(ص 149 - 188)

 الباب الثالث

نظرات في فلسفة اللغة ومباحث الألفاظ

------------------------------------ 

توطئة

 لاشك أن العالِم الأصولي يهتم باللغة وفلسفتها اهتماماً بالغاً من زاوية اهتمامه بالمصطلحات الشرعية التي صاغتها الشريعة السماوية ووضعت قدراً ودرجة من الإلزام بتنفيذ أوامرها وترك نواهيها.

 طبيعة اللغة:

ولكن أول سؤال يواجهه الفيلسوف أو الأصولي معاً هو: ما هي اللغة ؟ وما علاقتها بالتشريع ؟ وكيف قُدِّر لنا – كبشر – أن نتفاهم عن طريق الألفاظ والرموز اللغوية ؟ فإذا كان الجواب هو أن اللغة تتكون من مفردات مترابطة بعضها بالبعض الآخر كانت قد وضعت بتقدير واضع ، فإن سؤالاً آخر يبرز وهو: ما هي حدود تلك المفردات المستعملة في الكلام ؟ بل ما هي أصغر وحدة من وحدات الكلام التي تساعد على التمييـز في فهم معاني الألفاظ في أي لغة من اللغات البشرية ؟

لاشك أن اللغة البشرية تتميـز بميـزة لها خصوصية فائقة، وهي أنها جهاز من رموز لها معانٍ يفهمها الأفراد. فالاسم والفعل والحرف ما هي إلا رموز لفظية يراد منها إفهام السامع بمراد المتكلم. إلاّ أننا لا نستطيع أن نحصر اللغة البشرية بالكلمات فقط، لأن بعض الرموز كتعابير الوجه في الغضب والحزن والإمضاء والرفض كلها تعتبر لوناً من ألوان الإشارات المفهومة بين الأفراد، بل إنها تقوم أحياناً مقام الكلمات في التعبيـر عن قصد الفرد في إيصال المعنى؛ أضف إلى ذلك أن بعض الرموز الحديثة استطاعت أن تحتل مكانة الألفاظ ودورها في تفهيم الأفراد بمقاصدها كإشارات المرور الضوئية، وأصوات سيارات الطوارئ والحريق ونحوها. فهذه الرموز اللفظية وغير اللفظية المنضمّة تحت لواء النظام اللغوي، كلها تصنع تلك اللغة البشرية في التفاهم والاتصال الإنساني.

ولكننا – ونحن في معرض الحديث عن طبيعة اللغة والألفاظ – لا نستطيع أن نركن إلى الرأي القائل بأن اللغة هي مجرد نظام مركب من رموز تشمل الكلمات بما فيها من أسماء وأفعال وحروف. لأن الكلمات لا تستطيع أن توصل المعاني المراد تفهيمها لبقية الأفراد ما لم تصاغ بجمل مفيدة تامة لا كلمات مبعثرة هنا وهناك. وحتى أن الكلمات المفيدة لا تستطيع أن تكون واسطة من وسائط الاتصال اللغوي بين الأفراد ما لم تدخل في حيز الاستعمال اللغوي المتعارف بين الناس؛ ولذا قيل في الفكر الفلسفي: بأن عدد الكلمات – بما فيها من أسماء وأفعال وحروف – محدود، بينما يبلغ عدد الجمل التي يركِّبها الإنسان في اللغة عدداً لا نهائياً بحدود تصورنا البشري، لأن حدود الاتصال بين الأشخاص لا نهائي.

ولعلنا نلمس إشارة القرآن المجيد – في بيان التمييز بين المخلوق القاصر والخالق القادر - إلى تلك الحقيقة من منظار آخر، وهو لا نهائية كلمات الخالق ومحدودية كلمات المخلوق: (قُلْ لو كانَ البحرُ مِداداً لِكلماتِ ربّي لنَفِدَ البحرُ قبلَ أنْ تَنْفَدَ كلماتُ ربّي ولو جِئْنَا بمثلهِ مَدَداً)[1]. ومقتضى الآية الشريفة سعة كلمات الله وعدم قبولها النفاد. ولاشك أن الخالق عز وجل لا يتكلم بشق الفم بل إن قوله وفعله وما يفيضه من وجود يقع تحت صيغة الإرادة الربانية والأمر الحتمي في (كن. فيكون). ولكن الكلمات أُطلقت هنا باعتبارها آية من الآيات الدالة عليه وعلى قدرته عزّ وجلّ.

