|
بسم الله الرحمن الرحيم (لمسجدٌ أسِّسَ على التقوى من أولِ يومٍ أحقُّ أن تقومَ فيهِ. فيهِ رجالٌ يُحِبُونَ أن يتطهّرُوا واللهُ يُحِبُ المُطَّهرِين)سورة التوبة: الآية 108.
الآداب الاجتماعية لتأسيس المسجد
كتبه الراجي رحمة ربه السيد زهير الاعرجي ---------------------------------- ص 2 --------------------------------- ص 3 بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة قال تعالى: (في بيوتٍ أذنَ اللهُ أن تُرفَعَ ويُذكرَ فيها اسمُهُ يُسبِّحُ لهُ فيها بالغدُوِّ والأصالِ. رجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتآءِ الزكاةِ يخافونَ يوماً تتقلبُ فيهِ القلوبُ والأبصارُ. ليجزيهُم اللهُ أحسنَ ما عمِلوا ويزيدَهُم من فضلهِ. واللهُ يرزقُ من يشاءُ بغير حسابٍ)[1]. وفي هذه الآية مباركة حثٌّ على بناء بيوت الله عز وجل من أجل عبادته. ويعني بالبيوت هنا المساجد، فالبيت هو المستقر والمآل والمستراح، وبيوت الله هي الاماكن التي يستراح فيها بذكره عز وجل وعبادته ويبتعد فيها عن تعب الدنيا ونصبها. والاذن الالهي برفع المساجد هو من أجل تعظيمها وتقديرها. وفي الآية الكريمة وصف مسهب لمن يرتاد المساجد وهم: أ- رجالٌ لا تغفلهم مكاسبهم وارباحهم عن ذكر الله تعالى. ب- يسبحون لله عز وجل في الغدو والأصال، أي في الاوقات المأمور بها في العبادة (كالغداة والعصر). ج- يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. د- يخافون يوم القيامة وهو يوم تنصرف فيه النفوس وبصائرها عما يشغلها الى الرؤية بنور الايمان وبنور الله سبحانه. هـ- والنتيجة ان الله يختار لهم أحسن الاعمال التي عملوها ليجزيهم عليها. و- هناك حقيقة ينبغي تذكرها وهي ان الرزق بيد الله وهو الذي يرزق من يشاء بغير حساب. ---------------------------------- ص 4
آداب طلب التبرع وهذه مجموعة من الآداب الشرعية في طلب التبرع من المحسنين، وهي: 1- طلب الاستئذان بموعد لقاء خاص مع المتبرع عن طرق متعددة مثل الهاتف، أو إخبار من نوع ما، قبل طرق الابواب. قال تعالى: (ياأيها الذين إمنوا لا تدخلوا بيُوتاً غيرَ بيُوتِكم حتى تستأنِسُوا وتُسلّموا على أهلها ذلكم خيرٌ لكم لعلّكم تذكّرون)[2]. 2- وإذا لم يسمح لطارق الباب بالدخول فلا يجوز الدخول شرعاً، (فإن لم تجِدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يُؤذنَ لكم وإن قيلَ لكم ارجِعوا فارجِعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم)[3]. لأن الدخول دون إذن يعدُّ تعدياً على حقوق الغير، وهو محرم شرعاً. بل لابد من إبداء الشكر والاعتذار لأصحاب ذلك البيت، وإحتساب الأمر عند الله تعالى. 3- لابد من البدء بتحية الاسلام، فقال تعالى: (...وتسلّموا على أهلها...). وفي الرواية ان أحدهم دخل على الامام الحسين (ع) وقال: (عافاك الله)، فأجابه الامام (ع): (السلام عليكم عافاك الله) ثم قال (ع): (السلام قبل الكلام). 4- التذكير بالله عز وجل والتصريح باستحباب اعطاء الصدقة والحقوق، ومن ذلك: أ- قال تعالى: (خُذْ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها...)[4]. ---------------------------------- ص 5
ب- (قُل إن ربي يبسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ من عبادهِ ويقدرُ لهُ وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخلِفُهُ وهو خيرُ الرازقين)[5]. ج- (الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجلَتْ قلُوبُهم والصابرينَ على ما أصابَهُم والمُقيمي الصلاةِ ومما رزقناهم يُنفقون)[6]. د- (إنَّ الذينَ سَبَقتْ لهُم منا الحُسنى أولئك عنها مُبعَدُون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفُسُهم خالدون. لا يحزنُهُم الفزَعُ الأكبرُ وتتلقاهُم الملائكةُ هذا يومُكُم الذي كنتم توعدون)[7]. 5- حرمة جبر الانسان على العطاء، بل ينبغي تذكير المتبرع بالتصدق أو اعطاء المال بنفس طيبة إذا كان يرغب في ذلك (...وما تنفقوا من خيرٍ فلانفسكم وما تنفقون إلا ابتغاءَ وجهِ اللهِ وما تنفقوا من خيرِ يوفَّ إليكم وأنتم لا تُظلَمون)[8]. فنحن ولله الحمد في غنى عن أموال الناس. وإذا كان لا يرغب فلا يجوز إجباره على ذلك، وقد قال تعالى: (يا ايها الذين إمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم...)[9]. فلا يجوز إحراج المؤمن ودفعه على التبرع أو التصدق، بل ان وظيفتنا التذكير. والتصدق أمرٌ راجعٌ للانسان وله الحرية والخيار في ذلك. ---------------------------------- ص 6
