(ص 203 - 250)

 الفصل السادس

النظام السياسي في النظرية القرآنية

النظرية السياسية القرآنية * الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط * السلطات الثلاث * خصائص النظام السياسي الاسلامي * ( الدولة ) في النظريات الغربية ونقدها.

 --------------------------

 النظرية السياسية القرآنية

 تقوم الحياة الاجتماعية الانسانية على العهد لفرد معين بتنظيم شؤون بقية الافراد ، عن طريق حفظ حقوقهم وتنظيم حدود حرياتهم ومسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض ؛ ويطلق على هذه المهمة الاجتماعية اسم (الولاية الشرعية) . والولاية شأن من الشؤون الفطرية التي تعارف عليها الافراد في كل مجتمع انساني . ولذلك نبع اهتمام الاسلام بالولاية من خلال كونه دين الفطرة التي عبر عنها القول المجيد (فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لايعلمون)[1]. وهذا الشعور الفطري هو الذي دفع الانسان لتنظيم شؤونه الاسرية والاجتماعية وحدد دور الافراد في النظام الاجتماعي. ولكن تعقد الحياة الاجتماعية وتشابكها ، ادى الى بعث الانبياء (ع) الى الناس لتنظيم شؤونهم الحياتية وإرجاعهم الى عبادة الخالق عز وجل.

ولما كانت الدولة ظاهرة اصيلة لحفظ النظام الاجتماعي وحفظ حقوق الانسان ، فان أول من قام بتأسيسها والسهر على بنائها الانبياء والرسل) ع) من اجل تثبيت تلك الحقوق ، واقامة العدالة ، ومحاربة
المستكبرين ، ونشر عقيدة التوحيد ، كما جاء في النص المجيد (كان الناس أمةً واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه . والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم)[2].

فمقتضى النص القرآني الشريف يدل على ان نشوء الدولة عن طريق الانبياء (ع) انما جاء من خلال الحاجة الى موازين تحدد العلاقة بين الاقوياء والضعفاء والاغنياء والفقراء ، والحاجة الى تنظيم شؤون الاجتماع الانساني عن طريق الالزام والمسؤولية الفردية والاجتماعية . وقد تولى بعض الانبياء (ع) الاشراف على شؤون الدولة كداود وسليمان (ع) ؛ وتحدى اغلبهم النظام الاجتماعي السياسي القائم في زمانهم كنوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعاً . وقام رسول الله محمد (ص) ببناء اكمل الانظمة السياسية ، لان دولته المباركة مثلت تجسيداً رائعاً للرسالة السماوية التي اعلنها الاسلام . والى هذا المعنى يشير القرآن ويؤكد على ان كمال النظام الاجتماعي والروحي يعد من اعظم نعم الله على البشرية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً)[3].

وقد كان جوهر دعوة الانبياء (ع) على مر التاريخ بالاضافة الى عبادة الله سبحانه ، تحدي النظام الاجتماعي القائم على اساس تعدد الربوبية والظلم ، وسحق الانسان لاخيه الانسان . فقد بين القرآن الكريم في بعض الموارد ان الذين كفروا بمضمون الرسالات السماوية لم يكونوا ينكرون حقيقة وجود الخالق عز وجل ، ولم يكونوا يجهلون النعم التي يبعثها عليهم ، بل كان كفرهم وجحدهم متجسداً بترك تطبيق شريعة الله والايمان برسالته ورسله . فيقول عز من قائل: (قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون ، سيقولون لله ، قل افلا تذكرون ؟ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، سيقولون لله ، قل افلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون ، سيقولون لله ، قل فأنى تسحرون)[4] ، (ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ... ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فاحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله)[5] ، (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون)[6].

وحتى ان صراع موسى وابراهيم عليهما السلام مع فرعون ونمرود ، يصرح بان الصراع الحقيقي بين الانبياء (ع) والمشركين كان صراعاً سياسياً ، جوهره تحرير الافراد من التسلط السياسي على رقابهم ، واموالهم ، وشؤونهم العامة . ففرعون كان ينادي بكل غرور : (...انا ربكم الاعلى)[7] ، و(يا ايها الملأ ما علمت لكم من آله غيري)[8]. ونمرود الذي كان يتصرف بنفوس الناس ورقابهم تصرف المحيي والمميت ، فيقطع رقاب بعض ويستحيي رقاب آخرين ، حتى يبقي الملك عضوضاً تحت رحمة نواجذه: (ألم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه ان آتاه الله الملك ، اذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال انا احيي وأميت...)[9].  فلم يكن جدال هؤلاء الطواغيت في حقيقة وجود الله ، بل كان في حقيقة من بيده الملك ، وقطع الرقاب ، والموت والحياة. ولذلك كانت مهمة الانبياء (ع) ـ وبالخصوص نبينا وقائدنا محمد (ص) ـ شاقة وعسيرة ، لأن هدفهم كان فك الاغلال التي وضعها المستكبرون ، وقيدوا بها الفقراء والمستضعفين ، فدور الرسول (ص) كان ان يضع عن المستضعفين : (...اصرهم والاغلال التي كانت عليهم)[10]. ونظرة الى تاريخ فحول قريش واشراف مكة في عهد الجاهلية يغنينا عن الاسهاب ؛ فانبثاق الرسالة الاسلامية كان اكبر تحدٍ لنظامهم الاجتماعي والسياسي الفاسد. وهذا هو السبب الذي ادى الى محاربة الدين الجديد والرسالة الفتية بكل عنف وضراوة.

فقد كان رسول الله (ص) يدير الدولة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، ويتولى شؤون الحكم وتدبير امور الرعية ، فكان يبعث الجباة لجمع الحقوق الشرعية ، وكان يولي القضاة امور القضاء ، وكان يجهز الجيوش للدفاع عن الدولة الفتية ونظامها الاسلامي . وكان (ص) اذا خرج من المدينة لغزوة من الغزوات او حملة من الحملات العسكرية اناب عنه من يتولى امور المسلمين في عاصمته . ففي غزوة الابواء استعمل سعد بن عبادة على المدينة ، وفي غزوة تبوك استعمل محمد بن مسلمة الانصاري عليها ليتولى امورها الادارية خلال غيابه ، وفي فتح مكة استخلف كلثوم بن حصين ، وفي حجة الوداع استعمل عليها ابا دجانة الساعدي[11].  وعين (ص) كتاباً لتنظيم الامور الادارية ، فقد عين معيقيب بن ابي فاطمة كاتباً للغنائم ، وزيد بن ثابت كاتباً الى ملوك ورؤساء الدول ، وعلي بن ابي طالب (ع) كاتباً للوحي ، وخليفة عنه بعد مماته. وعين (ص) ولاةً على الامصار ، فولى عتاب بن اسيد على مكة ، ومعاذ بن جبل على اليمن ، وزياد بن لبيد على حضر موت ، والعلاء بن الحضرمي على البحرين.

وفي الجهاز العسكري فقد أمر (ص) جميع المسلمين بالقتال لنص القرآن الكريم ، وكان اذا غزا استنفر المؤمنين فكانوا ينفرون خفافاً وثقالاً ويجاهدون باموالهم وانفسهم في سبيل الله . وقد نهج على هذا النهج أمير المؤمنين (ع) في تولية الولاة ، وتجهيز الجيوش ، وتعيين القضاة.

وهذا التوجه نحو تنظيم الدولة سياسياً ، والتأكيد على الولاية الشرعية ينبع من روح النص القرآني الشريف الذي نظم شؤون الولاية الشرعية ، كقوله تعالى (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[12] ، (...اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)[13].

ولما كانت الولاية لازمة بالبديهة ، فان السؤال الذي اختلف حوله المسلمون بعد وفاة النبي (ص) لم يكن في اصل الخلافة ، وانما كان في موضوع الخلافة ، او بمعنى ادق : ما هي المواصفات التي يجب ان يتحلى بها الخليفة الذي يتحمل مسؤولية الولاية الشرعية ويشرف على تنظيم شؤون الافراد في المجتمع الاسلامي ؟

ويستدل على ثبوت الولاية الشرعية بعد وفاة الرسول (ص) بخصوص القيادة والادارة والتنظيم والسلطة للمجتمع الاسلامي في المدينة ، نزول قوله تعالى في معركة احد (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل ، افأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين)[14]. فالآية الشريفة تعرض بكل صراحة لتأنيب من اراد الفرار بدعوى استشهاد رسول الله (ص وتدين الافراد الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم ، الذين انقلبوا على اعقابهم تحللاً من المسؤولية الاجتماعية بمجرد سماعهم استشهاد الرسول (ص) . وعليه فان التكليف الخاص بتطبيق الاحكام الشرعية لاينحصر بعصر الرسول (ص) ؛ لان حلال محمد حلال الى يوم القيامة ، وحرامه حرام الى يوم القيامة ، واحكامه نافذة ما بقيت ذرات الحياة تتحرك على وجه هذا الكوكب الكريم.

