولكن اقرار الجاني لا يخفف من العقوبة الثابتة بحقه ، لان تخفيف العقوبة هو سلب حق من حقوق الضحية . ولا يقبل الانكار بعد الاقرار الا في حالة الجناية الموجبة للرجم ، حيث يسقط الحد .     و"الاصل في شرعية الاقرار بعد الاجماع من المسلمين او الضرورة ، السنة المقطوع بها"  [14]، لقوله (ص) : (اقرار العقلاء على انفسهم جائز [ اي نافذ]). [15]وهو لاشك مصداق للنص الحكيم (أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقرارنا)[16].

رابعاً : بعد ثبوت الجناية ، ينفذ حكم الله ـ حسب النظرية الاسلامية ـ مباشرة ودون تأخير . ولا تؤمن الشريعة الاسلامية بفكرة (تعليق الحكم) او مجرد (عقوبة الاشراف على سلوك الجاني لاحقاً)، لان في ذلك تضييعاً لحق المجني عليه ايضاً ، وتشجيعاً للأفراد على السلوك الجنائي.

اما المدرسة القضائية الغربية ، فهي تمارس اسلوب تعليق العقوبة الصادرة بحق الجاني. [17]حيث يقوم الحاكم بارجاء تنفيذ العقوبة التي استحقها الجاني لارتكابه الجناية ، واطلاق سراحه ، ومراقبته لفترة محددة ، فاذا كان سلوكه الاجتماعي متناسباً مع الاعراف المقبولة ، أسقطت العقوبة عنه . ولاشك ان تعليق العقوبة ـ التي هي نتيجة من نتائج ما يسمى بـ (المساومة على الاقرار بالذنب) التي يعقدها محامي الدفاع مع الجاني وبالاتفاق مع النائب العام ـ تعتبر من اخطر مشاكل النظام القضائي الغربي لانها تهدر حقوق الضحية بشكل سافر.

خامساً : ان تحمل الشهادة واداءها واجب كفائي في الاسلام ؛ وشروطها : الوضوح ، والمطابقة ، والعلم . ولابد من الشاهد : البلوغ والعقل والعدالة والضبط .. ولابد ان تكون الشهادة مرآة علم الشاهد بالمشهود به ، بمعنى انها يجب ان تكون نتيجة علم يقيني حصل للشاهد ؛ لأن الاصل فيها المشاهدة ، وهي العلم بالمشهود . ولذلك كانت العدالة ـ وهي الائتمان على تطبيق احكام الشريعة ـ شرطاً اساسياً من شروط الشاهد . فان تيقن القاضي بعدالة الشاهد أخذ بشهادته دون تزكية ، وان جهلها بحث عنها . وان تبين فسق الشاهد ، سقطت شهادته .

والاصل في تشريعها ، قوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم)[18] ،(واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)[19].  وفي رواية انه (ص) عندما سئل عن الشهادة ؟ قال : ( هل ترى الشمس ؟ قال : نعم . فقال : على مثلها فاشهد أو دع)[20].

واتفق الفقهاء على ان تحمل الشهادة واداءها واجب كفائي ، بمعنى انه اذا قام به البعض سقط عن الكل ، وان امتنعوا جميعاً اثموا . وتحمل الشهادة يعني دعوة فرد لآخر بالشهادة له . ولاشك ان تلبية الدعوة واجبة شرعاً ، فلا يجوز للشاهد الرفض من غير عذر شرعي ، للنص القرآني الكريم (ولا يأب الشهداء اذا ما دعوا) [21]وقوله (ع) : (اذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو حق لم ينبغ لك ان تتقاعس عنه)[22] واداء الشهادة يعني تأديتها امام القاضي ، وهو واجب ايضاً ، لقوله تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثمٌ قلبه) [23]، (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله)[24] ، وللمروي عن الامام العسكري (ع) : ( من كان في عنقه شهادة فلا يأب اذا دعي لاقامتها ، وليقمها ، ولينصح فيها ، ولا تأخذه فيها لومة لائم ، وليأمر بالمعروف ، ولينه عن المنكر)[25] بمعنى ان الفرد اذا حدثت له حادثة ، وكان هناك من شهدها كان على الشاهد شرعاً تلبية دعوة المجني عليه ، والذهاب الى المحكمة أو دار القضاء لتأدية الشهادة ، حتى لو تحمل النصب والمشقة في ذلك.

