(ص 189 - 223)

طبقات دلالات الألفاظ

إن القاعدة الأساسية لأي نظرية لغوية هو أن عليها الأخذ بدلالة الألفاظ بنظر الاعتبار، لأن اللغة تتضمن سلاسل من كلمات معينة تكون لها القابلية على تبادل الأدوار. أي تكون لكل سلسلة من هذه الكلمات الامكانية المنطقية بوضع أحدها أو استعمالها مكان الآخر، مثال ذلك: (أنا أفكر في .....)، والكلمات المتبادلة التي يمكن أن تملىء الفراغ هي: الحرية، وطني، مستقبلي، الجامعة، الحوزة ونحوها. فتصبح الجملة: (أنا أفكر في الحرية)، أو (أنا أفكر في وطني)، أو (أنا أفكر في مستقبلي)، وهكذا. وفي قول الإمام علي (ع) دلالة، يقول (ع): (...لعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحكماء لترك التناهي)[1]. وفي نهج البلاغة [2] نفس القول، ولكن أستبدلت كلمة (الحكماء) بكلمة (الحلماء)، وكلاهما تعطيان معنيين حقيقيين.

ولكن بعض الكلمات المرتبطة ببعض آخر قد لا تعطي المعنى الحقيقي من تركيبها، خذ على سبيل المثال قول الشاعر الحديث: (إن الأحلام الخضراء نامت معي)، فهذه الجملة – على الصعيد النحوي- سليمة التركيب، إلاّ أنها على صعيد دلالة الألفاظ على المعاني لا تعني شيئاً.

وبالمقابل فإن هناك بعض الألفاظ في اللغة العرفية قد تكون ناقصة التركيب نحوياً إلاّ أن دلالالتها تنطبق تماماً على معانيها، مثال ذلك عندما يسألك السائل: كيف كان الطقس صباحاً؟ فتجيبه: ممطر. فهذه الكلمة ناقصة التركيب على الصعيد النحوي، إلاّ أنها كاملة الدلالة.

ولاشك أن الفارق بين الألفاظ التي تدلّ على معانيها بشكل سليم وبين الألفاظ ذات التراكيب المجردة السليمة يقودنا إلى تصنيف دلالات الألفاظ إلى ثلاث طبقات:

الأولى: الألفاظ والحقائق الشرعية:

فهذه الألفاظ تتميز بميزتين تجعلانها ألفاظاً واقعية ثابتة:

الميزة الأولى هي أن هذه الألفاظ تطابق الواقع مطابقة تامة، فألفاظ العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج، والمعاملات، والوعد الالهي كلها تعبـّر عن تلك المطابقة.

والميزة الثانية هي أن هذه الألفاظ ثابتة لا تتغير مهما تغير النظام الاجتماعي وتغيرت الكلمات التي يستعملها أفراده، مثال ذلك ثبوت الوعد الالهي على لسان القرآن الكريم: (يا أيها الذينَ امنُوا قُوا أنفسَكُمْ وأهليكُم ناراً...)[3]، فالوعد متحقق لا محالة، والحقيقة ثابتة لا تتغير مهما تغيرت الأشياء.

ولاشك أن المصطلحات الشرعيـة، وهي ذات إطار أخلاقي متعفف، تعكس بصدق النظـرة الأخلاقية السامية للشريعة السماوية.

 الثانية: اللغة العرفية:

وهي اللغة التي تكون تركيبتها النحوية ودلالات ألفاظها مرتبطة بالتغير الاجتماعي. فاللغة العلمية التجريبية، واللغة الأدبية والفلسفية كلها تخضع لقواعد ذلك النظام العرفي الذي يتغير ببطء من جيل لجيل. فالكيان الحقيقي للألفاظ العرفية قابل للتبدل والتغير من موضع لآخر. ولاشك أن تغير مفردات اللغة العرفية وتراكيبها خلال أربعة عشر قرناً من الزمان يعكس هذه الحقيقة، فاللغة العرفية – كاللغة العربية مثلاً – تبدلت بما يناسب التغير الاجتماعي للمجتمعات العربية الاسلامية. فازدهرت في فترات الازدهار الحضاري للمسلمين وانحطت في فترات انحطاطهم، إلاّ أن قواعد تلك اللغة العظيمة حافظت على سلامتها بفضيلة وجود القرآن الكريم، كما ألمحنا إلى ذلك سابقاً.

الثالثة: المبهمات اللغوية:

وهي التي تشمل المبهمات التي يكون لها برهان نحوي، إلاّ أنها لا تدخل تحت باب دلالات الألفاظ؛ لأن معانيها ركيكة للغاية. وأمثلتها الاصطلاحات الجديدة في الشعر الحديث كاصطلاحات: (المستقبل الأخضر)، و(الليالي الحمراء)، و(الفقر المتوحش) ونحوها. فهذه الألفاظ مركبة تركيباً جيداً، إلاّ أن ألفاظها لا تدلّ على معانيها لا مجازاً ولا اشتراكاً ولا نقلاً ولا إضماراً.

 الجمل الاسمية والجمل الفعلية

يكشف الفارق الكبير بين معاني المبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، والفعل والفاعل في الجملة الفعلية حقيقة أن اللغة لها أبعاد مختلفة تتعلق بالقواعد النحوية، ونظرية المعرفة، وعلم المنطق.

 الجملة والقواعد النحوية:

فعلى صعيد (القواعد النحوية)، فان المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل هي أجزاء متباينة من الجمل الإنشائية أو الإخبارية. وهذه الكلمات تُعرَّف وتشخَّص عن طريق الاعراب، ولنأخذ مثالاً للجمل الاسمية والفعلية:

الجملة الاسمية: الطيورُ طائرةٌ.

الجملة الفعلية: يسبحُ السمكُ في الماءِ.

ففي الجملة الاسمية نفهم بأن الطيور في حالة معينة خاصة، وهي الطيران، فعلى نطاق القواعد النحوية فإننا نستطيع أن نفكك الجملة الاسمية إلى مبتدأ وخبر، ونستخدم المبتدأ في جملة أخرى والخبر في جملة ثالثة. فتتبدل المعاني على ضوء الحالة الجديدة. إلا أننا لا نستطيع أن نضع المبتدأ والخبر معاً في جملة واحدة ما لم نعلم وندرك بأن هناك علاقة معينة تربط ذلك المبتدأ بذلك الخبر. فلا يمكننا ان نقول بأن (الأسماك طائرة) لأننا نعلم بأن المبتدأ في هذه الجملة لا يناسب ذلك الخبر. علماً بأننا لو قلنا ذلك، أي أن (الأسماك طائرة)، فإننا لم نكن ارتكبنا خطأً خاصاً بالقواعد النحوية أو الإعراب، بل نكون ارتكبنا خطأً خاصاً بنظرية المعرفة.

