(ص 51 - 72)

اولاً: النظام الوقائي

         ويعالج النظام الوقائي الحالة المرضية قبل وقوعها . فاذا كانت كثرة الطعام تسبب آلاماً في الجهاز الهضمي مثلاً ، فمن الوقاية ان يجتنب الفرد كثرة الاكل . وهذه القاعدة الصحية البسيطة لها تأثير فعّال على صحة الافراد ، لان كمية الطعام ونوعيته مرتبطة بعدد كبير من الامراض التي تصيب الانسان . واذا نظرنا من وجهة نظر طبية ونفسية للتحريم الذي اوجبه الشارع على المأكولات تبين لنا ان للتحريم ، اضافة الى المعنى التعبدي ، نتائج وقائية على مستوىً عظيم من الاهمية .

          فقد حرّمت الشريعة اصنافاً عديدة من المأكولات ومنها ، اولاً: الحيوانات المحرم اكلها بالذات كالدم ، والميتة ، ولحم الخنزير ، وما اهلّ لغير اللّه . ثانياً: التحريم بالواسطة كالمغصوب والمتنجس . ثالثاً: التحريم بالذات ولكنه احلّ بالواسطة كأكل الميتة للمضطر . يقول تعالى: (قُل لا أجِدُ فيما اُوحِيَ اِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِم يَطعَمُهُ اِلاّ اَن يَكُونَ  ميتَةً اَو دَماً مَسفُوحاً اَو لَحمَ خنـزير فَاِنَّهُ رِجسٌ اَو فسقاً أهِلَّ لِغَيرِ اللّهِ فَمَن اضطُرَّ غَيرَ باغ وَلا عاد فَاِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ) [1] . وفي المشروبات حرمت الشريعة الخمور ، والدماء ، والاعيان النجسة والمتنجسة ، وألبان الحيوانات المحرم اكلها .

          وأحلّت اكل البهائم الاهلية كالغنم و البقر ، والبهائم البرية كالغزلان ، والطيور غير المخالبية ذات الدفيف التي لها حواصل وقوانص وصيص ، والاسماك ذات القشور ، والطيبات من الثمار والحبوب والخضار . وقد حثَّ القرآن الكريم على الاكل من الطيبات ، كما ورد في قوله تعالى: (يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالاً طيباً)[2] .

          وللطهارة المائية من وضوء واغسال وتطهير للفم جوانب وقائية عظيمة ايضاً . وكذلك الصيام واحكامه ، والنوم وآدابه .

 1 ـ ما يؤكل من الاطعمة :

أ ـ الحيوانات المحرم أكلها بالذات :

          وقد افرد الفقهاء تحت باب الاطعمة والاشربة اسماء العديد من الحيوانات التي حرم الشرع اكلها . فقد وردت حرمة اكل الحيوانات البحرية ، والاسماك التي لا تمتلك قشوراً ، والخنازير ، والدماء ، والميتة ، وما اهل لغير اللّه ، والكلاب ، والسباع ، والمسوخ ، والحشرات السامة ، والطيور التي لها مخالب والتي يكون صفيفها اكثر من دفيفها وتنعدم فيها القانصة والحوصلة والصيصة (وهي شوكة خلف رجل الطير خارجة عن الكف) ، وبيض الطيور الحرام ، وبعض محتويات الذبيحة كالطحال والقضيب والبيضتين والفرث وغيرها .

          وقد اتفق الفقهاء على حرمة اكل كل حيوان بحري (ما عدا السمك) حتى لو اكتسى جلده قشوراً ، او كان على صورة الحيوان البري الذي يحل أكله [3] . وذهب اكثرهم الى تحريم السمك الذي لا فلس له بدليل رواية محمد بن مسلم الذي سأل الامام الصادق (ع) عن السمك الذي لا قشر له؟ فقال: (كُل ما له قشر من السمك ، وما كان ليس له قشر فلا تأكله)[4] . ورواية عبداللّه بن سنان عن الامام الصادق (ع): (كان علي (ع) بالكوفة يركب بغلة رسول اللّه (ص) ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: لا تأكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر من السمك)[5] . والبيض الذي يستقر في جوف السمكة يتبعها في التحليل والتحريم ، فان حرم اكلها فالذي في جوفها حرام .

          وورد تحريم اكل لحم الخنزير في القرآن [6] ، وحرم  اكل الكلب ايضاً لنجاستهما . وحرم من البهائم البرية السبع ، وهو الحيوان الذي له ظفر ، او ناب يفترس به ، قوياً كان كالاسد والفهد والذئب والنمر ، او ضعيفاً كأبن آوى . و «الاجماع على ذلك مضافاً الى السيرة المستمرة ، وقول الامام (ع): لا تأكل من السباع شيئاً»[7] . وفي رواية اخرى قوله (ع): (كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ، حرام)[8] ، فيحرم للنص عليه بخصوصه ، ولانه سبع في نصوص اخرى .

      وحرمت لحوم المسوخ ، وهي ثلاثة عشر صنفاً: الفيل ، والدب ، والخنزير ، والقرد ، والجريت (نوع من السمك) ، والضب ، والوطواط ، والدعموص ، والعقرب ، والعنكبوت ، والارنب ، وسهيل والزهرة . . . . قال الصدوق: سهيل والزهرة دابتان من دواب البحر [9] .

     ولم يرد نص على تحريم اكل الحشرات ، الا ان السام منها حرام اكله لمكان الضرر .

