(ص 1- 20)

 

بحوث نقدية مقارنة في النظرية الاجتماعية

  

النظام الصحي ..والسياسة الطبية في الاسلام

 

 

الدكتور زهير الاعرجي

 -----------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

(ولن ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئِن اتبعتَ اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليٍّ ولا نصير)[1]

 -----------------

 بطاقة تعريف الكتاب:

 الكتاب : النظام الصحي .. والسياسة الطبية في الاسلام

المؤلف : د. زهير الاعرجي

الطبعة : الاولى 1415 هـ / 1994 م.

عدد صفحات الكتاب : 181

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤلف .

  -----------------

المقدمة

          ان تطور صحة الافراد في عالمنا المعاصر خلال العقود القليلة الماضية لم يكن نتيجة الاكتشافات الطبية الحديثة ، بل كان نتيجة التغير الذي حصل في البيئة الانسانية بفضل جهود الانسان. فتزويد المدن الحديثة بالماء الصافي الخالي من الجراثيم، وتصميم نظام ازالة الفضلات والمجاري العامة، وجمع القمامة وطرحها خارج المدن بشكل منتظم، والسيطرة على الحشرات الناقلة لمختلف الامراض، واتباع سياسة صحية في المطاعم والتجمعات العامة ، كلها ادت الى تطوير صحة الافراد وتقليل عدد الوفيات. وهذا الشكل الصحي يعكس جانبا من جوانب النظام الوقائي؛ يضاف الى ذلك ان تحسن نوعية المواد الغذائية التي يتناولها الافراد ساهم هو الآخر في تطوير صحتهم وتقوية مناعتهم ضد الامراض . وهذا الجانب الثاني يعكس جوهر النظام الغذائي . الا ان اجتماع النظامين الوقائي والغذائي لايمحو مشكلة المرض او يلغي قضية الموت ;بل ان قضية المرض والموت تبقى مع الانسان ما بقي على الارض. ولاشك ان الطبيعة ، والوضع الاجتماعي ; وعمل الفرد كلها تساهم هي الاخرى في تصميم طبيعة المرض الذي يتعرض له الانسان .

          فالشمس والمطر والهواء النقي مثلا لها تأثير على صحة الافراد. فالتعرض المستمر للشمس يصيب الجلدة البيضاء بمرض سرطان الجلد. ولذلك فان الاوروبيين البيض الذين هاجروا من بريطانيا وهولندا الى استراليا وجنوب افريقيا تعرضوا لذلك المرض الذي لم يألفوه في بلادهم. والتعرض للبرودة الشديدة يعرّض الفرد لمرض (هايپوثرميا) الذي يؤدي الى الموت عند الشيوخ . والتعرض للبرد والرطوبة معا يسبب امراضا صدرية مختلفة . والمطر الشديد المتواصل خلال فصول السنة قد يؤدي الى الجلطة الدموية التاجية . والهواء الجاف النقي يفضي بالفرد الى الشفاء من مرض السل ; وهكذا كان يفعل سكان اوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي حينما كانوا يتسلقون جبال سويسرا حيث الهواء الجبلي الجاف النقي للتشافي من مرض السل وامراض الربو التي تصيب الاطفال . الا ان الافراد الذين يعيشون على سطح اليابسة وبمستوى سطح البحر لايستطيعون العيش في المناطق الجبلية التي ترتفع اكثر من خمسة آلاف متر عن مستوى سطح البحر ، لان ذلك يسبب اثقال الرئتين بالماء .

          ولاشك ان الامراض التي تصيب الفرد تختلف بحسب طبيعة الاجواء التي يعيش فيها . فالملاريا تنتشر في الاجواء التي يكثر فيها بعوض الانوفيلس . والبلهارزيا تنتشر في الاماكن المائية التي يتواجد فيها نوع معين من الحلزونيات .ومرض النوم ينتقل فقط عن طريق اتصال ذباب مرض النوم (الشذّاة) الافريقي بجسد الانسان. والدزنتري ، والتيفوئيد ، والكوليرا تنتشر عن طريق عدوى بكتريا تصيب الجهاز الهضمي في المناطق الحارة الرطبة.

