|
(ص 51 - 72) الفصل الثاني الانحراف الاجتماعي ومعالجته على ضوء النظرية القرآنية النظرية القرآنية في معالجة الانحراف الاجتماعي * الانحرافات الاجتماعية الرئيسية واساليب معالجتها : 1 ـ جرائم الاعتداء على النفس البشرية وما دونها 2 ـ جرائم ضد الملكية 3 ـ الجرائم الخلقية 4 ـ جرائم ضد النظام الاجتماعي العام * النظريات الاجتماعية الغربية بخصوص الانحراف ونقدها * نظام العقوبات : نقاط مقارنة بين النظرية القرآنية والنظرية الغربية * الاضطراب العقلي * الاسلام والتأثيرات الاجتماعية للانحراف. ------------------ النظرية القرآنية في معالجة الانحراف الاجتماعي ربما يعزى كمال النظرية القرآنية في تحليلها ومعالجتها لظاهرة الانحرف الاجتماعي الى أربعة اسباب رئيسية، لم تلتفت اليها النظريات الاجتماعية المعاصرة كنظريات (الانتقال الانحرافي)، و(القهر الاجتماعي)، و(الضبط الاجتماعي)، و(الالصاق الاجتماعي) التي سنتناولها بالنقد لا حقاً باذن الله. وهذه الاسباب الاربعة هي: الاول: العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي جاء بها الاسلام وحاول تطبيقها على الافراد. الثاني: العقوبة الصارمة ضد المنحرفين كالقصاص والدية والتعزير. الثالث: المساواة التامة بين جميع الافراد امام القضاء والشريعة في قضايا العقوبة والتأديب والتعويض. الرابع: المشاركة الجماعية في دفع ثمن الجريمة والانحراف، كإلزام عائلة المنحرف دفع دية القتيل عن طريق الخطأ، ودفع دية القتيل الذي لا يعرف قاتله من بين المال. فعلى الصعيد الاول، نادى الاسلام بالعدالة الاجتماعية واعتبرها الاساس في بناء المجتمع السليم من الانحرافات الشخصية القائمة على الاساس الاقتصادي أو السياسي، كالغصب والسرقة والاعتداء على حقوق الآخرين. وقد فصلنا القول في ذلك في الفصل الثاني من هذه الكتاب. وعلى الصعيد الثاني، فان ديناً متكاملاً كالاسلام لابد وان يطرح للانسانية المعذبة نظاماً يعالج فيه مختلف زوايا الانحراف، ويحلل من خلاله ـ بكل دقة ـ دوافع الجريمة في المجتمع الانساني، ويشرع ـ على ضوء ذلك ـ احكاماً صارمة لقلع منشأ الانحراف من جذوره النابتة في عمق النفس البشرية؛ لأن الخالق عز وجل أدرى بتلك النفس الانسانية التي صممها وأنشأها: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)[1] . فمن أجل مكافحة الجريمة وتعويض الضحية، صنف النظام الاسلامي العقوبات الى قسمين؛ هما: العقوبات الأدبية والعقوبات المادية. فالعقوبات الأدبية تشمل جانبين ايضاً؛ وهما: الاول: الحدود، وهي العقوبات المقدرة في الكتاب والسنة؛ بمعنى ان الشارع لم يسمح للقاضي الشرعي التصرف في أمر تقديرها، كالقصاص في جرائم القتل والقطع والجرح، كما اشار قوله تعالى الى ذلك: (ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الالباب) [2]، وعقوبات الزنا، واللواط، والسحاق، والقيادة، والقذف، والسرقة، والسكر، والارتداد، وقطع الطريق. والثاني: التعزيرات؛ وهي العقوبات التي فوض أمر تقديرها وتحديدها لنظر الحاكم الشرعي، فيعاقب عليها بما يراه مناسباً، كعقوبة التزوير والغيبة ونحوها. والعقوبات المادية: هي الديات، أو المال الواجب دفعه بسبب الجناية على النفس أو مادونها: (وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الا خطأً، ومن يقتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمةٌ الى أهله الا ان يصدقوا) [3] . وتشمل جانبين ايضاً، وهما: اولاً: الديات المقدرة على لسان الشارع، كدية النفس والاعضاء، وثانياً: الديات التي فوض أمر تقديرها الى الحكومة، أو الخبراء الموثوق بهم. وبالاجمال : فان الاسلام صنف الانحراف الى اربعة اصناف ، وهي :
