|
(ص 109 - 127) ثالثاً : النظام العلاجي ولاشك ان نجاح النظرية التجريبية في علاج الامراض يرجع فضله الى تراكم الخبرة الانسانية لآلاف السنين . فقد حاول الانسان معرفة فسلجة الجسم البشري باعضائه الدقيقة ، ولمعت في افق الطب التجريبي اسماء جديرة بالاحترام من مختلف شعوب العالم ، امثال (هپوكراتيس) و(كيلن) الاغريقيين ، والرازي (ت 923 م) وابن سينا (ت 1037 م) الاسلاميين ، واطباء اوروپا امثال (اندرياس فيساليوس) ـ 1538 م ، و(وليم هارفي) ـ 1602 م ، و (لويس باستور) و (روبرت كوخ) ـ 1876 م . وقد تطور الطب الحديث بعد اكتشاف النظرية الجرثومية ، وما اتبعها من اكتشاف اسباب المرض ، والعدوى ، واستخدام اساليب التعقيم ، والتخدير في العمليات الجراحية . وقد جلب القرن العشرين تطورين مهمين على صعيد الطب العلاجي ، وهما استخدام المضادات الحيوية ، وفن نقل الاعضاء كالكلية والقلب . ولا شك ان اكتشاف البنسلين كان من اهم الاكتشافات التي حصلت في هذا القرن . وكل الادوية التي اكتشفت لاحقاً وساعدت اما على شفاء الامراض او على اجراء العمليات الجراحية ، ساهمت في تطوير النظام الطبي العلاجي للامراض . ولاشك ان الاسلام شجع الطب الحديث على معالجة الامراض لسببين . الاول : الارتكاز العقلائي الذي امضاه الشرع . والثاني : احترام القرآن للحياة الانسانية ، كما ورد في اطلاق قوله تعالى : (وَمَن اَحياها فَكَانّما اَحيا النّاسَ جَميعاً)[1] ولذلك ، فان النظام العلاجي سيكون البديل الطبيعي لمعالجة الامراض التي يعجز عن معالجتها النظام الوقائي او الغذائي ، كالكسور والجروح الناتجة من الحوادث الطارئة التي تصيب الانسان . تصرفات المريض والمقصود بالمريض هنا ، من اتصل مرضه بموته . والمراد بتصرفاته ، قيامه بعمل من الاعمال التي تؤثر بشكل ما على كمية الاموال التي يمتلكها وقت المرض . ولا شك ان تصرفات الفرد الصحيح بامواله ، تنفذ من الاصل ، سواء اكان التصرف واجباً كوفاء الدين ، او محاباة كالهبة والوقف ، وسواء كان التصرف مطلقاً او منجزاً اي غير معلق على الموت . واذا علق الصحيح تصرفاته على الموت كان التصرف وصية . اما تصرفات المريض ، فان كانت معلقة على الموت فهي وصية ، وحكمها حكم وصية الصحيح . ولكن اذا تصرف المريض تصرفاً منجزاً غير معلق على الموت ، وكان فيه محاباة تستدعي ضرراً مالياً بالوارث ، كما لو تصدق ، او باع باقل من قيمة المثل ، او وهب مالاً ، فانه يخرج من الثلث فقط ، والزائد على الثلث لا يعد نافذاً . بمعنى ان الشريعة الاسلامية توقف تنفيذ عمل المريض الى ما بعد الموت . اما اذا مات في مرضه ، واستوعبت الاموال المنجزة الثلث ، تكون تلك الاموال التي تصرف بها نافذة من البداية . و ان ضاق الثلث عنها تبين فساد التصرف بمقدار الزائد عن الثلث ، هذا اذا امتنع الورثة عن اجازتها . فـ «قد ورد في رواية علي بن عقبة عن الامام الصادق (ع) في رجل حضره الموت ، فاعتق مملوكاً ليس له غيره ، فابى الورثة ان يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال : ما يعتق منه الاّ ثلثه . ولهم ما بقي»[2] . و «قال الشيخ في المبسوط والخلاف وابن الجنيد والصدوق هي من الثلث واختاره المصنف والعلامة ،لوجوه : 1 ـ ان حكمة حصر الوصية في الثلث موجودة هنا وهو الاضرار بالورثة فوجب اتحاد الحكم فيها لئلا تختل الحكمة . 2 ـ لولا ذلك لالتجأ كل من يريد اضرار ورثته الى المنجزات في مرضه فتفوت فائدة حصر الوصية في الثلث . 