      وحرمت الطيور التي لها علامات ثلاث وهي: المخلبية ، واكثرية الصفيف ، وانتفاء القانصة والحوصلة والصيصة . فالطير المفترس ذو المخالب يحرم اكله لانه يقتات على غيره من الطيور . وهو على انواع منها البازي ، والصقر ، والعقاب ، والشاهين ، والباشق ، والنسر . ويحرم اكل كل طير صفيفه اكثر من دفيفه . والصفيف بسط الجناحين من غير تحريك عند الطيران ، ويقابله الدفيف وهو تحريك الجناحين . ولو تساوى الصفيف والدفيف ، او كان الدفيف اكثر من الصفيف حل أكله . و «الاجماع على ذلك مضافاً الى النصوص . قال زرارة: (سألت ابا جعفر (ع) عما يؤكل من الطير؟ فقال: كُلْ ما دف ، ولا تأكل ما صف) . وفي موثق سماعة: (كُلّ ما صف وهو ذو مخلب فهو حرام ، والصفيف كما يطير البازي والحدأة والصقر وما اشبه ذلك ، وكل ما دف فهو حلال) . وفي حديث آخر: ان كان الطير يصف ويدف ، فكان دفيفه اكثر من صفيفه أُكل ، وان كان صفيفه اكثر من دفيفه فلا يؤكل»[10] . ويحرم اكل الطير البري او البحري الذي ليس له قانصة ، او ليس له حوصلة ، او ليس له صيصة كالطاووس . اما الوطواط فهو من اللبائن ويحرم اكله لانه من المسوخ ، و«قد توافق النص والفتوى على عدم الفرق بين طير البر والماء في العلامات المذكورة ، فيؤكل من طير الماء ما وجدت علامة من علامات الحل ، حتى ولو كان يأكل السمك ، لاطلاق الادلة ، وخصوص خبر نجية بن الحارث (سألت ابا الحسن (ع) عن طير الماء ما يأكل السمك منه يحل؟ قال: لا بأس به ، كله»[11] . وبيض الطير يتبعه في التحريم ، فبيض الطير الحرام حرام اكله ، «بلا خلاف ، لما ورد في خبر ابي الخطاب (سألت ابا عبداللّه(ع) عن رجل يدخل الاجمة (الشجر الكثير) فيجد فيها بيضاً مختلفاً ، لايدري بيض ما هو؟ أبيض ما يكره من الطير ، او يستحب؟ فقال (ع): ان فيه علماً لا يخفى ، انظر الى كل بيضة تعرف رأسها من أسفلها فكل ، وما سوى ذلك فدعه) . وفي رواية ثانية: (ما كان مثل بيض الدجاج ، وعلى خلقته ، احدى رأسيه مفرطح ، والاّ فلا تأكل) ، والمفرطح: العريض»[12] .

          وحرمت الميتة نصاً واجماعاً ، ومنه قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة)[13] ، ولكن الفقهاء اختلفوا في لبن الشاة الميتة هل هو طاهر ام لا؟ فـ «ذهب الشيخ واكثر المتقدمين وجماعة من المتأخرين على انه طاهر ، للنص على طهارته في الروايات الصحيحة ، ومنها صحيحة زرارة ، قلت للامام الصادق (ع): اللبن يكون في ضرع الشاة ، وقد ماتت؟ قال: لا بأس به» [14] .

          واجمع الفقهاء على تحريم اكل بعض محتويات الذبيحة مثل الدم والطحال والقضيب والانثيين (البيضتين) والفرث . وقال الشهيد الاول بحرمة اكل المثانة والمرارة والمشيمة والفرج والعلباء (وهما عرقان عريضان ممدودان من الرقبة الى الذنب) والنخاع والغدد وذات  الاشاجع (وهي اصول الاصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف) وخرزة الدماغ وحدقة العين[15] . ولكن الشهيد الثاني علق على ذلك بقوله: «ومستند الجميع غير واضحة ، لانه روايات يتلفق من جميعها ذلك . بعض رجالها ضعيف وبعضها مجهول والمتيقن منها تحريم ما دل عليه دليل خارج كالدم . وفي معناه الطحال وتحريمهما ظاهر من الآية ، وكذا ما استخبث منها كالفرث ، والفرج ، والقضيب ، والانثيين ، والمثانة ، والمرارة ، والمشيمة . وتحريم الباقي يحتاج الى دليل ، والاصل يقتضي عدمه ، والروايات يمكن الاستدلال بها على الكراهة لسهولة خطبها»[16] .

 ب ـ الاشربة والحبوب والثمار المحرمة بالذات :

          وحرمت الشريعة أكل كل ما يضر ببدن الانسان أو عقله ، وكفى قوله(ص) : (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) دليلاً حاكماً على ادلة التكاليف الشرعية . ويؤيد ذلك ايضاً ما ورد عن الامام الصادق (ع): (كل شيء يكون فيه المضرة على الانسان في بدنه وقوته فحرام أكله الاّ في الضرورة)[17] . ومنها فطائر الصحراء والاثمار السامة ونحوها .

          اما الاشربة التي حرمتها الشريعة الاسلامية فهي على خمسة انواع:

الاول: الدم ، والمراد به مطلق الدم ، ان كان من الحيوانات التي احل الشرع أكلها او من التي حرم أكلها .

الثاني: كل سائل يتنجس بمماسته للنجاسة يحرم شربه فاذا وقعت قطرة من خمر في قدح ماء حرم شرب الماء .

الثالث: الاعيان النجسة كالابوال ونحوها .

الرابع: لبن الحيوان الذي يحرم اكله يحرم شربه ايضاً ، فلبن الذئبة واللبوة والدبة حرام ، «بلا خلاف اجد فيه»[18] .