وهذه الاحكام الشرعية هدفها الردع أكثر من الانتقام، حتى ان القصاص الذي يبدو ظاهراً قضية انتقامية يؤدي في الواقع دوراً اساسياً في ردع الانحراف وتأديب المنحرفين؛ فانزال الاذى المماثل بالجاني أمضى تأثيراً من عقوبة السجن ، التي آمن بها النظام القضائي الغربي [4]. والسارق الذي تؤدبه الشريعة الاسلامية بقطع اليد يعتبر أكثر انتاجاً من السارق الذي يقبع في سجون الانظمة الرأسمالية مثلاً سنوات معطلاً طاقته الانتاجية ومستهلكاً موارد النظام الاجتماعي. وما ان يخرج الى اجواء الحرية مرة اخرى حتى يرتكب انحرافاً مماثلاً لذلك ادخله السجن أول مرة. وعلى الصعيد الثالث، فان الاسلام نادى بالمساواة بين الافراد في العقوبة والتعويض، فالسارق مع توفر الشروط يقطع حتى لو كان يشغل أعلى وظيفة سياسية في الدولة لإطلاق الآية الكريمة (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) [5]، وعدم تخصيصه بفئة معينة من السراق مثلاً. والزاني مع توفر الشروط يقام عليه الحد كائناً من كان. ولا يستثنى أحد لسبب طبقي أو وراثي من اقامة الحدود الشرعية. وهنا يكمن الفرق بين النظامين التشريعي الاسلامي والقضائي الغربي الرأسمالي. ففي حين يفلت مجرمو الطبقة الرأسمالية من قبضة العقاب، باعتبار ان العقاب المعنوي لافراد الطبقة العليا اشد ايلاماً من العقاب الجسدي؛ يصون التشريع الاسلامي النظام القضائي من عبث الاصابع البشرية التي يدفعها الهوى والطموح الشخصي. وبعد اربعة عشر قرناً من الزمان، لم يستطع مقننٌ واحد ـ أياً كان مذهبه ـ من تغيير حكم القرآن في قطع يد السارق أو قتل القاتل المتعمد أو جلد الزانية والزاني؛ في حين ان القوانين الوضعية تبدلت تبدلاً جذرياً خلال القرون الماضية من عمر البشرية.
ولابد ان نذكر هنا، ان النظرية الاسلامية قد ميزت الانحراف بانواعه وطرقه المتعددة، واعتبرت فيه الاسباب الموجبة. فاخذت الاضطراب العقلي، وعدم البلوغ مثلاً، بعين الاعتبار في انشاء الحكم على القاتل. وميزت بين قتل العمد، وقتل الخطأ، والقتل الشبيه بالخطأ؛ وافردت لكل واحد منها حكماً خاصاً. وأعطت الشريعة للاحداث والصبيان فرصة لعلاج انحرافهم بدل إنزال العقاب بهم. وعلى الصعيد الرابع، فان الاسلام شجع المشاركة الجماعية في دفع الانحراف بطرق عديدة؛ منها: اولاً: ان ولي الامر مسؤول شرعاً عن دفع الدية اذا ارتكب من يتولاه انحرافاً يستوجب دفع تلك الغرامة. ثانياً: ان العلاقة الاسرية التي أكد عليها الاسلام تساهم من خلال التعاون والتآزر على اصلاح الفرد المنحرف في الاسرة. ثالثاً: العاقلة، وهم العصبة من قرابة الاب كالاخوة والاعمام واولادهم، التي تتحمل دية القتل الخطأ، ودية الجناية على الاطراف ونحوها، ضمن شروط معينة. والمدار في كل ذلك ان الافراد في المجتمع ملزمون اخلاقياً، بارشاد واصلاح ذويهم ودرء خطر الانحراف عنهم. الانحرافات الاجتماعية الرئيسية واساليب معالجتها ولاشك ان الانحرافات التي فصلتها الشريعة وأوجبت فيها العقوبات الادبية والمادية، تأخذ مجريين شرعيين؛ الاول: ما يستدعي ارتكابها التعدي على حقوق الله سبحانه وتعالى، وهي الزنا واللواط وشرب المسكر؛ لأنها تعد مخالفة لأمر الله، ولا يجوز العفو فيها بعد قيام البينة وثبوت الحد. والثاني: ما يستدعي ارتكابها التعدي على حقوق الله وحقوق الفرد معاً، كالقذف والسرقة والقتل، لأن فيها جهة شخصية متضررة، فيتوقف اقامة الحد على المطالبة من المتضرر أو من يرثه. ويجوز للحاكم الشرعي اقامة الحد فيما يتعلق بحقوق الله بمجرد علمه، ولكنه لا يستطيع القيام بذلك فيما يتعلق بحقوق الناس كالسرقة والقذف. 