3 ـ الروايات . ومنها عن ابي ولاد قال : سألت الصادق (ع) عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرئه منه في مرضها . قال : بل تهبه له فيجوز هبتها له ويحتسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئاً»[3] . وتشترك المنجزات مع الوصية في الامور التالية : 1 ـ ان كلا منها يقف نفوذها على الخروج من الثلث ، او اجازة الورثة . 2 ـ ان المنجزات تصح للوارث . 3 ـ ان كلا منهما اقل ثواباً عند الله من الصدقة في حال الصحة . 4 ـ ان المنجزات يزاحم بها الوصايا في الثلث . 5 ـ ان خروجها من الثلث معتبر حال الموت لا قبله ، ولا بعده »[4] . وهناك فروق مفصّلة بين المنجزات والوصية ايضاً تخرج عن اطار هذا الكتاب . واذا اقرّ المريض ، وهو في مرض الموت لوارث او لاجنبي بدين او عين ، فينظر الى امانة المقر ، وعدم تحيزه في اقراره ، وهو شرط لنفاذ اقراره من اصل التركة ، ولابد من اثبات الشرط بطريق من طرق الاثبات ، والا تعين الاخراج من الثلث . وبطبيعة الحال ، فان تصرفات المريض وما يقوم به من اعمال ، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام الصحي؛ لان النظام الصحي هو الذي يقرر نوعية المرض المتصل بالموت ، كالحالات المتأخرة من السرطان ، وفقدان المناعة المكتسبة للجسم ، ونحوها . ولذلك ، فان النظام الصحي ، ومن يمثله من اهل الخبرة من الاطباء ، هو الذي يشخص ويعين نوعية المرض المتصل بالموت ، مقدماً بذلك للفقيه اكبر الخدمات في الحكم على صحة التصرف الواجب والمستحب بمال المريض وقت مرضه المتصل بالموت . الميت واحكامه ومن اهم المؤاخذات على النظام الطبي الغربي ، هو ان المؤسسة الطبية فيه حصرت الموت في المستشفيات وابعدته عن البيوت والحياة العامة ، حتى تبعد المجتمع عن التأثيرات النفسية للاحتضار . فاصبحت مهمة المستشفى غير مقصورة على علاج المرضى فحسب ، بل اصبح من واجباتها تهيئة الميؤوس من حالاتهم للاحتضار . وابعاد الموت والاحتضار عن الحياة العامة له فوائد على المستوى الرأسمالي . فحصر الموت في المستشفيات يساهم في المحافظة على انتاجية الافراد ، لان التذكير بالموت بشكل مستمر يؤدي الى تقليل حجم التنافس الاقتصادي بين الافراد ، وهو يؤدي في النهاية الى تقليل انتاجية العمال في النظام الاجتماعي . ولكن هذه النظرة الرأسمالية تناقض بشكل اساسي نظرة الدين للموت والاحتضار ، خصوصاً في النظرية الاجتماعية الاسلامية . فقد اهتم الاسلام بتكريم الفرد قبيل موته وخلال احتضاره ، فوضع آداباً للاحتضار والغسل والتكفين والصلاة والدفن . ومع ان المؤسسة الصحية الرأسمالية تسمح لرجل الدين باقامة الصلاة على الميت ودفنه على الطريقة المتبعة في ديانته ، الاّ انها تتحمل مسؤولية احتضاره لحد الموت . وهذا مخالف للنظرة الاسلامية التي تحبب احتضار الميت بين اهله وذويه ، كي يعتبر الناس بالموت ، وبه تتهذب اخلاقهم ويستقيم سلوكهم ، ويكون ادعى لتعاونهم وتآزرهم ومساعدتهم للافراد في النظام الاجتماعي . ويعتبر الاحتضار والغسل والكفن والحنوط والصلاة والدفن من الواجبات الكفائية في الاسلام ، فاذا قام بها البعض سقطت عن الكل ، واذا تركوها كانوا محاسبين على تركها جميعاً . وطريقة الاحتضار ، هو ان يلقى الميت على ظهره حين النزع وباطن قدميه الى القبلة . ويستحب اغماض عينيه ، وشد لحييه ، ومد ساقيه ، ويديه الى جنبيه ،وتليين مفاصله ، وتجريده من ثيابه ، ووضعه على سرير ، وتغطيته بثوب . والتعجيل بتجهيزه كما ورد في الحديث عن رسول الله (ص) : (يا معشر الناس لا الفين رجلاً مات له ميت ليلاً فانتظر به الصبح ولا رجلاً مات له ميت نهاراً فانتظر به الليل ، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس ، ولا غروبها ، عجّلوا بهم الى مضاجعهم يرحمكم الله)[5] . ويغسل الميت ثلاث مرات . الاولى بالماء مع قليل من السدر . والثانية بالماء يطرح فيه الكافور ، ويستثنى من ذلك الميت المحرم . والثالثة بالماء القراح وهو الماء الخالص دون اضافة شيء اليه . وينبغي الترتيب بين الاغسال الثلاثة ، كما ينبغي الترتيب بين الاعضاء فيبدأ بالرأس مع الرقبة ، ثم الجانب الايمن ، ثم الجانب الايسر كما في غسل الجنابة والحيض والاستحاضة المتوسطة والكثيرة والنفاس . ويشترط في التغسيل نية القربى الى الله كما هو الحال في سائر الاعمال التعبدية الاخرى ، واطلاق الماء وطهارته واباحته ، وازالة النجاسة عن بدن الميت ، ثم ازالة الحاجب المانع من وصول الماء الى البشرة . والواجب في التغسيل وجود المماثل المسلم ، ومع عدمه فالمماثل الكتابي . هذا كله اذا كان الميت قد مات موتاً طبيعياً . اما الشهيد في المعركة فيدفن بثيابه ودمائه بعد ان يصلى عليه دون تغسيل ، بشرط ان تخرج روحه في المعركة او خارجها والحرب قائمة . واذا مات بعد انتهاء القتال وجب تغسيله حينئذ ، كمن مات موتاً طبيعياً . ويجب التحنيط بعد الغسل ، و هو مسح الكافور على الاعضاء السبعة التي يسجد عليها المصلي ، وهي الجبهة ، والكفان ، والركبتان ، وابهاما الرجلين . ويكفن الميت وجوباً بثلاث قطع . الاولى : المئزر يلفه من السرة الى الركبة ، والافضل من الصدر الى القدم . والثانية : القميص من المنكبين الى نصف الساق ، والافضل الى القدم . والثالثة : الازار وينبغي ان يغطي كل البدن . ويشترط في الكفن ما يشترط في الساتر الواجب في الصلاة من كونه طاهراً ومباحاً . وتجب الصلاة على كل مسلم ، عادلاً كان او فاسقاً ، للحديث المروي عن الرسول (ص) : (صلوا على المرجوم من امتي ، وعلى القاتل نفسه من امتي ، لا تدعوا احداً من امتي بلا صلاة)[6] . والمروي عن الامام الباقر (ع) : (صلّ على من مات من اهل القبلة وحسابه على الله)[7] . وتقام الصلاة وجوباً قبل الدفن . والواجب ايضاً دفن الميت في الارض ، للنص المجيد : (أَلَم نَجعَل الاَرضَ كِفاتاً اَحياءً وَامواتاً)[8] ، (مِنها خَلَقناكُم وَفِيها نُعِيدُكُم)[9] . واحاديث أئمة أهل البيت (ع): (انما امر بدفن الميت لئلا يظهر الناس على فساد جسده ، و قبح منظره ، وتغير رائحته ، ولا يتأذى الاحياء بريحه ، وما يدخل عليه من الآفة والفساد ، وليكن مستوراً عن الاولياء والاعداء ، فلا يشمت عدوه ولا يحزن صديقه)[10] . ويجب ان يوضع الميت على جنبه الايمن مستقبل القبلة ، ورأسه الى المغرب ورجليه الى المشرق ؛ لان الاصل في هذا الحكم التأسي بالنبي (ص) والائمة الاطهار (ع) ، كما قال الكثير من الفقهاء . وعلى صعيد آخر ، فانه ينبغي شرعاً على من مس ميتاً - بعد أن برد جسده وقبل ان يغسّل - الاغتسال من مس الميت . وفي حالة مسه بعد موته مباشرة قبل ان يبرد الجسد فلا غسل عليه ، وكذلك اذا مسه بعد انتهاء غسل الميت الشرعي . وصورة الغسل ، من مس الميت كصورة غسل الجنابة والحيض والاستحاضة المتوسطة والكثيرة والنفاس . ولا شك ان مسؤولية المؤسسة الطبية تنتهي عند موت الفرد ، فتتكفل المؤسسة الدينية