 اللغة والرموز:

ومما يُضعف نظرية (الرموز) اللغوية التي تزعم بأن اللغة البشرية ما هي إلاّ نظام من أنظمة الرموز، هو عجزها عن الإجابة عن السؤال القائل بكيفية تطور الرموز اللغوية إلى نظام لغوي، بينما بقيت الرموز غير اللغوية دون أن تتطور إلى نظام؟ فالكلمات ما هي إلاّ كيانات نظرية مجردة، وبعضها ذات الطبيعة الآلية – كالحروف – يصعب تشخيص علائمها في بعض المناسبات لعدم استقلاليتها واعتمادها على غيرها في توضيح المقصود. وحتى لو رجعنا إلى جذور الكلمات ذات الطبيعة الاستقلالية – كالأسماء والأفعال – فإننا نجد إختلافاً في طبيعة اللفظ الواحد، ولنأخذ على ذلك مثلين من كتاب (لسان العرب). الأول: كلمة (صيّب)، والثاني: كلمة (قلب).

تقول مصادر العربية بأن معنى مادة (صيّب) هو: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة: أصل القوم. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ من كلِّ شيءٍ؛ أنشد ثعلب:

إني وَسَطْتُ مالِكاً وحَنْظلاً             صُيَّابهَا، والعَدَدَ المُحَجَّلا

وقال الفرَّاء: هو في صُيَّابة قومه وصُوَّابة قومه أي في صَميم قومه[2].

وفي معنى (قلب): القَلْبُ : تحوْيلُ الشيءِ عن وجهه، قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأقْلَبه، الأخيرةُ عن الحياني، وهي ضعيفة. وقد انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظهراً لبَطْنٍ، كالحَيَّةِ تَتَقَلَّبُ على الرَّمْضاءِ. وقَلَبْتُ الشيءَ فانْقَلَبَ أي انْكَبَّ، وقَلَّبْتَهُ بيدي تَقْلِيباً، وكلام مَقْلوبٌ، وقد قَلَبْتُه فانْقَلَب، وقَلَّبْتُه فَتَقَلَّب[3].

فتلحظ أن مادة (صيّب) لها ستة ألفاظ ومعنيان، ومادة (قلب) لها ثمانية عشر لفظاً وأربعة معاني. وفي ذلك دلالة على كثرة الألفاظ ومحدودية المعاني.

 تنوّع اللفظ والقراءة:

وهذا الاختلاف في تنوع اللفظ ومراد اللافظ هو الذي أدى الى الادعاء بأن القرآن نزل على سبعة أحرف وهو ما عارضه أئمة أهل البيت (ع) بشدة. فالقرآن إنما نزل على حرف واحد، ولكن اختلاف اللهجات وقراءات الرواة هو الذي أدى إلى ذلك الزعم. يقول ابن الجزري بخصوص الأحرف السبعة المزعومة التي نزل بها القرآن وتوهم استمرارها إلى اليوم: "وأنت ترى ما في هذا القول، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة، والعشرة، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول، قُلٌّ من كُثر، ونزر من بحر، فإن من له إطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة، وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر وهلم جرا"[4].

ولعل تلك اللهجات المختلفة في الجزيرة العربية أيام نزول الذكر الحكيم تعدُّ من أفضل الأمثلة على كون جذور الكلمات المختصة بمعنى واحد ولكن بألحان مختلفة تعكس توزيع تلك الأشكال والمفردات اللغوية على المساحة الكلية للغة العربية. وهذا يجعل طبيعة مهمتنا – في نسبة الألفاظ إلى الرموز- صعبة للغاية إذا لم نلحظ الاعتماد على فهم العوامل البشرية والجغرافية التي ساعدت على تحوير الألفاظ وجعلتها متباينة في الشكل والمضمون.

 المفردات اللغوية والتركيب:

فاللغة تتكون من عناصر معينة تشكل وتصمم نظامها. وهذه العملية الأساسية في تصميم اللغة معقدة بطبيعتها. فنحن لا نستطيع أن نأخذ مجموعة عشوائية من الكلمات ثم نحاول ربطها بجملة من الأحكام اللغوية لنكوّن لغة بالمعنى المتعارف عليه بين العقلاء! لأننا لا نتمكن من فهم طبيعة الوضع اللغوي ما لم نحلل بدقة الكلمات والإشارات ونرجعها إلى عناصرها وجذورها الابتدائية الأولية. وحتى لو فهمنا طبيعة تلك العناصر من أسماء وأفعال وحروف فانه يصعب علينا فهم منشأ تحديدات اللغة ومبادئها. فكيف أصبحت الجملة الاسمية مكونة من عناصر مرتبة ترتيباً لفظياً مؤلفاً من: (مبتدأ + خبر)؟ وكيف أصبحت الجملة الفعلية مكونة من عناصر مرتبة ترتيباً لفظياً مؤلفاً من: (فعل + فاعل + مفعول به) مثلاً؟ ولم تكن بالعكس أي (خبر + مبتدأ) فتكوّن جملة اسمية، و(مفعول به + فاعل + فعل) فتكوّن جملة فعلية. فكيف حصل هذا الربط بين الموضوع والمحمول، وكيف صحت النسبة بينهما دون أن يكون العكس هو الصحيح؟ ولاشك أن المعاني التي ولّدها هذا النظام المستعمل في ذهن الإنسان، جعل العملية العكسية في استخدام قواعد اللغة عملية تخريبية يستهجنها الإنسان.

