|
(ص 128 - 157) وظيفة الطب ولا نشك في ان مساندة النظام الاجتماعي للمؤسسة الصحية يعكس خطورة وظيفة الطب في الحياة الانسانية؛ فتنبع اهمية الطب في المجتمع الرأسمالي مثلاً من علاقة المؤسسة الصحية بانتاجية الفرد ، حيث يقاس النجاح الاقتصادي للنظام الرأسمالي من خلال النسب الانتاجية الاجمالية لمجموع الافراد . ولا ريب ان الوظيفة الاساسية للطب تدور حول المحافظة على صحة الافراد ، حتى يبقى النظام الاجتماعي نظاماً انتاجياً يدر على اعضائه اقصى ما يمكن اعتصاره من الخيرات . ومع ان الصحة الشخصية مسؤولية فردية ، الا ان المؤسسة الصحية مسؤولة عنها مسؤولية مباشرة . فهي التي تقوم بتقديم حقن المناعة وقت انتشار الاوبئة والامراض المعدية ، وبالفحص الطبي السنوي للعاملين في المصانع وحقول الانتاج المختلفة ، وبتقديم المعلومات والثقافة الطبية لجميع الافراد ، وبتنقية المياه من الشوائب والجراثيم ، وبالسيطرة على انظمة المجاري العامة ، حتى يتمّ تفادي انتشار الامراض وتقليل كل ما من شأنه خفض المستوى الانتاجي للعاملين . وفي سبيل المحافظة على صحة الافراد ، فان النظام الصحي يقوم بمعالجة الامراض . فمن واجبات المؤسسة الصحية التعامل مع الامراض المختلفة وتقديم العلاج الشافي للافراد المصابين بتلك الامراض . وهذا يتطلب تدريب عدد كبير من العاملين والخبراء وانشاء مؤسسات ضخمة من المصانع والمعاهد التعليمية . فالاطباء والممرضون والصيادلة والاداريون يتولون امور المستشفيات؛ والشركات الكيميائية تتولى انتاج الادوية والمراهم الطبية؛ والمؤسسات الهندسية والكهربائية تتولى تصنيع الاجهزة الطبية وتصميم المستشفيات؛ والكليات الطبية والصيدلية تتولى تخريج الاطباء والصيادلة . وهذا كله يحمّل النظام الاجتماعي اعباءً كبيرة ، واموالاً طائلة . وحتى تتفادى المؤسسة الطبية الخسارة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تكرار حدوث المرض ، فانها تبحث عن اسبابه وطرق انتشاره ، وتحاول الكشف عن افضل الوسائل التقنية للعلاج ، ومن ذلك الطب الوقائي والعمليات الجراحية وطرق التخدير ، وتصنيع الادوية . وهذا يتطلب جهدا بشرياً فائقاً لان البحوث الطبية تبدأ بالتحري لاكتشاف اصغر الكائنات الحية في المختبرات الطبية ، وهي الفيروسات ، وتنتهي في البحث على النطاق الحقلي بدراسة الامراض دراسة ميدانية واسعة ، قد تستوعب شعوباً وبلدانا باكملها . وتتم اغلب الاكتشافات عادة ، عن طريق مؤسسات البحوث الطبية المتصلة بالجامعات ، او المستشفيات التعليمية ، او الوكالات الحكومية او المختبرات الاهلية . وهذه المؤسسات الصحية تهتم اهتماماً خاصاً بمعالجة الامراض التي يبتلى بها الافراد في ذلك الاقليم . ومن وظائف النظام الطبي ايضاً ، السيطرة الاجتماعية على سلوك الافراد لخدمة النظام الاجتماعي . فعن طريق الطب ومؤسساته يتم تحديد حقيقة المريض عن المتمارض ، حيث يترتب على ذلك اعفاء المريض من واجباته المهنية وحرمان المتمارض من تعطيل دوره الاجتماعي . وعن طريق المؤسسة الطبية يتم تسجيل شهادات الميلاد وشهادات الوفاة ، ويترتب على ذلك منح الوافدين الى الحياة جنسيات الدولة ، واعفاء المغادرين من مهامهم الاجتماعية . ويتم عن طريقها امضاء شهادات التلقيح ، واثبات احقّية العاطلين عن العمل لاسباب صحية ، وتعويضات شركات التأمين للافراد في حالات الحوادث والاعتداءات ، والصاق تهمة الاضطراب العقلي على بعض المنحرفين . وبالجملة فان المؤسسة الطبية تسلك مسلك الشرطي المراقب لحركة الدخول والخروج من العالم الدنيوي الى العالم الاخروي ، والقاضي الذي يبتّ باحقية هذا ومظلومية ذاك ، وصمام امان النظام الاجتماعي في ضبط انتاجية العمل ونشاط العمال . الطب في نظرية الصراع الاجتماعي وترى نظرية الصراع ان المعافاة الصحية تعتبر مصدراً من المصادر التي يحسب لها حساب عند الرأسماليين[1] . فكما حازت الطبقة الرأسمالية على قصب السبق في الثروة ، والقوة السياسية ، والمنزلة الاجتماعية ، فقد اعتبرت المعافاة الشخصية مصدراً من مصادر القوة التي ينبغي ان يسيطر عليها الاغنياء في المجتمع الرأسمالي . ولما كان المجتمع الرأسمالي مبنيّاً على المنافسة الاقتصادية ، فان المنافسة للسيطرة على النظام الصحي تحمل معها كل معاني المنافسة الاقتصادية؛ لان النظام الصحي يدرّ على الطبقة الرأسمالية مقداراً هائلاً من الثروة ; ناهيك عن اندماج قادة النظام الصحي في العملية الرأسمالية ، وخصوصاً الاستثمار وما يصحبها من قدرة على تحويل القوة الاقتصادية الى قوة سياسية . واذا كان توزيع الثروة في المجتمع الرأسمالي محصوراً في الطبقة الرأسمالية القوية ، فان النظام الصحي - بكل ما يجلبه من خيرات - سيكون حتما في قبضة اليد الرأسمالية . وبطبيعة الحال ، فان من حقّ الفرد في المجتمع الرأسمالي التمتع بصحة جيدة . ولكن لتحقيق ذلك يجب الالتفات الى مسألتين ، الاولى : حالته المعيشية والسكنية . والثانية : المستشفى الذي يعالج فيه وقت المرض . فاذا كان ذلك الفرد عضواً في الطبقة الرأسمالية ، فان السكن الذي يسكنه ونوعية الطعام الذي يتناوله يساهمان مساهمة كبيرة في المحافظة على صحته وعافيته . وحين المرض ، فان الاموال التي يمتلكها تستطيع ان تفتح له ابواب افضل المستشفيات وتضع في خدمته امهر الاطباء . اما الفقراء فان ظروف معيشتهم وسكناهم، ونوعية غذائهم تعرضهم لشتى انواع الجراثيم والفيروسات؛ وفي النهاية