والاصل في نظرية الحكم ، ان الاسلام بعد ان ألغى جميع الفوارق الطبقية بين الناس لقوله تعالى (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، ان اكرمكم عند الله اتقاكم)[15] ، (قل يا أهل الكتاب ، تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ، ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من دون الله ، فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) [16]، اعلن ان الافراد جميعاً ـ في المجتمع الاسلامي ـ متساوون امام الله والشريعة والقانون (ليس بامانيكم ولا اماني اهل الكتاب ، من يعمل سوءاً يجز به)[17]. واصالة المساواة هذه بين الافراد في المجتمع الانساني ـ حيث يقف الكل على منصة واحدة لاتتفاوت بسبب لون بشرة او اصل منشأ او اختلاف لغة ـ تنبع من روح الرسالة الالهية التي تتوجه بندائها الى جميع الافراد مخاطبة اياهم على لسان رسول الله (ص): (قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً)[18] ، (وما ارسلناك الا كافة للناس)[19]، (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين)[20].  فادراك هذه الرسالة السماوية وفهم ابعادها الحقيقية لا يتحقق الا بالنظر للمجتمع البشري ـ بكافة طوائفه وفرقه ـ باعتباره مجتمعاً عالمياً واحداً.

وعلى ضوء ذلك فقد قرر الاسلام عدة حقائق في غاية الاهمية من الناحية السياسية ، ندرجها كما يلي :

الحقيقة الاولى : وجوب صيانة حرية الانسان لانها من الحقوق البشرية الاساسية ، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله : ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً). [21]وورد عن (جان جاك روسو) قوله بعد اثني عشر قرناً من وفاة الامام (ع): (يولد الانسان حراً ، ولكن الدولة تكبله بالقيود). [22]والفرق بين حرية الفرد عند الامام علي (ع) وحرية الفرد عند (روسو) هو ان الحرية في الرأي الاول تتمثل بالعبودية المطلقة للخالق دون سواه من المخلوقات. والحرية في الثاني تنعدم بالاصل مع وجود الدولة . بمعنى ان الحرية الشخصية في النظرية الاسلامية ، مضمونة حتى مع وجود الدولة . وما الالزام الاجتماعي والروحي في النظرية الدينية الا تحرير النفس الانسانية المقيدة من قيودها الداخلية ، ودفعها نحو الحرية الحقيقية المطلقة . ويؤكد هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه على لسان موسى (ع) مخاطباً فرعون (وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني اسرائيل)[23].  وهو تعبير مفهومي بليغ عن ان تعبيد بني اسرائيل بالتسلط عليهم واضطهادهم من قبل السلطة الظالمة يناقض ابسط قواعد احكام الدولة التي ينبغي لها معاملة الرعية معاملة عادلة بغض النظر عن لونهم ومنشأهم واعتقادهم.

الثانية : ان المولى عز وجل خلق الانسان لاستخلاف الارض (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة...)[24] ، والاستخلاف الآلهي للانسان ، يعكس مسؤولية الفرد عن عمران الارض وبنائها بالطريقة التي حث عليها الشرع الحنيف.

فقد اعلن الاسلام ان الخلافة العامة للانسان ، والحاكمية لله خاصة كما ورد في النص المجيد (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم) [25]، (ان الحكم الا لله...)[26]. فالمؤمن المكلف يقوم بدور النيابة والاستخلاف في الارض من قبل الحاكم المطلق. والمؤمنون ـ باطلاق الآية السابقة ـ كلهم خلفاء لله عز وجل . وهذا المنطوق يعكس عدالة الاسلام في المشاركة السياسية.

الثالثة : ان رابطة الاخوة الانسانية تعد من افضل الروابط التي تحفظ النظام الاجتماعي عموماً والنظام السياسي بالخصوص (انما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)[27] ، (والذين تبوءو الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا)[28] ، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً)[29]. وفي المشهور من قوله (ص) : (لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى)  . فالاخوة العقائدية تعتبر لبنة اساسية في بناء افكار المواطنة ضمن اطار النظام السياسي.

الرابعة : ان الولاية التكوينية المطلقة لله سبحانه وتعالى وهو الذي منح الولاية التشريعية الكبرى للانبياء والاوصياء المعصومين (ع) ؛ وجعلها نيابة خاصة مباشرة من قبله ؛ ومنح الولاية العامة لا دارة شؤون المسلمين الى الولي الفقيه الجامع لشرائط الولاية في عصر غيبة المعصوم (ع) ـ الذي ينحصر دوره في الاشراف على تنفيذ الشريعة فحسب وليس التشريع كما هو معلوم ـ يقول تعالى (انما وليكــم الله ورسولــه والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[30].

الخامسة : دور الامة الاساسي في المشاركة في النشاط السياسي ، والكشف عن الحاكم ـ وهو رئيس الدولة التنفيذي ـ ورفد الدولة بالاختصاصات اللازمة لما تتطلبه عملية الشورى من جهود علمية لبناء المؤسسات التخصصية ، وطاعة ولي الامر الفقيه الاعلم بما يمثله من قوة تشريعية . يقول تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [31]، (وأمرهم شورى بينهم)[32].

ولاشك ان السر في كمال تنظيم الحكومة الالهية ـ وهي حكومة الانبياء (ع) بولاياتها التنفيذية والشوروية والقضائية ـ ان المرسل ألزم المكلفين بطاعة المرسل (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله...)[33] ، حيث اشرف الانبياء (ع) على رئاسة الدولة وادارتها اشرافاً مباشراً كحكومة داود وسليمان (ع) وحكومة النبي محمد (ص). ولولا التكليف الشرعي في تنظيم الشؤون الاجتماعية كالعدالة والمساواة والاخاء والقتال لدفع العدو ، لما كان للدولة ومؤسساتها الاجتماعية دور في حفظ حقوق الافراد ورعاية مصالحهم وتعبيدهم للخالق سبحانه دون سواه من المخلوقات.

الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط

 ولما كانت الولاية مرتبطة بالخالق عز وجل ، فانه يمكن تقسيمها الى قسمين :

1 ـ الولاية التكوينية : وهي ولاية الله سبحانه وتعالى بالاصالة على الافراد والاشياء في الخلق والتكوين، بمعنى امتثال المخلوقات والاشياء جميعاً لامره ، بدليل النص المجيد (انما أمره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون)[34]  ، (ألا الى الله تصير الامور)[35]، (هنالك الولاية الله)[36]. وقد يفوض الانبياء (ع) من قبله عز وجل ببعض شؤون الولاية التكوينية ، كما قدر ذلك لسليمان (ع): (فسخرنا له الريح تجري بأمره)[37] ، وعيسى (ع) كما ورد في القرآن الكريم على لسانه (ع): (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً باذن الله وابرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى باذن الله)[38]. ولكن الاصل حتماً ان الولاية المطلقة لله عز وجل.

2 ـ الولاية التشريعية: وفيها يحق تصرف الولي في شؤون المتولى عليه رعاية لمصلحته في المال والنفس ـ وهي ولاية مقيدة بالاذن الالهي او اذن المعصوم ـ وهي ولاية الرسول (ص) ، وولاية الامام (ع) ، وولاية الفقيه المجتهد الجامع للشرائط.

ولاشك ان وجوب طاعة النبي (ص) في الاحكام الشرعية (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)[39] ، وفي الرئاسة التنفيذية (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[40] ، وفي الولاية على المال والنفس (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم)[41] ، تعتبر من اروع الامثلة للولاية التشريعية بمفهومها القيادي الواسع . فهي لاتختص بتبليغ الاحكام الشرعية الشخصية او ممارسة القضاء فحسب بل تمثل قيادة الرسول (ص) للدولة الاسلامية بكل مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.

اما الفقيه ـ وهو الذي يبذل وسعه لتحصيل الظن بالحكم ـ فله طريقان في سبيل تحقيق ذلك ؛ هما : الدليل والاصل . وظنية الطريق تؤدي الى العلم بالحكم الشرعي ، وهي لا تنافي قطعية الحكم المستفاد من دليله الاجتهادي المحصور بالكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والعقل . وعند عدم وجود الدليل يرجع الفقيه الى اصل من الاصول الاربعة وهي : البراءة ، والاستصحاب ، والتخيير ، والاحتياط.