سادساً : تثبت الجرائم الخلقية بشهادة اربعة شهود ، لنص القرآن الكريم (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)[26] ، (...لولا جاءوا عليه باربعة شهداء)[27] ولا تنحصر الشهادة بالرجال ، بل ورد في الرواية عن الامام الصادق (ع) انه : ( يجوز في الرجم شهادة ثلاثة رجال وامرأتين)[28] وفي الجلد فتثبت باربعة رجال ، او ثلاثة وامرأتين ، او رجلين واربع نسوة  .[29] وفي اللواط والسحق تثبت باربعة رجال فقط ، ولا تقبل شهادة النساء.

اما في حقوق الافراد غير المالية فثبت بشهادة رجلين . وفي حقوقهم المالية كالديون ، والرهن ، والوصايا بالمال ، وعقود المعاوضات بشهادة رجلين ، او رجل وامرأتين ، او رجل ويمين  [30]؛ بينما تفتقد النظرية الغربية الى هذا التفصيل ، حيث يبتنى الحكم القضائي على عدد غير محدود من الشهود[31].

سابعاً : ينبغي ـ حسب النظرية الاسلامية ـ ان تكون تزكية وتجريح الشهود من قبل المدعي والمدعى عليه سراً ؛ حيث لا يجوز التشهير بمساوئ الناس او اضهار عوراتهم في الاسلام ، كما ورد في قوله تعالى : (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم ، وكان الله سميعاً عليماً)[32]   ، (ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ، ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون). [33]وكان رسول الله (ص) قد واجه ( ماعز ) باخلاقية عظيمة عند اعتراف الاخير بالزنا : (لعلك قبلتها ، لعلك لمستها)  [34]، وهو "تعريض بايثار الاستتار"[35]  ؛ بينما لا تعير النظرية القضائية الغربية اهتماماً للتزكية ولا للتجريح السري[36].

ثامناً : شدد الاسلام على تحريم شهادة الزور ، كما ورد في قوله تعالى في التعرض لصفة المؤمنين (والذين لا يشهدون الزور) [37]، لان من نتائجها اضطراب واضح للعدالة الاجتماعية وزعزعة لعدالة النظام القضائي . وحرم على القاضي الاخذ بتلك الشهادة ، اذا تيقن انها كانت زوراً . واذا ثبت الزور في الشهادة انتقض الحكم ـ قبل التنفيذ او بعده ـ لان الحكم سيكون مبتنياً على الباطل ؛ بل ان شاهد الزور يكون مسؤولاً عن ضمان ما اتلف في شهادته.

تاسعاً : اليمين الشرعية على المنكر وسيلة مهمة من وسائل القضاء في الاسلام ، لقوله (ص) : ( البينة على من ادعى ، واليمين على من ادعي عليه) [38]ويشترط فيها صيغة اليمين المقتصرة على اسم الجلالة ، واذن الحاكم ، وموضوع اليمين وهو الحق المحلوف من اجله. ويشترط في الحالف : العقل ، والبلوغ ، والاختيار ، وحق الاسقاط ، والتبرع . والاصل ان الحاكم وليٌ عن المنكر (المدعى عليه) ، فان امتنع عن اداء الحق ، وهو حلف اليمين او النكول ، قهره عليه الحاكم لصالح المدعي.

وقد ورد اطلاق معنى الحلف في القرآن الكريم . كما في قوله تعالى : (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم)[39] ، (ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون)[40]. ولكن السنة الشريفة خصصت معنى اليمين الشرعية في القضاء.