الخامس: الخمر ، وندرسه من الناحيتين الشرعية والتجريبية .

اولا ـ الخمر : الناحية الشرعية :

          والمراد به مطلق المسكرات ، وتناوله من الكبائر لانه يعدُّ انحرافا كانحرافات السرقة ، والزنا ، ونحوها . فقد جاء في حديث رسول الله (ص): (كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله حرام)[19] ، وعن ابي عبداللّه (ع): ( . . . . وما يجوز من الاشربة من جميع صنوفها فما لم يغير العقل كثيره فلا بأس بشربه وكل شيء منها يغير العقل كثيره فالقليل منه حرام)[20] .

وفي حديث آخر سئل الامام الرضا (ع) لم حرم اللّه الخمر؟ قال: (حرم اللّه الخمر لفعلها وفسادها . ومدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش ويذهب بنوره ، ويهدم مروءته ، ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء ، وركوب الزنا . . .)[21] . وقد ورد النهي عن تناول الخمر في قوله تعالى: (يَسأَلُونَكَ عَن الخَمرِ وَالمَيسرِ قُل فيِهِما اِثمٌ كَبيرٌ)[22] ، وقوله : (اِنَّما الخَمرُ وَالمَيسرُ وَالاَنصابُ وَالاَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبوه) [23] ، وقوله: (قُل اِنَّما حَرَّمَ رَبّي الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَنَ وَالاِثمَ وَالبَغي بِغَيرِ الحَقِّ)[24] . والاثم ،في عرف المفسرين ، هو الخمر . و «تحريم الخمر من ضروريات الدين حتى ورد انه اكبر الكبائر ، وانه لو صب في اصل شجرة ما أكل من ثمرها ، ولو وقع في بئر قد بنيت عليه منارة ما اُذِّنَ عليها ، ونحو ذلك من الاخبار الدالة على المبالغة في تحريمها لكثرة مفاسدها»[25] .

ثانيا ـ الخمر : الناحية التجريبية :

          ويعتبر الادمان على تناول اثيل الكحول او الايثانول من المواد العشر التي تساهم في رفع نسبة الموت في المجتمع الصناعي النصراني . ولا ينحصر ضرر الكحول النهائي بالموت فقط ، بل له تأثيرات اجتماعية واسعة منها ارتباط الادمان على الكحول بالعنف الشخصي ، والصراع مع افراد العائلة الواحدة ، والاعمال الاجرامية ، والامراض العقلية ، والمصاعب المالية التي يختبرها المدمن مع عائلته . فالايثانول تعتبر المادة الكيميائية الاساسية في الخمرة والبيرة والعرق ونحوها . ولكي نفهم تأثير الكحول على جسم وعقل الفرد لابد من معرفة اقسامه وطريقة تصنيعه:

          اولاً : البيرة او الفقاع ، وهو عصير ناتج من اخضاع حبوب مختلفة للحرارة على طريقة التهدير والتخمير ، تماماً كتهدير الشاي . وتحتوي على نسبة 3 ـ 6 % من الايثانول .

          ثانياً : الخمرة ، وهي تصنّع بتخمير عصير العنب او فاكهة اخرى ، وتحتوي على 9ـ12% من الايثانول .

          ثالثاً : المشروبات الروحية ، وهي تصنّع عن طريق تقطير المواد الكحولية المخمرة ، مما يرفع نسبة الايثانول فيها الى 35 ـ 50 % . ولذلك ، فان هذا النوع من الكحول اشد خطراً واعظم تأثيراً على صحة الفرد من الانواع الاُخرى .

          ولا يحتوي الكحول على اي مادة غذائية (كالفيتامينات ، والاملاح ، والبروتينات ، والدهون) ، بل انه يحتوي على سعرات حرارية فقط تحترق بسرعة في الجسم .

          وعندما يدخل الخمر فم الانسان المنحرف فانه ينتقل الى المعدة والامعاء الدقيقة ، حيث يمتص هناك بسرعة الى مجرى الدم . وعندما يجري الدم المثقل بالخمر في انحاء الجسم ، فان ذلك الكحول ينتشر بين جميع خلاياه وانسجته الحيوية . وكلما ازدادت الكمية المتناولة من الكحول ازداد تشبع الخلايا الجسمية بالمادة الكحولية . ولما كان الكبد الجهاز المسؤول عن تصفية المواد السامة التي يجب طردها من الجسم عن طريق الجهاز البولي ، فان المادة الكحولية ينبغي ان تذهب الى الكبد للتصفية ثم الخروج من الجسم . ولكن هنا تبرز مشكلة جديدة وهي انه لما كان الكحول محتوياً على ذرات الاوكسجين والهيدروجين والكاربون ، فان هذه الذرات تتفاعل مع المواد الكيميائية الموجودة في الكبد ، وتتحول بعدها الى ماء ، وسكريات ، ومادة (ثاني اوكسيد الكاربون) التي تبقى مستقرة في الكبد ،  الى اجل غير محدود . وبعد هذه العمليات يصل الكحول الى الدماغ من خلال الدورة الدموية ، ويبقى هناك حتى ينتهي الكبد من تحليله للمواد الثلاث المذكورة سابقاً .

          ويبدأ الفرد - بعد ان يصل مستوى الكحول الى دمه الى حد قُدِّرَ بثلاثة اجزاء من الكحول لكل عشرة آلاف جزء من الدم - بالتصرف الغريب . وسبب هذا السلوك هو الشعور بخفة العقل ، وتغير المزاج ، والبطء في الاستجابة للاشياء الخارجية . واذا استمر الفرد في تناوله ذلك الشراب ، فانه سيؤدي به الى فقدان الوعي وتهييج المعدة مسبباً التقيؤ ، وربما الموت في بعض الحالات .