وولاية الفقيه في زمن الغيبة حتمية لابد منها ، لاسباب منها ؛ اولاً : ان هذه الولاية هي امتدادد لولاية الله عز وجل (هناك الولاية لله)[42] والنبي (ص): (النبي اولى بالمؤمنين من أنفسهم)[43] ، والائمة (ع):  (وأولي الامر منكم) [44]وثانياً: لان للفقيه حق استنباط الحكم الشرعي في الاحكام الثانوية فضلاً عن الاحكام الاولية لادارة شؤون الافراد في النظام الاجتماعي . وهذه الادارة لابد من تحققها لضمان استقرار المجتمع ؛ فيستحيل ان يمارس المجتمع حياته الطبيعية ما لم يتدخل حكم الله في تثبيت اركان النظام الاجتماعي على المستويين الفردي والاجتماعي.

فالاحكام الاولية تشمل التكاليف المستخرجة من مصادر التشريع الاربعة : الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، العقل . وهذه هي الاحكام الثابتة على نطاق التشريع . والاحكام الثانوية ـ وتشمل الفتاوى والاحكام التي تستند على اساس المصلحة والمفسدة وتختص بالمباحات الاولية ـ هي الاحكام المتحركة المتغيرة بتغير الظروف الاجتماعية العرفية . ويطلق على الاحكام الثانوية ايضاً الاحكام الموضوعية ، لانها من الاحكام التي تكون موضوعاً لحكم شرعي ، كعلاقة الفرد بالشؤون الفنية كالزراعة والصناعة والحرب ونحوها أو الشؤون الشخصية كقضايا الزواج ونحوها ؛ فلابد للفقيه فيها من التشاور مع المتخصصين أو مع المبتلين بمواضيع هذه الاحكام.

فدور الفقيه في التشريع ـ اذن ـ هو الكشف عن التشريعات الثابتة للوصول الى الواقع الموضوعي للحكم والافتاء به ، وملء منطقة الفراغ التشريعي التي لحقت عصر النبي (ص) . ويثبت عن ولاية الفقيه الشرعية للمجتهد : الافتاء ، والقضاء ، والتصرف في أموال الناس وأنفسهم ، وهو يعكس بشكل صريح اساس الحكومة في النظام الاجتماعي.

أولاً : ولاية الافتاء . وهي ثابتة حتماً للفقيه للنص القرآني الشريف (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)[45] ، والنص الآخر (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)[46] ، والرواية الواردة عن الامام صاحب العصر (ع) في توقيعه لاسحاق بن يعقوب: (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا ، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله)[47] ، والرواية الاخرى الواردة عنه (ع) : ( من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه) [48]وهي ثابتة له لأنها من ضرورات الدين وتجب عليه كفاية لأن له ملكة الترجيح وقوة الاستنباط من مظان الاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية . ولاشك ان التقليد واجب على كل الافراد الذين لم يصلوا درجة الاجتهاد في الفقه والاصول لدليل الاجماع اولاً ، وبقاء التكليف في ذمة المكلف ثانياً . فلا يجوز لبقية الافراد في النظام الاجتماعي ـ حسب فقه الامامية ـ تعطيل ادوارهم الاجتماعية ، بل عليهم الاجتهاد في تعيين الفقيه الذي يقلدونه ، بخصوص الحياة والأعلمية والعدالة.

ثانياً : ولاية القضاء والمرافعات . وهي للمجتهد ايضاً ، فيوجب الاسلام على الرعية الترافع اليهم وقبول أحكامهم . ويدل على ثبوتها اطلاق الآية الشريفة : (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)[49]. وهو لاشك يدل على الحكم في مورد القضاء الشرعي ؛ وقوله تعالى : (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول)[50] دليل آخر على ثبوتها ايضاً . وكذلك يدل على ثبوتها الروايات المتضافرة عن أهل البيت (ع) ؛ ومنها مشهورة ابي خديجة عن الامام الصادق (ع) : ( اياكم اذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الاخذ والعطاء ان تحاكموا الى أحد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا ، فاني قد جعلته عليكم قاضياً ، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضاً الى السلطان الجائر)[51]. ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة عن الامام الصادق (ع) ايضاً بعد ان نهى عن التحاكم الى السلطان الظالم وقضاة الجور، وجه اصحابه الى رجل منهم: (قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته عليكم حاكماً فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ، فانما استخف بحكم الله وعلينا رد ، والراد علينا كالراد على الله)[52].

ثالثاً : ولاية اجراء الحدود والتعزيرات . وتثبت لقاعدة : (عمل الحاكم بعلمه في حقوق الله) ، لرواية حفص بن غياث عند سؤال الامام الصادق (ع) : من يقيم الحدود : السلطان أو القاضي ؟ فقال (ع) : (اقامة الحدود الى من اليه الحكم)[53].

رابعاً : ولاية التصرف باموال اليتامى. للنص القرآني المجيد (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن)[54] ، اولاً . ولأن الصغير ممنوع من التصرف في ماله ، ثانياً . وللروايات المتعددة المحمولة على جواز التصرف بأموال اليتامى ، ثالثاً.

خامساً : ولاية التصرف بأموال المجانين والسفهاء ، لقوله تعالى (ولاتؤتوا السفهاء اموالكم)[55] ، (فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم)[56].

وهناك ولايات اخرى كولاية التصرف بأموال الغيب وولاية انكحة الصغار والمجانين والسفهاء ، وولاية التصرف بأموال الامام من نصف الخمس ، والمال المجهول مالكه ، ومال من لا وارث له ، وما ثبت مباشرة الامام له من امور الرعية كطلاق المفقود زوجها بعد الفحص والتبين ، وبيع مال المفلس ، وكل فعل لابد من ايقاعه للأدلة اللبية والشرعية ، كعزل الأوصياء ، والتصرف في الاوقاف العامة.

وولاية الفقيه للدولة والنظام الاجتماعي هي امتداد لولايته في الاموال والنفوس . فاذا كانت للفقيه الجامع للشرائط صلاحية التصرف بالنفوس ، واصدار فتوى بالجهاد لحفظ النظام الاسلامي ، والحكم بالقصاص والدية والقضاء ، وصلاحية التصرف باموال القاصرين ، والاموال المجهولة المالك ، كان الاولى وجوب بسط يده لحفظ النظام الاسلامي عن طريق الولاية الشرعية على السلطات الثلاث القضائية والشوروية والتنفيذية . ويؤكد هذا الرأي العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) ؛ منها : سؤال زرارة عن سبب تفوق الولاية على بقية أركان الاسلام مثل الصوم والصلاة والحج والزكاة ، فيجيبه (لأنها مفتاحهن) ؛ بمعنى ان حماية النظام الاسلامي لحرية الأفراد بممارسة واجباتهم التعبدية هو مفتاح اقامة اركان الاسلام بكل جوانبها العبادية والروحية والاجتماعية والسياسية ؛ ويدل على ذلك ايضاً قول الامام أمير المؤمنين (ع) : (واما ما فرضه الله عز وجل من الفرائض في كتابه ، فدعائم الاسلام ، وهي خمس دعائم ، وعلى هذه الفرائض بني الاسلام . فجعل سبحانه وتعالى لكل فريضة من هذه الفرائض اربعة حدود : لايسع احداً جهلها . اولها الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصيام ، ثم الحج ، ثم الولاية وهي خاتمتها ، والحافظة لجميع الفرائض والسنن). [57]

وهل يعقل ان يأمر المولى عز وجل بولاية الاسرة ويترك ولاية الأمة على غاربها ؟ واذا كانت ولاية الآباء والاجداد والأوصياء والازواج والموالي والوكلاء منحصرة فيما ثبتت الولاية فيه شرعاً ، فان ولاية الفقيه الأعلم على الامة تتحقق باعبتاره أمين الرسل ، والحاكم ، والقاضي ، والحجة من قبلهم ، وان على يده مجاري الامور والاحكام ، وانه الكافل لأيتام الامة ، وانه ولي من لا ولي له ، وانه حصن الاسلام ، ومثل الانبياء بمنـزلتهم ، والمتصرف بأموال اليتامى والمجانين والسفهاء ، والمتصرف بمال المجهول مالكه ، وان على يده تقام الحدود والتعزيرات ، والقضاء ، والمرافعات . وفردٌ بهذه المواصفات القيادية وهذه الصلاحيات الواسعة ، لابد وان يكون قائداً للامة ونظامها الاجتماعي بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ واوصاف.