عاشراً : الكفالة في قوله تعالى : (فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب) [41]، معناه " ضمها الي واجعلني كافلاً لها والقائم بأمرها".  [42]وعقد الكفالة على الصعيد الشرعي ، هدفه الاستيثاق من حضور المدعى عليه وقت المحاكمة ، حيث يتعهد الكفيل للمكفول له باحضار غريمه. وهي جائزة الا في الحدود . وهذا العقد يتحقق بالايجاب من الكفيل ، والقبول من المكفول به ؛ وان يكون الكفيل قوياً وقادراً على احضار المكفول . واذا امتنع الكفيل عن احضار المكفول تمرداً ، حبس حتى يأتي بصاحبه . وان كان الكفيل عاجزاً عن احضار المكفول ، ولكنه كان قادراً على الوفاء بحق المدعى عليه مالياً بعد ثبوته ، يؤمر بذلك.
اما في النظرية الغربية ، فان الكفالة عبارة عن ضمان مالي يقنع المحكمة الجنائية او الحقوقية بامكانية حضور المتهم وقت المحاكمة[43]  . وانحصار الكفالة بالمال ، يؤدي الى تفضيل الاثرياء على الفقراء ، حيث يطلق سراح المتهمين الاثرياء بكفالة مالية الى حين المحاكمة ، وهي فترة قد تستغرق وقتاً مديداً . اما المتهم الفقير الذي لا يستطيع تدبير مبلغ كافٍ لدفع الكفالة فانه يمكث في السجن لحين وقت المحاكمة.

والاختلاف بين النظرتين ، يبين ان المال هو الاصل في الاستيثاق من حضور المدعى عليه في النظرية الغربية؛ وان الكفيل ـ كفرد ـ هو الاصل في الاستيثاق من حضور المدعى عليه في النظرية الاسلامية ؛ لان الزام الكفيل باحضار المدعى عليه يضمن العدالة القضائية بين جميع الافراد ؛ لان الفرد ـ بكيانه الاجتماعي وعلاقاته المتشابكة ـ لابد وان يجد الكفيل الذي يكفله لسبب من الاسباب . اما اذا كان المال هو المقياس في الكفالة القضائية ، اصبحت العدالة القانونية معلقة في الهواء ومالت كفة المنافع نحو الاثرياء . وبالتالي، تصبح الطبقة الرأسمالية هي الطبقة الوحيدة المنتفعة في النظام الاجتماعي.

حادي عشر : عقد الصلح ـ وهو عقد شرعي بين المدعي والمدعى عليه ـ يتم عن طريق التراضي بينهما قبل الترافع الى القاضي . وهذا العقد ـ حسب النظرية الاسلامية ـ مبني على التسامح ، وتنازل المحق عن بعض حقوقه طلباً للاصلاح . والاصل فيه التراضي وطيب النفس بين الطرفين . والدليل على شرعية الصلح منبثق من قوله تعالى (ون طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)[44] ،  (والصلح خير)[45] ، (ادخلوا في السلم كافة)[46]. بل "تدل النصوص على كونه عقداً مستقلاً بنفسه ، لا يتوقف على سبق خصومة ، مثل البيع وغيره من العقود"  [47]، لقوله تعالى (وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً او اعراضاً فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير)[48].

 وليس هناك ما يشير الى اهتمام النظرية القضائية الغربية بعقد الصلح بين الافراد ، الا ما يختص بالتعويضات التي تدفعها شركات التأمين والشركات الصناعية الكبيرة[49].

ثاني عشر : ان علاج المنحرفين ـ حسب النظرية الاسلامية ـ يجب ان يبدأ قبل وقوع الجناية ؛ بمعنى ان نشر العدالة الاجتماعية بين جميع الافراد وتهذيبهم على اساس مفاهيم الدين والاخلاق يمنع وقوع الانحراف ؛ لان الاصل في وقوع الجنايات هو الحاجة والجهل . فاذا اشبعت الحاجة الانسانية ، وعلم الانسان احكم الشريعة ، اصبح الفرد عنصراً نظيفاً مساهماً في بناء مجتمعه الآمن الجديد.

وتهذيبهم على اساس مفاهيم الدين والاخلاق يمنع وقوع الانحراف ؛ لان الاصل في وقوع الجنايات هو الحاجة والجهل . فاذا اشبعت الحاجة الانسانية ، وعلم الانسان احكام الشريعة ، اصبح الفرد عنصراً نظيفاً مساهماً في بناء مجتمعه الآمن الجديد.

اما النظرية القضائية الغربية ، فتعتقد بأن علاج الجاني افضل للنظام الاجتماعي من معاقبته ؛ لان العلاج اقل كلفة من العقوبة الجسدية[50]  . ولكنها تتناسى بأن العلاج يجب ان يبدأ من النظام الاجتماعي نفسه لا من المنحرف . نعم ، ان عدالة توزيع الثروات الاجتماعية تساعد على علاج الانحراف ؛ والمساواة بين الافراد ـ بغض النظر عن جنسهم ولونهم ومنشأهم ـ يساهم في علاج المنحرفين.