          وبطبيعة الحال ، فان للامراض ابعاداً اجتماعية ايضا. فالطبقة الاجتماعية احيانا تشخّص مرض الفرد . فافراد الطبقة العليا في النظام الطبقي غالبا ما يتمتعون بصحة جيدة، مع حمل وولادة طبيعية فيما يتعلق بنسائهم. والمسكن الذي تسكن فيه العائلة يشخّص بعض الامراض، فالبيوت القديمة الرطبة تكون مرتعا لمرض السل والامراض الصدرية الاخرى ، والبيوت القريبة من مناطق التلوث الصناعي تكون سببا لمرض التهاب القصبات . وطبيعة عمل الفرد تشخّص بعض الامراض ايضا . فعمال المناجم يعانون من الامراض الرئوية الناشئة من فرط استنشاق الدقائق المعدنية ، وعمال الصناعات الكيميائية قد يتعرضون لسرطان الكبد والمثانة.

          الا ان اخطر الامراض التي يعاني منها انسان اليوم هي الامراض التي جلبتها الحضارة الغربية الحديثة بما فيها من صناعات وتطور تقني . ويقع على صدر قائمة هذه الامراض مرض تصلب الشرايين الذي يسبب الجلطة الدموية التاجية ، وامراض السكتة القلبية او الدماغية، وامراض السرطان. وقد دلّت كل البحوث الطبية على ان نوع الغذاء ، والعادات الانسانية المضرة كالتدخين والكحول ، وعدم ممارسة التمارين الرياضية ، والكآبة النفسية ، والمنافسة على اصعدة الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، كلها لها دور مهم في انشاء هذه الامراض . ولعلل اهم تغيير صحي مضر حصل مع تطور الحضارة الغربية خلال المائة سنة الماضية هو تصنيع المواد الغذائية ، ومحاولة الانسان الغربي - بجهل غير متعمد - حذف الالياف النباتية من المواد الغذائية. فاصبحت الحنطة والشعير التي هي من اغنى المصادر الغذائية بالسعرات الحرارية التي ينبغي ان نتناولها كما تناولها اجدادنا من قبل بشكل طبيعي بعيد عن تدخل الانسان ، تصفّى وتنظّف تدريجيا من الالياف النباتية، بحيث اصبح غذاؤنا الرئيسي خبزاً أبيض لايبني اجسامنا بالشكل الطبيعي الذي بناه الخبز الاسمر الحاوي على كل الالياف النباتية . وجلَب السكر المطحون الذي اصبح جزءا رئيسيا من حياتنا الغذائية ظاهرة تسوس الاسنان ، بحيث قيل ان اجدادنا لم يكونوا يعرفوا شيئا اسمه تنخر الاسنان ، بل كانت اسنانهم تواصل عملها بسلامة ولحد الموت بسبب تناولهم طعاما طبيعيا لايحوي سكراً مطحوناً اولاً، وبسبب استعمالهم المسواك ثانياً. ولاشك ان هذا الطعام المصنّع الذي عرضته الحضارة الغربية الحاوي على كمية كبيرة من السكريات ، وكمية قليلة من الالياف ، وكمية اكبر من الدهنيات الحيوانية هو احد اسباب امراض القلب وتصلب الشرايين الحديثة العهد بالانسان .

          ان هذا العرض المختصر حول الامراض التي يواجهها الانسان المعاصر تجعلنا ارسخ ايمانا بان النظرية الصحية التي جاء بها الاسلام فيما يتعلق بالنظامين الوقائي والغذائي هي اسلم الطرق لحفظ صحة الافراد في النظام الاجتماعي؛ ولذلك فاننا لانملك خياراً آخر غير الخيار الاسلامي اذا حاولنا صياغة سياسة طبية للدولة الاسلامية .

          وقد بحثنا في هذا الكتاب مقدمات السياسة الطبية الاسلامية . فقد تطرقنا في القسم الاول من الكتاب الى عرض مجمل للآراء الفقهية الاسلامية الخاصة بالصحة والمرض والموت . وخرجنا بنتيجة مهمة وهي ان النظام الصحي والسياسة الطبية الاسلامية ينبغي ان تطرح كنموذج عملي يستحق - على اقل تقدير - انزاله الى الساحة الاجتماعية الاسلامية، وضرورة تبنيه بكل قوة حتى يتحقق تكامل نظام الدولة والحكم في الاسلام. وتطرقنا في القسم الثاني الى عرض  ارآء النظرية الرأسمالية ونقدها فيما يتعلق بالصحة والمرض والسياسة الطبية بمدارسها الفكرية الموسومة بالمدرسة التوفيقية ، ومدرسة الصراع الاجتماعي ، والمدرسة الامريكية التي سميت ايضا بمدرسة (جامعة شيكاغو) وروادها علماء اجتماع امريكان امثال (جورج ميد) ، و(روبرت پارك) و(ارنست بيرجيس) الذين كانوا جميعا اما ابناء قساوسة بروتستانت او انفسهم قساوسة بروتستانت؛ فتكون النظرة الاجتماعية الامريكية اقرب الى النظرة النصرانية البروتستانتية .