          واهم ضرر للكحول هو تأثيره على الجهاز العصبي المركزي للجسم ، خصوصاً الدماغ ، لان كثرة تناوله تسبب فقداناً للتناسق الموجود بين الحواس الخمس في الحالة الطبيعية ، وخصوصاً البصر . ويسبب الكحول ضرراً آخر على جهاز الدورة الدموية ، فيزيد من سرعة دقات القلب ويساهم في توسيع الاوعية الدموية قرب الجلد ، مما يسبب فقداناً لحرارة الجسم ، فيشعر عندها الفرد بحرارة تنبعث من جسده . ويسبب الكحول ايضاً ضرراً بالحامل وجنينها ، فالكحول يؤدي الى التخلف العقلي للجنين بعد الولادة بالاضافة الى تشوهات جسدية قبلها . وللكحول ايضاً تأثيرات نفسية على الفرد ، حيث يفقد ذلك الفرد السرعة الطبيعية في التحرك ، ومن تأثيراته فقدان اللمس ، وغشاوة البصر ، وقلة السمع ، وانعدام النباهة . ولما كان الكحول مادة كيميائية تؤدي الى ايقاع الكآبة النفسية في الفرد ، فان تناولها يؤدي الى نشوة سرعان ما تنتهي بضيق نفسي ؛ بمعنى ان تناولها لايؤدي في النهاية الى شعور الفرد بالسعادة ، بل يؤدي الى شعوره بالانقباض ، والعجز عن تأدية المهام الملقاة على عاتقه . واخطر نتيجة للمواد الكيميائية التي تسبب الكآبة النفسية ان تناولها يؤدي بالفرد الى ممارسة سلوك عدواني عنفي خطير . فنصف السجناء في امريكا الذين ارتكبوا جرائم عنف متنوعة يعترفون بانهم ارتكبوها تحت تأثير تناول الكحول . ونصف حوادث السيارات المؤدية الى الموت ناتجة من تأثير الكحول ايضاً[26] .

          ويرتبط تناول الكحول بصورة مستمرة بامراض وتأثيرات خطيرة تدمر اعضاء الجسم المهمة . ومنها :

          اولاً : ان الكحول يساعد على تحفيز افراز الحوامض المعدية المخصصة لهضم الطعام ، فتمزق هذه الحوامض بطانة المعدة والامعاء ، مما يؤدي الى قرحة شديدة في المعدة او الامعاء . وقد تؤدي الى منع البنكرياس من انتاج الانزيمات الخاصة بهضم المواد الغذائية ، فتكون النتيجة التهاب البنكرياس ايضاً .

          ثانياً : ان الكحول ليس مادة غذائية تبني الجسم ; بل انها في الواقع مادة تحرم الجسم من المواد الغذائية الاساسية . فالكحول يحتوي على سعرات حرارية لانتاج الطاقة فقط ، فيؤدي تناوله الى نقص كمية الفيتامينات التي ينبغي تناولها في الحالة الطبيعية؛ ويساهم ايضاً في اضطراب الجهاز الهضمي ، لان الجسم يصبح عاجزاً الى درجة ما في هضم المواد الغذائية المتناولة ; ويساهم ايضاً في الاخلال في التوازن الطبيعي بين الغذاء المتناول والمهضوم بسبب التقيؤ والاسهال وفقدان الشهية .

          ثالثاً : ويعتبر الكبد هدفاً رئيسياً لتأثير المادة الكحولية؛ لان الكبد جهاز خاص مصمّم لطرد السموم من الجسم الانساني ، فاذا تعطل عمل هذا الجهاز بسبب الادمان تحطمت مناعة الجسم الطبيعية وقابليته على طرد السموم . ولذلك فان (تشمع الكبد) وهو من الامراض المزمنة يعتبر من اخطر تأثيرات تناول الكحول على ذلك الجهاز ، حيث تتبدل خلايا الكبد الطبيعية بخلايا اخرى متقرّحة . وربما يؤدي تأثير الكحول الى تورم خلايا الكبد والتهابها . وكل هذه الامراض تؤدي في النهاية الى الموت .

          رابعاً: تأثير الكحول على القلب والدورة الدموية واضح . ونتيجة لتناوله فانه يسبب امراضاً يصعب الشفاء منها كامراض الشرايين التاجية ، والسكتة القلبية ونحوها .

          خامساً: ان هناك تأثيراً للكحول على نظام الغدد الجسمية التي تنظم حالات المزاج والنشاط الجنسي للفرد . فالادمان على الكحول يؤدي الى العنن وهو عدم القدرة على الجماع ، ويقلل من افراز كمية الهورمونات الجنسية في جسم الرجل ، والى تبكير سن اليأس عند المرأة .

          سادساً : وللكحول تأثير خطير على الجهاز العصبي المركزي ، وخصوصاً على الذاكرة الشخصية ، وعلى تناسق عمل الحواس الخمس ، وعلى الاستجابة للحوافز الخارجية . ويولد تناوله ايضاً اضطرابات شديدة في الجانب العاطفي للانسان ، مما يؤدي الى الضيق والكآبة النفسية التي ذكرناها سابقاً . بل ان نسبة الانتحار بين المدمنين على الخمر ، اكثر ثلاثين مرة من نسبتها بين الافراد الاصحاء الذين لا يقربون المادة الكحولية اصلاً .