1- جرائم الاعتداء على النفس الانسانية وما دونها: وهي جرائم القتل والجراح والشجاج وإسقاط الجنين، وقد أوجب فيها الاسلام القصاص، أو دفع الدية، وأوجب كفارة القتل في مواضع معينة، وأباح للمعتدى عليه الدفاع عن نفسه في كل الاحوال. فالقصاص ـ وهو من اقتفاء الاثر [8]، كما في قوله تعالى : (وقالت لاخته قصيه....) [9]، وشرعاً وجوب المماثلة في القتل والقطع بشروطها الشرعية ـ يعتبر من أقصر الطرق الى تحقيق العدالة القضائية: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) [10] ، (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس، والعين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون) .[11] ففي حين يعلن الاسلام بكل قوةٍ وجوب المماثلة في القصاص، يقوم النظام الغربي ـ في تشريعه لعقوبة الانحراف ـ بفرض القيود على حرية المجرم عن طريق السجن، أو العلاج الطبي، أو خدمة مؤسسات الادارة المحلية، أو بتعويض الضحية مالياً[12] . وهذه الاساليب لا تبعد المنحرف عن انحرافة ولا تقدم للضحية مثالاً واقعياً لمعاقبة الجاني ، بل تربك النظام الاجتماعي وتستهلك موارده المالية ؛ لان السجن والطب النفسي اثبتا فشلهما في علاج المنحرف علاجاً حقيقياً (لاحظ دراساتنا حول الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام) .
وقد ذهب أكثر الفقهاء الى ان القاتل
المتعمد لو مات قبل الاقتصاص منه ، اخذت الدية من ماله اذا كان له مال ، أو
من مال
ارحامه اذا لم يكن له مال ، لقوله تعالى
:
(فقد جعلنا
لوليه سلطاناً)[13]
، وللرواية المروية عن الامام
الصادق (ع) عندما سئل عن هروب القاتل ، فقال : ( ان كان له مال اخذت الدية من
ماله
، والا فمن الاقرب فالاقرب فان لم يكن له قرابة أداه الامام ، فانه لا يبطل
دم امرئ
مسلم)[14] . اما الدية ، فان الاصل في وجوبها قوله تعالى : (وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الا خطأً ومن قتل مؤمنأً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمةٌ الى اهله الا ان يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الى اهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً) . [17]ولاشك ان الدية عامل مهم من عوامل التعويض المالي المختص بجرائم قتل الخطأ وشبه العمد ؛ فانهما يوجبان الدية دون القصاص . ويوجب الدية ايضاً التراضي بين الطرفين . وفي الضرب الذي لا يجرح ولكنه يولد احمراراً ونحوه ، الارش أو الحكومة . وفي الضرب الذي يسبب الالم فقط : التعزير . وتتعين دية المقتول عمداً في حالات استثنائية فقط ؛ منها : فوات المحل ، كموت القاتل ونحوه. ومن المسلم به ان الدية المقدرة شرعاً في قتل المسلم الذكر عمداً الف دينار ذهب ، وهو ما يعادل اكثر من 3.5 كيلو غرام ذهباً ، أو ما قدر شرعاً من الشياه والابل والابقار والحلل والفضة . وهذه الكمية من المال كافية لاغناء العائلة المفجوعة بفقد معيلها ، حتى لا تمد يدها استعطاءً للناس . والاصل في احكام الديات ان القاتل يضمن الدية اذا كان قاصداً القتل أو الفعل الذي يؤدي اليه.
1 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع دية الخطأ يخفف من تحمل الفرد كاهل دفع تلك الدية لوحده، وهو مبلغ هائل، كما هو واضح. 2 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع الدية يساهم في تقوية العلاقات والاواصر الاجتماعية بين ابناء العشيرة الواحدة ويجعلها تقف متحدة في المحن والمصائب التي يتعرض لها افرادها. 3 ـ ان جمع مبلغ الدية عن طريق العاقلة يخفف من العبء الذي تتحمله عائلة المجني عليه ، خصوصاً اذا عجز الجاني عن تسديد ذلك المبلغ ، فتصبح العائلة المفجوعة ضحية لجريمة اقتصادية ومعاشية خارجة عن ارادتها. فتكون العاقلة عندئذ وسيلة ضمان لاستلام الدية.