ثالث عشر : وتلعب شخصية الحاكم العلمية دوراً كبيراً في الحكم بين المتخاصمين ، في النظرية الاسلامية ؛ لان القاضي المجتهد مسلط على الاصول العقلية والشرعية ، وعالم باصول القضاء وموارده ، وباني قضائه على اساس العلم والقرائن الموضوعية ، وان عليه ان يكون شاهداً على الواقعة اولاً . وعندما تتبين الادلة والشواهد على الجناية ـ عندئذٍ ـ يحكم . ولعل الآيات القرآنية الشريفة تؤكد ذلك ـ على سبيل الاطلاق ـ كما في قوله تعالى : (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) [51]، (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)[52].

اما في النظام القضائي الامريكي ، فان الذي يحكم بالبراءة او التجريم هو اعضاء هيئة المحلفين الذين يتم انتخابهم من دفاتر الضريبة ، دون النظر لعلمهم بالقضاء والحكم[53].  فكيف نتوقع العدالة من هؤلاء ، وهم اجهل الناس بقضايا الحكم والفصل بين المتخاصمين ؟

رابع عشر : وينظم الاسلام نظام العقوبات على اساس الحقوق ، فيقسمها الى حقوق لله وحقوق للناس، ويفرع على هذه الحقوق حقوقاً مالية واخرى غير مالية . ففي حقوق الله ينزل القصاص والتعزير والدية، ويلزم المخالف بالدفع . وفي حقوق الناس يلزم المعتدي بالدفع او السجن ، حيث لا يجعل السجن، العامل الاصيل في العقوبة ؛ لان الاصل في العقوبة انزال الاذى المماثل بالجاني او دفع التعويض للضحية ؛ على خلاف القضاء الغربي الذي يقسم العقوبات ضد الجاني الى اربعة اقسام وهي :الغرامة المالية ، وتعليق العقوبة، واطلاق سراح الجاني مع مراقبته بشروط ، والسجن. [54]وعقوبة الموت استثنائية وتقع في حالات جنائية خاصة [55]والاصل في العقوبة القضائية الغربية انها ليست ثابتة وغير محددة بالشكل الذي لاحظناه في الاسلام.

خامس عشر : ولا ينتقي النظام القضائي الاسلامي الجرائم الصالحة للمحاكمة ويهمل الجرائم الاخرى ، بل ان كل قضية جنائية ترفع من قبل المدعي يجب ان يقضى بها ، مالم يعقد الصلح بين المتخاصمين قبل المرافعة . والمدعي فقط هو الذي اذا سكت سكت عنه ، باصطلاح الفقهاء . بمعنى ان رفع القضية الجنائية او الحقوقية المتنازع عليها بيد المدعي ، وليس بيد النائب العام ، كما في النظام القضائي الغربي.

فللنائب العام ـ حسب الفكرة القضائية الغربية ـ صلاحية اختيار وانتقاء الجنايات التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية [56]، دون ملاحظة الآثار التي اوقعتها الجناية على المجني عليه . فقد يحول انتقاء النائب العام للجنايات ، الى عدم تعويض الضحية ، او الى افلات الجاني من العقاب ؛ وهو أمر ترفضه النظرية القضائية القرآنية بكل حزم.

نقد النظام القضائي الغربي

 ولاريب ان العبارات البراقة التي يصف بها مناصرة والفكرة الرأسمالية ، النظام القضائي الغربي وخصوصاً الامريكي ويوسمونه بالعدالة والنـزاهة والقوة في الحكم بين المتخاصمين واحقاق الحق ، ما هي الا عبارات يراد منها ايهام الناس بتكامل ذلك النظام القضائي حقيقة وواقعاً ، وخداعهم بان قضاءً عظيماً ـ كالقضاء الامريكي ـ لابد وان يكون وليد حضارة عظيمة ، كالحضارة الرأسمالية الغربية.