          وبالاجمال ، فان تناول قطرة من الكحول يفتح فرصاً واسعة للادمان . واذا ادمن الفرد على تناولها ، فقد اوقع نفسه في وضع تترتب عليه نتائج خطيرة على صعيد العمل الانتاجي ، والحياة العائلية ، والحياة الاجتماعية بشكل عام . فالفرد لا يحتاج الى ان يصبح مدمناً الاّ الى كمية قليلة من الكحول في البداية ، والى ظروف واجواء مناسبة تشجعه على التناول دون رادع قانوني او شرعي . وليس غريبا ان نلاحظ ردع الشريعة القطعي على تناول القليل منه ، لانه يؤدي الى الادمان الذي لاحظنا اثره الروحي والاجتماعي السلبي على الافراد .

          ولذلك ، كان لتحريم الاسلام للخمر بالاضافة الى جانبه التعبدي ، ابعاده الاجتماعية الخطيرة تجاه استقرار النظام الاجتماعي على الاصعدة الشخصية والعائلية والاقتصادية والاخلاقية .

 ج ـ الحيوانات المحرم اكلها بالواسطة :

          وهي الحيوانات التي كانت حلالاً بالاصل ولكن طرأ عليها طارئ حرّم اكلها . ومنها الحيوان الجلاّل ، وهو الذي يتغذى على عذرة الانسان خاصة دون أن يشرك معها غيرها من العلف لفترة كافية حتى ينبت عليها لحمه . وقد ورد تحريم اكلها . ويُزال الجلل بالاستبراء وذلك بمنع الحيوان عن اكل النجاسة واعلافه علفاً طاهراً لفترة حتى ينبت اللحم الطاهر . ومنها: وطء انسان منحرف دابة . والحكم في هذه الحالة ، جلد الفاعل دون الحد ، وتغريمه قيمتها لصاحبها ، لانه افسدها عليه ، وتذبح الدابة وتحرق . ومنها: شرب الحيوان من لبن الخنـزيرة، حتى نبت لحمه وقوى عظمه ، فيحرم هنا اكل لحم الحيوان الشارب ولحم نسله .

          والمدار في كل هذه الحالات ان النجس بالاصل والنجس بالواسطة (المتنجس) حرام اكله وهو من القطعيات بالاجماع ، ان لم يكن من الضرورات .

 د ـ الحيوانات المحرم اكلها بالذات المحلل اكلها بالواسطة :

          وهو اكل الميتة وقت الاضطرار ، لقاعدة ان الضرورات تبيح المحظورات . فقد اعلن الاسلام ان الاصل في احكام الشريعة ، اليسر والسعة وعدم الضرر ونفي الحرج ، لقوله تعالى: (ما جَعَلَ اللّهُ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن حَرَج)[27] . وقوله: (يُريدُ اللّهُ بِكُم اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُم العُسرَ)[28] . وقوله: (فَمَن اُضطُرَّ غَيرَ باغ وَلا عاد فَاِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ) [29] . والمروي عن رسول الله (ص): (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)[30] . وما ورد في رواية علي بن مهزيار عن الامام ابي الحسن العسكري (ع): ( . . . وكلما غلب اللّه عليه فهو اولى بالعذر)[31] .

          والمضطر ، حسب تعبير الفقهاء هو «الذي يخاف التلف على نفسه لو لم يتناول المحرم او يخشى حدوث المرض او زيادته ، او انه يؤدي الى الضعف والانهيار ، او يخاف الضرر والاذى على نفس اخرى محترمة ، كالحامل تخاف على حملها ، والمرضعة على رضيعها ، او اكرهه قوي على أكل او شرب المحرم ، بحيث اذا لم يفعل آذاه في نفسه ، او في ماله ، او في عرضه وشرفه»[32] . وقد اشتهر بين الفقهاء بان «الضرورة تقدر بقدرها» ويدل عليه قوله تعالى: (فَمَن اُضطُرَّ غَيرَ باغ وَلا عاد فَلا اِثمَ عَلَيهِ)[33] . وورد ايضاً في خبر المفضل عنه (ع) بان اللّه اباح للمضطر من الحرام في الوقت الذي لا يقوم بدنه الاّ به ، (فأمره ان ينال منه بقدر البلغة لا غير) [34] . وعلى صعيد آخر ، فان المضطر يستطيع التناول من مال غيره لدفع الهلاك ، لان الاضطرار يسقط الخطاب التكليفي لا الخطاب الوضعي . و«لو اضطر الى طعام الغير وليس له الثمن ، وجب على صاحبه الحاضر غير المضطر اليه بذله ، لان في الامتناع اعانة على قتل المسلم ، وقد قال (ع): (من اعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينه آيس من رحمة اللّه) ولانه يجب عليه حفظ النفس المحترمة ولو لغيره»[35] .

 2 ـ التدخين والمخدّرات:

          وندرسها على الصعيدين الشرعي والتجريبي .

اولا ـ التدخين والمخدرات : الناحية الشرعية :

          ولا يوجد في النص دليل على تحريم التدخين بوجه عام ، ولكن القواعد تبين بان كل ما كان ساما فهو حرام لمكان الضرر، وما عداه يندرج تحت القاعدة الفقهية التي تقول «كل شيء لك حلال حتى تعلم حرمته» . والمعتد به عند الفقهاء ان الضرر اذا ثبت فقد ثبتت الحرمة ، وعليه فان الحرمة مرتبطة بالضرر .