 الجملة ونظرية المعرفة:

وعلى صعيد (نظرية المعرفة)، فإن التناقض بين المبتدأ والخبر هو تناقض بين أجزاء الجملة نفسها، أي أنه تناقض بين الأجزاء التي يفترض أنها تعرِّف وتصمِّم معنى أحدها الآخر، وبذلك فإن تقسيم الكلمات إلى مبتدأ وخبـر يهمّ (نظرية المعرفة) بما فيها من دلالة الألفاظ على المعاني أكثر مما يهمّ الإعراب أو القواعد النحوية. ولاشك أننا لا نرى مكاناً أفضل من هذا المكان لتعريف الموضوع والمحمول من وجهة نظر (نظرية المعرفة). فعن طريق هذه النظرية نفهم أن للموضوع (مبتدأً كان أو فاعلاً) أهمية خاصة بالنسبة للمحمول، وأن المحمول لا يمكن أن يرتبط بموضوع غريب لا يستطيع حمله.

ولكنَّ اعتمادنا على نظرية المعرفة لا يعني الغاءنا لدور القواعد النحوية في المقام، بل بالعكس فإن إحساسنا بسلامة معاني الجمل ينبع أصلاً من اعتقادنا بصحة القواعد النحوية وصحة المحمول في نظرية المعرفة. ومع تسليمنا بأن صحة القواعد النحوية تختلف عن صحة المحمول في نظرية المعرفة ، إلا أنهما يندمجان أحياناً فيولّدان تشويشاً في فهمنا للمعنى بشكل دقيق. فعندما نقول (ذهبتْ) ، فان تاء التأنيث الساكنة لا تشخص معنى دقيقاً يريده اللافظ إذا لم ترفق القرينة مع اللفظ؛ فقد يعبـّر عن امرأة أو طائرة أو باخرة. فمع أن هذه الجملة تعبـّر عن سلامة في القواعد النحوية، وسلامة في المحمول، إلا أن غموض الموضوع أربك فهمنا للمعنى الدقيق الذي أراده المتكلم. ولنفترض مثالاً آخر يقول:

أ-كلُ ما لم يكن أبيضَ فهو ليس بقطن.

ب-كلُ ما لم يكن عدلاً فلا يجب أن يُعملَ به.

ففي الشق الثاني (ب) من المثال يتطابق الموضوع النحوي (أي المبتدأ) مع الموضوع المعرفي (نسبة إلى نظرية المعرفة) وهو (انعدام العدالة)، ولكن الخبـر المعرفي (وهو القطن) في الشق الأول (أ) يطغى في اللحاظ والتبادر على الخبر النحوي، مع أن الخبر النحوي في (أ) يشابه الخبر النحوي في (ب)، وكأن (القطن) – وهو خبر نحوي – أصبح مبتدأً معرفياً أكثر من كونه خبراً نحوياً.

ولا يتوقف الاختلاف بين القواعد النحوية وبين المحمول والموضوع المعرفيين عند هذا الحد، بل يتعدى الى نسبة الإتصال بين الموضوع والمحمول في الجملة، مثال ذلك:

أ- وقفَ الطيرُ بين ثعلبين.

ب- أحاط الثعلبان بطيرٍ.

ج- زيداً ضربه عمرو.

د- عمروٌ ضربَ زيداً.

فهذا المثال يتناول العلاقة بين فردين وثلاثة حيوانات، وموضوعات المثال هي: (الطير، الثعلبان، زيد، عمرو) وكلها حقيقية إلا أن لحاظ الموضوع يعتمد على علاقته ببقية الموضوعات في الجملة، من وجهة نظر (نظرية المعرفة)، فإذا كان (الطير) هو موضوع الاهتمام فإن القسم (أ) من المثال يكون أقرب إلى الطبع، وإذا كان (الثعلبان) هما موضوع الاهتمام فإن القسم (ب) من المثال يكون أقرب الى الطبع. وكذلك إذا كان (عمرو) هو موضوع الاهتمام فإن القسم (د) من المثال يكون قريباً من الطبع الإنساني. أما إذا كان (زيد) هو موضوع الاهتمام فان القسم (ج) من المثال يكون قريباً من ذلك الطبع.

ونقرأ في سورة التوحيد: (قُلْ هوَ اللهُ أحدٌ. اللهُ الصّمدُ)، وموضوع الاهتمام هنا هو وحدانية الله عزّ وجلّ، وتسري تلك الوحدانية في الآيات اللاحقة مع أنها بصدد شرح عدم إمكانية خروج الأشياء الكثيفة من عناصرها بالنسبة للخالق (لـَمْ يَلِد، ولـَمْ يُولدْ)، ثم تنتهي بنفس النمط من تكريس فكر وحدانية الله جل ّ جلاله (ولـَمْ يكُنْ لهُ كُفؤاً أحدٌ).

ولاشك أن الموضوع الحقيقي في الجملة قد يناقض الموضوع النحوي أو المنطقي، فعندما نقول: (خرج زيدٌ من النقاش خاسراً)، فهل أن هذا الخروج يعني خروجاً حقيقياً أو نحوياً أو منطقياً ؟ فإذا زعمنا بأنه كان خروجاً حقيقياً فهو غير صحيح لأنه لم يخرج بذاته بل انهزم في النقاش، وهو ليس خروجاً نحوياً بل خروجاً منطقياً، لأن الخاسر دائماً يتنحى عن الدائرة الاجتماعية.

وفي النص القرآني المجيد: (...واشتعلَ الرأسُ شيباً...)[4]، فان الخبـر – وهو الاشتعال – لا يعبـّر عن اشتعالٍ حقيقي، بقدر ما يعبـّر عن اشتعال منطقي، وهو وصول الإنسان إلى مرحلة الشيخوخة والكبر وانتشار الشعر الأبيض في رأسه، وهو لاشك من أحسن الاستعارات، لأنه تعالى شبّه الشيب في الرأس بانتشار لهيب النّار وشعاعها. وبطبيعة الحال، فالإنسان لا يستطيع – في أغلب الأحيان- التمييـز بين الموضوع الحقيقي والنحوي، أو المنطقي إلا باستخدام القرينة المصرحة بمراد المتكلم.