 السلطات الثلاث

ولاشك ان السلطات الثلاث في الاسلام تستمد قوتها التشريعية وطاقتها الابداعية من الله سبحانه وتعالى باعبتاره مصدر التشريع ، ومن الافراد باعتبارهم أهلاً للتكليف والطاعة والتنفيذ.

ولكن ، اختلط على عدد من المفكرين الاعلام مفهومي الشورى والولاية الشرعية . حيث بذل البعض منهم جهداً استثنائياً في استقصاء الفكرتين والبحث عن جذريهما . وانقسم علماء المسلمين الى طرفين : طرف يؤيد اتجاه الشورى في الحكم ، والآخر يؤيد الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة . واتخذ فقهاء أهل البيت (ع) موقفاً سلبياً من الاتجاه الاول ، لأن فكرة الشورى تؤمن بأن الولاية قد اعطيت بالأصل للمسلمين على انفسهم ، وان لهم الحق بمنحها الى أي فرد من ابناء الاسلام ضمن شروط وضوابط يتفق عليها. بينما اعتقد الاتجاه الثاني بان الولاية تتحقق اما بالنص من قبل الله سبحانه وتعالى ، او الرسول (ص) ، أو بالنيابة العامة عن الولي.

ونظرة دقيقة لمباحث الشورى والولاية تكشف لنا ان الاختلاف المزعوم الذي تبارت الاقلام لتجسيده وكأنه مشكلة اساسية في نظرية الحكم الاسلامي لا وجود له بالمرة بسبب اختلاف الموضوع . فالولاية
الشرعية التي يختص بها الفقيه ـ اضافة الى القضاء والفتوى ـ المرجعية في " الحوادث الواقعة " ، وهو ماعبر عنها بالعناصر المتحركة في التشريع . أو بمعنى آخر : القضايا الاجتهادية التي تحتاج الى جهد وتفريغ سعة في البحث ومنها ـ بالتأكيد ـ ادارة شؤون المجتمع الاسلامي عن طريق مؤسسات الدولة الاسلامية . اما الشورى فهي شأن من شؤون أهل الاختصاص في المعارف الاخرى غير المعارف الدينية . فتخطيط الشوارع، وتنظيم المرور ، وتصميم المدن ، وتنظيم الجهاز الصحي والتعليمي والدفاعي للدولة مثلاً ليست من اختصاصات الفقيه المباشرة ، بل للفقيه تعيين أهل الاختصاص في ذلك . وانما تنحصر مهمته في الاشراف على مؤسسات الدولة ككل ، والتأكيد من التزامها بالمنهج الاسلامي . وكانت الشورى التي مارسها الرسول (ص) تجسد عمق هذا الاتجاه ، فهو وان شاورهم في حفر الخندق ، والخروج من المدينة الى احد ، والمسير الى آبار بدر ، الا انه (ص) لم يشاورهم قط بخصوص الاحكام الشرعية اصالة أو نيابة . وكذلك فعل أمير المؤمنين (ع) فشاورهم قبل خروجه الى معركة صفين ، ولكنه لم يستشرهم في شيء من الاحكام الشرعية . بمعنى ان الولاية قضية حكمية شرعية ، والاستشارة قضية موضوعية.

وقوله تعالى : (وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله) [58]، لا تعني ان سلطة الرسول (ص) الشرعية مقيدة برأي الامة ، لأن المولى عز وجل لم يوجب عليه ـ بصفته الرسالية ـ الأخذ بما يشار عليه من صحابته أو من غيرهم . واذا ورد النص التشريعي من قبل الله أو الرسول ، فليس لأحد الاجتهاد ، بل عليهم الأخذ به حتماً (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم)[59] ، (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) [60]فالمشاورة التي أمر الله سبحانه رسوله (ص) الأخذ بها كانت منحصرة في الامور العرفية. ولكن اطلاق النص في الآية الشريفة جعل القوم ينحون مناحي شتى في تفسيرها وتأويلها.

وقد استشار رسول الله (ص) اصحابه في غزوة بدر الكبرى[61]  ، وفي غزوة أحد[62]  ، وفي غزوة الخندق[63].  ولكنه (ص) لم يشاورهم في كل القضايا المصيرية التي كانت تهم الدولة الفتية. فقد عقد (ص) معاهدته مع اليهود دون استشارة أحد من المسلمين ، وعقد صلح الحديبية رغم معارضة بعض الصحابة لذلك، وأعلن الحرب على قريش بإرسال السرايا دون استشارتهم . والمدار في كل ذلك انه (ص) كان يعلم المصلحة العليا للاسلام في قرارته لأنه كان قريباً من منبع الوحي ومهبط التنـزيل . وحتى في بدر فإنه استشارهم في المكان الذي نزل فيه ، ولم يستشرهم في أصل لزوم القتال أو عدمه . فيكون مقتضى قوله (وشاورهم في الامر) المشاورة الاختصاصية ، لأن الأصل في المشاورة العلم والاختصاص.

وعلى ضوء ذلك يمكننا الآن ترتيب النقاط التالية في مسألة السلطات الثلاث :

أولاً : ان لله سبحانه وتعالى الحاكمية المطلقة : (ولله يسجد من في السموات والارض طوعاً وكرهاً)[64] ، وهو مصدر السلطات الشرعية التي يستند عليها اساس الدولة ؛ بمعنى الغاء كل اشكال عبودية الانسان للانسان ، واثبات العبودية الحقيقية لله تعالى من قبل جميع الافراد على اختلاف الوانهم وطبقاتهم وانتماء اتهم العائلية والنسبية.

ثانياً : النيابة العامة في هذا العصر للمجتهد المطلق الجامع للشرائط عن الامام ، وفقاً للنص الشريف (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) [65]، والرواية المروية عن الامام صاحب العصر (ع) : (واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)[66].

ولاريب ان اطاعة ولي الامر الفقيه الاعلم الزامية على جميع الافراد . فلابد لهم من الانقياد له والتسليم لحكمه ، وهو حكم الله ـ حكماً ظاهرياً كان ام حكماً واقعياً ـ (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) [67]ولاشك ان عمق فهم الامة لرسالة الاسلام ، وادراك مبانيها الاجتماعية سيجعل أمر الطاعة وتطبيق القوانين امراً ميسورا ، على عكس الامم الاخرى التي لا تملك فهماً ولا ادراكاً لرسالاتها.

ثالثاً : الولايات الشرعية الثلاث المتمثلة بالولاية القضائية ، وولاية الشورى ، والتنفيذية مستمدة من الشريعة الاسلامية ويشرف عليها الفقيه الجامع للشرائط . وينفرد الفقيه بالاشراف المباشر على الجهاز القضائي بخصوص الحكم على الخصومات بين الأفراد أنفسهم أو بين الأفراد والدولة (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول)[68] ، والفتاوى المتعلقة بالأحكام العبادية الفردية والجماعية : (...ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم)[69] ، والاشراف الاجمالي على الولايتين الاخريين . فولاية الشورى، والولاية التنفيذية تسندان للامة لسببين ؛ الاول : ان اعضاء مجلس الشورى يمكن اعتبارهم وكلاء عن الامة في ادارة شؤونها اليومية ، فإطلاق أدلة الوكالة ، كما ورد في قوله تعالى : (فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين)[70] ، (قل يتوفا كم ملك الموت الذي وكل بكم ثم الى ربكم ترجعون)[71]. والثاني: ان الجهاز التنفيذي المتمثل بالرئيس والوزراء يمثلون التخصص ، وهنا تلعب الشورى التخصصية دوراً خطيراً في ادارة الدولة على الاصعدة الصناعية والزراعية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

وللامة دور اساسي في المشاركة في النظام السياسي لقوله (ص) : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[72] ، فهي التي تشخص قيادة ولي الامر الفقيه الاعلم عن طريق سعيها الحثيث في الكشف عن الاعلم عن طريق اهل الخبرة والاختصاص من المجتهدين . وهي التي تحدد موضوعات الاحكام الشرعية ، وهي التي تشخص الحرج والعسر وموارد الضرر والضرورة . وهي التي تقوم بتوكيل اعضاء مجلس الشورى او الحل والعقد عن طريق الانتخاب ، لتنظيم الاجهزة الادارية للدولة.