ولكن نظرة منصفة سريعة تبين لنا ان ذلك النظام القضائي بعيد عن التكامل والعدالة المزعومة . ولتوضيح القصد من قولنا هذا لابد من تبيين المؤخذات التي نؤاخذها على النظام القضائي الغربي وخصوصاً الامريكي في الموارد الآتية :

اولاً : يمنح النظام القضائي الغربي النائب العام صلاحية اختيار وانتقاء الجرائم يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية [57]بمعنى ان للنائب العام سلطة اهمال جرائم معينة بحجة ان كشفها للرأي العام ، وملاحقة المجرمين المتورطين في وقائعها ليس من المصلحة الاجتماعية. وهذا شرخ خطير في العدالة القضائية . فاذا كان ادعاء النظام القضائي بان الانتقاء يرشح الجرائم الخطيرة ويوصلها الى اروقة المحاكم ، فمن الذي يعين ـ ودون مصلحة شخصية ـ حدود الجرائم الخطيرة عن غيرها ؟ واذا كان النظام القضائي لا يستطيع معالجة جميع الجرائم ، فاين العدالة في التمييز بين ضحايا الجرائم الصغيرة وضحايا الجرائم الكبيرة بدعوى ان النائب العام هو اعرف بالمصلحة الاجتماعية من غيره ؟ وهل هناك جرائم صالحة للمحاكمة واخرى غير صالحة ؟ أليس الانحراف اصلاً من الاصول الاجرامية التي تستحق عقوبة رادعة للجاني حتى يعيش المجتمع الانساني في امان وثقة بأن الحق سوف يرد حتماً فيما اذا اغتصب ؟

ثانياً : ان منصب النائب العام في النظام الرأسمالي ـ الذي يمثل الدولة في الاعتقال ، والاستجواب، والمحاكمة ، واصدار العقوبة ـ يشغل من قبل فرد يعينه رئيس الجهاز التنفيذي على مستوى المحاكم الفيدرالية، او يشغل عن طريق الانتخاب من قبل الناخبين على مستوى المحاكم المحلية[58] وليس هناك من سبب يدعو النظام الغربي الى تعيين ضابط من ضباط المحكمة وهو النائب العام على المستوى الفيدرالي ، وانتخابه على المستوى المحلي ، الا تثبيت سلطة الطبقة الرأسمالية الحاكمة ، وذلك بمنح السلطة الفيدرالية قوة قضائية اعظم من قوة السلطة المحلية ؛ والا لو كان المقياس العدالة القضائية فلماذا لا يتم انتخاب النائب العام الفيدرالي ايضاً كما تم انتخاب النائب العام المحلي ؟

ثالثاً : ويقف محامي الدفاع في القضية الجنائية الخطيرة موقفاً متناقضاً  [59].ففي حالة تمثيله المتهم في العملية القضائية ، فانه ينظر اولاً الى مساندة النظام القضائي حتى لو اوقعت تلك المساندة ضرراً على موكله . واذا كان المتهم جانياً في الواقع فكيف يحق له مساندة ذلك المتهم ، والدفاع عن قضيته ضد المجني عليه ؟ أليس هذا مناقضاً لمفهوم العدالة الجنائية ؟ واذا كان محامي الدفاع يعلم علم اليقين ان الشاهد الواقف الى جانب الجاني يشهد شهادة كاذبة ، فهل يحق لمحامي الدفاع ان يجد في اقناع المحكمة بتصديق تلك الشهادة ؟ بمعنى ان محامي الدفاع لو كان يعلم يقيناً ان موكله ارتكب الجريمة المتهم بها ، ولكن وقائع الحادث والشهود لا تنهض بمرافعة عادلة ، فهل من العدالة ان يقوم محامي الدفاع بالدفاع عن الجاني ، وانقاذ رقبته من سيف العدالة ؟