          اما المخدرات فان العلوم الحديثة قد قطعت باضرارها على  عقل وجسم الانسان ، بل لا يستبعد درجها علمياً تحت عنوان السموم . ولا شك ا ن تحريمها واضح لمكان الضرر الحتمي على الفرد جسمياً وعقلياً . وقد بينا سابقاً ان قول الرسول (ص): (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)[36] يعتبر دليلاً قاطعاً على حرمة تناول اي شيء يضر بالانسان ، ويعضد ذلك قول الامام الصادق (ع): (كل شيء يكون فيه المضرة على الانسان في بدنه وقوته فحرام اكله الاّ في حال الضرورة)[37] . وبطبيعة الحال ، فان قوله تعالى: (وَلا تُلقُوا بِأَيدِيكُم اِلى التَهلُكةِ)[38] هو الفصل في تحريم تناول كل ما يسبب ضرراً معتداً به على جسم الانسان . فالاصل اذن ، ان كل ما يعد فعله ضرراً وتهلكة في نظر العرف فهو حرام ، حتى لو كان الضرر محتملاً عند العقلاء .

ثانيا ـ التدخين : الناحية التجريبية :

          ولا يشك احد ان التدخين عادة غربية جاءت من اوروبا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي كجزء مهم من العادات الغربية التي حاولت الرأسمالية نشرها في العالم . فمع بداية التصنيع الحديث الذي انتشر في اوروبا في القرن التاسع عشر ، اصبحت صناعة السجائر من الصناعات الرئيسية التي تدر ارباحاً هائلة على المؤسسات الرأسمالية . ففي بداية القرن العشرين كان التدخين منحصراً بالطبقة المتوسطة من رجال النظام الاجتماعي ، ثم انتشر في العشرينيات من نفس القرن بين المثقفين ورجال الاعمال ، واصبح التدخين في الاربعينيات جزءًا مهماً من الشخصية الحضارية الغربية ; بمعنى ان شركات التدخين نجحت في خلق انطباع عام لدى الافراد يعكس فكرة تقول بان الذي يشعل سيجارة بيديه ويدخنها يعتبر فرداً متحضراً ، مثقفاً ، ومن طبقة معتبرة في النظام الاجتماعي .

          ومن اجل استدرار اكبر كمية من المال ، بدأت الشركات الصناعية التي تنتج وتصنّع التبوغ باضفاء صورة لامعة وبراقة على التدخين ، فاصبحت الصحافة ووسائل الاعلام المطية التي تنفذ اهداف هذه الشركات الرأسمالية في تسويق التبوغ والسجائر . فاصبح المدخّن الرجل المثالي او المرأة المثالية في النظام الاجتماعي ، كقائد الطائرة ، والطبيب ، والممرضة ذات الوجه الحسن ، وسائق الدبابة ، ورجل الفن ونحوهم . وامام هذا التشويق الاعلامي نحو التدخين جنح اكثر من نصف افراد النظام الرأسمالي في منتصف الستينيات من القرن العشرين نحو ممارسة التدخين . ولكن بسبب الامراض الخطيرة التي احدثتها هذه العادة الخطيرة ، وتأثير ذلك على الطاقة الانتاجية للافراد ، بدأت الحكومات الرأسمالية بالتلويح بمخاطر هذه العادة السيئة فاعتبرتها من اكثر الاسباب المؤدية الى الموت في المجتمع الصناعي .

          والسبب في ذلك ، ان التبغ يحتوي على مادة سامة تدعى النيكوتين . فعندما يبتلع المدخن دخان سيجارته ، ينتقل النيكوتين خلال الاغشية الرقيقة للرئة الى مجرى الدم . وبواسطة جريان الدم في شرايين الجسم ، تنتقل حوالي ربع كمية النيكوتين الموجودة في الدم الى الدماغ ، فتتحفز خلاياه للاستجابة لهذه الكمية الواردة من النيكوتين . وعندها يفرز الدماغ مواداً كيميائية جديدة تساهم في ازدياد دقات القلب وزيادة ضغط الدم . وتذهب بقية المادة النيكوتينية الى بقية خلايا الجسم ، ومنها الجهاز الهضمي والامعاء والغدة الادرينالية ، مسببة افراز مواد كيميائية اُخرى مضرة بالخلايا الجسمية .

           ويرجع سبب الادمان على التدخين ، الى ان خلايا الدماغ تتعود على استلام كمية النيكوتين المخصصة في عملية التدخين . فاذا توقف الفرد عن ممارستها ، انخفضت نسبة الكيميائيات المحفزة في الدماغ ، وهذا يحفز الدافع الذاتي للفرد للتدخين مرة اُخرى حتى يستطيع الدماغ رفع كمية المادة الكيميائية الى مستواها الجديد مرة اُخرى .

          ولا شك ان الاصل في ضرر التبغ  هو المواد السامة فيه ، و التي تدخل جسم الانسان عن طريق الاغشية الموصلة الى جهاز الدورة الدموية ، كما ذكرنا ذلك سابقاً . واهم هذه المواد السامة بعد النيكوتين هو غاز (اول اوكسيد الكاربون) الذى يزاحم الكريات الدموية ، عند ابتلاع الدخان ، على حمل الاوكسجين ، مما يسبب ضرراً على الدورة الدموية وما فيها من قلب وشرايين . وقيل ايضاً ان (اول اوكسيد الكاربون) يساعد على احتمال تعرض الفرد للسكتة القلبية والشلل في الدماغ . والمادة السامة الاخيرة هي المادة الصلبة التي تحوي على كمية قليلة من مادة القطران والبينزبرين وهي المسؤولة  عن تسبيب سرطان الرئة .