 الجملة والمنطق:

وعلى صعيد (المنطق)، فإن المبتدأ هو الاسم الذي يأتي في بداية الجملة الاسمية، وإن الخبر يأتي بعد المبتدأ ويوضح صفات التعبير المراد إيصاله إلى السامع، أو حجمه. فالمبتدأ والخبر على درجة واحدة من التنظيم والترتيب المنطقي، إلاّ أن الخبر – من الزاوية المنطقية – يعتبر أهمّ جزء من أجزاء الجملة لأنه يعبـّر في حاله الواقعي عن الموضوع المنطقي في الجملة. بمعنى أننا نفهم – منطقياً – مضمون الموضوع من خلال فهمنا لطبيعة الخبر في الجملة، فعندما تقول: (عليٌ ذكيٌّ)، نفهم من خبر الجملة – على الصعيد المنطقي – ذكاءُ فردٍ يشخّصه الموضوع. فالذكاء هو خبرٌ منطقيٌ لموضوع حقيقي، لكنه ليس خبراً حقيقياً، لأننا لا نستطيع أن نحصي الذكاء في الواقع الخارجي الحقيقي إلا بنسبته إلى بقية الأشياء وهذا ما يجعله خبراً منطقياً.

ولاشك أن الفارق بين التركيبين المنطقي والمعرفي للجمل يدعونا إلى التفكر في اختلاف مواضيع تلك الجمل ومحاميلها، فعندما نقول:

أ- الغرابُ أسودُ.

ب- كلُ شيءٍ غير أسود ليس بغراب.

فاننا نفترض ان الموضوع المعرفي (أي المبتدأ) في (أ) هو الغراب، والخبر – الذي يحتمل الصدق أو الكذب – له واقع حقيقي في هذا المثال، ومفاده بان كل الغربان في الطبيعة لها لون أسود، ولكننا في (ب) اشتققنا مماثلاً منطقياً سلبياً لجملة (أ). والمفترض أننا قلنا بصدق الموضوع والخبر المعرفيين، بحيث نفهم بأن (كل شيء غير أسود) هو الموضوع المعرفي لجملة (ب)، ولكن هذا الافتراض أوصلنا إلى ما سمي فلسفياً بـ(تناقض الثوابت)، وهو اننا أثبتنا صحة (أ) و(ب) عن طريق افتراض أن (كل شيء غير أسود)، وبواسطة تصور انطباق ذلك على (غير الغربان)، وهو تناقض منطقي لطريقنا الطبيعي في تعيين الثوابت. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن التركيب المنطقي لا يوازي التركيب المعرفي ولا يشابهه، وأن المبتدأ المعرفي في (ب) ليس هو المبتدأ المعرفي في (أ)، مع أنه في كلتا الحالتين تمثل بالغراب.

 ما بين اللغة الشرعية والحقيقة الشرعية

إن النصوص الدينية تحتوي على العديد من المصطلحات التي صممتها الشريعة عن قصد لتحمل معاني معينة لم تكن اللغة العرفية قادرة على حملها. فالأوامر والنواهي الشرعية، وصيغ العبادات والمعاملات، والدعاء، والشكر، والقصص القرآنية، وتفصيل دور الإنسان في الحياة وما يتبعه من جزاء (ثواباً كان أو عقاباً) كلها تقع تحت عنوان اللغة الشرعية التي ميـّزت أسلوب الشريعة في التعامل اللفظي عن بقية الأساليب.

 أهمية اللغة الشرعية:

وبطبيعة الحال، فإن أهمية اللغة الشرعية في الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد تنبعُ من حقيقتين:

الأولى: إن هذه اللغة إلزامية بطبيعتها، فهي لغة تكشف عن إرادة الشارع الجدية في تهذيب السلوك الفردي والجماعي للأفراد.

الثانية: إن هذه اللغة مهمة؛ لأنها تربط الخالق بالمخلوق، فحالها ليس كحال وسائل الاتصال اللفظية بين المخلوقات من البشر، بل هي لغة موجهة من الخالق إلى الإنسان في الأوامر والنواهي والإلزامات الأخلاقية، وموجهة من الإنسان إلى الخالق في الدعاء والتوسل والاستغفار والشكر.

إن الاهتمام الفلسفي باللغة الشرعية انصبّ على تعابير مثل: (كُتِبَ عليكم...)، أو (أقيموا...)، أو (آتوا...) وما شاكلها. فالفعل يعبـّر عن أمر وجوبي، ونائب الفاعل يعبـّر عن لفظ الجلالة، والفاعل يعبـّر عن المكلفين. فهنا لابد من فهم هذه الجملة الفعلية المتكونة من وجهين:

الأول: معنوي لا نهائي.

والثاني: مادي محدود.

فالمعنوي اللانهائي يمثل لفظ الجلالة، والمادي المحدود يمثل الأمر المشروط بالقدرة البشرية على تحمل التكليف.

 الحقيقة الشرعية:

هل أن الألفاظ التي تداولها الناس في زمن النص والتي سميت بالحقيقة الشرعية وضعت وضعاً تعيينياً أو وضعت وضعاً تعينياً ؟

وللجواب على ذلك يمكننا تشخيص نظريتين تبحثان في موضوع الحقيقة الشرعية:

الأولى: نظرية عدم الثبوت، وهي التي تفترض بأن اللفظ المتداول زمن الشارع وبدون قرينة يجب أن يحمل على معناه اللغوي؛ لأن هذه الألفاظ إنما وضعت وضعاً تعينياً بسبب علقة حاصلة نشأت بين اللفظ والمعنى من كثرة استعمال اللفظ فيه. ويؤيد ذلك عدم وجود علاقة مجازية بين المعاني الشرعية التي استحدثها الإسلام وبين المعاني المجازية نفسها.

الثانية: نظرية الإمكان، وهي النظرية التي تفترض ثبوت الحقيقة الشرعية، وتصرّ على أن اللفظ الواقع زمن الشارع يجب أن يحمل على معناه الشرعي. فهذه الألفاظ وضعت وضعاً تعيينياً، كما ورد في قوله (ص): (صلوا كما رأيتموني أصلي)، أو (خذوا عني مناسككم)، مع قرينة فعله (ص) لتلك الأعمال التعبدية. وما تبادر المعاني الشرعية المجعولة من قبل الشارع عند المتشرعة إلاّ ثمرة من ثمرات الوضع التعييني.