ولابد ان تكون الامة واعية في انتخاب ولي الامر الفقيه الاعلم ، فالقيمة لرأي الجمهور العالم بالحق ، كما قال عز من قائل (ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق)[73] ، فمعيار التشخيص هو رأي العلماء ، وليس رأي من لا يملك ادراكاً واضحاً لدور النظام الاجتماعي في الحياة الاسلامية . ولابد من ملاحظة مسألة مهمة ، وهي انالشريعة ترجع الموضوعات الخارجية للعرف ، وتبقي الاحكام الشرعية تحت اشرافها المباشر . بمعنى ان الامة من خلال التوكيل والاختصاص تساهم بشكل فعال في ادارة الدولة من النواحي المالية والثقافية والصحية والعسكرية.

وتسند الولايتان للامة ايضاً باعتبارها المسؤولة عن حمل الامانة الجماعية في تنظيم شؤون النظام الاجتماعي لقوله تعالى (انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان)[74]. واعراض السموات والارض والجبال عن حمل الامة والمسؤولية الاجتماعية يعبر عن عدم صلاحيتها للتكليف الشرعي الذي اختص به الانسان كافراد وكجماعة. ولكن تحمل الامة مسؤولية تسيير دفة الحكم وتنظيم شؤون الدولة لا يعني تخلي الفقيه في عصر الغيبة عن مسؤوليته الشرعية في الاشراف على مسيرة الدولة بالشكل الاجمالي المعهود . بل تعني ان الفقيه الاعلم ، والامة بكافة افرادها واختصاصاتها يعملان جنباً الى جنب من اجل تكامل النظام الاجتماعي بمؤسساته الحيوية ، واقامة العدل ، وتحقيق الامن لكل الافراد ، واطلاق حرية عبادة الخالق عز وجل وحمايتها.

وبطبيعة الحال ، فان النظام الاجتماعي بجميع افراده مكلف بتنفيذ الاحكام الشرعية ؛ فالفرد في الجماعة المسلمة مسؤول عن تطبيق الحكم الشرعي الخاص به بدافع تقوى الله والالزام الاخلاقي والتكليف الشرعي . وهذه العوامل مجتمعة تساعد الدولة على تثبيت اساس الحكم السياسي بعيداً عن الاساليب المتبعة في انظمة الحكم الاخرى من حيث الترغيب والترهيب . فالكل راع والكل مسؤول عن رعيته . والى ذلك يشير النص القرآني المجيد باستخلاف الامة الاسلامية (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم...)[75] ، (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش)[76] ؛ بمعنى اننا جعلنا لكم فيها السلطان والقوة و"الإقدار عليها بالعلم"   [77]، والقدرة على ادارة النظام الاجتماعي في توزيع الخيرات على الافراد بشكل عادل. وهذا هو اصل فكرة النظام السياسي.

رابعاً : وتعكس قاعدة الشورى مبدأ الخلافة العامة للامة التي يحق لها ممارسة هذا الاسلوب من العمل الجماعي في الجهاز التنفيذي وجهاز الحل والعقد . ويكون من مهامها التشريع القانوني في المساحة التي تخرج عن اختصاص الفقيه ، كتخطيط الجهاز الصحي في البلاد من حيث عدالة توزيع الاطباء والممرضين حسب الاختصاصات التي تحتاجها المناطق المبتلاة بتعدد الامراض او كثرتها ؛ وتخطيط النظم التعليمي ، بتوزيع الجامعات والمعاهد العلمية حسب الكثافة السكانية ، وحسب تواجد الموارد الطبيعية والزراعية مما يسهل على الطلبة الاستفادة من العينات الارضية في تجاربهم وبحوثهم ؛ وتخطيط النظام الدفاعي من حيث تعيين عدد الجنود وكمية الوسائل الدفاعية ونوعيتها . فالامة اذن ـ ممثلة بمجلسها الذي يعكس هو الآخر خلاصة تفكير وعقلية الافراد في النظام الاجتماعي الاسلامي ـ هي التي تتحمل المسؤولية الشرعية الجماعية امام الله سبحانه وتعالى ؛ لان الدولة لا تبنى ولايمكن حمايتها الا عن طريق الجماعة.

والمقياس في وضع القوانين الخاصة بادارة الدولة من قبل مجلس الشورى او الحل والعقد هو اتباع الحق وتحديد المصلحة الاجتماعية ، بغض النظر عن آراء الاغلبية البسيطة او الاغلبية التمثيلية ، لقوله تعالى : (لقد جئناكم بالحق ، ولكن اكثركم للحق كارهون)[78] ، (أفمن يهدي الى الحق أحق ان يتبع ، أمن لا يهدي الا ان يهدى)[79] ، (فماذا بعد الحق الا الضلال)[80] ، فالاسلام لا يجعل كثرة العدد ميزاناً للحق او الباطل (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبك كثرة الخبيث)[81]. وعلى ضوء ذلك ، فان المجلس لابد وان يناقش المواضيع والمشاكل المطروحة حتى يصل الى حل يرتضيه الجميع عن طريق الاقناع والتحليل العقلائي ، وليس على اساس الاغلبية البسيطة.

والقوانين التي يصدرها مجلس الشورى بشأن توزيع ثروات البلاد واستثمارها لمصلحة الافراد ، او مجلس ادارة الدولة  بخصوص تنفيذ خطط اشباع حاجات الناس الغذائية والتعليمية والصحية ينبغي ان تخضع للشورى ايضاً ، لقوله تعالى (وشاورهم في الامر ، فاذا عزمت فتوكل على الله)[82] ، وان يكون هدفها بالاصل المصلحة الاسلامية العليا.

ولاشك ان فكرة مجلس الشورى او الحل والعقد نابعة من مفهوم ان للامة الحق في توكيل من تشاء للتعبير عن رأيها في ادارة شؤون الدولة ؛ فيكون للوكلاء نفس الحقوق التي يملكها موكلوهم . ولما كان التوكيل عملاً شرعياً في المعاملات التجارية والاقتصادية والعقود والايقاعات ، كما ذكرنا ذلك سابقاً ، فانه يصح في المعاملات السياسية ايضاً لاطلاق ادلة الوكالة وعدم تقييدها بحقل معين من التوكيل . وقد ورد في سيرة الرسول (ص) انه قال للمسلمين في بيعة العقبة الثانية (اخرجوا لي منكم اثنى عشر نقيباً) فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس . فكان هؤلاء النقباء وكلاء وممثلي اقوامهم عند الرسول (ص) ودولته الفتية . وقد ورد من مصادر علماء اهل الحديث ان الرسول (ص) خصص في المدينة اربعة عشر رجلاً ، سبعة عن الانصار وسبعة عن المهاجرين كانوا نقباء اقوامهم وجماعاتهم ، فكان يرجع اليهم في الامور الاستشارية التخصصية العرفية . ولو صح ذلك ، لتبين ان رسول الله (ص) كان يدرب الامة على فكرة ( اهل الحل والعقد ) التي لا تعبر الاعن التوكيل والشورى في الامور التخصصية .

خامساً : ان الامة هي التي تقوم بانتخاب رئيس الجهاز التنفيذي الذي ينبغي ان يكون مؤهلاً وجامعاً للشرائط الدينية التي تساعده على اداء دوره الخطير في تنفيذ سياسة الدولة ضمن اطار القواعد الشرعية . فقد ورد في كتب السيرة ان النساء بايعنه (ص) بعد بيعة الرضوان في الحديبية ، كما يشير النص الشريف الى ذلك (يا ايها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ان لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن اولادهن ولايأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ان الله غفور رحيم)[83]. والاصل في الدولة ورئيسها التنفيذي حماية اموال الناس وانفسهم واعراضهم ، وتحقيق عدالة توزيع الثروات بين الافراد ، وحماية حرية عبادة الافراد للخالق عز وجل.

 خصائص النظام السياسي الإسلامي

 ولسنا هنا في مقام تحليل اسباب نشوء النظام السياسي في المجتمع الانساني ، حسب نظريات علم نشوء الانسان ( الانثروبولوجي ) . ولكننا نجمل القول حول نشوء الدولة ونقول ان الرسالات السماوية هي التي حددت نظام الدولة بجهازها الاداري لحفظ حقوق الافراد الاجتماعية ضد الظلم والتسلط والاستبداد . وليس غريباً ان نلاحظ ان منهاج الرسالات السماوية كان يعبر عن تحدي الأنظمة السياسية المستبدة بحقوق الافراد في المجتمع الانساني ؛ لأن اطروحة الانبياء (ع) تتلخص بنظرية اساسية تقول ان تحرير الانسان من قيوده الاجتماعية التي فرضها عليه انسان آخر ، سيجعله حراً في عبادة الخالق عز وجل . فاذا ضمنت حرية الانسان من الاغلال والقيود الاجتماعية الظالمة ، ضمنت عبادته لله جل وعلا . وعلى ذلك سار الانبياء (ع) في المناداة بتنظيم شؤون الاجتماع الانساني ، حتى يستطيع الفرد التعبد بكل حرية ودون قيد أو خوف.