تنهار مناعتهم الجسدية ضد الامراض، وتضعف مقاومتهم . ولا شك ان وضعهم المادي الذي لا يساعدهم على دفع اجور المستشفى والطبيب والدواء ، يؤدي الى حرمانهم من الخدمات الطبية . وكما كان متوقعاً فان التوزيع غير العادل للخدمات الصحية ، هو النتيجة الاساسية لانعدام العدالة في توزيع الثروة الاجتماعية وما يترتب عليها من انشاء نظام طبقي ينافي مفاهيم المساواة الانسانية . ونتيجة لهذا التفاوت الصحي بين الطبقتين الغنية والفقيرة ، الرأسمالية والمعدمة ، يعمّر الاغنياء في النظام الرأسمالي ، في حياتهم الدنيوية ، اكثر من الفقراء ; لان هؤلا ء الاغنياء تتوفر لهم مصادر الثقافة الطبية العامة ، وطرق التغذية الصحيحة ، وتوفر لهم اموالهم سبل العلم عن الامراض ، مما يؤدي الى اهتمامهم بالاعراض المرضية ، وسرعة التحرك طلباً لمعاينة الطبيب؛ على عكس الفقراء الذين لا يعيرون اهتماماً للاعراض المرضية ، ويتمنون الشفاء دون معاينة طبيب مختص . وتزعم نظرية الصراع ان دورات المياه في المساكن الفقيرة تعتبر مصدراً من مصادر انتشار الاوبئة والامراض المعدية عن طريق الطفيليات والجراثيم ، وتعتبر اماكن عمل الفقراء اكثر خطراً من الاماكن التي يعمل فيها الاغنياء ; وبسبب هموم المعيشة والاضطرابات النفسية التي تصاحب الفقر والحاجة عادة ، تزداد نسبة الامراض العقلية بين افراد الطبقة الفقيرة . وهذه الاضطرابات النفسية والعقلية تسبب نقصانا في اعمار الفقراء على الاغلب . ولا شك ان هذا الوضع الصحي للفقراء يخدم الطبقة الرأسمالية الغنية خدمة عظمى ، لان المرض والتخلف العقلي ونقصان عمر الفرد يساعد على سحق الطبقة الدنيا من الافراد ، بحيث يؤدي الى غلق ابواب التغيير الاجتماعي المأمول . والنتيجة النهائية ، بقاء سيطرة الطبقة الرأسمالية على مقدرات النظام الاجتماعي بكل ابعادها السياسية والاقتصادية . وطالما كان القوي افضل من الضعيف ، وكان المعافى افضل من المريض ، كان النظام الصحي الرأسمالي حتماً صنيعة الطبقة الرأسمالية ، كما تعتقد نظرية الصراع ، لان هذا النظام الصحي يمثل الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي . الطب في النظام الرأسمالي-الاشتراكي ويتمتع افراد المجتمع البريطاني بنظام صحي يجمع بين الفكرة الاشتراكية والنظرة الرأسمالية ، على خلاف نظيره في المجتمع الامريكي[2] . فالنظام الصحي البريطاني يسمح للاطباء بممارسة مهنتهم في العيادات الخاصة ، ويسمح للمستشفيات الاهلية بفرض اجور معينة يدفعها المرضى لقاء الخدمات المقدمة لهم . ولكن الاطباء والمستشفيات عموماً تشارك في النظام الصحي الحكومي العام الذي يقدم الخدمات الصحية المجانية لكل الافراد ، بغض النظر عن دخلهم السنوي . ويعين هذا النظام للطبيب راتباً محدداً من قبل الادارة المحلية مع نسبة سنوية ثابتة من ضرائب الافراد الذين يعالجهم ذلك الطبيب . ولذلك فان الاطباء الماهرين يجذبون عدداً اكبر من المرضى . وكلما ازداد عدد المرضى الذين يعالجهم الطبيب ازداد دخله السنوي . وهذا النظام يخفف العبء المالي عن المريض ، وذلك بالتزام الحكومة بدفع تكاليف الفحوص والتجارب المختبرية والعمليات الجراحية التي تجري في المستشفيات ، ومايعقبها من مكوث فترة زمنية للتشافي ، وتحديد الدواء من قبل النظام بسعر رمزي ثابت يدفعه الفرد ، حتى لو كان الثمن الواقعي لذلك الدواء باهضاً . ولكنَّ مناصري النظرية الرأسمالية يعترضون على النظام الصحي البريطاني ، ويتهمونه بالقصور عن مواكبة النظرية الرأسمالية ، ويزعمون ان الطلب المتزايد على خدمات النظام الصحي ، ومحدودية الاموال المقدمة له من قبل الضريبة تجرده عن المنفعة المادية المتوخاة في كل عمل رأسمالي ; ويدعون بان النظام الصحي البريطاني لا يفتقر الى المال فحسب ، بل يفتقر ايضاً الى الدقة والاتقان في تقديم الخدمات الطبية . ومع ان هذه الادعاءات صحيحة ظاهرا ، الا ان هذا النظام الصحي اقرب الى الواقعية من نظيره في الولايات المتحدة . فهو اولاً : يمثل عدالة نسبية في توزيع الخدمات الصحية . وثانياً : تمثل تكاليف النظام الصحي البريطاني نصف تكاليف نظيره في الولايات المتحدة . وثالثاً : مع ان النظام البريطاني متهم بالتقصير في تقديم الخدمات الطبية ، الا ان نسبة وفيات المواليد في المجتمع البريطاني اقل من نظيرها في المجتمع الامريكي . والنظام الصحي البريطاني يمثل استثناءً في الفكرة الرأسمالية ، لانه يؤمن - خلافاً للعقيدة الرأسمالية في ضرورة جني الارباح من كل عمل تجاري - ان العلاج الصحي يجب ان يقدم للمرضى الذين يحتاجون العلاج بغض النظر عن قدرتهم على دفع الاجور . الطب في النظام الرأسمالي الصرف ولا شك ان دراسة النظام الصحي الرأسمالي تجعلنا نصدق - دون تحفظ - الفكرة القائلة بأن اغنى دولة رأسمالية في العالم اليوم - وهي الولايات المتحدة - ليس لديها تأمين صحي عام يشمل جميع الافراد ; حيث نلاحظ ، في نهاية القرن العشرين ، ان فرداً واحدا من كل ستة افراد في الولايات المتحدة لا يستطيع دفع اجور معالجته الطبية وقت المرض . واذا استمر مرضه لفترة طويلة نسبياً فانه قد يضطر لبيع ممتلكاته طلباً للشفاء . واذا ما تم الشفاء بعد تلك الفترة ، ولكنه لا يزال عاطلاً عن العمل ، فان مصيره التشرد مع اسرته[3] . وهذه الحالات المأساوية المنتشرة في طول البلاد وعرضها تدحض الفكرة القائلة بأحقية النظام الرأسمالي في قيادة البشرية نحو شاطئ السعادة والامان . فأية سعادة هذه التي يبشر بها النظام الرأسمالي افراده ؟ أليس التطبيب والعلاج حقاً من حقوق الفرد مهما كان لونه وجنسه؟ اوليس للفرد الفقير حق على المجتمع في تطبيبه اذا مرض ، وتعويضه اذا فقد القدرة على العمل والانتاج؟ ولماذا يعتبر النظام الرأسمالي الطب بضاعة يتاجر بها كما يتاجر بالمواد التجارية الاخرى؟ الا ينبغي للخدمات الصحية العلاجية التي يقدمها الطبيب والممرض والصيدلي وصاحب المستشفى للمريض ، ان تكون في مدار الخدمة الانسانية البعيدة عن الطمع والجشع الرأسمالي؟ ولكن النظام الرأسمالي لا يقدم اذنا صاغية لصرخات المستضعفين ، بل يزعم ان المدار في النظام الصحي هو جني الارباح التي يدرها على المستثمرين ، دون الاخذ بالنظرة الانسانية في معالجة المريض باعتباره انسانا يستحق كل مستلزمات العلاج والرعاية وقت المرض . فالمريض الذي يستحق العلاج الحقيقي هو القادر على دفع القائمة المالية اكثر من غيره . اما المريض الفقير فهو لا يستحق علاجاً لانه لا يساهم في تحقيق المفهوم الرأسمالي في الانتاج وجني الارباح . ويأخذ ناقدو الرأسمالية على النظام الامريكي انه لم يشرّع لحد اليوم قانوناً واحدا يحدد فيه اسعار العلاج الطبي ، بل انه ترك الامر الى المنافسة الاقتصادية؛ فالاطباء هم الذين يحددون اسعار علاجهم ، وعلى ضوء ذلك فانهم يقبضون اجورهم العالية ، عن طريق المرضى الاثرياء مباشرة ، او عن طريق شركات التأمين الصحية ، او عن طريق البرامج الحكومية؛ ومن كل ذلك تتراكم مبالغ هائلة من الاموال لدى هؤلاء المحترفين الذين يفترض فيهم التعفف عن جمع المال لقربهم من آلام الانسان وموته وحياته . والنتيجة من تطبيق هذا النظام الصحي ان ارقى المستشفيات وافضلها من ناحية التقنية العلمية والخدمات تعالج افراد الطبقة الرأسمالية العليا فقط لانهم وحدهم القادرون على دفع اجور خدمات تلك المستشفيات . اما الطبقات الاخرى فانها تستخدم مؤسسات صحية متوسطة المستوى للعلاج ، ما عدا الطبقة الفقيرة التي تعاني من الحرمان لأبسط قواعد العلاج الصحي . ولا شك ان هذا النظام الصحي الطبقي ساعد على انتاج افضل انظمة الصحة والعلاج التقني في العالم، خصيصاً للاغنياء . ولا ريب ان هذا النظام ساعد ايضا على تكوين اغنى الاطباء في العالم . ويرجع سبب نمو هذا النظام الصحي غير العادل وثباته ، الى ان مؤسسة الطب الامريكية وهي التي تضم في عضويتها اكثر من نصف اطباء امريكا ، تغدق على اعضاء الكونغرس ورجال الحكومة اموالاً كي تصرفهم عن المصادقة على قوانين اصلاح النظام الطبي في الولايات المتحدة . ولتبرير هذا الواقع الصحي الظالم الذي انشأته الفكرة الطبقية الامريكية ، ينتقد مناصرو النظام الامريكي فكرة سيطرة الدولة على النظام الصحي ، واشراك الفقراء في العلاج ، ويزعمون ان ذلك يؤدي الى «اشتراكية الطب» التي تناقض النظرية الرأسمالية من الصميم . ولكن هؤلاء يتناسون ان بعض المؤسسات الرأسمالية نفسها اشتراكية الطبع . فجهاز الشرطة تديره الحكومة وهو بطبيعته اشتراكي المنشأ . فالمعتدى عليه لا يذهب الى شركة اهلية خاصة لاستئجار الشرطي الذي يحميه ، بل ان جهاز الشرطة جهاز فيدرالي تسيطر عليه الدولة لحماية الافراد ضد الاعتداءات المختلفة ؛ فكيف يتقبل المجتمع الرأسمالي «اشتراكية البوليس» ويرفض «اشتراكية الطب»؟ وكيف يسمح المجتمع الرأسمالي «اشتراكية القضاء» الحكومي ويرفض «اشتراكية الطب»؟ وكيف يقبل المجتمع الرأسمالي «اشتراكية المطافئ» ويرفض «اشتراكية الطب»؟ . ومع ان النظام الصحي الرأسمالي الامريكي اليوم ، يفتخر بتقدم علومه الطبية الحديثة ، ويرجعها الى اصل الفكرة التجارية القائمة على اساس الربح والخسارة ؛ الا انه يستنكر في الوقت نفسه ان يكون الجانب الانساني المدار في تقديم الخدمات العلاجية ، لان المؤسسة الطبية - كما يعتقد - يجب ان تكون مؤسسة للتجارة لا للخدمات ! واذا كانت المؤسسة الطبية في المجتمع الرأسمالي الامريكي تنتج عشرة بالمائة من ارباح الانتاج الكلي للنظام الاجتماعي ، فان حرمان خمسة عشر بالمائة من افراده من العلاج الطبي الاساسي يعتبر ظلماً بحق المعذبين والمعدمين ، الذين يعيشون دون علاج ، تحت نظام يدعي لنفسه كمال العدالة الاجتماعية والمساواة التامة بين الافراد . اسباب انعدام عدالة النظام الصحي وترجع اسباب فشل النظام الطبي الامريكي في توزيع العلاج بشكل عادل بين الافراد الى قضايا عديدة؛ منها: عوامل الربح، وفشل البرامج الحكومية، وتكاليف المؤسسة الطبية، والطب الدفاعي، وزيادة عدد الاطباء[4] . فعلى صعيد الارباح ، فان الروح الرأسمالية للنظام الطبي تدفع افراده الى تحقيق اقصى ما يمكن تحقيقه من الارباح على حساب المريض . فالطبيب يعين سعراً للعلاج ، فيتعين على الشركة التي يعمل فيها «المريض» دفعه كليا؛ ولما كانت اجور علاج عمالها مرتفعة ، فان الشركة تضطر لاضافة اجور العلاج على الاجور النهائية للبضاعة التي شارك العامل في صناعتها ، وبالتالي فان المستهلك يدفع جزءاً من الاجور الطبية التي تذهب في النهاية الى جيب النظام الصحي الرأسمالي . والمحصل ، ان جزءاً كبيراً من الثروة الاجتماعية سوف يتحرك بشكل تراكمي باتجاه الطبقة الرأسمالية الطبية . ولما كانت الثروة محدودة بحدود النظام الاجتماعي فان انتقالها الى تلك الطبقة سيحرم افراداً آخرين من تحصيلها والاستفادة منها في سد حاجاتهم الاساسية . وعلى صعيد البرامج الحكومية ، فان الدولة