فالشارع إذن استحدث تلك الألفاظ الإلزامية بمعانيها الجديدة، وأمضى – في الوقت نفسه – نقل بعض الألفاظ من معانيها القديمة إلى معانيها الجديدة. وهذا بحد ذاته يثبت عظمة الرسالة الدينية التي استطاعت بفترة زمنية وجيزة أن تستحدث لغة جديدة ثابتة هي اللغة الشرعية. وثمرة البحث أن الألفاظ الشرعية لو كانت موضوعة وضعاً تعينياً لما كانت لها تلك الدرجة من الإلزام الأخلاقي والشرعي التي نلحظها فيها، فيتعين أنها وضعت وضعاً تعيينياً بهدف الإلزام وتوضيح التكليف الشرعي للأفراد.

 نظريات المعاني

ماذا تعني كلمة (معنى) ؟ وهل أن مشتقاتها تستعمل في نفس المعنى الذي وضعت له ؟ لابد – وقبل الإجابة على هذا السؤال – أن نستعرض بعض الاستعمالات المختلفة لكلمة (معنى) ومشتقاتها، ولنضرب على ذلك الأمثلة الخمسة التالية:

1- إن هذه اللائحة تعني بأننا سوف ندخل حرباً ضد الدولة الفلانية.

2- أنا أعني مساعدتك عندما تطلبُ مني ذلك.

3- إن الحياة لا تعني بالنسبة لي شيئاً.

4- إياك أعني واسمعي يا جارة.

5- (الصُّيَّابةُ) تعني أصلَ القوم.

فإننا عندما نتحدث عن نظريات المعاني وارتباطها بدلالات الألفاظ لا نقصد الأمثلة الأربعة الأولى، بل نقصد بها المثال الخامس، وهو ارتباط اللفظ بالمعنى وتبادره في الذهن، فهل يصح أن نقول بأن جملة (أنا حزينٌ) تعني تماماً ما أقصده بقولي: (أنا أشعرُ بالحزن) أو لا ؟ وكيف نربط بين ذكر معاني واقعة الطف مثلاً والتأثر بالحزن والبكاء؟ وهل هناك علاقة مادية بين اللفظ والمعنى والإنسان؟

للإجابة على هذه الأسئلة لابد أن نستعرض بعض النظريات المهمة في تفسير معاني الألفاظ.

أ-النظريات الرئيسية في تفسير المعاني

لاشك أن هناك ثلاث نظريات مهمة تحاول تفسير (المعنى) وتحاول تحليل علاقته باللفظ، وهذه النظريات هي: نظرية الإحالة، والنظرية التصورية، ونظرية (الحافز- الاستجابة).

 1-نظرية الإحالة:

وهي أبسط النظريات في هذا المقام، ولكن أكثرها هيمنة على الحقل الفلسفي الخاص بالمعاني، وتنبع أطروحة هذه النظرية من فكرة أن مادة الكلمة: اسم العَلَمْ أو جذر الفعل، هي الوحدة الأساسية في المعاني، فالأفعال لا تشخص المعاني ما لم نرجعها إلى جذورها؛ واسم العَلَمْ هو أكثر الكلمات ملائمة لتلك المعاني، فـ(زيد) اسمُ عَلَمٍ وتبادره إلى الذهن لا يحتاج إلى عمليات معقدة، وكذلك جذور الأفعال. فنحن لا نحتاج في فهم مضامين الكلمات إلاّ فهم أسماء أعلامها، وجذور أفعالها. وعندما نسمع اللفظ، فإننا نحيله إلى مصدره فنفهم معناه. ولكن النقد الرئيسي الذي يوجّه لهذه النظرية هو: كيف يتم تشخيص معنى اللفظ عبر العلاقة بين الكلمة وبين الأمر الذي تُحال إليه ؟

 نقد نظرية الإحالة:

لاشك أن لهذه النظرية هفواتها، فقد يحصل أن يكون لنفس المصدر اللغوي الذي نرجع إليه تعبيرين أو لفظين، كما يحصل في (الاشتراك) فكيف يمكننا تطبيق هذه النظرية على كلمات اللغة ؟ نعم إن هذا شائع في الكتابات الأدبية والثقافية إلاّ أن تشخيص معنى اللفظ يتم عندما تتلبس الكلمة بطرف واحد تُحال إليه في تلك اللحظة. فعندما نسمع لفظ (الكوكب)، فإن تشخيص معناه يتم عبر حالة تلبس بها ذلك اللفظ بالواقع الخارجي لذلك الشيء المدرك بالحواس، وهو شكل الكوكب ووضعه في السماء.

ولكن الاعتراض الآخر الذي لا تصمد أمامه هذه النظرية هو أن هناك الكثير من الكلمات، كالحروف والمبهمات التي لا تتلبس بأي معنى مستقل، فكيف يمكننا أن نقول: بأننا نستطيع تشخيص معاني جميع الكلمات في اللغة عبر العلاقة بين الكلمات وبين الأمر الذي تُحال إليه ؟ فـ(واو العطف، وإذا الشرطية، وفي) مثلاً ليست لها معانٍ مستقلة بذاتها، وليست لها حالة تلبس مستقلة، فكيف نستطيع تطبيق نظرية الإحالة عليها ؟

وحتى لو طرحنا أدوات الربط – كالحروف – جانباً، يبقى السؤال معلّقاً دون جواب، وهو كيف نفهم معنى الإحالة ؟ وكيف نُحيل الكلمات إلى مصادرها ؟ وهل أننا كلما سمعنا كلمة (يضربُ) نحيل ذلك المعنى إلى جذره (ضَرَبَ) ليتبادر لنا معنى كلمة (يضربُ)؟ نعم قد نستعمل الإحالة في الضمائر مثلاً لفهم مراد المتكلم، فقول القائل في جمل متفرقة: (هو، هي، هما) لابد أن يجعلنا نستفسر مَنْ هؤلاء ؟ وعندها نحيل هذه الألفاظ في ذهننا لنرى مدى العلاقة بينها وبين الأمر الذي تُحال إليه، فـ(هو) نحيله إلى زيد، و(هي) إلى فاطمة، و(هما) إلى زيد وفاطمة، فنفهم من هذه العلاقات معاني هذه الضمائر. أضف إلى ذلك بأننا لو آمنا – جدلاً- بأنّ علينا أن نحيل كل كلمة إلى مصدرها، فانه سيتحتم علينا بإحالة جمل بأكملها إلى مصادرها، وهو أمر بعيد عن المنهج المتفق عليه بين العقلاء.