وهنا قد يقول قائل: بأن معنى المفردات اللغوية يتطابق مع معاني الجمل، فإذا قلنا (زيدٌ قائمٌ) فإننا نفهم بأن ذلك الإنسان المسمى بـ (زيد) هو في حالة من حالات القيام. ولذلك فإن معرفة معاني المفردات يجعلنا نفهم طبيعة ومحتوى الجمل المكونة منها. وإذا آمنا بذلك فإن معاني المفردات في القواعد النحوية قد تفسر لنا طبيعة الترتيب اللغوي في المبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، والفعل والفاعل والمفعول به في الجملة الخبرية.

إلاّ أن هذا الرأي غير تام، لأن طبيعة المعاني في المفردات لا تعكس تماماً طبيعة معاني الجمل المكونة منها. فنقول بأن جملة (ضربَ الرجلُ الابنَ) تختلف عن جملة (ضربَ الابنُ الرجلَ)، مع أن كليهما يحتوي على نفس المفردات التي كوّنت الجملتين. وكذلك جملة (سِرْ من البصرة إلى الكوفة) تختلف تماماً عن جملة (سِرْ من الكوفة إلى البصرة)، مع أن لكليهما نفس المفردات اللغوية.

 الاستعمال والسياق:

إن أهم ما يميز اللغة كنظام عملي للتفاهم والاتصال هو أن مفرداتها يجب أن تخضع للاستعمال حتى تكون قادرة على ايصال معاني الألفاظ إلى أذهان مستمعيها. إلاّ أن صفة الاستعمال صفة مؤقتة ومرتبطة بزمن معين وهو زمن الاستعمال وليست صفة دائمية، لأن الاستعمال اللغوي للألفاظ يتبدل ويتغير من جيل لجيل. اللهم إلاّ أن نضع مقياساً دائمياً يخص الاستعمال الشرعي للألفاظ نحدد بموجبه المعاني التي عبـّرت عنها تلك الكلمات عن طريق فهم المنشأ، والدافع، والأمر، والنهي، والإطلاق، والتقييد، والوعد، والنصيحة، واللوم، والإلزام ونحوها؛ وعندها يكون الاستعمال الإنساني للألفاظ الشرعية استعمالاً دائمياً لا يتعلق بزمن ما.

ونحن لا نستطيع ان نفهم مراد المتكلم من كلمات معينة ما لم نفهم موقع تلك الكلمات في سياق الحديث، وما لم نستوعب المفردات النفسية والإجتماعية التي صاحبت عصر صدور ذلك الكلام. فلاشك أن موقع الكلمات أو المفردات اللغوية في الجمل النافعة قد تهدف إلى لون من ألوان التفاهم بين الآمر والمأمور مثلاً، أو قد تؤدي إلى تنشيط الذهن لإنتاج نمط من أنماط الفكر واستنباط النظريات، أو قد تؤدي إلى قياس منطقي، أو قد تكون تعبيـراً عن حالة عاطفية خاصة، فكيف نستطيع أن نشخص مقصود المتكلم في حصر مراده من الكلام؟ فعندما نادى الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف (هل من ناصر ينصرنا)[5]، فهل أراد من ذلك أمراً شرعياً موجهاً للمكلفين القادرين على نصرته؟ أو أراد منها مقدمة كبرى في قياس منطقي بين العدالة الدينية والظلم السياسي؟ أو كانت تعبيراً عن حالة عاطفية فريدة من نوعها؟ أو كانت إثارة وتحفيزاً عقائدياً إلزامياً للعقل الشيعي المؤمن بولاية أهل بيت النبوة (ع)، حتى ورود اليوم الموعود؟

لاشك أننا لا نستطيع الإجابة على تلك التساؤلات ما لم نتسلح بفهم شامل لدور المفردات والقواعد اللغوية وشروط الاستعمال والأبعاد الإجتماعية في فهم النص الشرعي. ونحن أمام خيارين هنا للإجابة على تلك التساؤلات، وهما: إمّا أن نعتبر تلك الحالات الشرعية محدودة واستثنائية ولا نرتبط بها على الصعيد الإلزامي، وهو أمر غير مقبول من قبل الشريعة ذاتها. وإمّا أن نفهم اللغة وفلسفتها وقواعدها الأساسية من زاوية أنها وسيلة من وسائل إيصال الأوامر والنواهي الشرعية إلى جميع المكلفين بغض النظر عن الزمان أو المكان الذي يتواجدون فيه. والصيغة الثانية هي الصيغة المقبولة على الصعيدين الشرعي والعقلي.