تصرف على علاج الفقراء قدراً معيناً من المال؛ فاذا نفد ذلك القدر من المال ، حرم بقية الفقراء من العلاج ، واغلقت المستشفيات ابوابها بوجوههم . ولما كانت الحكومة المحلية تدفع مبلغاً اقل للسعر الذي يحدده الطبيب ، فان العديد من الاطباء لا يقبلون علاج مرضى الفقراء المعتمدين على المساعدة الحكومية؛ وليس هناك قانون يلزم هؤلاء الاطباء بعلاج الفقراء بالخصوص . ولما كانت الرقابة الحكومية على الاطباء ضعيفة - لان هذه الرقابة ذاتها تكلف اموالاً اضافية غير متوفرة - يختلق البعض من الاطباء اسماءً وهمية يعالجها ويبعث بقوائم علاجها الى الحكومة ليقبض على اساسها اموالاً اضافية اخرى . وهذا الفساد والغش له ما يبرره في النظام الرأسمالي ، لان هذا النظام لا يربي في الطبيب انسانيته ولا ينشئ في ضميره الوازع الاخلاقي ، بل يترك لغرائزه الجشعة العبث بمقدرات الاخرين. وعلى صعيد تكاليف المؤسسة الطبية ، فان ثلاثة ارباع تكاليف النظام الصحي الاجمالي تذهب الى دخل المستشفيات وموظفيها من اداريين وفنيين واطباء وصيادلة وممرضين . ولا شك ان الثروة المتراكمة لدى المستشفيات - باعتبارها مؤسسات تجارية - تشجعها على الحصول على ارقى الاجهزة الطبية في جراحة القلب ونقل الاعضاء ، والاجهزة التشخيصية التي تعمل بالاشعة السينية والصوتية ونحوها . وكل هذه الاجهزة تكلف النظام الصحي اموالاً طائلة؛ ولكن انحصارها بالمستشفيات الخاصة بالطبقات الرأسمالية والمتوسطة ، وحرمان الطبقة الفقيرة منها دليل واضح يثبت بان استخدام التقنية الحديثة ينفع افراد الطبقات الغنية دون الفقيرة . وعلى صعيد الطب الدفاعي ، فان القانون الرأسمالي يستطيع ، نظريا ، ان يضع الطبيب المخطئ في معالجته المريض ، امام المحكمة ليدفع تعويضاً مالياً للضحية . وهذا القانون يطبّق اذا كان الخطأ الذي ارتكبه الطبيب معتبراً في انزال الاذى بالمريض . فلو قطع الطبيب بطريق الخطأ مجموعة من الاعصاب لمريض مصاب بمرض في الكلية مثلاً ، فان على الطبيب دفع تعويض مالي معين لذلك المريض . وقد شجع هذا الاصرار القضائي على تغريم الطبيب ، على انشاء شركات تأمين خاصة بالاطباء ، حيث تتولى دفع التعويضات للمريض المَجنِيِّ عليه - خطأ- من قبل الطبيب ؛ وهذا التأمين الطبي يتم لقاء اجر سنوي محدد يدفعه الاطباء . ولكن دفعاً لمشكلة الخطأ الطبي وما يترتب عليها من تعويض ، فان الاطباء لا يتركون تجربة او تحليلاً مختبريا يخص المريض بطريق مباشر او غير مباشر الا واستخدموه للتشخيص . وفي هذه الحالة فان اجور التشخيص بكافة الوانها وانواعها تقع كلياً على كاهل المريض دون ان يخسر الطبيب شيئاً من جيبه الخاص . وعلى صعيد زيادة عدد الاطباء ، فان زيادة الاجور وارتباط مهنة الطب بالقوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يدفع الكثير من الطلبة الى الدخول في كليات الطب . وفي نهاية القرن العشرين يمثل الحقل الطبي الامريكي اكثر من نصف مليون طبيب يتزاحمون على جني اقصى الارباح من زبائنهم . وامام هذا العدد الهائل من الاطباء ، اي طبيب واحد لكل خمسمائة فرد ، اخذت المشكلة الاجتماعية ابعادا جديدة . فاصبح الطب يتدخل في حياة الفرد تدخلا سافرا ، واصبحت الاعراض البسيطة التي لا تحتاج الى علاج طبي امراضا يتحتم على الافراد علاجها طبيا . فالارق ، والصداع ، وتخفيف الوزن ، والسمنة ، والشره ، اصبحت امراضاً ينبغي علاجها بمختلف انواع الادوية الكيميائية . اما قبح الوجه وكبر السن فاصبحتا قضيتين طبيتين لمن اراد علاجهما بعمليات جراحية . وازدادت عمليات الولادة القيصرية بنسبة الربع ، بمعنى ان لكل اربعة ولادات تحصل في الولايات المتحدة ثلاث منها طبيعية والرابعة قيصرية . وفي هذا دليل على ان كثرة عدد الاطباء وشره النظام الصحي المستند على اساس التجارة الحرة يدفع الخبراء في مجال الطب ، في النظام الرأسمالي الامريكي ، الى التفتيش عن امراض جديدة تلصق بزبائن يستطيعون دفع اعلى الاجور . وهذا الفشل في تطوير انسانية النظام الصحي الامريكي يدفعنا الى الاعتقاد بان الخبرة الطبية وحدها ليست المدار في تقدم النظام الصحي في المجتمع ; بل ان المدار - اضافة الى الخبرة - الثقة والصدق والايمان . فاذا كان الخبير جشعا يبذل جهده في جمع المال ، فكيف نستطيع الاطمئنان الى صحة عمله؟ واذا كان الخبير مجردا من انسانيته فكيف نستطيع ان نضع ارواح الفقراء - الذين لا يملكون ما يشبع غريزته من الاموال - بين يديه يقلبها كيفما شاء؟ اليس الاولى للنظام الصحي الامريكي ، الذي يدعي تطور تقنيته الفنية ، جعل المؤسسة الصحية مؤسسة انسانية تهتم بكل الافراد بدل جعلها مؤسسة تجارية تبحث عن جني الارباح؟ او ليست خسارة الاموال افضل واولى من خسارة ارواح الفقراء؟ المرض والنظام الحياتي للفرد ولا ريب ان التقدم العلمي في مختلف المجالات الطبية كان قد اثمر في تقليل نسب الامراض بشكل كبير؛ وذلك من خلال تلقيح الافراد باللقاحات الطبية قبل انتشار الاوبئة ، واستخدام المضادات الحيوية في السيطرة على مختلف الامراض . ولكن هذا التقدم العلمي الجبار ليس له تأثير يذكر على نسب الوفيات في المجتمعات الانسانية المعاصرة ، بل ان نسب الوفيات في المجتمع الصناعي قد انخفضت قبل اكتشاف الامصال والمضادات الحيوية . ويعود انخفاض نسب الوفيات في المجتمعات المعاصرة الى سببين؛ الاول: التحسن الظاهر في نوعية المواد الغذائية التي بدأ الناس بتناولها منذ القرن الماضي. والثاني: تنظيم قوانين الصحة العامة ، كتعقيم الحليب ضد الجراثيم ، وتنقية مياه الشرب ، وفحص الطعام المطبوخ في المطاعم العامة من قبل المؤسسة الصحية ، والسيطرة على الحشرات الناقلة للامراض كالبعوض والذباب والقمّل . ولم يقلل التقدم العلمي في الطب عدد الامراض التي يعاني منها المجتمع الرأسمالي المعاصر؛ حتى ان «النظرية الجرثومية» التي ابهرت العالم في القرن التاسع عشر لم يعد لها رصيد امام امراض الحضارة الرأسمالية الحديثة مثل السرطان ، وامراض القلب، وانتفاخ الرئة ، والشلل ، وامراض نقص المناعة المكتسبة؛ بل اصبح النظام الصحي الرأسمالي بكل تقدمه العلمي الجبار عاجزاً عن علاج هذه الامراض الحديثة . ومجمل القول ، ان اغلب الامراض التي تصيب الافراد ، تعزى الى البيئة الاجتماعية والطبيعية التي يعيش فيها الانسان . فالغذاء ونوعيته وطريقة تحضيره تلعب دوراً مهماً في صحة او سقم الانسان؛ وكذلك العامل الوراثي ، والجو وما يترتب عليه من برودة او حرارة ، والكآبة ، والضغط النفسي ، ونشاط الفرد او خموله ، وتناوله الخمر والمسكرات ، واستعماله السجائر والمخدرات ، وتلوث البيئة الطبيعية بالاشعاع والكيميائيات . وبالتأكيد ، فان البيئة الحضارية الحديثة تساعد على انتشار امراض مثل الصداع النصفي ، وقرحة المعدة والامعاء ، والكآبة النفسية ، والشلل ، والسرطان بكافة انواعه ، والامراض العقلية التي تنتهي بالجنون او الانتحار . وهذه النهاية المحزنة في رحلة الحياة الانسانية المختومة بالانتحار تعكس الصفحة الاخيرة من مصير الحضارة الرأسمالية ; فهذه الحضارة جلبت للانسانية امراضاً واوجاعاً لم تأت بها اية حضارة انسانية اخرى على مر التاريخ . وهذه الامراض الخطيرة التي يعاني منها الفرد الرأسمالي تقاوم وتتحدى الطب الحديث بكل قواه ومؤسساته وامكانياته الجبارة . وعلاج امراض السرطان والقلب والقرحة تكلف مالاً اوفر ، وتتطلب وقتاً اطول . ومن المؤكد ان امراض الحضارة الحديثة تبقى ما بقيت الحضارة الرأسمالية تستثمر الارض بشكل جنوني لاعتصار اقصى قدر ممكن من الخيرات . فمصانع الحديد والصلب والكيميائيات ومصانع الذرة تلوث البيئة الانسانية ، مسببة امراضاً بشرية لم يعرف لها الانسان القديم اسماً ولا شكلاً . وهذه المشاكل الصحية في النظام الغربي يرجع ظهورها وبروزها بهذا الحجم الى قضيتين مهمتين اهملهما ذلك النظام والتفت اليهما الاسلام وأكد عليهما منذ خمسة عشر قرناً ، ونحن نكتشفهما اليوم من جديد ؛ وهما اولاً : النظام الوقائي ، وثانياً : النظام الغذائي . فعلى صعيد الوقاية ، فقد ورد في المأثور: (الوقاية خير من العلاج) . فلو امتثل المجتمع الرأسمالي لهذه المقولة العظيمة لأنقذ حياة الملايين من الافراد الذين يموتون بسبب مخالفتهم هذه القاعة الصحية . ففي العقد الاخير من القرن العشرين يموت في الولايات المتحدة فقط بسبب عادة سيئة واحدة يمكن الوقاية منها ، وهي التدخين وما يترتب عليها من امراض ، كسرطان الرئة والفم والبلعوم ، اكثر من 350 الف فرد سنويا . ويكلف هؤلاء النظام الصحي الامريكي ، من ادوية وعناية طبية قبل موتهم ، مبلغاً يقدر باكثر من عشرين بليون دولار . ولو طُّبِقَ نظام الوقاية لوفر على المجتمع الرأسمالي هذا المبلغ الكبير من المال ، وارجع قسماً من هؤلاء الى اعمالهم وانتاجهم . واذا اضفنا نتائج عادات سيئة اخرى الى عادة التدخين ، كشرب الخمور ، واستعمال المخدرات ، واكل اللحوم والدهنيات بشراهة ، والادمان على شرب السوائل الغازية الحاوية على شتى المواد الكيميائية ، لتبين لنا حجم المشكلة الصحية التي يعاني منها النظام الطبي الرأسمالي . وعلى صعيد النظام الغذائي ، فان امراض القلب مثلاً تعتبر من امراض الحضارة الحديثة ، وسببها كثرة تناول اللحوم الحمراء ، وهي لحوم الغنم والبقر والخنـزير الحاوية على نسبة عالية من الشحوم الحيوانية . وشره الافراد في المجتمع الرأسمالي لتناول هذه اللحوم لايحدها حد طبي او قانوني ، لان اختيار الطعام مسألة متعلقة بالحرية الشخصية ، التي هي بزعمهم اساس المبدأ الرأسمالي . فلا يحق للجهة الطبية التدخل قانونيا لتنظيم حرية الافراد الشخصية . ولذلك فان امراض القلب التي تؤدي الى الوفاة ، تعتبر من اكثر الامراض انتشارا في اوروبا الغربية وامريكا في القرن العشرين . والخلاصة ، ان المؤسسة الطبية الرأسمالية تساعد على تخفيف آلام العديد من الامراض ، ولكنها لا تستطيع محو نتائجها المتوقعة التي تؤدي في النهاية الى الوفاة . ولا نشك ان الطبقة الرأسمالية المتحكمة تعلم ان الوقاية وتحسين نوعية الغذاء اسلم وارخص الطرق لتكامل المجتمع الانساني صحيا ; الا انها لا ترى تغيير نظامها الصحي ، لان الوقاية وتحسين نوعية الغذاء لا تدرّ عليها ارباحاً هائلة كما يدرها النظام الصحي القائم اليوم . اضف الى ذلك ان انصار الفكرة الرأسمالية متمسكون بالمبدأ الرأسمالي الذي يترك للفرد حرية تقرير المصير ، فيما يتعلق باشباع الشهوات الفردية ، حتى لو كانت اضرار ممارسة تلك الشهوات طبياً واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار . العلاقة بين الطبيب والمريض ويختلف تفسير المرض من مريض الى آخر ، ويتنوع - على اثر ذلك - اندفاع المريض نحو العلاج . فبعض الافراد في المجتمعات الصناعية يفضل العلاج الروحي مثلاً عن طريق رجال الكنيسة ، والبعض الآخر يفضل العلاج الطبيعي الصيني لبعض الامراض . والثالث يفضل علاج الهنود الحمر ، القائم على اساس ربط الاسباب الطبيعية بالغيب . والرابع يفضّل العلاج الطبي الذي تقدمه المؤسسة الطبية ، وهو القائم على اساس العلوم والاجهزة الطبية الحديثة . وطريقة الطبيب في وضع العلاج هو ربط الاعراض المرضية باسم طبي لاتيني غالباً ، مترجما آلام المريض ومعاناته الى مرض معروف؛ فيتم على ضوئه تشخيص المرض والعلاج ، لأن المرض المجهول يصعب علاجه . ولا شك ان دور الطبيب حاسم في تشخيص الحالة المرضية حتى يتم التعامل معها اجتماعيا . فقد يشعر الفرد باضطراب ولكن لا يعرف هل انه مريض ام لا؛ فدور الطبيب هنا هو تحديد وجود الحالة المرضية ; كمن يشعر بعدم ارتياح نتيجة تضخم في الانسجة الداخلية ، ولكن ظاهره الخارجي لا يوحي بانه مريض . وكمن يدعي التمارض ولكن باطنه سليم . فدور الطبيب في هذه الحالات جميعاً هو فحص الحالة المرضية التي يدعيها ذلك الفرد . ولذلك فقد شبّه دور الطبيب بدور الحاكم الشرعي في الفصل بين المتخاصمين ، وهما المريض والنظام الاجتماعي . وعلى ضوء حكم الطبيب يتعامل المجتمع ونظامه مع المريض. فاذا حكم الطبيب بوجود المرض ، اقتنع النظام الاجتماعي بمرض ذلك الفرد ورتب على ذلك حكماً معيناً، كاعفائه من دوره ومسوؤلياته الاجتماعية . واذا حكم الطبيب بعدم وجود المرض تصرف النظام الاجتماعي تصرفاً مغايراً للتصرف الاول ، وانكر على المتمارض اسلوبه في التهرب من المسؤوليات الاجتماعية. وللطبيب دور مهم في التمييز بين علامات المرض واعراضه . فالطبيب يشخص علامات المرض من خلال فحص دقات القلب ، ومستوى الدهون في الدم ، ومستوى السكر في البول . اما الاعراض فيفحصها الطبيب من خلال شكوى المريض ، امثال التقيؤ ، واوجاع البطن ، وضعف الجسد ونحوله . وهذا التمييز بين الاعراض والعلامات مهم في تشخيص المرض ، لان المريض قد يأخذ الاعراض مأخذاً مغايراً لمأخذ الطبيب ويرتب عليها اموراً تخالف الواقع . ولا شك ان الفجوة بين الطبيب والمريض تتسع ، اذا كان المريض جاهلاً بالعلوم الانسانية والطبيعية . فالمريض الذي لا يستطيع القراءة والكتابة ، ولا يفهم طبيعة عمل اعضائه الحيوية لايفهم مجمل كلام الطبيب ، مهما اوتي ذلك الطبيب من قدرة على التبسيط والتعبير والتفاهم . وهذه الفجوة تخلق مشكلة اجتماعية في فصل الطبيب عن المريض فصلاً اجتماعيا طبقياً؛ وهو ما يؤدي الى حرمان المريض من الحصول على مراده في العلاج الكامل . وقد يلعب الطبيب في المجتمعات الصناعية دوراً في اخفاء المعلومات الاساسية عن زبونه ، مما يجعل الطبيب شخصا بعيد الوصول ، عميق العلم ، صاحب السلطة ، في عين المريض . وهذا الدور النفسي الذي يلعبه الطبيب ليس وليد صدفة ، بل سببه ان مشاركة المريض لمعلومات الطبيب بقدر متساو قد يهدد المنزلة الاجتماعية والسلطة النفسية التي يصنعها الطبيب لنفسه امام المريض المعالَج . وهذا يترجَم في النظام الرأسمالي الى خسارة مالية لا يريدها ذلك الخبير لنفسه . وعلى صعيد ثان ، فقد يعجز الطبيب عن تشخيص الحالة المرضية ، فيصف لزبونه علاجاً كاذباً حتى لا يُتهم بالقصور العلمي ، وعندها يخسر زبوناً مستعداً لبذل المال[5] . وبالاجمال فان العلاقة بين الطبيب والمريض في المجتمع الامريكي تعكس علاقة التاجر بالمستهلك ، او البائع بالمشتري ؛ فالاستشارة الطبية حالها حال البضاعة التجارية التي تنتظر من يشتريها من السوق الطبي . الخبرة الطبية وروادها في النظام الرأسمالي ومع تطور الطب وتقدم العلوم الصحية في نهايات القرن التاسع عشرالميلادي اخذت المهنة الطبية - تاريخيا - تتجه نحو الاندماج بالنظام الطبقي الرأسمالي . فاصبح الاطباء المتخصصون يتمعتون بالمنـزلة الاجتماعية التي تضعهم على قدم المساواة مع افراد الطبقة الرأسمالية . وللحفاظ على هذه المنـزلة ، فقد سعى النظام الصحي الى تطويع القانون لصالحه[6] ؛ فاصبح الطب محصوراً من الناحية القانونية بالاطباء المجازين لممارسة المهنة فقط دون غيرهم . وبعد ذلك ، اصبح الاطباء لا يخضعون لمجالس ادارات المستشفيات ، بل امسى لهم استقلال ذاتي ضمن النظام الصحي . وهكذا اتخذ الطب اولى الخطوات للوصول الى الطبقة العليا حيث الثروة والقوة السياسية والمنـزلة الاجتماعية؛ على عكس المهن الاخرى ، كالتعليم مثلاً ، حيث يخضع المعلم لسيطرة اعضاء مجلس ادارة المدرسة من اولياء الامور في المنطقة، في تعيين راتبه ، ووضع منهاج عمله في التدريس ، وطرق معاملته الطلبة في الصف المدرسي ، وبقية شروط العمل . ومهما بلغت قدرتهم العلاجية الواقعية، حقيقية كانت ام وهمية، فان الاطباء وضعوا انفسهم في موضع اجتماعي وعلمي خاص؛ فهم - في اعتقاد الناس - وحدهم القادرون على انقاذ المرضى من السقم والمرض والموت . وخبراء بهذه الدرجة العليا من العلوم الطبية النافعة قادرون على الدخول للطبقة الاجتماعية العليا من اوسع الابواب، وقادرون على التحكم بقدر معين من القوة السياسية للنظام الاجتماعي . ولما كان النظام الطبقي يعكس لب الفكرة الرأسمالية ، فان انتظام الاطباء ضمن صفوف الطبقة العليا لم ينتهك حرمة النظام الرأسمالي بالمرة ، لان النظام الصحي الرأسمالي قائم على اساس المنافسة الاقتصادية . وهذه المنزلة العليا لا يجدها اطباء النظام الشيوعي المندثر في روسيا والجمهوريات الاشتراكية المحيطة بها؛ لان الطبيب في النظام الاشتراكي اجير للدولة ، حيث تحدد الدولة اجرته - تماما - كما تحدد اجور بقية الموظفين