ولاشك ان وجود الدولة يعتبر عنصراً اساسياً في تحقيق العدالة الاجتماعية التي نادى بها الاسلام ؛ فهي تشرف على توزيع الخيرات ، وتخطط لمستقبل البلاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وتقيم علاقاتها مع الدول الاخرى حتى يتحقق العدل الاجتماعي في جميع اقطار الارض.

 فتشابك مصالح الافراد على الساحة الاجتماعية يستلزم انشاء القوانين التي تنظم حياتهم وتحفظ مصالحهم ؛ وعلى ضوء ذلك يتولى الفقيه الاعلم تطبيق القوانين الجنائية السمتمدة من الشريعة الاسلامية ، وهي التي تتعلق بمعاقبة المنحرفين، كالقصاص والدية التعزير ونحوها . اما القوانين المدنية ـ وهي التي تتعلق بحفظ حقوق الافراد والجماعة والدفاع عنها ـ فيشرف عليها الفقيه اشرافاً عاماً ، ولكن يرجع في اصدارها الى أهل الاختصاص في الحكومة والموكلين في مجلس الشورى . فحق التعليم ثابت لكل الافراد في المجتمع الاسلامي ، لكن تعيين المدرسين وتحديد مؤهلاتهم ، وبناء المدارس وتحديد صلاحياتها لاستقبال الطلبة ، ووضع المناهج الدراسية وتحديد محتواها العلمي ، يرجع الى مجلس الشورى ووزارة المعارف او التربية لاستصدار القوانين اللازمة لتنفيذها.

وكذلك الامر في توزيع الخيرات ؛ فالدولة من خلال استثمارها الموارد الطبيعية تستطيع سد حاجات افرادها الغذائية والصحية والسكنية ، ورفع مستوى الناس في كل النواحي التي يتطلبها الاجتماع الانساني بل ان فائض موارد الدولة يمكن ان يصرف على تشجيع طلب العلم ، والبحوث العلمية التجريبية التي تنفع الانسان وتقربه من معرفة اسرار الكون والخلق ، حتى يستطيع عبادة خالقة العظيم عن طريق العلم والوعي الادراك . فالدولة الاسلامية يجب ان تكون الدولة الرائدة بين دول العالم بخصوص قيادة الابحاث التجريبية التي توصل الى معرفة الله سبحانه ، ومنفعة البشرية.

ويعتبر التخطيط لمستقبل البلاد ـ بطبيعة الحال ـ من أهم واجبات الدولة الاسلامية . ولعل حديثه (ص) مع الاعرابي عندما ترك ناقته ودخل المسجد متوكلاً على الله ، فقال له : (اعقل وتوكل)، ووصية الامام علي (ع) لمالك الاشتر يقربان من فهمنا لمسألة تخطيط الدولة ، وتوجيه دفة النظام الاجتماعي نحو الكمال . فعقل الناقة أو ربطها نموذج مصغر للسيطرة على ذلك الحيوان والاطمئنان الى عدم فراره ، وهي قضية موضوعية على نطاق المستوى الفردي . اما على المستوى الجماعي العام ، فلابد من الاطمئنان الى سير السفينة الاجتماعية نحو هدف معلوم ضن تخطيط واضح مدروس . ولما كانت البلاد الاسلامية محاطة بالاعداء غالباً ، فان الدولة هي التي تخطط لمستقبل البلاد العسكري عن طريق التجنيد ، والتصنيع الحربي ، واختراع الاجهزة المتطورة للتفوق على العدو ، وارغامه على الخضوع للحق.

        ولاشك ان العقد الاجتماعي بين الفرد والدولة ، الذي نادى به (توماس هوبس) في القرن السابع عشر الميلادي ، وأكد فيه على ان الفرد يجب ان يقبل بالتضحية بحريته الاجتماعية مقابل تجنب الفوضى الاجتماعية[84]  ، ليس مورد بحث في النظرية الاجتماعية الاسلامية لعدة اسباب منها : اولاً : ان الله سبحانه وتعالى أمر جميع المكلفين بطاعة الرسل (ع) ، كما ورد في قوله تعالى (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله...)[85].

ولما كانت الرسل (ع) تنادي بانشاء الدولة القائمة على أسس العدالة الاجتماعية ، فان اطاعة قوانينها يعتبر الزاماً شرعياً لجميع المكلفين . فالقضية هنا ليست حرية الفرد مقابل نظام الجماعة ، بقدر ما هي طاعة الفرد المكلف لله تعالى ضمن نظام الجماعة ؛ وبالتالي الطاعة الجماعية للخالق عز وجل ضمن النظام الاجتماعي . ثانياً : ان للامة الاسلامية دوراً اساسياً في المشاركة السياسية ، وهذا هو معنى الاستخلاف الذي أوردته الآيات القرآنية الشريفة (واذ قال ربك للملائكة اني جاعلٌ في الارض خليفة...)[86] ، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم)[87] وعلى ضوء ذلك فان العقد الاجتماعي بين الفرد والدولة لا يتحقق ، لأن الفرد في النظام الاسلامي مكلف بالقيام بدور النيابة والاستخلاف في الارض من قبل الحاكم المطلق عز وجل ؛ بمعنى ان الفرد في المجتمع الاسلامي يشعر بأنه هو الدولة ، فكيف يعقد الفرد عقداً اجتماعياً بينه وبين نفسه. ثالثاً : ان رابطة الاخوة الانسانية بين الافراد في النظام الاسلامي تلغي أي عقد من العقود الاجتماعية السياسية ، لأن الاخوة في النظام الاجتماعي قضية تقتضيها الطبيعة الانسانية ذاتها ؛ فالمتآخون نسبياً أو سببياً أو عقائدياً يعيشون في موقع واحد ، ويأكلون من رغيف واحد ، ويستنشقون الهواء من جو واحد . ولا يفرض عليهم العقد الاجتماعي ذلك ، بل ان أحاسيسهم ودوافعهم الذاتية هي التي تجرهم الى التكاتف والتآزر الاجتماعي.

ولذلك فان الدولة ضرورية للاجتماع الانساني ، لرعاية مصالح الافراد ، وحفظ حقوقهم الاجتماعية ضمن اطار الاخوة والعقيدة الدينية والايمان بالخالق عز وجل ، وصيانة حرية الانسان كما عبر عن ذلك قول أمير المؤمنين (ع) : (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)[88].

والدولة في الاسلام ، لا ترعى مصالح الطبقة الغنية ضد الطبقة الفقيرة ، كما تزعم نظرية الصراع الاجتماعي[89] ؛ بل ان ارسال الانبياء والرسل (ع) كان يهدف اساساً الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الافراد ، ودعوتهم الى عبادة الخالق دون سواه . وكيف يقف الانبياء (ع) ضد الفقراء ، كما تزعم نظرية الصراع ، وهم الذين تحدوا النظام الاجتماعي المتمثل بالطبقة الثرية الظالمة ، ونادوا بضرورة تطبيق العدالة الاجتماعية ؟ وهل وقف نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ضد الفقراء أم ضد طواغيت وظلمة عصرهم ؟ أو ليست المراحل التي مرت بها البشرية من العبودية ، الى الاقطاع ، الى الرأسمالية ، الى الاشتراكية ، وديكتاتورية البروليتاريا من صنع الانسان نفسه وظلمة لاخيه الانسان ؟ بل هل استبعد نبي من انبياء الله فرداً من الافراد ؟ او ليست الاديان كلها دعوات بل صرخات مدوية لتحرير الانسان من العبودية والرق والاستعباد ؟ أو لم يستخدم الاسلام نظام تحرير الرقاب في الكفارات كوسيلة لتحرير الجنس البشري من العبودية والرق ، ويجعل العبودية المطلقة لله وحده ؟