والاجتماعية القيام باحكام الميت من الغسل والتكفين والحنوط والصلاة عليه ودفنه . وبطبيعة الحال ، فان اهتمام الافراد في النظام الاجتماعي الاسلامي باكرام الميت اجتماعياً يتناسب مع مضمون الاسلام في احترام الانسان ، باعتباره اكرم المخلوقات واجلّها عند الخالق عز وجل ، بخلاف النظرية الغربية ، التي تؤمن باحقيّة «المذهب الفردي» في الحياة الاجتماعية ، وما يترتب على ذلك من مسؤولية الفرد تجاه حياته الشخصية دون توقع مساعدة بقية الافراد له ، حتى في الشيخوخة والعجز والموت . ------------------ القسم الثاني
النظام الصحي في النظرية الرأسمالية الطب في النظرية التوفيقية * نقد النظرية التوفيقية *وظيفة الطب * الطب في نظرية الصراع الاجتماعي *الطب في النظام الرأسمالي البريطاني * الطب في النظام الرأسمالي الامريكي * اسباب انعدام عدالة النظام الصحي * المرض والنظام الحياتي للفرد * العلاقة بين الطبيب والمريض * الخبرة الطبية وروادها في النظام الغربي . ------------------ الطب في النظرية التوفيقية يقول (تالكوت بارسن) ، احد رواد النظرية التوفيقية في الطب بان «المرض ليس ظاهرة بيولوجية فحسب ، بل انه ظاهرة اجتماعية ايضا»[11]، لان المجتمع الانساني لا يتطور تطوراً طبيعياً ما لم يقم الافراد جميعاً باداء ادوارهم الاجتماعية في كل الاوقات . فاذا تعرض فرد ما لمرض من الامراض اصبح دوره الاجتماعي شاغراً لانه لا يستطيع القيام بتأدية ذلك الدور المناط به اجتماعيا . وكنتيجة لهذا الخلل ، اصبح ذلك الدور معرضاً الى احتمالين ، الاول: ان يحال الى فرد آخر سليم من الناحية الصحية ، والثاني : ان يبقى ذلك الدور معطلاً دون شاغل يشغله . وهذا التبدل في الادوار الاجتماعية يسلط ضغطاً ويولد ارباكا ضد الحركة الطبيعية للنظام الاجتماعي . ولا شك ان للنظام الاجتماعي - مهما كان لونه وشكله - مصلحة حقيقية في انشاء نظام صحي متكامل لعلاج الامراض وللحفاظ على نظافة المجتمع من الاوبئة والامراض المعدية حتى يتم استثمار طاقات العمال الاصحاء بطريقة يكون مردودها الانتاجي متناسباً مع حجم ذلك النظام وقابلياته . وعلى هذا الاساس فان من مصلحة النظام الاجتماعي مثلاً ، تحديد (من هو المريض؟) ، ومن مصلحة النظام الاجتماعي ايضاً معرفة من يصطنع المرض كي يجد مخرجاً يتهرب فيه من اداء الواجبات الاجتماعية المناطة به . فلو نظرنا الى قائمة الامراض التي تصيب الافراد في اي مجتمع انساني ، وابتدأنا من الصداع وانتهينا بامراض القلب مروراً بامراض الكبد والجهاز الهضمي والدماغ والاعصاب ، لتبين لنا ان المؤسسات الصحية التي اسسها النظام الاجتماعي هي التي تحدد طبيعة المرض وخطورته . فالمجتمع مثلاً لا يعتبر الصداع مرضاً لان المؤسسة الصحية لم تعتبره حالة مرضية تستوجب دخول المستشفى او عيادة الطبيب الا في حالات استثنائية نادرة؛ ولكنه يعتبر قرحة الامعاء ، مرضاً يتوجب معالجته عن طريق الطبيب او المستشفى ، مع ان الصداع والقرحة معا قد يعطلان الفرد عن الانتاج . وعلى هذه القاعدة يمكن تطبيق كل الحالات المرضية التي يتم تحديدها عن طريق مؤسسات النظام الصحية . ولا يتوقف النظام الاجتماعي عند تحديد المرض وتشخيصه ، بل يتوقع من الفرد سلوكاً معينايتناسب مع ذلك المرض . فسلوك المريض مثلاً ، يعتبر من الناحية الاجتماعية مناقضاً للسلوك الطبيعي للافراد الاصحاء . فما ان يعلن المريض اعراضه المرضية حتى يخلد الى الفراش ، باحثاً عن المساعدة