          ويمكن تلخيص ضرر التدخين الشديد على الفرد بعبارة تقول ان التدخين يربط الانسان بالموت . فهو احد اهم المسببات العشرة للموت الذي جلبته الحضارة الصناعية الحديثة . فهو يؤثر على المرأة الحامل وعلى جنينها في الاسقاط وفي تشويه خلقة الجنين ؛ ذلك  ان (اول اوكسيد الكاربون) يقلل من فرص وصول الاوكسجين الى الجنين ، وبالتالي يقلل من حجم ووزن ذلك الكائن الصغير مما يسبب تأثيراً فيزيائياً على النمو العقلي والسلوكي للطفل لاحقاً .

          ومع ان ضرر التدخين واستخدام السجائر واضح طبياً ، خصوصاً منذ اختراع ماكنة تصنيع التبغ سنة 1881 م ، ومع ان الحملة الاعلامية ضد التدخين في الانظمة الاجتماعية الرأسمالية اصبحت اكثر شراسة ، الا ان شركات التبغ العملاقة لا تزال تنتج 600 بليون سيجارة في السنة ، اكثرها يصدر الى دول العالم الثالث؛ لان النظام الرأسمالي ، عن طريق تشجيع التدخين بين دول العالم الاسلامي ، يحاول جاهداً قطف ثلاث ثمار لصالحه . الاولى : ان الاموال الواردة من بيع هذه الكمية الضخمة من التبوغ المصنّعة تدخل جيب الطبقة الرأسمالية الغربية . الثانية: تقليل انتاجية افراد العالم الثالث عموماً ، وافراد العالم الاسلامي بالخصوص عن طريق نشر الامراض الناتجة عن التدخين ، كامراض السرطان ونحوها . الثالثة: تخريب المستوى الصحي العام فيها حتى تكون تلك المجتمعات مسرحاً لاستيراد الادوية المصنعة في الدول الرأسمالية الغربية نفسها .

 3 ـ السواك وتطهير الفم

          والسواك من المستحبات الاكيدة التي امر بها الشرع ولكن لم يوجبها خشية ان يشق على الاُمة . وقد وردت فيه احاديث كثيرة تحبيباً لتلك العملية وتشجيعاً على ممارستها مراراً في اليوم والليلة . وكيفيته ان يستاك بخشب الاراك او غيره من قضبان الاشجار مما يخشن ، ووقته عند كل صلاة و عند كل وضوء وعند تغير نكهة الفم بالنوم ، او أكل ما يكره رائحته . ومن الاحاديث الواردة فيه ، حديث رسول الله (ص): (ان افواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك)[39] ، و(لولا ان اشق على اُمتي لامرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة)[40] ، و (مالي اراكم تدخلون علي قلّحاً استاكوا) [41] ، والقلح صفرة تعلو الاسنان . وقوله (ص): (لكل شيء طهور وطهور الفم السواك)[42] . ومن طرق اهل السنة: «ان السواك سنة مؤكدة لمواظبته (ص) عليه ليلاً ونهاراً وقام الاجماع على كونه مندوباً حتى قال الاوزاعي هو شطر الوضوء . وقد جاءت احاديث كثيرة تدل على مواظبته (ص) عليه ولكن اكثرها فيه كلام ، واقوى ما يدل على المواظبة وأصحّه محافظته (ص) له حتى عند وفاته»[43] . وفي الرواية عن ابن عباس «قال: (بت عند النبي(ص) فاستن) .وقوله فاستنّ من الاستنان وهو الاستياك وهو دلك الاسنان وحكها بما يجلوها مأخوذة من السن وهو امرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر ومنه المسن الذي يشحذ به الحديد ونحوه»[44] .

          وبطبيعة الحال ، فان الهدف من السواك واضح ، وهو تطهير الفم عموماً ، والاسنان بالخصوص . ولا ريب ان تأكيد العلم الحديث على تنظيف الاسنان بالفرشاة مأخوذ بالاصل من التعليمات الاسلامية . ولكن الطريقة الحديثة في تنظيف الاسنان باستخدام الفرشاة تعجز عن مواكبة نظام المسواك الاسلامي الطبية لسببين . الاول: ان مادة الفرشاة غالباً ما تصنع من المواد البلاستيكية وهي مادة صناعية تخدش طلاء الاسنان وتضر بخلايا اللثة المتصلة بها . والثاني: ان معاجين الاسنان الحديثة لا تستطيع قتل البكتريا المرضية المتراكمة على الاسنان ، بل ان هذه المعاجين لا تستطيع في احيان كثيرة تبديل لون الاسنان من القلح او الصفرة نحو البياض . ولكن من المؤكد انها تعطي الفم رائحة عطرة وطعماً محبباً للنفس . على الجانب الآخر ، فان اخشاب السواك مادة طبيعية تتعامل معها خلايا الجسم الانساني تعاملاً رقيقاً كما تتعامل مع الاغذية الطبيعية في الهضم والامتصاص . اما من الناحية العملية فهي اقدر على تبييض الاسنان وتطهير الفم تطهيراً طبيعياً ، فتجنب الفرد المشاكل الصحية التي يبتلى بها لاحقاً في حياته العملية .

          ولو كانت الفرشاة الحديثة قادرة على قتل الجراثيم كلياً في الفم ، لما خصص العلم الحديث جهوداً جبارة لتطوير علم طب الاسنان الذي يتعامل بالدرجة الاولى مع الاسنان من خلال التنظيف  وسد الفجوات والتجاويف التي يتركها تناول الطعام والبقايا التي تعلق بالاسنان ، ويقوم ايضاً بقلع الاسنان المنخورة وعمل الجسور الصناعية .