6- وعند اللقاء ينبغي ذكر الناس بالخير عموماً، وعدم القدح بأي انسان أو شخصية أو جهة مؤمنة أو غير مؤمنة، لأن الهدف هو نشر الفضيلة وستر العيوب، وعدم فضح أسرار الناس أمام الآخرين، فإن ذلك مما يحبط العمل ويجعله حطاماً. 7- التيمن والعمل بقوله تعالى: (والذين هم عن اللغوِ معرِضُونَ)[10]. فعلينا بالاعراض عن اللغو، والاعراض عن كل ما يجلب لك السيئات والآثام. فلا ندخل في نقاش حول أمور تسبب شق وحدة المسلمين أو التباغض والتباعد أو الغيبة والنميمة، وقد قال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ نحن أعلمُ بما يصفون)[11]. 8- تذكر ان أي خطأ ترتكبه خلال تعاملك مع المتبرع، فانه إساءة إلى الاسلام، وعليك الاعتذار عن ذلك. وطلب العفو والصفح من الاخلاق الاسلامية فلا تتردد في إعلان الخطأ وطلب الصفح، وقد ورد في الأثر: (الاعتراف بالخطأ فضيلة). 9- للناس ظروف مختلفة، فالبعض لا يقدر على التصدق لضيقٍ في رزقه، والآخر يستطيع التصدق ولكنه لا يفعل لضيقٍ في الإرادة، والثالث لا يفعل لضعف في الإيمان، والرابع يتصدق وهو شاكر لك لانه يرى ان في التصدق باباً للجنة. والأصل الذي نمشي عليه هو اننا نصدق ظاهر الناس ونطمئن لقولهم حتى لو كنا نعلم ان قولهم يخالف الحقيقة، وهكذا أمرنا الإسلام. فإن قال لك الذي طرقتَ بابه ليس لدي مال، فعليك ان تشكره على حسن استماعه وتوعده بمساعدته إن تمكنتَ من ذلك. وإن قال لك الذي طرقت ---------------------------------- ص 7
بابه انه لا يؤمن بمشروعك، قل له جزاك الله خيراً وغفر لك . بل حاول ان توضح الأمر ولكن لا تدخل معه في نقاش عقيم ولا تصرف وقتك فيما لا يرضي الله عز وجل. وإن اعطاك صدقة طيبة عن طيبة نفس قلتَ له: شكرَ اللهُ سعيك وجزاكَ خير الجزاء ورزقك رزقاً حسناً طيباً من رزقه الواسع الحلال.
الامور المالية هناك مجموعة من النقاط التي ينبغي الالتفات اليها: 1- التذكر دائماً بان جامع الصدقات هو أمين على المال ولايحق له التصرف به إلا بإذن. والصدقات المشروطة لا يجوز التصرف بها إلا في مواردها الشرعية. 2- المال موطن الشبهة، فلابد من التحرز في ذلك. ولابد ان يكون العامل على الصدقة متعففاً عن الحرام، مستغنياً عما في أيدي الناس. 3- التذكير بان الصدقة هي اوساخ الناس، وان اموال الصدقات المشروطة لا تصرف إلا على الامر المشروط. فالصدقات المشروطة لبناء مسجد لا تصرف إلا على شؤون المسجد. قال تعالى: (أم تسئلُهم خرجاً فخَراجُ ربكَ خيرٌ وهو خيرُ الرازقين)[12]. ومعناه ان الله عز وجل نهى نبيه محمد (ص) عن سؤالهم عن الغلة والمال المدفوع له شخصياً، ووعده بانه تعالى رازقه ولا حاجة له إلى خرجهم ومالهم. ومورد الآية الشريفة خارج عن مورد الخمس المنصوص عليه في سورة الانفال. ---------------------------------- ص 8
4- وباعتبار ان وضع الصدقة بيد وسيط (من العاملين عليها) هو نوع من الائتمان على المال عند ذلك العامل، فلا بأس بإيصال شيء مكتوب يثبت ان الاستلام والتسليم قد تم، وهذا يتم عن طريق ورقة إيصال يكتب فيه مقدار الصدقة وتاريخ استلامها وتوقيع مستلمها. وهذا العمل من الناحية الشرعية لا غبار عليه، فقد قال تعالى بخصوص الديَن: (...وليكتب بينكم كاتبٌ بالعدل..)[13]. ويقوم الإيصال – بصورة من الصور – بدور الشاهد الصامت أو مقام القرينة الشرعية على استلام المال.