          ان التفصيلات المذكورة في طيات الكتاب، والخاصة بتطبيق افكار المدرسة التوفيقية والافكار الرأسمالية في النظام الصحي الغربي، تنتهي الى نتيجة على درجة كبيرة من الخطورة وهي ان المؤسسة الصحية الغربية اصبحت تتدخل تدخلا مباشرا في حياة الافراد والشعوب، واصبحت السياسة الطبية الغربية دون ادنى شك مرتبطة بالسياسة الاستعمارية لدول الاستكبار.

          ان اطباء العالم الاسلامي اليوم يتحملون اكبر المسؤوليات الاجتماعية فيما يتعلق بتطوير النظام الطبي في المجتمع الاسلامي . ويتحمل فقهاء الامة ايضا مسؤولية رسم السياسة الطبية الاسلامية واكتشاف كل ما من شأنه الوقاية من الامراض والعناية بصحة الفرد من خلال الكتاب المجيد والروايات الواردة عن رسول الله (ص) وائمة اهل البيت (ع) . وينبغي ان يكون حمل هّم هذه القضية من اولويات السياسة الاسلامية.لان الاستعمار الطبي يخدم السياسة الاستكبارية على مستويين ; الاول: استنزاف طاقات وموارد العالم الاسلامي والدولة الاسلامية بالخصوص من خلال تصدير الادوية والمعاجين الكيميائية او موادها الاساسية. الثاني: حرمان الاسلام من فرص عرض نظامه الصحي المتميز والمستند على الانظمة الوقائية والغذائية والعلاجية ، التي هي ارخص الطرق واسلمها الى السعادة الصحية؛ وبالتالي الابقاء على حالة التخلف الحضاري التي يشهدها المسلمون اليوم . ولاشك ان صياغة سياسة طبية مستندة تماما على اطار الافكار الاسلامية يتطلب فهما استثنائيا لدور الطب في الحياة الاجتماعية ودور الفقه الاجتماعي في معالجة المشاكل الاجتماعية التي تواجهها الدولة الاسلامية .وقد حاولنا بكل جهد ان نضع قدمنا على الخطوة الاولى لهذا الطريق الطويل.

        وهو المستعان ، وله الحمد في الاولى والاخرة ، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب .

 

                                                                   زهيـر الاعـرجي

                                                        الحوزة العلمية - ذو الحجة 1413هـ .

  -----------------

 اطروحة الكتاب

          تربط النظريات الاجتماعية الغربية الصحة والمرض بصميم فعاليات النظام الاجتماعي . ففي الوقت الذي تعتقد فيه النظرية التوفيقية على لسان (تالكوت بارسن) و(جورج ميد) بضرورة ربط المرض بالدور الاجتماعي الذي يشغله الفرد وترتب على ذلك استنتاجا مهمّا يصرّح بان للنظام الاجتماعي مصلحة حقيقية في انشاء المؤسسة الطبية للحفاظ على سلامة الافراد وصيانة انتاجهم الاجتماعي ، فانها لاتمانع من ربط النظام الصحي بالفلسفة الرأسمالية التي تؤمن بتقييم العمل من زاوية الربح والخسارة لا الخدمات الانسانية . بينما تقوم نظرية الصراع الاجتماعي على لسان (كارل ماركس) والمتأخرين من انصارها باتهام النظام الرأسمالي بضلوعه في انشاء المؤسسة الطبية التي لاتعدو كونها مجرد صنيعة من صنائع الطبقة الرأسمالية ، لان صياغة شكل سياسة تلك المؤسسة الطبية يمثل الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي .

          ويتلخص نقدنا لكلا المدرستين ، بان للطب وظيفة خطيرة في المحافظة على صحة الافراد وزيادة انتاجهم الاجتماعي وليس بالضرورة ان يكون النظام الصحي وليد الطبقة الرأسمالية ، لان المجتمع الانساني يحتاج الى تلك المؤسسة بل لايشك عاقل انها من اولويات مسؤولية الدولة الحديثة . الا ان الخبرة الطبية والتقدم التقني وحدهما لايستطيعان تطوير انسانية النظام الصحي ما لم تستند فلسفة ذلك النظام على رسالة الدين الاخلاقية في التعامل مع الصحة والمرض والموت .

          فرسالة الدين تولي اهتماما خاصا بالفرد ومصلحته الشخصية والاجتماعية . فتَبني اولا في شخصيات الافراد حب التعفف عن المال ، وهو ما يساهم في تربية الطبيب على الخدمة الانسانية في عمله المهني ويجنبه حب تكديس المال على حساب دخل المريض ومعاناته الانسانية . وتحاول الرسالة الدينية ايضا تثقيف المريض من خلال حثه على معرفة اساليب الوقاية وتناول الغذاء الصحيح . وتقوم تلك الرسالة ايضا في تحميل النظام الاجتماعي الاسلامي مسؤوليته الشرعية في علاج المريض وتعويضه ماليا بشكل يحفظ كرامته ويسد حاجته وحاجة عائلته الاساسية .

          ويتلخص جوهر النظرية الاسلامية في الطب والصحة العامة في نظامين هما : النظام الوقائي ، والنظام الغذائي . فالنظام الوقائي يعالج الحالة المرضية قبل وقوعها. وقد تعاملت الشريعة مع هذا النظام باسلوب التحريم ، فمنعت العديد من المأكولات التي اثبت العلم التجريبي الحديث ضررها القطعي على الجسد الانساني كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر ونحوها استنادا على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) ، بينما أحلّت الكثير من اللحوم والثمار . وقد جاء الاسلام بنظام وقائي فريد فيه الكثير من التفصيلات فيما يتعلق بطهارة الجسد الانساني ، خصوصا تنظيف الاسنان عن طريق السواك ، وتنظيف الجسد بالطهارة المائية ، وطهارة الشمس الخاصة بالارض وهي بيئة الفرد ، والطهارة الطبية الباطنية عن طريق الصيام . والنظام الغذائي هو الآخر يمثل قسما واسعا من الدائرة الفقهية الخاصة بصحة الفرد . واعمدته وجوب التذكية الشرعية ، وآداب المائدة ، والاعتدال في تناول اللحوم ، والنظام الشفائي في العسل ونحوها.

          وفي الحالات الاستثنائية يتعين الطب العلاجي الذي يؤيده الاسلام ويضع له الضوابط الاخلاقية ومنها ضمان الطبيب بشروطه الشرعية ، والارتكاز العقلائي، ومسؤولية الدولة في تطبيب الافراد ومعالجتهم وقت الطوارئ .

          ومن هذا البحث نستنتج ان للنظام الطبي الاسلامي اخلاقية دينية وادبية عظيمة تميزه عن بقية الانظمة الصحية في العالم وخصوصا النظام الطبي الرأسمالي الغربي . وهذا الكتاب مقدمة على طريق اكتشاف النظام الصحي للدولة الاسلامية من منابعه الاصيلة .

  -----------------

 القسم الاول

 النظام الصحي في النظرية الاسلامية

 أهمية النظام الصحي * نظرية الاسلام في الطب * العلاقة بين الطبيب والمريض * أهل الخبرة الطبية * ضمان الطبيب * النظام الصحي في الاسلام * اولاً : النظام الوقائي : 1 ـ ما يؤكل من الاطعمة : أـ الحيوانات المحرم أكلها بالذات . ب ـ الاشربة والحبوب والثمار المحرمة بالذات . ج ـ الحيوانات المحرم اكلها بالواسطة . د - الحيوانات المحرم اكلها بالذات المحلل أكلها بالواسطة * 2 ـ مضار التدخين والمخدرات     *3 ـ السواك وتطهير الفم * 4 ـ النوم وآدابه * ملحق : دعاء الامام علي بن الحسين(ع) عند صلاة الليل * 5 ـ الطهارة المائية * 6 ـ الطهارة العامة  *7 ـ الصيام وأحكامه  *الاستنتاج * ثانياً : النظام الغذائي : 1 ـ آداب المائدة * 2 ـ استحباب تناول الحبوب والفاكهة والخضار *3 ـالأعتدال في تناول اللحوم المحلل أكلها * 4 ـ التذكية الشرعية : أ ـ الصيد . ب ـ الذباحة . ج ـ النحر . د ـ الاخراج من الماء  *ثالثاً : النظام العلاجي * الاستنتاج  *تصرفات المريض * احكام الميت .