رابعاً : اقناع محامي الدفاع للمتهم ، بشتى الوسائل النفسية على الاقرار بالذنب . وهذه المساومة التي يحاول النائب العام ـ بالتعاون مع محامي الدفاع ـ ايقاع المتهم في شراكها قبل اجراء المحاكمة ، تتناقض مع ابسط مفاهيم العدالة القانونية ، وتعتبر من اكبر المظالم التي تدين النظام القضائي الرأسمالي[60] .فيعتبر اقرار المتهم بالذنب ـ حتى لو كان المتهم بريئاً ـ انتصاراً لمحامي الدفاع في اروقة المحكمة . بل ان الاقرار بالذنب غالباً ما يصمم وينظم من قبل محامي الدفاع ، بحيث يكون مناسباً لمتطلبات النائب العام ومتناسباً مع المصلحة الاجتماعية ! ولاجل ذلك يستخدم محامي الدفاع شتى الاساليب النفسية لا نتزاع الاقرار بالذنب من المتهم ، مستعملا الاساليب العالطفية السايكولوجية لكسر صمود المتهم ، الى ان يضمن امضاءه على لائحة الاقرار بالذنب عن طريق الايحاء بان العقوبة ستخفف الى ادنى قدر يسمح به القانون . واذا كان المتهم جانياً في الواقع ، وكانت الافادات والشهادات تثبت قيامه بارتكاب الجناية ، فما معنى تخفيف عقوبته مقابل اقراره بالذنب . أليس هذا ظلماً واجحافاً بحق الضحية ؟ واذا كان المتهم بريئاً في واقع الامر ، ولكن الافادات والشهادات لا تثبت براءته ولا تجريمه ، أليس من الظلم اقناعه او اكراهه بالاقرار بالذنب مقابل تخفيف العقوبة الصادرة بحقه ؟ واذا كان المتهم البريء يقبل المساومة على الاقرار بالذنب ـ لانه يخشى صرامة العقوبة الصادرة بحقه فيما اذا جرت المحاكمة ـ أليس هذا شرخاً في عدالة النظام الرأسمالي ؟ واذا كان المفترض في محامي الدفاع نزاهته وتفانية في الدفاع عن موكله ، فكيف يفسر النظام القضائي الرأسمالي لهث ذلك المحامي وراء اقناع موكله بالاقرار بالذنب ـ بريئاً كان او جانياً ـ أليس هذا مناقضاً لادعاءات النظام بأحقية المتهم في التمثيل القانوني العادل ؟ بل ما معنى التمثيل القانوني اذا كان لايصب في مصلحة المتهم البريء ؟ وما معنى التمثيل القانوني اذا كان يصب في مصلحة الجاني ضد المجني عليه ؟

خامساً : ان النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة لا يطلب من القاضي ان يكون حقوقياً او قانونياً او حتى حاملاً لاية شهادة جامعية  [61]؛ لان الذي يقوم بتحضير مستلزمات القضية الجنائية هو النائب العام مستعيناً بجهاز الشرطة والاستخبارات . اما الذي يحكم في القضية الجنائية فهم اعضاء هيئة المحلفين بالاجماع . وما على الحاكم الا قراءة الحكم الصادر بصورة شفهية . بمعنى ان الحاكم او القاضي الرأسمالي هو مجرد اداري يشرف على سير المحاكمة الجنائية وصياغة ألفاظ الحكم ، ولا يستطيع بحضور هيئة المحلفين ان ينشئ حكماً ضد المتهم ، بل له ـ فقط ـ تحديد العقوبة او تعليقها . والاصل في النظام القضائي الغربي ان المحكمة جهاز اداري يفصل بين الخصومات على اساس النظر الشخصي لأعضاء هيئة المحلفين ، او النظر الشخصي للحاكم[62] دون الاخذ بنظر الاعتبار درجة علمية هؤلاء الافراد بالقضايا القانونية والادارية . وهذه هفوة خطيرة اخرى في عدالة النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة.

سادساً : ان الكفالة المالية التي اقرها الدستور الامريكي في التعديل الثامن ، انما جاءت للتأكيد على ضمان اطلاق سراح المتهمين من افراد الطبقة الغنية لحين ورود موعد المحاكمة [63]اما افراد الطبقة الفقيرة ، فليس لهم من يكفلهم ، لان اقرانهم وذويهم لا يملكون المال الكافي لدفع الكفالة المالية،
فيبقى المتهمون في السجون فترة غير قصيرة ، ينقطعون فيها عن الانتاج وإعاشة انفسهم وعوائلهم. والكفالة المالية اسلوب آخر من اساليب التمييز بين الفقراء والاغنياء ؛ لان المال هنا يستثمر كخط احمر يفصل بين الحرية والانعتاق ، والعبودية والتقييد . فالثري يخرج حراً مزاولاً عمله الانتاجي حتى يحين موعد المحاكمة، والفقير يخسر عمله وحريته حتى يحين وقت المحاكمة . واذا كان النظام القضائي الرأسمالي يزعم بعدالة نظامه، فاين هي العدالة بين الافراد في استخدام المال في كفالة المتهمين ؟