المصاعب المتوقعة 1- ان المشاريع الكبيرة تواجه تحديات كبيرة، وتواجه في بعض الأحيان لغطاً وحسداً وجهلاً بقيمة المشروع. ولنا في سيرة رسول الله (ص) اسوة حسنة. فقد حاربه المشركون، ونفوا عنه معجزته الخالدة، القرآن الكريم، فقالوا: (...إن هذا إلا إفكٌ افتراه وأعانَهُ عليه قومٌ آخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً. وقالوا أساطيرُ الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بُكرةً وأصيلاً)[14]. فاجابهم الله تعالى: (قُل أنزَلَهُ الذي يعلمُ السرَّ في السمواتِ والأرضِ إنه كان غفوراً رحيماً)[15]. فالتكذيب واقتناص الاخطاء وتضخيمها من الوسائل التي يستخدمها المعارضون لأي مشروع. ---------------------------------- ص 9
2- يشعر المشاركون في المشاريع الكبيرة احياناً بالاحباط. والاحباط هو من فعل الشيطان. لأن الأمل بالله عز وجل في إنجاح المشروع هو الأصل وما دون ذلك لا يعتد به. وكان صدر النبي (ص) يضيق أحياناً بالمنافقين: (فلعلّكَ تاركٌ بعضَ ما يوحى إليكَ وضائقٌ بهِ صدرُكَ أن يقولوا لولا أُنزِلَ عليه كنـزٌ أو جاءَ معهُ ملَكٌ إنما أنتَ نذيرٌ واللهُ على كل شيءٍ وكيل)[16]. وكان أمير المؤمنين (ع) يقول لاهل الكوفة مشيراً إلى أهل الشام: (اجتمعوا مع إمامهم -معاوية- على باطلهم، وتفرقتم عن امامكم على حقكم). وقال الامام الصادق (ع): (لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من أجر، لتمنى ان يقرض بالمقاريض). اذن ان طريق البناء صعب، ويحتاج الى نفوس أبية وأرواح صابرة تستطيع ان تنجز الأمر حتى النهاية باذنه تعالى. 3- التأكيد دائماً على الاخوة الاسلامية، وهذا هو رأسمالنا بعد الايمان بالله وبمحمد (ص) وما جاء به من شريعة سمحة ودين قيّم. أ- ففي الحديث الشريف: (المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ب- (والله ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضل من أداء حق المؤمن. ان المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله، فلا يخونَهُ ولا يخذلَهُ. ومن حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوعَ أخوه، ولا يرتوي ويعطش أخوه، ولا يلبس ويعرى أخوه، وما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم). ---------------------------------- ص 10
ج- (ما من مؤمن يطعم مؤمناً شبعاً، إلا أطعمه اللهُ عز وجل من ثمار الجنة، ولا سقاه شربةً إلا سقاه الله من الرحيق المختوم، ولا كساه ثوباً إلا كساه الله عز وجل من الثياب الخضر ، وكان في ضمان الله تعالى ما دام من ذلك الثوب سلك). والحمد لله رب العالمين. [1] سورة النور: الآية 36-38. [2] سورة النور: الآية 27. [3] سورة النور: الآية 28. [4] سورة التوبة: الآية 103. [5] سورة سبأ: الآية 39. [6] سورة الحج: الآية 35. [7] سورة الانبياء: الآية 101-103. [8] سورة البقرة: 272. [9] سورة النساء: الآية 29. [10] سورة المؤمنون: الآية 3. [11] سورة المؤمنون: الآية 96. [12] سورة المؤمنون: الآية 72. [13] سورة البقرة: الآية 282. [14] سورة الفرقان: الآية 4-5. [15] سورة الفرقان: الآية 6. [16] سورة هود: الآية 12.
|