 2- النظرية التصورية:

وهي النظرية التي تهتمّ بالعلاقة الداخلية بين الأفكار أو المعاني وبين سلوك اللافظ أو المتكلم. فاللغة هي وسيلة من وسائل الاتصال الفكري بين الأفراد. ولكن سلسلة الأفكار تبقى ضمن ملكية الذهن؛ وحتى لو أراد الفرد نقلها إلى ذهن آخر، فإنه لابد أن يستخدم  –حينئذٍ- الكلمات للتعبير عن مراده. فالكلمات تعكس تمثيلاً معيناً للأفكار. فما لم أترجم أفكاري الى كلمات، لا يمكن أن يتم الاتصال الفكري بيني وبين انسان آخر عبر هذه القناة.

 نقد النظرية التصورية:

لكن الإشكال الوارد على هذه النظرية يتلخص بأن الأفكار الموجودة في ذهن الإنسان إنما وجدت بشكل مستقل عن اللغة تماماً. فان وراء كل كلمة فكرة معينة مستقلة عن تلك الكلمة، ووراء كل تعبير رأياً ما مستقلاً تماماً عن ذلك التعبير، إلاّ أن هذا الزعم يتناقض مع ما نلمسه في حياتنا اليومية على نطاق استعمال الألفاظ؛ فنحن نستخدم اللغة أحياناً دون تفكير، فالطبع والغريزة قد يدفعاننا – في بعض الأحيان – الى التكلم دون تفكير، وقد نلوم أنفسنا أحياناً على ما قلناه. بل إن الخطأ والاشتباه في بعض الموارد اللفظية يدلان على خطأٍ في التلفظ وليس خطأً في التفكير.

ومع أن النظرية التصورية لمعاني الألفاظ حاولت أن تنتخب الكلمات التي نتصور معناها ونتخيل أفكارها عندما نسمعها ؛ إلاّ أنها بقيت سنداناً بين مطرقتين، فهي إذا زعمت بأنّ  الأفكار والمعاني تصورية فإنها تُرَدّ بأن بعض الكلمات التي نتلفظها لا تدلّ على ذلك التصور. وإن زعمت بأن الأفكار كيانات مرتبطة بالكلمات فإنها تُرَدّ بأن بعض الكلمات – كالحروف مثلاً – لا تعبـّر كلها عن أفكار. وبالنتيجة، فليس هناك تطابق متكامل شامل لكل الكلمات اللغوية مع معانيها وأفكارها التصورية، فنفس الصورة الذهنية قد تشترك مع عدة كلمات كما في الترادف، ونفس الكلمة قد تشترك مع عدة صور ذهنية كما في الاشتراك.

 3- نظرية (الحافز- الاستجابة):

إن عدم كفاءة النظرية التصورية كان قد فتح الباب لظهور نظريات أخرى في تفسير دلالات الألفاظ على المعاني. فلا يستطيع المرء الإقرار بأن البحث عن معنى ما للفظ يتم عبر التفتيش عن الأفكار التي يحملها ذهن المتكلم. فإذا كنتَ في شكٍ من معنى كلمة (حقوق الإنسان) مثلاً في جملة قالها (زيد)، فأنت لا تحاول أن تجد المعنى عبر سؤال زيد أي صورة ذهنية رافقت كلامه عند استخدامه تلك الكلمة، بل إنك سوف ترجح أقوى المعاني الصالحة لذلك اللفظ ودرجة ارتباطه بتلك الجملة التي قالها ذلك المتكلم، ثم تبني عليه استنتاجك الفكري.

وهذا يعني أن اللفظ وطريقة المتلفظ في الخطاب وطريقة استعمال الألفاظ لها تأثير على الفرد السامع، وهذا التأثير النفسي له دور في تشكيل صورة المعنى في الذهن. فالسلوك اللفظي والفهم الذهني يخضع أيضاً إلى اتصالات الحوافز والاستجابة بين الأفراد.

فمن وظائف الكلمة أنها تقوم بعمل يعتبر جزءً من (الحافز – الاستجابة) عند القائل والسامع. فكلمتا (مطرقة) و(صراخ) تولدان استجابة متناسبة مع عنف الكلمتين وواقعهما الخارجي، فالاستجابة هنا لا تتعدى معنى الكلمة التي تعبـّر عن عمل ما. وهذه الاستجابة مفهومة ضمنياً على نطاق تلك الكلمات وحدودها.

ولاشك ان نظرية (الحافز – الاستجابة) ينبغي ان تتناغم مع الحقائق الخارجية، فإذا قال لك قائل: (إن هناك نسراً في البيت)، فقد تكون استجابتك على أضعف ما يكون، لأنك لا تصدق أن هناك نسراً في بيتك! فمن أين جاء ذلك الطائر المفترس وأنتَ في منطقة خالية تماماً من النسور؟ ولكن إذا قال لك القائل: (إن هناك عنباً طازجاً على منضدتك)، فقد تكون استجابتك لذلك الحافز قوية، لأنك تصدق ما قاله القائل لأنها قضية ممكنة، وأنت تعيش في بساتين الكروم، ولأن رغبتك في تناول ذلك اللون من الطعام قوية. فهنا تلعب فكرة (الحافز – الاستجابة) دوراً كبيراً في تصور المعاني وتصديقها. وما استعمال الألفاظ، والرغبة الشخصية بالتصريح، والاعتقاد بصحة إرادة المتكلم، والوضع الاجتماعي إلاّ عوامل مهمة لتحفيز تلك الاستجابة نحو الألفاظ.

نقد نظرية (الحافز – الاستجابة):

ولكن ترد على هذه النظرية إشكالات عديدة مثلما وردت على سابقاتها، ومنها: كيف نستطيع أن نصدق أن لكل لفظ يطلق يولّد استجابة من نوع ما ؟ وما هي استجاباتنا تجاه الحروف والمبهمات مثلاً ؟ ومنها: كيف نشخص الكيانات اللفظية الملائمة مع التوزيع العادل للاستجابات ؟ وكيف يمكن قياس الاستجابة الضمنية للألفاظ؟ ومنها: إذا كان استعمال الألفاظ هو الذي يحدد الاستجابة، فلماذا لا نستجيب لبعض الألفاظ المستعملة بسبب ضعف مصداقيتها؟

 نظرة إجمالية:

وكما لاحظنا فإن هذه النظريات الثلاث في تفسير المعاني تواجه صعوبات جمة في إقناعنا بصحة متبنياتها. فنظرية (الإحالة) التي تزعم بان اللغة تعتمد على طريق وسطي خارجي وهو عملية الإحالة إلى شيء آخر، فشلت في تحليلها لأنها ربطت الألفاظ التي لها معنى معين بشيء يقع خارج عالم اللغة. والنظرية (التصورية) التي ربطت بين الألفاظ والأفكار فشلت في تحليلها؛ لأنها أصرّت على أن كل لفظ لابد أن يرتبط بفكرة معينة. ونظرية (الحافز – الاستجابة) التي ادعت بأن الألفاظ لها معانٍ بملاحظة شروط النشاط الفسيولوجي الإنساني فشلت في تحليلها لأنها زعمت بأن لكل لفظ يطلق، يرابط معه (حافز – استجابة) من نوع ما. وقد عزز من فشل نظريتي (التصورية) و(الحافز – الاستجابة) انهما زعمتا بأن تشخيص كل لفظ لا يتم ما لم يحصل شيء ما في ذهن الإنسان في كل مرة يستعمل فيه اللفظ .