سابعاً : ان اختيار هيئة المحلفين من دفاتر الضريبة ، دون النظر لعلمهم بالقضاء والحكم[64]  ، لايزال محل نقد شديد . فكيف يستطيع اثنا عشر فرداً من عامة الناس الحكم على قضية جنائية تتعلق بالقتل او الغصب او السرقة ؟ بل كيف يجلس هؤلاء عملياً ـ وقد يكون بعضهم لا يعرف القراءة ولا الكتابة ـ مجلس القاضي في الحكم بين المتخاصمين ، ويصدرون قراراتهم بتجريم المتهم او باعلان تبرئته ؟ اما الشروط التي تحدد انتقاء هؤلاء فهي لا تتعدى في الواقع الملكية الخاصة والقدرة العقلية العامة على الفهم الخارجي[65]  ، وهل هذه الشروط العامة تنهض الى مقام القضاء الرفيع ؟ بل كيف يطمئن الفرد اذا اتهم وقدم الى المحاكمة بعدالة حكم هيئة المحلفين ، التي يستند عليها القاضي في اصدار العقوبة بحق المتهم ؟ وبالتالي من يضمن عدالة النظام القضائي بخصوص معاقبة الجاني وتعويض المجني عليه ؟

ثامناً : ان نظام العقوبات غير المحددة التي اقترحها اصلاحيو القرن الثامن عشر الميلادي امثال (اينوخ ويانز) و(زبلون بروكوي) وادعوا فيها ان عقوبة السجن ينبغي ان تصمم لمقابلة حاجة الجاني المرضية والنفسية والشخصية[66] ، بعيد كل البعد عن نظام العدالة القضائية . فكيف يستطيع قضاة النظام الرأسمالي تحقيق العدالة بين فردين ارتكبا نفس الجناية ، ولكن احدهما عوقب بالسجن لمدة سنة واحدة ، والآخر بالسجن لمدة عشر سنوات ؟ ومن الذي يحدد حاجة الجناة الشخصية للعقوبة ؟ ثم الا يعد اعطاء حق القضاء للطب النفساني ظلماً واجحافاً بالجاني والمجني عليه ؟ ثم الا يعد عدم معاقبة الجاني معاقبة صارمة اضعافاً لقوة النظام القضائي وقدرته على مكافحة الاجرام والانحراف ؟ اضف الى ذلك ان هذا النظام الاصلاحي المزعوم يسلب حق العقوبة من النظام القضائي ، ويضعها بيد نظام آخر كالنظام الطبي النفساني ، على افتراض ان علم النفس هو الذي يحدد حاجة الجاني للعقوبة ، وهو اصلاح ينافي ـ بالتأكيد ـ كل معاني العدالة الاجتماعية والقضائية.

وفي الختام ، فان اهتمامنا بدارسة ونقد الانظمة القضائية والاجتماعية الغربية ونحوها يعطينا فرصة عظيمة لاكتشاف النظرية القرآنية والاهتمام ببلورتها ومعرفة مواطن الكمال في بنائها العلوي . ولاشك ان النظرية الاجتماعية الاسلامية التي لاحظنا ملامحها في كتاب الله الخالد هي اكمل النظريات الاجتماعية وادقها على وجه الارض.

(نهاية ص 278)

(الفهارس الفنية ص 279 - 304)

 

 صفحة التحميل                   الصفحة الرئيسية


 

[1] سورة النساء: الآية 59.

[2] سورة النساء: الآية 58.

[3] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت – المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في الاجراءات القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986م.

[4] سورة الحديد: الآية 25.

[5] اميلي ديركهايم – الاشكال البدائية للحياة الدينية: دراسة في علم الاجتماع الديني. نيويورك: الحرة، 1947. ط 1: 1912.

[6] سورة الاسراء: الآية 23.

[7] التنقيح الرائع للسيوري الحلي ج 4 ص 230.