الطبية ، باذلاً ماله لتحصيل الدواء الموصوف . وبما ان المرض عامل اجتماعي سلبي على الانسان ، فان نزوله بعضو من اعضاء النظام الاجتماعي يضع ذلك المجتمع وجهاً لوجه امام مسؤولياته في التعامل مع ذلك المريض . ولذلك فان الجهة التي تحدد المرض يجب ان تتمتع بشرعية قانونية يقرها النظام الاجتماعي ، حتى تستطيع تعويض الخسارة الاجتماعية التي يجلبها المرض على الفرد والعائلة والنظام الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام . وتعْتَبِر هذه النظرية ، المرض لونا من الوان الانحراف الاجتماعي؛ لان المريض يسلك خلال مرضه سلوكاً مناقضاً للسلوك الطبيعي الذي يقره الاصحاء . فالخلود الى الفراش ، وتناول الدواء ، وتسخير الآخرين لخدمة المريض ، كلها تصرفات لا يقوم بها الاصحاء غالباً . ولكن هذا الانحراف الصحي يعتبر انحرافاً استثنائيا ، لاسباب عدة منها ، اولا : ان هذا السلوك يستغرق فترة قصيرة محدودة ، وثانياً : انه يعبّر عن قوة لا ارادية داخل جسم الانسان . فالمريض مجبر على قبول حالته الاستثنائية ، وملزم بالاستسلام لواقعه الانحرافي الجديد . ولذلك فهو غير مُلام على تركه العمل الانتاجي ، وغير مسؤول عن التقصير في اداء دوره الاجتماعي الذي اصبح شاغراً بسبب مرضه . وما على المجتمع ونظامه الاجتماعي الا الاذعان والتسليم لحق المريض ومعاملته معاملة خاصة ، عن طريق منحه اجازة التخلي عن دوره ومسؤولياته الاجتماعية الى موعد الشفاء التام . فالعامل المريض مثلا يستطيع ترك العمل والتوقف عن الانتاج والخلود للراحة فور ظهور اعراضه المرضية . والطالب المريض يستطيع تأجيل موعد امتحانه النهائي لاسباب مرضية . والتاجر المريض يعطل تجارته بسبب عجزه عن ممارسة العمل الطبيعي الذي تعارف افراد المجتمع عليه . ولا شك ان المريض الحقيقي ينبغي ان يطلب علاجاً سريعاً لحالته المرضية الاستثنائية . لان تباطؤه في العلاج يعني ان ذلك الفرد يهوى البقاء عالة على الآخرين ، ويود التخلي عن عمله الانتاجي في الحقل الاجتماعي؛ وهو بذلك لا يعطل دوره الاجتماعي فحسب ، بل يستهلك موارد الآخرين الاقتصادية ايضاً . وهذا التمارض يعطل الطاقات الانتاجية للافراد ويسبب خللا في الميزان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع . وعلى الاغلب ، فان النظام الاجتماعي يتوقع من المريض قبول المساعدة الطبية الممنوحة له من قبل المؤسسة الصحية المعترف بها اجتماعياً . فالفرد المصاب بمرض حقيقي لا يستطيع رفض استشارة الطبيب ، او تعليماته الخاصة بالفحص الشعاعي او الكيميائي ، او اخذ الدواء؛ لان ذلك كله يعرضه الى الشكوك والشبهات التي تتهمه بالتمارض تهربا من المسؤوليات الاجتماعية المناطة به . نقد النظرية التوفيقية ومع ان اهتمام النظرية التوفيقية منصبّ على ربط الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الافراد بالسلوك الطبيعي للاصحاء ، وان النظام الاجتماعي ملزم بمعالجة الامراض ، لان اهمال معالجتها يؤدي الى تقليل الانتاج الاجتماعي ; الا ان هذه النظرية لا تخلو من مفارقات واخطاء نستعرض بعضاً منها . اولاً: ان النظرية تصب جلّ اهتمامها على الامراض غير المزمنة كامراض الجهاز الهضمي والبولي والتنفسي. وهذه الامراض يتم علاجها في فترة قصيرة نسبياً . ولكن النظرية تهمل امراضاً مزمنة يصعب علاجها بفترة قصيرة كامراض تضخم الانسجة المعروفة بـ(السرطان) ، وامراض نقص المناعة الحاد ، والامراض