وهكذا نلاحظ ضعف مقالة نظرية الصراع في نشوء الدولة الانسانية . وتفترق النظرية الاسلامية في نشوء الدولة والنظام السياسي ايضاً عن النظرية التوفيقية ونظرية الصراع في فكرة عدالة الدولة . ففي حين نلاحظ ايمان نظرية الصراع بان الدولة انما انشئت اساساً لحماية الطبقة الرأسمالية الغنية في المجتمع [90]، وايمان النظرية التوفيقية بأن الدولة ضرورية لحفظ النظام الاجتماعي بغض النظر عن عدالتها او ظلمها[91] ؛ تنهض النظرية الاسلامية بكل قوة معلنة بوضوح ان عدالة الدولة تعتبر من اهم العناصر الاساسية في حفظ النظام الاجتماعي . فلولا عدالة الدولة في توزيع الخيرات ، وحفظ أمن الافراد ، واشباع حقوقهم المشروعة ، لما قام هؤلاء الافراد بدورهم الانساني في التكاتف والتآزر ، والانعتاق من عبودية الانسان لعبودية الخالق عز وجل . وهذا الفارق على درجة كبيرة من الاهمية ، لان وجود الدولة الظالمة لا يضمن تحقيق العدالة والمساواة لجميع الافراد في النظام الاجتماعي . واذا غابت العدالة عن الساحة الاجتماعية ، اصبح المجتمع غابة متوحشة يفترص فيها القوي الضعيف وينهب الظالم فيها اموال المظلوم ؛ وبذلك تضيع الحقوق وتنتهك الحرمات . واشارة الى ذلك رفع الاسلام اروع شعاراته الاجتماعية الخالدة ، الا وهو تحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع الافراد دون النظر الى طبقة الفرد ، او منشأه ، او لونه كما اشار الى ذلك قوله تعالى (يا أيها الناس ، انا خلقناكم من ذكر وانثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، ان اكرمكم عند الله اتقاكم)[92].

وهذا النظرة العادلة تجاه الافراد ، تجعل الحكومة الاسلامية متميزة عن الحكومات الرأسمالية . فالاسلام يرفض الحكومة التسلطية ، وهي التي ترفض المعارضة العامة لسلطاتها جملة وتفصيلاً ؛ ومثالها حكومة الديكتاتور فرانكو في اسبانيا الرأسمالية . ويرفض الحكومة الاستبدادية ، وهي التي تحكم الافراد بالحديد والنار ، لتغيير نظرة الافراد تجاه المجتمع والحياة ؛ ومثالها حكومة ادولف هتلر في المانيا الرأسمالية . ويرفض الحكومة الديمقراطية القائمة نظرياً على اساس ان السلطة ملك للافراد جميعا ، وعملياً على تحكم الطبقة الرأسمالية الغنية بالنظام الاجتماعي ؛ ومثالها النظام الامريكي القائم اليوم . واذا كانت الديمقراطية التمثيلية فكرة رائعة ، كما يصورها دعاة الرأسمالية الحديثة ، فلماذا لم يمنح النظام السياسي الديمقراطي الامريكي في القرن التاسع عشر الميلادي الزنوج والنساء والهنود الحمر حق الانتخاب ؟ بمعنى اخر ، اذا كانت الديمقراطية التمثيلية قضية حقيقية ، بحيث تمثل آراء جميع الافراد ، فلماذا لا يحق للزنوج والنساء والهنود الحمر ، طرح آرائهم عبر انتخاب ممثليهم [93]؟ هنا يصمت دعاة النظام الرأسمالي عن الاجابة عن هذا السؤال معترفين بتناقض فكرتهم السياسية المبنية على تحقيق مصالح الطبقة الرأسمالية العليا فحسب ، دون النظر الى مصالح الطبقات الاجتماعية المحرومة.

اما النظام الاسلامي ، فهو يضمن على المستوى الشرعي تحقيق المساواة التامة ، ليس في توزيع الحقوق والخيرات فحسب ، بل في التوكيل السياسي ايضاً . فلا يعتبر منشأ الفرد او لون بشرته او جنسه عاملاً في توزيع الحقوق والواجبات ، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

ومشاركة الامة الاسلامية في مقدرات النظام السياسي يساهم في توزيع القوة السياسية وانتشارها . ففي الانظمة الرأسمالية بانواعها الثلاثة الاستبدادية والتسلطية والديمقراطية تتركز القوة السياسية ضمن الطبقة الرأسمالية الحاكمة لاجيال عديدة[94] اما في النظام الاسلامي ، فان الامة من خلال التوكيل والاختصاص، وريادة المساجد ، وحضور صلاة الجمعة ، والعمل العبادي الجماعي تشارك في تنشيط العمل السياسي. وهي تلاحظ من خلال عينها الفاحصة عدم تركز القوة السياسية ضمن طبقة معينة . حتى ان المدار في ولاية الفقية في زمن الغيبة العلم ، وهو أمر يمكن الحصول عليه نظرياً من قبل اي فرد يبذل جهداً مضنياً لتحقيق ذلك الهدف . اما في النظام الرأسمالي فان الفرد لا يصل الى الكونغرس الا ان يكون غنياً ، ولا يصبح عالماً متميزاً الا ان يدخل جامعات الطبقة العليا التي لا يدخلها الا الاغنياء. [95]وبذلك تضمن الطبقة الحاكمة سيطرتها على النواحي السياسية للدولة . اما في الاسلام ، فان لكل فرد فرصة متساوية تماماً للدخول في العمل السياسي والاجتماعي دون الاهتمام بالناحية المالية او الطبقية.

فلسفة الدولة في النظريات الغربية ونقدها

ان اول من ناقش فكرة دور الدولة في حفظ ورعاية مصالح الطبقة الغنية في المجتمع من انتفاضة الفقراء هو المفكر الفرنسي (جان ـ جاك روسو) في القرن الثامن عشر الميلادي[96]. فاعلن ان نشوء الدولة هو الذي عكر صفو النظام الاجتماعي ، وحطم العدالة الاجتماعية . ذلك انها انشئت لحماية الاغنياء من غضب الفقراء فحسب . فالانسان يولد حراً ، ولكنه يكبل من قبل الدولة بالقيود . فهذا الجهاز السياسي ـ اذن ـ لا يفرض العدالة بين افراد الطبقات ، وانما يحمي مصالح الطبقة القوية فقط.

وبعد قرن من الزمان ، جاء ( كارل ماركس ( بنظريته عن نشوء الدولة ، وبالخصوص في كتابه ( البيان الشيوعي ) المطبوع سنة 1848 م[97]، والذي زعم فيه بأن جميع المجتمعات الانسانية ـ ما عدا البدائية منها ـ مقسمة من الناحية الطبقية الى طبقتين : الطبقة المسيطرة ، والطبقة المسيطر عليها . فالطبقة المسيطرة تستخدم كل المؤسسات الخاصة بالدولة لإحكام سيطرتها وقبضتها على الافراد ، حتى تبقى محتفظة بالمنافع والمغانم التي تدرها عليها عملية الحكم؛ ولذلك فان الدولة بمؤسساتها المختلفة تخدم مصالح الطبقة المتحكمة ، ولا تهتم بحرمان وآلام الطبقة المستضعفة. فاين عدالة الدولة اذن ، اذا كانت تلك المؤسسة السياسية مجرد (لجنة تنفيذية لحماية الطبقة الحاكمة) ؟ واين عدالة الدولة، اذا كانت مؤسساتها تدافع عن مصالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة وتسمح لها بالتمتع بالثروة الفائضة التي انتجها العمال المستضعفون ؟

ولكن نظرية الصراع الاجتماعي واجهت مجابهة عنيفة ، من قبل النظرية التوفيقية التي قالت بان الدولة ضرورية للاجتماع الانساني ؛ ووظيفتها خطيرة في حفظ النظام الاجتماعي ، ورعاية مصالح الافراد عن طريق القانون[98] والنظرية الاخيرة قامت على افكار (توماس هوبس) من مفكري القرن السابع عشر الميلادي ، الذي آمن بان الافراد يجب ان يقبلوا بالتضحية بحرياتهم مقابل تجنب الفوضى الناتجة عن عدم وجود الدولة[99]. وهذا العقد الاجتماعي بين الدولة والفرد هو الذي يحفظ النظام والحضارة في المجتمع الانساني.

وتذهب النظرية التوفيقية الى ان المجتمعات الريفية الصغيرة لاتحتاج الى قانون معقد لتنظيم حياتها اليومية؛ على عكس المجتمعات الصناعية الكبرى ، التي تتطور فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية بشكل سريع وفعال، فيحتاج الافراد ـ عندئذٍ ـ الى نظام قانوني يساعدهم على حفظ ممتلكاتهم ورعاية مصالحهم المتشابكة مع مصالح الاخرين . فتقوم الدولة ـ حينئذٍ ـ بتحمل مسؤولية حفظ النظام عن طريق فرض القانون ، وتطويع الافراد بمختلف اتجاهاتهم وألوانهم لنفوذه وسلطته العليا التي تتجاوز كل السلطات الاخرى.