 ب- الإتجاهات الحديثة في نظريات المعاني

إن فشل النظريات الرئيسية الثلاث في تفسير دلالات الألفاظ على المعاني أدى إلى ظهور إتجاه جديد بين فلاسفة اللغة نحو تبني نظرية الاستعمال التي تقول بأننا إذا أردنا إدراك دلالات الألفاظ، فإن علينا ان لا ننظر إلى المعاني بل علينا أن ننظر الى الاستعمال. فالجملة هي آلة من آلات اللغة واستخدامها هو الذي يحسسنا بالمعنى. ولكن هذا الاتجاه لا يخرج عن الإطار الخاطىء الذي وقعت فيه النظريتان (التصورية) و(الحافز- الاستجابة) اللتان كانتا تبحثان عن المعاني عن طريق البحث عن تأثيرهما على السلوك الإنساني.

 الاستعمال بشرطي الزمان والمكان:

إلاّ أن ذلك لا يقلّل من أهمية فكرة (الاستعمال) في تشخيص معاني الألفاظ. ولكننا نتبنى فكرة جديدة في نظرية دلالات المعاني على الألفاظ، وهي فكرة (الاستعمال بشرطي الزمان والمكان). فإننا لا نستطيع أن نطلق معنى (الاستعمال) دون ان نحدد له شروطاً في الزمان والمكان. فهل أن كلمة (الدرهم) المستعملة في زمن النص تعني نفس (الدرهم) المستعمل اليوم في نفس المناطق ؟ أو أن الزمن جعل الدرهم قبل ثلاثة عشر قرناً غير الدرهم المستعمل اليوم ؟

لاشك أن الزمان والمكان أثّرا في فهمنا لنفس اللفظ المستعمل، فلا نستطيع أن نركن الى فكرة (الاستعمال) دون أن ندرك بُعدي الزمان والمكان في القضية التي نتناقش حولها. ولاريب أن الاستعمال يشخص – أولاً وقبل كل شيء – نوعية المتكلم وعصره وثقافته وخلفيته الاجتماعية. ويشخص – ثانياً – نوعية المستمع وقابليته على فهم تلك الألفاظ المستعملة في الحديث. فلولا الاستعمال لانقطع التفاهم اللفظي بين الأفراد.

وهذا يدلل على أن هناك حاجة ملحّة في علم الأصول لفهم الألفاظ المستعملة في زمن النص وتصنيفها في معجم خاص ، حتى يسهل على طالب الفقه فهم المطالب الشرعية بدقتها العرفية والأخذ بها لاحقاً في حياته العملية.

الكلمات واللغة الشرعية:

فهذه الكيانات التي تحمل إلينا المعاني ونطلق عليها الكلمات هي كيانات مجردة محصورة ضمن زمان ومكان يعيش فيه الأفراد، وما يجعل معانيها ثابتة – كما هو الحال في اللغة الشرعية – هو أن اللغة الشرعية ألزمتنا بتدبرها والأخذ بها في حياتنا العملية. ولكن الأفراد إذا أساؤوا استخدام اللغة فإن معاني الكلمات قد تتبدل جزئياً، ذلك لأن التبدل بمعناه الشامل غير ممكن واقعياً؛ لأن الكلمات التي تحمل المعاني ملكٌ عام للجماعة، والجماعة المؤمنة تحتضن اللغة الشرعية وتدافع عنها لفضيلة حرصها على تسليم اللغة والأحكام الشرعية إلى الأجيال القادمة دون تحريف.

ومما يساعد على حفظ اللغة الشرعية أن الناس إنما يستخدمونها استخدام الجمل المفيدة، لا الكلمات المبعثرة. فالجملة الفعلية أو الاسمية هي أصغر وحدة لغوية يمكن أن تستعمل في الأمر والنهي والكراهة والاستحباب. فقوله (ع): (أحسنُ المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر)[5]، يعبـّر عن نية نشر فضيلة العفو عند المقدرة، والكرم في جميع الظروف حتى ظرف قلّة ما في اليد.

والجمل الشرعية كلها جمل تعبيرية مع قصد ونية وهدف واضح في الوضع. وحتى أن الإنذار والوعيد، والترغيب والترهيب تعتبر طرقاً من طرق التعبير عن قصد المولى في التأثير على السلوك الإنساني وتشجيعه على السير بموازاة السلوك الشرعي الأكمل، كي يحقق الإنسان أقصى غاية من غايات وجوده على الأرض، وهو معرفة خالقه ثم عبادته.

ولاشك أن عملية التعبير في الألفاظ الشرعية تتضمن معنى معيناً يقصده الشارع، ولا يتعين أن يذهب ذلك التعبير إلى واسطة ذهنية ثالثة لتفسر لنا معنى ذلك اللفظ أو التعبير، كما قالت بذلك النظريتان (التصورية) و(الحافز – الاستجابة). فان لفظ (جهنم) مثلاً ينّدكُ مباشرة بالمعنى المتصور في الذهن، دون حاجة للرجوع الى تصور آخر لينقل لنا معنى تلك الحفرة الهائلة من النار.