[8] سورة ص: الآية 26.

[9] المبسوط للشيخ الطوسي ج 8 ص 82.

[10] المبسوط ج 8 ص 85.

[11] سورة النساء: الآية 60.

[12] سورة التوبة: الآية 122.

[13] بنجامين كاردزو – طبيعة العملية القضائية. نيويورك: ييل، 1921.

[14] جواهر الكلام ج 35 ص 3.

[15] وسائل الشيعة ج 16 ص 133.

[16] سورة آل عمران: الآية 81.

[17] ريتشارد بوسنـر – المحاكم الفيدرالية. بوستن: هارفارد، 1985.

[18] سورة الطلاق: الآية 2.

[19] سورة البقرة: الآية 282.

[20] علل الشرائع ص 338.

[21] سورة البقرة: الآية 282.

[22] تهذيب الاحكام ج 6 ص 276.

[23] سورة البقرة: الآية 283.

[24] سورة البقرة: الآية 140.

[25] التفسير المنسوب للامام العسكري ص 303.

[26] سورة النور: الاية 4.

[27] سورة النور: الآية 13.

[28] التهذيب ج 6 ص 264.

[29] الكافي ج 7 ص 39.

[30] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 33.

[31] ماكلين فليمنك – ثمن العدالة الواقعية التامة. نيويورك: الكتب الاساسية، 1974.

[32] سورة النساء: الآية 148.

[33] سورة الحجرات: الآية 11.

[34] نيل الاوطار ج 7 ص 104.

[35] شرائع الاسلام ج 4 ص 77.

[36] ابراهام بلوبرغ – العدالة الجنائية: القضايا والسخرية. نيويورك: فيوبرينت، 1979.

[37] سورة الفرقان: الآية 72.

[38] التهذيب ج 6 ص 229.

[39] سورة التوبة: الآية 42.

[40] سورة المجادلة: الآية 14.

[41] سورة ص: الآية 23.

[42] مجمع البحرين للطريحي ص 452.

[43] ستيورات نكال، وآخرون. العلم السياسي للعدالة الجنائية. كاليفورنيا: جارلس تومس، 1983.

[44] سورة الحجرات: الآية 9.

[45] سورة النساء: الآية 128.

[46] سورة البقرة: الآية 208.

[47] الجواهر ج 26 ص 211.

[48] سورة النساء: الآية 128.

[49] لويد واينرب – التنكر للعدالة: الاجراءات الجنائية . نيويورك: الحرة، 1979.

[50] ابراهام بلوبرغ – العدالة الجنائية: القضايا والسخرية. مصدر سابق.

[51] سورة النساء: الآية 59.

[52] سورة النحل: الآية 43.

[53] جون جينثـر – هيئة المحلفين. واشنطن: حقائق على الملف، 1988.

[54] جارلس سلبرمان – العنف الجنائي والعدالة الجنائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1978.

[55] ارنست فان هاك، وجون كونراد- عقوبة الموت: مناقشة. نيويورك: بلينوم، 1983.

[56] جوزيف سكوت، وترافيس هيرشي – قضايا مثيرة للجدل في الجريمة والعدالة. كاليفورنيا: سيك، 1988.

[57] جوزيف سكوت – قضايا مثيرة للجدل في الجريمة والعدالة . مصدر سابق.

[58] جيمس كالفي ، وسوسان كولمان. القوانين والانظمة التشريعية. نيوجرسي: برنتس هول، 1989.

[59] جارلس سلبرمان – العنف الجنائي والعدالة الجنائية. مصدر سابق.

[60] جوزيف سكوت – قضايا مثيرة للجدل في الجريمة والعدالة . مصدر سابق.

[61] ابراهام بلوبرغ – العدالة الجنائية. مصدر سابق.

[62] والتر ميرفي، وهيرمان بريشت – المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في الاجراءات القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986.

[63] ماكلين فليمنك – ثمن العدالة الواقعية. مصدر سابق,

[64] لويد واينرب – التنكر للعدالة. مصدر سابق.

[65] جون جينثر – هيئة المحلفين. مصدر سابق.

[66] بيتر كونراد، وجوزيف شنايدر – الانحراف والتطبيب. سانت لويس: موزبي، 1980.