والعمال . وترجع القوة السياسية للاطباء في النظام الرأسمالي الامريكي الى دور الجمعية الطبية الامريكية في تنظيم الاطباء ضمن اتحاد فيدرالي قوي يمتلك ثروة تؤثر على قرارات السياسيين بمختلف الوانهم وتوجهاتهم . ولكي تستجمع هذه المنظمة قوتها ، قامت في البداية باستحصال تشريع دستوري يعتبر الطبيب من اهل الخبرة ; وبذلك سدت الباب بوجه المشعوذين ، واولئك الذين يدعون قدرتهم على العلاج الروحي والغيبي ، وحصرت تعليم الطب بكليات وجامعات ذات مستوى تعليمي معين . ثم منعت بعد ذلك اي طبيب ، من امتهان الطب ما لم يحصل على اجازة رسمية موثقة تسمح له امتهان العلاج . وعن هذا الطريق رفع الاطباء اجور علاجهم تدريجيا ، واصبح لهم استقلال ذاتي مهني ضمن المؤسسة الرأسمالية . وبطبيعة الحال ، فان وجود هذه الجمعية الطبية يناقض اصل الفكرة الرأسمالية القائلة بوجوب تعدد المؤسسات في حقل واحد من الاعمال ؛ بمعنى انه من اجل تحقيق عملية التنافس الاقتصادي لابد ان يكون هناك متنافسان على الاقل في ساحة واحدة ، حيث تتنافس في كل حقل مؤسستان تجاريتان او اكثر حتى يصح مفهوم التنافس ويصبح حقيقة واقعة. فلا تستطيع شركة طيران واحدة مثلاً ، احتكار سوق النقل الجوي التجاري ، بل يجب تواجد شركتي طيران على الاقل . ولكن الامر يختلف مع منظمة الاطباء الامريكية، حيث ان الاموال التي تغدقها هذه المنظمة على السياسيين تجعلها تفلت من كل قانون مضاد يصدر لتنظيم واصلاح مهنة الطب في تلك الدولة الرأسمالية ، منذ منتصف القرن التاسع عشر ولحد اليوم . واستقلال الاطباء ذاتياً يترجم من الناحية العملية الى ان اعمالهم لا تقيّم الا عن طريق زملائهم الاطباء . فالمريض ومدير المستشفى الاداري والقاضي لا يستطيعون تقييم اعمال الطبيب ونقدها ما لم ينقدها طبيب آخر . ومع ان هذا المنطق سليم بطبيعته باعتبار ان الطبيب اقدر الافراد من حيث الخبرة على نقد زميله اذا اخطأ لانهما يشتركان معاً في فهم طرفي علم واحد ، الا ان نتيجة هذا التوجه قيام المؤسسة الصحية ببناء نظام طبي تجاري قائم على اساس تحديد العلاج ، وتعيين الاجور ، وتصنيع الدواء بشكل لا يتدخل فيه الا الكادر الطبي . فمدير المستشفى الاداري والقاضي مثلاً لا يستطيعان الاعتراض على عمل الطبيب او انتقاده باستخدام ادوية او اجهزة طبية لها دور ثانوي في العلاج . وبذلك ، يصبح المدار والهدف من التقييم الطبي نفع النظام الصحي بالدرجة الاولى ، دون النظر الى مصلحة المريض . ولو جمعنا الخصوصيات التي تتمتع بها المهنة الطبية وهي المنـزلة الاجتماعية والاستقلال الذاتي والمورد المالي لتبين لنا ان الطب ، كخبرة ، اصبح من اقوى العوامل الاجتماعية في الدخول الى الطبقة العليا في المجتمع الرأسمالي . ولكن هذا التغير في طبيعة المهنة الطبية يواجه اليوم تحدياً من قبل العديد من التيارات الاجتماعية . فالمعركة لا زالت قائمة بين السياسيين الذين تدعمهم الجمعية الطبية الامريكية وبين معارضي النظام الصحي القائم ، من اجل تحديد دور المؤسسة الطبية في المجتمع الرأسمالي . ولئن كانت المعركة بين اطراف الطبقة الرأسمالية والاطباء ونظامهم الصحي الرأسمالي والطبقة المتوسطة والفقيرة في اوجها اليوم ، فان معارك اخرى قد تفتح في المستقبل بين افراد النظام وبين قادة النظام السياسي والاجتماعي لاسترجاع حقوق الطبقات المستضعفة التي نهبها النظام بعنوان التقنية الصحية والتقدم العلمي . وهذا كله يعكس فشل النظام الرأسمالي في تأسيس نظام طبي مبني على اساس انساني ، لا على اساس المنفعة التجارية البحتة . ومع ان المهنة الطبية مفتوحة نظريا لكل من يرغب الدخول فيها ، الا ان الدراسات تبين ان النسبة العظمى من الاطباء في النظام الامريكي هم من الافراد البيض البروتستانت من ذوي الخلفية الطبقية العليا . فالمال والوضع العائلي ولون البشرة لها دخل اساسي في تشكيل مستقبل الفرد منذ نعومة اظفاره . اما الفقير من ذوي البشرة السوداء او غير السوداء فليس له نصيب في الدخول الى كليات الطب . ولا شك ان هناك حالات استثنائية قد تسمح لبعض الافراد من الزنوج بالتسجيل في المعاهد الطبية ، الا اننا نتحدث عن السياسة العامة والاسلوب المتبع في تسيير النظام الصحي الرأسمالي الامريكي . ولا شك ان لارتفاع اجور العلاج الطبي الرأسمالي تبريراً عاماً ، وهو ان الاطباء يتعاملون يومياً مع المرض والالم والموت ، ومهنة كهذه يستحق عاملها اجورا عالية . بل ان الخطأ والاهمال والتقصير في المعالجة يرجع سببه الى انهماك الطبيب في التعامل مع الجسم الانساني ، بما فيه من تغيرات لا يمكن التنبؤ بها . وهذا التبرير مناقض للواقع . فكما ان الاطباء يتعاملون مع المرض والموت ، فكذلك الممرضين والممرضات المجازين ، فلماذا لا يتمعتون بنسبة معقولة من الاموال التي يقبضها الاطباء؟ واذا كان انهماك الطبيب يستدعي ارتكاب الخطأ ، فلماذا لا يدفع الطبيب ثمن خطئه من ماله الخاص؟ اليس من الظلم تحميل المريض ثمن التجارب المختبرية العديدة التي يأمر بها الطبيب؟ علماً بان هذه التجارب الزائدة تنفع الطبيب اصلا لا المريض ، لان الخبير ينبغي ان يكون ملمّا بعلمه ، فاين العدالة في ذلك؟ وهكذا اصبحت المعركة الطبية الرأسمالية معركة ضد النظام المالي بدل ان تكون معركة ضد الامراض والاوبئة . فقد افرزت هذه المعركة نتائج عديدة منها ان النظام الصحي بات يحاول تطبيب المجتمع الانساني ، بمعنى انه يحاول اقحام الطب في مجالات جديدة كان لا يحق له الدخول فيها سابقاً . ولتوضيح ذلك نقول ان المؤسسة الطبية قد اصبحت ثاني اكبر صناعة في الولايات المتحدة ، حيث تستهلك اكثر من عشرة بالمائة من انتاج البلاد وتوظف حوالي عشرة بالمائة من القوى الانتاجية العاملة في صفوفها . واصبحت صناعة الادوية والاجهزة الطبية من اكبر المصالح في النظام الرأسمالي ، واصبحت شركات التأمين الصحية من اكبر الشركات التي تدر على اصحابها اكبر قدر من الاموال . وهذا الاتساع والتضخم له تأثيره السياسي والاقتصادي على النظام الاجتماعي العالمي ، حيث اخذت المؤسسة الطبية تبحث عن اسواق جديدة وتطلب مستهلكين جدد لزيادة ارباحها وبسط نفوذها . فالولادة مثلاً ، طبيعية بذاتها تحصل في كل ارجاء العالم منذ خلق الله البشرية على وجه الارض ، وهي لا تحتاج الى تلك العناية الفائقة التي تحاول المؤسسة الصحية الرأسمالية فرضها على الام ، خصوصا اذا كان غذاء الام غنياً بالمواد الطبيعية ; الا اللهم في الحالات الاضطرارية فيتحتم عندئذ العلاج الطبي . ولكن المؤسسة الطبية الامريكية جعلت الحمل والولادة قضية طبية تكلف الابوين اجوراً عالية من بداية التخصيب وحتى لحظة الولادة . واصبحت العمليات المختبرية والشعاعية ، بفضل جهود المؤسسة الامريكية ، تتجاوز حدود العناية الصحية للوالدة والمولود ، بل اضحت قضية التخصيب ، والحمل ، وحركة الجنين ، والاجهاض قضايا طبية تصرف من اجلها كميات كبيرة من الاموال . واصبحت السمنة داءً يحتاج الى علاج ، وكذلك الارق وعدم النوم مثلاً . وهذه حالات لو استخدمت فيها وسائل الوقاية والغذاء الطبيعي والنشاط الجسدي لما استدعى تدخل الطب العلاجي في ذلك . الا ان المؤسسة الطبية الرأسمالية ألزمت الرأي العام بتطبيب القضايا الاجتماعية ; حتى ان الموت الذي كان يعدّ قضية اجتماعية اصبح اليوم قضية طبية ، بحيث ان الطبيب الرأسمالي يقوم مقام الحاكم الشرعي المطلق في الموت والحياة ، فيقرر تعجيل وفاة بعض المرضى ، او يحكم بابقائهم على قيد الحياة اعتماداً على الاجهزة الطبية . وحاولت المؤسسة الطبية اقحام نفسها في بحوث استرجاع سن الشباب ، واكتشاف طرق لوقف الموت . ومع ان هذه المحاولات لم ولن يكتب لها النجاح ، الا ان اعلانها يوحي للآخرين بان العلم قادر على خلق المعجز وفعل المستحيل . وهذا الاعلان يدر ارباحاً اضافية على هذه المؤسسة الطبية التجارية لانه يساهم في سرعة تطبيب النظام الاجتماعي . ولم يتوقف نشاط المؤسسة الطبية الرأسمالية عند هذا الحد ، بل انها اقتحمت النظام القضائي الرأسمالي ايضا عن طريق تحديد سلوك الافراد وتشخيص الاضطراب العقلي ، لان الجريمة والانحراف اصبحت ، بنظر المؤسسة الصحية ، قضية طبية تستدعي علاجاً طبياً . بل ان الجمعية الطبية الامريكية اليوم تنادي بالعلاج الطبي بدل العقاب القانوني للمجرمين في جرائم القتل والسلب والاعتداء على اعراض الناس . واصبحت الجرائم الناتجة عن الادمان على الكحول والمخدرات ، والاعتداء على الاطفال ، والاعتداء على اعراض النساء ، والسرقة ، امراضاً نفسية تحتاج الى تدخل طبي . وهذا التدخل الطبي في المجال القضائي وضع الطب ومؤسسته في اعلى سلم المؤسسات الاجتماعية . ولا شك ان نجاح المؤسسة الطبية في تطبيب المجتمع ساهم في تغيير النظام الحياتي للافراد ، فبدلاً من الاعتماد على الطبيعة في رفد الانسان بما يحتاج اليه في نشاطه اليومي ، اصبح الطب عاملاً اساسياً في الحياة اليومية للفرد . فعرضت المؤسسة الطبية ادوية لكل نشاطات الحياة ، فوفرت حبوباً للنوم وحبوبا للايقاظ ، وحبوباً لوقف شهية الطعام وحبوباً لانشاء الجوع ، وحبوباً لتهدئة الجسم وحبوباً لتنشيطه ، واجهزة لفحص الكلام الصادق واجهزة لفحص الكلام الكاذب . وامام هذا النشاط المحموم الذي تقوم به المؤسسة التجارية الطبية تبرز اسئلة عديدة دون جواب وهي : هل يحق للدولة التحقيق في جدوى هذه الادوية ومدى حاجة الناس الحقيقية لها؟ وهل يحق للدولة التدخل في المؤسسة الصحية لضمان تقديم انزه الخدمات للافراد دون النظر الى الارباح التي تدرها المهنة الطبية؟ وهل يحق للمريض الحصول على كل المعلومات المتعلقة بحالته الصحية؟ ولعل الجواب على كل هذه التساؤلات يرتبط اساسا بمفهوم العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة بين الافراد . ولما كان النظام الرأسمالي يؤمن باحقية تسلط الطبقة العليا على شؤون النظام الاجتماعي ، لامتلاكها رأس المال ووسائل الانتاج ، بقى النظام الصحي عندئذ متخلفاً في جوهره عن العدالة والمساواة الانسانية . وبذلك فان التقنية الحديثة والتقدم العلمي لا يستطيعان تغطية فساد جوهر الفكرة الرأسمالية في التعامل مع الافراد وانكار حق الفقراء والمستضعفين في العلاج الطبي وتوفير سبل المعافاة لهم .
(نهاية ص 157) السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] هاورد ويتكن – المرض الثاني: تناقضات العناية الصحية الرأسمالية. جامعة شيكاغو ، 1986. [2] ميلتون رومير – دراسة مقارنة بين السياسات القومية للعناية الصحية. نيويورك: مارسيل ديكر ، 1977. [3]بول ستار – التغير الاجتماعي للطب الامريكي. نيويورك: الكتب الاساسية، 1982. [4] وليم كوكرهام – علم الاجتماع الطبي . نيوجرسي: برنتس هول، 1986. [5] صموئيل ايبشتاين – سياسة السرطان. سان فرانسسكو: كتب نادي سيرا، 1978. [6] اليوت فريدسون – المهنة الطبية. نيويورك: دود وميد، 1970. |