المؤدية الى فشل القلب في تأدية نشاطه الطبيعي؛ حيث لا يستطيع المريض في هذه الحالات المزمنة ايجاد شفاء عاجل لمرضه ، بل ان الشفاء في هذه الحالات يستهلك وقتاً طويلاً يعطل فيه الانسان طاقته الانتاجية ومسؤوليته الاجتماعية . وعلى ضوء ذلك ، فان المريض يحاول في هذه الحالات اعادة تنظيم وترتيب مسؤولياته الاجتماعية والاسرية بشكل لم تتناوله النظرية التوفيقية في تحليلها . ثانياً: ان النظرية التوفيقية تركز على الطب العلاجي وتهمل فرضية الوقاية بكل الوانها وتوجهاتها . ويعدُّ هذا الاهمال من اكبر اخطاء هذه النظرية . فلو انصبّ جهد المؤسسات الصحية على فكرة الوقاية لجنّب تلك المؤسسات الكثير من الاموال والجهود . فاشباع الطفل اشباعاً يتناسب مع سنه من الحليب ، والبيض ، والخبز ، وعصير الفواكه يخلق منه رجلا منتجا سليماً من الامراض . وكل درهم يصرف في هذا المنحى على طفل ما ، سيدر على المجتمع لاحقاً خمسة اضعاف هذا المبلغ ، حيث ينمو الطفل سليماً من الامراض فيوفر عندئذ ، مصاريف الطب والعلاج ، ويصبح عند البلوغ عضواً نافعاً منتجاً في النظام الاجتماعي . ويبقى يؤدي دوره الاجتماعي فترة اطول من ذلك الطفل المريض الذي يشبّ وهو يفتقر الى ما يسند عظامه ويقوي لحمته من املاح ، وفيتامينات ، وادهان ، وكاربوهيدرات . ثالثاً: ان الطب النفسي والطبيعي والروحي قد اهملته النظرية التوفيقية اهمالاً تاماً . ولاشك ان بعض الامراض العقلية تستدعي علاجا نفسيا . وبعض الجروح العضلية والغضروفية تستدعي علاجاً طبيعياً .وفي حالات معينة يعتقد المريض بضرورة العلاج الغيبي ، فلا يشفى الا بذلك . وفي كل هذه الحالات المرضية لم تتطرق النظرية الى تفسير العلاج والمعالِج والمعالَج ، ولم تحدد موقف النظام الاجتماعي من تعطيل دور ذلك المريض اجتماعياً . رابعاً : ان بعض الامراض والاضطرابات العقلية تعكس انحرافاً حقيقياً عن السلوك الطبيعي . فلا يتهاون النظام الاجتماعي في تصنيف ذلك الانحراف ضمن التصانيف الاجرامية والجنائية ، حتى لو اعلن المريض اعراضه المرضية واخلد الى الفراش ، وبحث عن المساعدة الطبية ، وبذل ماله في تحصيل الدواء . ولم تميز النظرية التوفيقية بين الامراض العقلية التي تؤدي الى جنون مطبق ، وبين الاضطرابات الاخرى التي يستطيع فيها الفرد ان يجد علاجاً شافياً ، يدفعه مرة اخرى الى عجلة النشاط الاجتماعي الانتاجي . واهمال هذه الحالات المرضية في تفسير النظرية التوفيقية للطب ، يعكس ضعف هذه النظرية في تحليل الامراض وعلاجها في المجتمع الانساني تحليلاً جامعاً لكل اركانها وشاملاً لجميع حقولها ومراتبها . وهذه المؤاخذات على النظرية التوفيقية تقلل من اهميتها في تفسير المرض باعتباره ظاهرة اجتماعية، علاوة على كونه ظاهرة طبية ; لانها لم تتناول جميع الامراض التي يتعرض لها الافراد ، بل اخذت بعضاً منها بما يساند آراءها وتركت البقية دون تحليل . (تليها صفحات 128 - 157)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] سورة المائدة: الآية 32. [2] تهذيب الاحكام ج 9 ص 194. [3] التنقيح الرائع ج 2 ص 424. [4] المختلف – العلامة الحلي ج 2 ص 66. [5] تهذيب الاحكام ج 1 ص 121. [6] تهذيب الاحكام ج 1 ص 345. [7] المجالس ص 131. [8] سورة المرسلات: الآية 25. [9] سورة طه: الآية 55. [10] عيون اخبار الرضا (ع) – الصدوق ص 259. [11] تالكوت بارسنـز – بحوث في النظرية الاجتماعية. نيويورك: المطبعة الحرة، 1954. |