 الاطراد وقواعد اللغة:

وإدراك الفرق بين قواعد اللغة وبين الاطراد (وهو شيوع استعمال اللفظ في المعنى من دون اختصاص بمقام معين) يدعونا إلى التساؤل التالي: هل أن دلالات الألفاظ على المعاني تحمل بشروط القواعد النحوية أو بشروط الاطراد أو التناسق الواقعي للغة البشرية ؟

لاشك أن التعابير اللغوية لها – أحياناً – معانٍ متعددة، فعندما أقول مخاطباً زيداً: (سوف لن تذهب اليوم إلى المدرسة)، فهل تعني أنني أوجّه أمراً إلى (زيد) بعدم الذهاب إلى المدرسة ؟ أو تعني بأنني أتنبأ بعدم ذهاب (زيد) إلى المدرسة ؟ أو تعني أن المدرسة مغلقة أو معطّلة، فلا داعي للذهاب ؟ فهذه الأشكال المتنوعة من المعاني لنفس الجملة تعكس أهمية التعبير في إيراد مراد المتكلم. فمع أننا التزمنا بالقواعد النحوية في الجملة، إلا أننا واجهنا صعوبة فهم مراد المتكلم، خصوصاً إذا كان الكلام مكتوباً وغير محفوف بالقرائن اللفظية أو النفسية التي نستطيع على ضوئها تشخيص مراد المتكلم.

ولكننا لا نستطيع التخلي عن معاني الألفاظ بسبب الاطراد أو التناسق اللغوي، بل لابد لنا من الأخذ بشروط القواعد النحوية؛ لأننا قد لا نستطيع فهم الألفاظ إذا كان الاطراد أو التناسق بعيداً زمنياً عن عصرنا، فليست هناك حيلة أو وسيلة لمعرفة القرائن النفسية المحيطة باللافظ وقت إطلاق اللفظ. ومع اعترافنا باننا قد نواجه – أحياناً – غموضاً وتشويشاً في فهم المعنى عن طريق تطبيق القواعد النحوية، إلا أن ذلك التشويش والغموض ضئيل نسبياً مقارنةً بإمكانية تطبيق الاطراد في المقام،، فان الاطراد اللغوي قد ينفع جيلاً معيناً في فهم دلالات الألفاظ على المعاني لكنه لا ينفع الأجيال اللاحقة بشكله التام.

وقد قام الفقهاء الأعلام بسد هذه الثغرة، حيث دونوا وشرحوا وعلى مدى قرون مديدة الآيات والروايات الشريفة بما فيها من أحكام، وعرضوها على الأمة بشكل موسوعات فقهية نذكر منها نماذج: كالمبسوط للشيخ الطوسي (ت 460هـ)، وتذكرة الفقهاء للعلامة الحلي (ت 726هـ)، وجواهر الكلام للشيخ النجفي (ت 1266هـ).

 التقاطع:

وقد تتقاطع القواعد اللغوية مع الاطراد في بعض الموارد، ويقع ذلك التقاطع في محور (الترادف). فالترادف هو اشتراك لفظين في نفس المعنى، بحيث نستطيع تعويض أحدهما بالآخر دون المساس بأصل المعنى أو التعبير في الجملة. وبتعبير فلسفي أننا نستطيع استعمال الترادف من دون المساس بأصل الحقيقة الخارجية، فمقياسنا في صحة الترادف هو أن استعمال كلا اللفظين يجب أن لا يغير من طبيعة الحقيقة الخارجية شيئاً. اما إذا كان استخدامنا لأحد اللفظين يولّد معنى (حقيقياً) واستخدامنا للفظ الآخر يولّد معنى (غير حقيقي) فإن ذلك العمل لا يصح أن يطلق عليه اصطلاح (الترادف)، فالترادف – وباعتباره قاعدة من القواعد اللغوية، وعنصراً متوافقاً مع عناصر الاطراد- لا يغير الحقائق الخارجية ولا يمسها شيء.

 أسماء الإشارة والضمائر وصيغ الأفعال

واجتماع هذه العناوين اللغوية تحت سقف مشترك يرجع سببه في الأصل إلى أن لها علاقة متينة بالمتكلم. فعندما نعلم ماذا يريد المتكلم من كلمة (هذا) و(هو) و(صيغة الفعل) فإننا نفهم موضع استعمال ذلك اللفظ، وكيف، ومتى، وإلى مَن استخدم. فهناك علاقة وجودية بين أسماء الإشارة والمواضيع الخارجية المشار إليها، وهذه العلاقة الوجودية يعكسها استعمال تلك الأسماء.

ولاشك أن أسماء الإشارة لا يمكن استعمالها في الجمل مجردة من الصيغ الوصفية التي تعرّف مضمون الخطاب، فعندما نقول: (هذا الكتاب) ونسكت، فإننا لا نفهم معنى اسم اشارة يلفّه الغموض ما لم نردفه بـ (جيدٌ) مثلاً فيكون المعنى متكاملاً (هذا الكتاب جيدٌ). إلا أننا يجب أن لا نغفل بأن أسماء الإشارة لا تعطي معنى الإشارة دائماً. فعندما نريد تعليم أبنائنا صفات الأشياء، ونقول لهم: (هذا ابيض)، فإننا لا نريد الإشارة إلى ذلك الشيء بقدر ما نريد أن نعلمهم معاني الألوان، وبالخصوص اللون الأبيض في هذا المثال.

إن أهم ما يميز أسماء الإشارة أن معانيها ثابتة بالرغم من تغير أوضاع الشيء المشار إليه وحالاته، فعندما يقول القائل (هذا) مشيراً إلى شخص أو مكان أو شيء، فإن لفظ الإشارة إنما قُصد به ذلك الشخص أو المكان أو الشيء. وقد يتبدل الشخص أو المكان أو الشيء ولكن القائل لازال يقول: (هذا) إشارة الى تلك الأشياء. وهذا يدلّ على أن الاستعمال هو الذي يحدد معاني أسماء الإشارة، وليست الأشياء نفسها. فلو وجدنا كتاباً خطياً قديماً كتب على غلافه (أنا المظلوم)، فنحن لا نستطيع أن نشخّص الكاتب الذي يشير إلى نفسه ما لم يرفق تلك الجملة بقرينة مصرحة بشخصيته، لأن أسماء الإشارة مع أنها ثابتة إلا أنها تشير إلى موضوعات متغيرة. ولو قال الفرد الواقف أمامنا: (أنا المظلوم) فإننا نشخّصه، لأنه وقف أمامنا متحدثاً عن نفسه، فأسماء الإشارة ترتبط معانيها بالاستعمال أكثر من غيرها من الكلمات.

أما الضمائر فهي كلمات لا تشير إلى ذاتها بل تشير إلى أسماء أخرى تتعلق بالزمان والمكان الخاصين بالمتكلم، فعندما يشير المتكلم إلى (زيد) ثم يقول (هو)، فالاستعمال هنا لا يتم ما لم يعرف السامع موقع المتكلم في ذلك الزمان والمكان الذي أطلق فيه اللفظ.