          ولم يتوقف الاسلام في الحث على تنظيف الاسنان على السواك ، بل حبب التخلل ايضاً . فقد وردت احاديث عديدة في التخلل بعد تناول الطعام . والتخلل غير السواك . فعن طريق التخلل يزيل الفرد بقايا الطعام العالقة بين الاسنان . فقد جاء في الحديث عنه (ص): (تخللوا على اثر الطعام فانه مصحة للفم والنواجذ)[45] ، والنواجذ هي آخر الاضراس . ولعل ثمرة هذا الحديث تظهر عمليا باجتناب الفرد امراض اللثة وتنخر الاسنان . ولا شك ان انتباه العلم الحديث للتخلل جاء متأخراً ، حيث نشط الحث الطبي على استعمال الخيوط المشمعة لتنظيف الاسنان في النصف الاخير من القرن العشرين .

          والخلاصة ان استعمال السواك والتخلل من الناحية الوقائية  يوفر على النظام الصحي جهوداً جبارة في اجتناب امراض الفم عند الافراد . فلو تم تدريب الاطفال على استعمال المسواك والتخليل منذ الصغر لجنب ذلك ، العلم الطبي ، العديد من الامراض المذكورة التي لا يعالجها استعمال الفرشاة البلاستيكية والمعاجين الكيميائية . ولكن النظام الصحي المعمول به اليوم ، خصوصاً فيما يتعلق بصحة الاسنان ، يدر على المؤسسة الصناعية الكثير من الثروات لان تجارة طب الاسنان مع ما فيها من اطباء وادوية ومعاجين كيميائية تعد من انجح الصناعات في النظام الصناعي الحديث .

          وخير خاتمة نختم بها الحديث حول المسواك ، ما روي عن الامام الصادق (ع) قوله: (ان المسواك نبات لطيف نظيف وغصن شجر عذب مبارك ، والاسنان خلق خلقه اللّه تعالى في الفم ، آلة للاكل واداة للمضغ وسبباً لاشتهاء الطعام واصلاح المعدة ، وهي جوهرة صافية تتلوث بصحبة تمضيغ الطعام وتتغير بها رائحة الفم ويتولد منها الفساد في الدماغ ، فاذا استاك  المؤمن الفطن بالنبات اللطيف ومسحها على الجوهرة الصافية ازال عنها الفساد والتغير وعادت الى اصلها)[46]  ولابد من التأكيد مرة اخرى على ان الدولة الاسلامية مكلّفة بان تقدم للعالم نموذجا رائعا من نماذج الطب الوقائي الاسلامي الخاص بالاسنان وتحاول تطويره بشتى الوسائل الحديثة .

 

 (تليها صفحات 73 - 108)

 

اللاحق            صفحة التحميل             الصفحة الرئيسية


 


 [1]سورة الانعام: الآية 145.

 [2]سورة البقرة: الآية 28.

 [3]مسالك الافهام – كتاب الاطعمة والاشربة.

 [4]تهذيب الاحكام ج 9 ص 2.

 [5]الكافي ج 6 ص 220.

 [6]سورة الانعام: الآية 145.

 [7]جواهر الكلام ج 36 ص 199.

 [8]الكافي ج 6 ص 245.

 [9]الخصال للشيخ الصدوق ج 2 ص 88.

 [10]جواهر الكلام ج 36 ص 304.

 [11]جواهر الكلام ج 36 ص 309.

 [12]جواهر الكلام ج 36 ص 335.

 [13]سورة المائدة: الآية 3.

 [14]مسالك الافهام – باب الاطعمة والاشربة.

 [15]اللمعة الدمشقية للشهيد الاول ج 7 ص 310.

 [16]شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني ج 7 ص 310.

 [17]تحف العقول ص 337.

 [18]جواهر الكلام ج 36 – باب الاطعمة والاشربة.

 [19]تهذيب الاحكام ج 9 ص 111.

 [20]تحف العقول ص 337.

 [21]علل الشرائع ج 2 ص 169.

 [22]سورة البقرة: الآية 210.

 [23]سورة المائدة: الآية 91.

 [24]سورة الاعراف: الآية 32.

 [25]قلائد الدرر في بيان آيات الاحكام بالاثر – الشيخ احمد الجزائري ص 300.

 [26]المعهد القومي للشرطة والعدالة القضائية: الكحول والجريمة. واشنطن: وزارة العدل، 1976.

 [27]سورة الحج: الآية 78.

 [28]سورة البقرة: الآية 185.

 [29]سورة المائدة: الآية 3.

 [30]من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 243.

 [31]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 120.

 [32]المسالك – باب الاطعمة والاشربة.

 [33]سورة البقرة: الآية 173.

 [34]الوسائل – باب 1 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 1.

 [35]جواهرا لكلام ج 36 ص 433.

[36]  من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 243.

[37]  تحف العقول ص 337.

[38]  سورة البقرة: الآية 195.

[39]  المحاسن – البرقي ص 558.

[40]  الكافي ج 3 ص 22.

[41]  الكافي ج 6 ص 496.

[42]  علل الشرائع – الشيخ الصدوق ج 1 باب 227.

[43]  عمدة القاري في شرح صحيح البخاري للعيني الحنفي ج 1 ص 954.

[44]  عمدة القاري ج 1 ص 953.

[45]  مكارم الاخلاق ص 175.

[46]  مصباح الشريعة – الباب الثامن والخمسين ص 123.