  -----------------

 أهمية النظام الصحي

          لما كان المرض مشكلة انسانية تصيب الفرد وتؤثر على طبيعة المجتمع الانتاجية ، فان النظام الاجتماعي ملزم بايجاد نظام صحي متكامل يحافظ فيه على صحة الافراد ، ويعالجهم معالجة تؤدي بهم الى الشفاء الكامل . ومن ثم ارجاعهم مرة اخرى الى عجلة الانتاج والخدمات الاجتماعية . واذا لم يؤد العلاج الموصوف من قبل المؤسسة الرسمية الى شفاء الفرد شفاءاً كاملاً ، فان النظام الصحي ملزم باعلان عجز الفرد عن احتلال دوره الطبيعي في المجتمع ، مشيراً الى ضرورة تحمل النظام الاجتماعي مسؤوليته في دفع تعويض مالي يحفظ كرامة الفرد العاجز ويسد حاجته وحاجة عائلته الاساسية .

          ولا نقصد حينما نتحدث عن النظام الصحي هنا مجرد وجود المُعالِج ، طبيباً كان او نحوه . بل نقصد به المؤسسة التي تضم ادواراً مهنية واجتماعية للعديد من المتخصصين والخبراء ، كالاطباء المتخصصين بالجراحة والباطنية والتخدير ، والصيادلة ، ومدراء المستشفيات وعمالها ، وشركات التأمين الصحية ، ومصانع الادوية والعقاقير ، وكليات الطب ، ومعاهد التمريض .

          ومع ان المرض قضية شخصية تهم الفرد فحسب ، فهو وحده الذي يتألم لمرضه ويعاني من اوجاعه . فيعجز الآخرون عن تخفيف تلك الآلام الاّ اللّهم ان يظهروا تعاطفهم مع المريض ويقدموا له المساعدة المادية والمعنوية ويظهروا له مشاعر الحزن ، الاّ ان الواقع يفصح بان المرض مسألة اجتماعية ، لانه لا يمكننا ان نتصور فصل الصحة والمرض والعلاج عن الصورة الاجتماعية الكلية .

          فانتشار الامراض يهز الكيان السياسي ، ويؤثر على النظام الاجتماعي من خلال تعطيل طاقات الافراد في العمل والاستثمار والانتاج . ويساهم المرض في تقويض النظام الاجتماعي كما تساهم الظواهر الطبيعية والمادية في هدم ما بناه الانسان . فالزلزال المدمّر ، والجفاف المؤدي الى المجاعة ، والحرب المؤدية الى خراب شامل تقوض النظام الاجتماعي كما يقوضه انتشار الامراض . وهذه الامراض التي تحتاج في معالجتها ، الى تدخّل المؤسسة الصحية ، تقسم الى نوعين . الاول : الامراض الحادة ، وهي التي تحتاج الى فترة علاجية قصيرة نسبياً تؤدي بالانسان اما الى الشفاء واما الى الموت مثل مرض الحصبة . والثاني : الامراض المزمنة ، وهي التي يحتاج العلاج فيها الى فترة طويلة ، ولكن ليس هناك ضمان بشفاء المريض شفاءً كاملاً ، امثال مرض السكري والتهاب المفاصل .