أما صيغ الأفعال، فهي وإن كانت تحدد بدقة زمن حصول الفعل، إلا اننا أحياناً نستغني عن الفعل مقابل الأسماء، فعندما نقول: (السماءُ ممطرةٌ) فإن هذه الجملة الاسمية قد تعبـّر عن حصول المطر قبل انعقاد صيغة الفعل فيما لو استعملنا جملة فعلية، فالأفعال ترتبط بالتحديد الزمني للاستعمال؛ والجملة الفعلية تعبـّر عن الحقيقة فقط إذا استعملت بعد نزول المطر لا قبله، بينما لا تعبـّر الجملة الاسمية عن تلك الحقيقة.

وعلى ضوء ما ذكر، فإن أسماء الإشارة والضمائر ترتبطان بالزمان والمكان الذي اُطلق فيه اللفظ، بينما يتحدد الفعل بالزمان فقط. ولاشك أن فهم هذا الفرق بين أسماء الإشارة والضمائر من جهة وبين الأفعال من جهة أخرى مهم من وجهة نظر (نظرية الاستعمال)، فالاستعمال هو الذي يحدد طبيعة معاني أسماء الإشارة والضمائر، بينما يتضاءل نسبياً دور الاستعمال في الأفعال، وهذه القضية جديرة بالتأمل.

 الأسماء والصفات

لاشك أن الأسماء والصفات لها معانٍ معينة أو قد تُشعر الذهن بمعانٍ معينة بصورة مستقلة، أو أنها تُشعر المستمع بتلك المعاني. وإلى هذا الحد، فإن هناك إجماعاً بين علماء اللغة وفلاسفتها على الإذعان لهذه الحقيقة. ولكن الذي اختلف حوله هؤلاء وأثار جدلاً بينهم هو: هل أن أسماء الأعلام التامة مثل (عمار بن ياسر) تُشعرنا بالمعاني كما أن الأسماء والصفات النكرة والمعرفة تُشعرنا بتلك المعاني ؟ وبطبيعة الحال فإن الإجابة على هذا السؤال تسهّل علينا عملية فهم الكلمة وعلاقتها بعالمنا ومحيطنا الذي نعيش فيه.

إن الاعتقاد السائد هو أن الأسماء التامة تمثل معاني الأشياء مباشرة ودون الحاجة إلى إشعار الذهن بتلك المعاني. فالأسماء التامة لها علامية ذاتية وليست لها مفاهيم، فـ(عمار بن ياسر) اسم تام وله علامية ذاتية وهي تلك الشخصية الصحابية المعروفة في التأريخ الإسلامي. إلاّ أن ذلك الاسم لا يملك مفهوماً معيناً.

أما الأسماء المشتركة فهي تمتلك علاميةً ذاتيةً ومفهوماً؛ فـ(الجَمَلْ) مثلاً له مفهوم معين وهو خصائص ذلك الحيوان الخارجية، أما علاميته الذاتية فهي أننا كلما أطلقنا لفظ (جمل) فإننا مثلّنا برمز لكل حيوان له تلك الخصائص، وما تعبـّر عنه كلمة (جمل) يُعطي معنى ذلك الحيوان في الذهن.

فالأسماء التامة إذن تمثل شواخص ثابتة في الواقع الخارجي، وتحمل معلومات حقيقية عن الخارج، وليست هناك شواخص متشابهة، بصورة تامة، في الواقع. فعندما نذكر (عمار بن ياسر) فان اللفظ لا يتبادر في أذهاننا إلى معنى آخر غير ذلك الصحابي المعروف؛ ومن ملاحظة أبعاد الزمان والمكان لا تتشابه الشواخص التي تعرّفها الأسماء التامة.

إلا أننا نستطيع أن نضيف عنصراً آخر إلى عناصر دلالة اللفظ على المعنى ولنسميه عنصر الإحساس بالمعنى (العنصر الوجداني). فتعبيري (كوكب الضحى) ، و(كوكب الليل) مثلاً يشعراننا بأننا نتحدث عن نفس الشيء الخارجي المشار إليه ولكن بإحساس مختلف. فنحن نحس بالوجدان أن (كوكب الضحى) هو غير (كوكب الليل)، مع أن الاكتشافات الحديثة تؤكد على أن ذلك الكوكب الذي نراه في الصباح هو نفس الكوكب الذي نراه ليلاً ويسمى بكوكب (الزُهرة). فالإحساس الذاتي باللفظ له دور مهم في معرفة الاسم التام، لأن ذلك الإحساس يتناغم مع المعلومات الحقيقية التي يعبـّر عنها ذلك اللفظ. فذلك الإحساس الذاتي بالمعاني يرتبط دائماً بالحقائق الخارجية.

ولكن إذا آمنا بأن الأسماء التامة هي التي تربطنا بعالمنا الخارجي المحيط بنا من خلال استعمالنا كلمات تعبـّر عن تلك الأسماء، فلربّ سائل يسأل: هل أن تسمية الأشياء جاءت قبل الوصف أو أن وصف الأشياء جاء قبل التسمية ؟

لاشك أن تسمية الشيء باسم معين لا تعني وصفه بالمرة، فعندما نسمي ذلك الجرم الموجود في السماء بكوكب (الزهرة)، فإننا نشير إليه باسمه التام لمجرد الإشارة والتبادر لا للوصف، فقد يكون ذلك الكوكب كبيراً أو صغيراً، لامعاً أو خافتاً، ولكننا نشير إليه بلفظ (الزهرة)، وهو لفظ لا يعبـّر عن أي صيغة وصفية. إلا أن تلك التسمية – بدون شك – إنما هي تهيئة مرحلية للوصف، فيكون الوصف تابعاً للاسم وليس العكس. ولذلك فإننا نرى أن الأسماء تبقى حتى لو تعرض الشيء المسمى إلى تخريب، فنحن نطلق لفظ (الجبل) على ذلك النتوء الهائل على وجه الأرض، ولكن لو تعرض ذلك الجبل لهزة أرضية، فاننا نقول ان الجبل قد تهدم أو قد تزلزل، مع أن الجبل المتهدم لا يحمل الوصف التام الذي لا يزال يعيش في أذهاننا عن معنى الجبل غير المتهدم.

والحمد لله رب العالمين. 

(نهاية ص 223)

السابق                صفحة التحميل               الصفحة الرئيسية

  


[1]  بحار الأنوار ج 100 ص 90.

[2]  شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 13 ص 180. خطبة 192.

[3]  سورة التحريم : الآية 6.

[4]  سورة  مريم : الآية 4.

[5]  غرر الحكم – من اقوال الامام علي بن ابي طالب (ع).