 صلاحية الاستعمال:

ولاشك أن المقياس المعقول في ملاحظة مدى صلاحية اللفظ المستعمل – الموضوع للمعاني – قد يتم على صعيدين، الأول: هو القدر الذي يستطيع فيه الأفراد استعمال ذلك اللفظ وفهمه دون مشقة فكرية. والثاني: هو أننا نستطيع – استطاعة ذهنية – أن نتحدث لأنفسنا عن طريق استعمال ذلك اللفظ. لأننا عندما نتعلم القدرة على الاتصال لفظياً بالآخرين والتفاهم معهم بالألفاظ المستعملة، نستطيع عندها ان نتحدث لأنفسنا في شتى المجالات ابتداءً من العبادات والاتصالات الروحية بالخالق عزّ وجلّ وانتهاءً بالمشكلات الاجتماعية والعلمية. وهذه ضرورة نفسية أكثر منها منطقية، لأن طبيعة التكوين تفرض علينا أن نستعمل الرموز اللغوية في التعامل مع العالم المحيط بنا، ومع انفسنا أيضاً.

اللغة الشرعية واللغة الإنسانية:

وقد تبين من خلال عرضنا للنظام اللغوي لحد الآن ، بان اللغة وما يمثلها من ألفاظ هي كيان نظري يحتوي على عناصر مجردة. فنحن لا نلمس أي نشاط، أو حركة، أو تفاعل اجتماعي للغة نفسها، بل هي مجموعة من الذبذبات والأفعال والظواهر الخاصة المتعلقة بها. فكيف اهتم الأصوليون بها كل ذلك الاهتمام، وهي على ما وصفناه من التجريدية النظرية؟ والجواب على ذلك يكمن في أن الخطاب الشرعي وسيلة لتوضيح مراد الشارع في الالتزام بالتكاليف الشرعية. فالكلام الشرعي هو مجموع النشاط اللفظي الذي يقوم به المعصوم (ع) لتوصيل مراد الشريعة إلى المكلفين، بينما يشكل النظام النظري للكلمات والقواعد النحوية اللغة الإنسانية. فالفرق يكمن في أن المعصوم (ع) كلما أراد التكلم فانه ينشيء لوناً جديداً من ألوان السلوك اللفظي الشرعي، ولكن ذلك لا يغير اللغة العرفية نفسها بقدر ما يضيف إليها إضافات جديدة. فالتغير الذي يطال اللغة العرفية إنما يتم عن طريق تغييرات عامة للتقاليد الخاصة بالألسن البشرية خلال الأجيال المتعاقبة، ولكن اللغة الشرعية والسلوك اللفظي الشرعي يبقيان ثابتين على مر العصور. ولذلك فان الفقيه المتأخر رتبة عن زمن النص يحتاج إلى جهد مضاعف من أجل فهم النصوص الشرعية الثابتة.

ومن الطبيعي فإن اللغة الإنسانية بدأت بصورة شفهية عن طريق ما ينتجه الصوت البشري من ذبذبات؛ وستبقى كذلك، لأن الإشارات والتعابير المجردة لا تستطيع أن تحتل مكان اللغة في التفاهم وفي توصيل التكاليف الشرعية للأفراد. إلاّ أن أهم مشتقات اللغة الشفهية، هو اللغة المكتوبة التي استحدثت لاحقاً في تأريخ البشرية الطويل. ولكن الكتابة بذاتها لم تعبـّر عن كل ما كان يجول في خاطر الإنسانية من آلام ومشاعر، إلاّ أنها حفظت لنا – بشكل ملفت – النصوص الدينية الرئيسية، كالقرآن المجيد الذي نزل شفهياً ووصلنا بالكتابة بعد أن امتدت العناية الإلهية بحفظه من كل تحريف خلال القرون المتعاقبة، وسنّة المعصومين (ع) التي وصلتنا بالكتابة عن أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم . وما اهتمامنا بفلسفة اللغة ومباحث الألفاظ إلاّ انعكاس لاهتمامنا بالنصوص الشرعية ومحاولة منا لفهم مراد المتكلم وهو الشارع العظيم أو من يمثّله.