وتقوم الدولة أيضا بتوزيع الخيرات الاجتماعية على الافراد في المجتمع ؛ وامثلتها توزيع الدواء وقت انتشار الاوبئة ، وتوزيع الاسمدة على المزارعين ، واستثمار المعادن وتصنيعها حتى تتم الاستفادة منها . وعلى ضوء ذلك فان الدولة بتشريعها القوانين المتعلقة بتوزيع خيرات البلاد على الافراد ، ورعاية حقوقهم الشخصية من تعدي الآخرين عليها ، تقوم بحفظ الحقوق الاجتماعية العامة.

ولكن في معرض نقدنا لنظريتي (الصراع الاجتماعي) و(التوفيقية الغربية) ، لابد لنا ان نقول ان تحليلي (روسو) و(ماركس) لنشوء الدولة الرأسمالية ، مع انه ينصب على الجانب الوظيفي لتلك المؤسسة الاجتماعية، ويحلل دور الدولة في حماية مصالح الطبقة الحاكمة ، ويفسر تطورها مع نشوء الطبقات الاجتماعية ؛ الا ان (ماركس) يفشل في ادراك حقيقة مهمة وهي ان للدولة وظائف اخرى ليست لها علاقة بصراع الطبقات . فالدولة على مساوئها الادارية والطبقية تنظم شؤون المواطنين لا في الاشراف على الانتاج فحسب ، بل في الاشراف على استثمار الثروة الاجتماعية ايضا . فمن الذي يبني الطرقات والجسور والمرافق العامة ؟ ومن الذي يحفظ النظام والامن الاجتماعي للناس ؟ ومن الذي يقدم المعونة الغذائية والانسانية والطبية للافراد وقت الكوارث الطبيعية ؟ والجواب على هذه الاسئلة بالتأكيد ، هو الدولة بكل مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والعسكرية . وقد لاحظنا ان حفظ النظام في الانظمة الاشتراكية المندثرة لم يتحقق الا بالقبضة الحديدية للدولة ومؤسساتها المختلفة.

ولكن فشل نظرية الصراع في تقديم نظرية متكاملة حول الدولة والنظام السياسي يكمن في عدم تمييزها بين ضرورة وجود الدولة وبين عدالتها . فلا أحد يشك بأهمية وجود الدولة لحفظ النظام ، وتوزيع الثروات ، والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي . ولكن القضية الحاسمة التي يتصارع حولها الفرقاء من شتى العقائد والافكار انما تتمثل بفكرة (عدالة الدولة) . فمن الذي يضمن عدالة توزيع الثروات على الافراد بحسب حاجاتهم ، دون الاكثرات لعقائدهم الدينية وأصولهم العرقية وألوان بشراتهم ؟ ومن ذا الذي يضمن عدالة الدولة في اشتراك جميع الافراد في الحكم والسلطة ؟ ومن ذا الذي يضمن عدالة الدولة في بناء اقتصادها على اساس التوزيع الجغرافي العادل لا على اساس التوزيع المذهبي او الطائفي الديني ؟ هنا تفشل النظرية التوفيقية في الاجابة على هذه الاسئلة ، وتعجز عن تحليل عدالة الدولة . ولا ريب ان الدولة الظالمة وتشريعة الغاب على صعيد واحد فيما يتعلق بالحقوق ، حيث تهمل في كليهما حقوق الافراد الاجتماعية المتعلقة بالضمان والرعاية والمساواة . فما قيمة القانون اذا كان يحمي الظالم دون المظلوم ؟ وما قيمة الخيرات اذا كانت توزع على اساس الغصب والظلم ؟ وما قيمة التخطيط اذا كان لا يصب في مصلحة الفرد والجماعة ؟ وما قيمة العلاقات الدولية اذا كانت لا تخدم الفرد في مجتمعه ؟ وهكذا تفشل النظريتان في تقديم تحليل مقبول لنظرية الدولة في نشر النظام والعدالة في ربوع النظام الاجتماعي والمساواة بين جميع الافراد دون استثناء.

وحتى ان الفكرة الديمقراطية القائمة على قاعدة ان السلطة ملك للافراد جميعاً[100] ، حيث يحق لهم المشاركة في القرار السياسي ، ويثبت لهم الحق في انتخاب المسؤولين ، لا تخلو من نواقص وهفوات ، شأنها في ذلك شأن بقية الافكار الغربية المعاصرة . فهذا الشكل من الحكم نظري بطبيعته ، لانه يستحيل ان يشارك كل مواطن صالح في كل قرار سياسي تتخذه الدولة ، علماً بان النظام الديمقرطي الامريكي الذي رفع لواء هذه الفكرة كان يحرم الزنوج والنساء ومن لا يمتلك قطعة ارض في القرن التاسع عشر الميلادى من حق الانتخاب[101].  ولاشك ان الديمقراطية المعاصرة تعني الديمقراطية التمثيلية ، حيث يقوم الناخبون بانتخاب افراد يمثلونهم في صنع القرار السياسي[102]  .ولكن هذه الفكرة ايضاً تعرضت للكثير من النقد. وأهم نقد وجه لها هو ان الديمقراطية تصادر حقوق الاقليات ، لان طغيان الاغلبية واستئثارها بقواعد القوة السياسية يضع الاقلية في موضع خاسر . فالزنوج في الولايات المتحدة ، والهنود في بريطانيا ، والاتراك في المانيا، والعرب في فرنسا تهدر حقوقهم الشرعية والقانونية بسبب تحكم الاكثرية الاوروبية البيضاء بالقوة السياسية.

ومع ان بريطانيا ، تعتبر نفسها مهد الديمقراطية السياسية الحديثة ومنشأ النظام الرأسمالي ، الا ان نظامها الطبقي يناقض معتقدات النظرية السياسية الزاعم بان الديمقراطية الملكية ارقى واكمل الانظمة السياسية[103]. فكيف تتحكم الطبقة الارستقراطية الثرية بمقاليد الامور السياسية لقرون ، مع ان الديمقراطية تستدعي اشتراك جميع الطبقات الاجتماعية في الحكم ؟ وكيف يحق للعائلة الحاكمة تملك اموال تتجاوز قيمتها ملكية اي عائلة بريطانية ، مع ان الديمقراطية الرأسمالية تستدعي مشاركة الجميع في جني الخيرات التي تدرها العملية الانتاجية ؟

ونستنتج اخيراً من عرض هذه النظريات والآراء ونقدها ، ضعف النظريات الاجتماعية التي صممها المفكرون من شتى المشارب الفكرية . ونلاحظ ـ بكل قوة ـ كمال النظرية السياسية القرآنية التي تعكس جوهر العدالة الاجتماعية ، وتعطي الحكم والسلطة معنىً اخلاقياً واطاراً تعبدياً يتمثل بمفهوم الاستخلاف في الارض الذي يعتبر من انصع صور التكليف الشرعي للافراد.

(نهاية ص 250)

السابق               صفحة التحميل                 الصفحة الرئيسية

 


[1] سورة الروم: الآية 30.

[2] سورة البقرة: الآية 213.

[3] سورة المائدة: الآية 3.

[4] سورة المؤمنون: الآية 84 – 89.

[5] سورة العنكبوت: الآية 61، 63.

[6] سورة الزخرف: الآية 87.

[7] سورة النازعات: الآية 24.

[8] سورة القصص: الآية 38.

[9] سورة البقرة: الآية 258.

[10] سورة الاعراف: الآية 157.

[11] سيرة ابن هشام ج 4 ص 859، 102.

[12] سورة المائدة: الآية 55.

[13] سورة النساء: الآية 59.

[14] سورة آل عمران: الآية 144.

[15] سورة الحجرات: الآية 13.

[16] سورة آل عمران: الآية 64.

[17] سورة النساء: الآية 123.

[18] سورة الاعراف: الآية 158.

[19] سورة سبأ: الآية 28.

[20] سورة الانبياء: الآية 107.

[21] نهج البلاغة ص 401.

[22] جان جاك روسو- العقد الاجتماعي. ميدلسكس: بنكوين، 1968م. ط 1: 1762م.

[23] سورة الشعراء: الآية 22.

[24] سورة البقرة: الآية 30

[25] سورة النور: الآية 55.

[26] سورة الانعام: الآية 57.

[27] سورة الحجرات: الآية 10.

[28] سورة الحشر: الآية 9.

[29] سورة آل عمران: الآية 103.