2 - جـرائم ضد الملكية: ولا ريب ان النظرية الاسلامية الخاصة بالعقوبات الجنائية تنظر الى الجرائم المتعلقة بالملكية نظرة خاصة وترتب عليها عقوبات صارمة ؛ لأن ضمان سلامة حقوق الناس من تعدي الاخرين يعتبر من أهم اسباب استقرار النظام الاجتماعي وتطوره الاقتصادي . ولاشك ان الاقرار باحكام اليد ودلالتها على الملكية ، تضع للمجتمع الانساني الحدود العامة لانتقال الملكية ، ودوران المال بين افراد النظام الاجتماعي عيناً كان ذلك المال أو نقداً ، منقولاً كان أو غير منقول . ولولاها لاضطرب النظام الاقتصادي والاجتماعي ، وانعدم البيع والشراء الذي هو الاصل في سد حاجات الناس الاستهلاكية والكمالية . ولذلك فان اقرار الاسلام لهذا الاصل وربطه بالصدق العرفي ينسجم مع الطبيعة الفطرية للتعامل الاجتماعي وتنظيم سلوك الافراد.
3- الجرائم الخلقية:
(تليها صفحات 73 - 96)
اللاحق السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] سورة الشمس: الآية 7-8. [2] سورة البقرة: الآية 179. [3] سورة النساء: الآية 92. [4] ارفينك كوفمان – اللجوء: بحوث حول الموقف الاجتماعي للمصابين بالامراض العقلية ونزلاء السجون. شيكاغو: آلدين، 1961م. [5] سورة المائدة: الآية 38. [6] سورة النحل: الآية 90. [7] سورة الممتحنة: الآية 8. [8] مجمع البيان ج 2 ص 270. [9] سورة القصص: الآية 11. [10] سورة البقرة: الآية 194. [11] سورة المائدة: الآية 45. [12] مارشال كلينارد، وروبرت ميير. علم اجتماع السلوك المنحرف. نيويورك: هولت،راينهارت، وونستن، 1985م. [13] سورة الاسراء: الآية 33. [14] الجواهر ج 42 ص 330. [15] سورة المائدة: الآية 45. [16] سورة الشورى: الآية 40. [17] سورة النساء: الآية 91. [18] الكافي ج 7 ص 343. [19] سورة المؤمنون: الآية 13-14. [20] آرثر شوستاك، وكيري مكلوث. الاجهاض والرجال: الخسائر، الدروس، والحب. نيويورك: مطبعة العلوم الانسانية، 1984م. [21] سورة البقرة: الآية 188. [22] الكافي ج 7 ص 274. [23] كنـز العمال ج 10 ص 639. [24] جاك جيبنـر – الجريمة، العقاب، والردع. نيويورك: السفاير، 1975م. [25] سورة المائدة: الآية 38. [26] البخاري – كتاب الحدود باب 12. [27] اليوت كيري – مواجهة الجريمة: التحدي. نيويورك: بانثيون، 1986م. [28] سفينة البحار ج 1 ص 530. [29] من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 43. [30] المقنع للشيخ الصدوق ص 147. [31] تفسير العياشي ج 1 ص 319. [32] المقنع للصدوق ص 150. [33] المصدر السابق ص 147. [34] جاك جيبنـر – العرف، الانحراف، والسيطرة الاجتماعية. نيويورك: السفاير، 1981م. [35] مارك مور وآخرون- المذنبون الخطرون. كامبردج، ماساشوسست: مطبعة جامعة هارفرد، 1985م. [36] سورة الاسراء: الآية 32. [37] سورة الفرقان: الآية 68. [38] سورة النور: الآية 3. [39] سورة النور: الآية 2. [40] سورة الشعراء: الآية 161-166. [41] سورة العنكبوت: الآية 29. [42] الكافي ج 2 ص 70. [43] مجمع البيان ج 19 ص 107. [44] سورة الفرقان: الآية 38. [45] تفسير القمي ص 465. [46] سورة النور: الآية 4. [47] سورة المائدة: الآية 90. [48] الكافي ج 7 ص 215. [49] سورة النور: الآية 4-5. [50] من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 24. [51] سورة النور: الآية 5.
|