          ويتعدى تأثير المرض الى عائلة المريض ومحبيه . فمع ان المريض يمر بتجربة مريرة من الألم والقلق والانزعاج خلال فترة مرضه ، الاّ ان عائلته تعاني ايضاً من حالته الاستثنائية . فقلق العائلة على معيلها ، وخوفها من فقدان المورد المعاشي يساهم في اضطراب الوضع العائلي ويجعله مرتبطاً بصورة وثيقة بصحة المعيل . وعلى صعيد آخر ، فان انتشار الامراض ، يساهم ايضاً في اضطراب النظام الاجتماعي واضعاف قواه الانتاجية . خصوصاً اذا انتشرت الامراض المعدية في المجتمع انتشاراً واسعاً كالملاريا والجدري والكوليرا ، فانها تنزل ضربة ساحقة بالمؤسسة الاقتصادية والانتاجية للدولة . وهذا يفسر لنا تجاهل الحكومات الاستعمارية الاهتمام بالنظام الصحي ومعالجة الامراض والاوبئة الفتاكة في البلدان المُستَعمَرة معالجة جدية . لأن هذه الامراض تفتح ابواباً لتدمير طاقة المجتمع الانتاجية واستهلاك مصادره وخيراته . واذا ضعف المجتمع انتاجياً تكاثر الرأسماليون على اقتسام خيراته ونهبها . وقد سعت بريطانيا عند احتلالها الهند في القرن التاسع عشر الى استخدام عملية نشر الامراض كسلاح ضد العدو ، مستفيدة من تجربتها التاريخية في واقعتين ، الاولى في القرن الرابع عشر ، والثانية في بداية القرن العشرين الميلادي . حيث اكتسح الطاعون اوروبا في القرن الرابع عشر ، وسمي في وقته بالموت الاسود لإفنائه اكثر من ثلث سكان تلك القارة وتدمير البنية الاقتصادية والسياسية والدينية لدول القرون الوسطى الاوروبية . وفي سنة 1918 م قتلت الانفلونزا الاوروبية اكثر من عشرين مليون فرد[1].

          ولا شك ان الامراض لا تصيب كل الافراد في النظام الاجتماعي ، بل تصيب افراداً دون آخرين في نفس المجتمع لاختلاف الوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل فرد . ولذلك ، فعندما يدرس الطبيب مرض فرد ما ، فانه يبدأ بدراسة تاريخ المريض الصحي ووضعه الاجتماعي ، فيبحث عن عمره ، وجنسه، ولون بشرته ، وحالته الزوجية ، ووظيفته وطبقته الاجتماعية . وهذا مهم في تشخيص الحالة المرضية لان غذاء الغني وسكنه وعمله افضل من الناحية الصحية من غذاء الفقير وسكنه وعمله . والفرد المتزوج اصح من الاعزب لان للزواج اثراً نفسياً على صحة الفرد ، والمسلم الملتزم باحكام الشريعة اصح من النصراني لانه لا يتناول الخمر ولا الخنـزير .

          وفي حين يعرض الاسلام نظريته الصحية في اطار دقيق متكامل ، فان نظاماً كنظام الكنيسة النصرانية تبنّى لاكثر من الف سنة النظرية الاغريقية في الطب . حيث تزعم هذه النظرية ان سوائل الجسم الانساني التي تتكون من اربعة انواع هي الدم والبلغم والمرارة الصفراء والسوداء ، هي سبب نشوء الامراض[2] . فاذا نقص مستوى احد هذه السوائل الاربعة واختل توازنها ، نشأ المرض . ولم تسمح الكنيسة النصرانية الاوروبية في القرون الوسطى ، تطوير البحوث العلمية الطبية ، بل انكرت على المكتشفين من علماء الطبيعة والطب اكتشافاتهم بحجة ان الانسان الذي لن يتحقق له الخلود في الحياة الدنيوية لا يحق له البحث في الكيان الخالد للطبيعة التي خلقها الخالق سبحانه وتعالى . وكانت غاية الكنيسة من ذلك ، ربط المرضى بالطب الروحي الذي كان يمارسه الكهنة ويحصلون فيه على كمية غير قليلة من الاجور . ولكن اكتشاف لويس باستور نظريته الجرثومية في القرن التاسع عشر ، ادى الى قلب نظرية الكنيسة النصرانية ، وتطور العلوم الطبية تدريجيا ووصولها الى ما وصلت اليه اليوم .

 

 (تليها صفحات 21 - 50)

 

 اللاحق               صفحة التحميل                 الصفحة الرئيسية


 


 [1]روبرت غوتفراد – الموت الاسود: الكوارث الطبيعية والبشرية في اوروبا القرون الوسطة. نيويورك: المطبعة الحرة، 1983.

 [2]جون دوفي – الذين بيدهم الشفاء: بروز المؤسسة الطبية. نيويورك: ماكرو هيل، 1976.