 فلسفة اللغة

إن استيعاب المفردات الرئيسية للفلسفة اللغوية تهمّ الأصولي كما تهمّ الفيلسوف على قدرٍ متساوٍ. فالأصولي يهتمّ باللغة لاهتمامه بالأوامر الشرعية، والفيلسوف يهتمّ باللغة لاتصالها بالأفكار التي يولّدها العقل البشري. ولكن – ومن أجل نقل صادق للأفكار الشرعية – كيف يمكن الربط بين شخصية اللفظ وصحة المعنى المرتبط به ؟ وهل كانت الشرائع السابقة أعني الشرائع السماوية الرئيسية تفتقر إلى العناصر اللغوية في إيصال مرادها إلى الأفراد؟

والجواب على ذلك يكمن في أننا نحتاج – بلاشك – إلى لغة متكاملة منطقياً ولسانياً من أجل أن يوصل الخالق عز وجل مراده إلينا في التكليف الشرعي، ودور الإنسان في الحياة ، والجزاء بعد الممات. فالشريعة لا تستطيع أن تُفهم المكلفين بوجوب الصلاة بقولها: (أقيموا الصلاة) ما لم تتشكل عند الناس صورة منطقية عن قاعدة تؤمن بأن الأمر الشرعي إنما يدلّ على الوجوب، وأن النهي الشرعي يدلّ على الحرمة مثلاً. وحتى أن الجمل الإنشائية والإخبارية تحتاج إلى رابط منطقي بين مكوناتها كي نفهم حجم الحقائق التي تعبـّر عنها.

والرسالات السماوية التي نزلت لهداية البشرية منذ بداية نشوئها، كان محتواها من الأوامر والنواهي يتناسب مع بساطة الحياة الإجتماعية أو تعقدها، ومع طبيعة اللغة التي كانت توصل تلك التكاليف للناس. ومع أن الشريعة تعتمد على الفهم العرفي واللغوي في إيصال مقاصدها إلى المكلفين، إلاّ أن المنطق اللغوي يتخلف أحياناً عن المنطق الشرعي بأكثر من درجة.

 عدم صلاحية القواعد المنطقية أحياناً:

فالشريعة تستطيع أن تعتمد على اللغة وقواعدها في التعبيـر عن مراد المولى عز وجلّ، إلاّ أننا لا نستطيع أن نفهم فلسفة الدين من خلال فهم فلسفة اللغة. فالدين نظام ثابت ومتكامل، وما نفهمه اليوم من بعض مقاصد الشريعة قد نفهمه غداً عندما يتطور فهمنا اللغوي وتتكامل قواعدنا اللغوية. ولنأخذ مثالاً على ذلك، وهو دور المنطق في اللغة باعتباره أداة من أدوات صيانة اللغة والتفكير الإنساني عن الوقوع في الخطأ. فالمنطق علم يدرس مبادئ الاستدلال والحجج والبراهين الناشئة عن المقدمات. ولما كانت الحجج والبراهين تستند على اللغة والقواعد النحوية أيضاً؛ فإن تحليل المقدمات سوف يكون ضرورياً لتحليل مواد الجمل الداخلة في تلك المقدمات. فصلاحية الأفكار الواردة في تلك الجمل أو عدم صلاحيتها إنما يعتمد بشكل مباشر على أشكال المقدمات وطريقة عرضها. ولنفترض – هنا – مقدمتين، ولنلاحظ التشابه اللغوي بينهما، ثم نلحظ التحليل المنطقي لكلا المقدمتين:

الأولى: إن مرجع التقليد هو ولي أمر الأمة.

فـ(زيد) هو مرجع التقليد.

لذلك فإن (زيد) هو ولي أمر الأمة.

الثانية: رئيس الدولة ينتخب كل أربع سنوات.

(عمرو) هو رئيس الدولة.

لذلك فإن (عمرو) ينتخب كل أربع سنوات.

فالحقيقة، أن البرهان الأول صالح واقعياً. ولكن البرهان الثاني باطل على الصعيد الواقعي، مع أن كلا المقدمتين صالحتان لغوياً ومنطقياً. إلاّ أن الواقع الخارجي الحقيقي لعب دوراً حاسماً في صلاحية الأولى وفي بطلان الثانية. فنحن نقرّ أنه إذا آمنا بأن مرجع التقليد هو ولي الأمة، وكان (زيد) مرجعاً للتقليد، فإن (زيد) لابد أن يكون ولياً للأمة،  وهذا أمر منطقي لا يعارضه أحد. ولكن المشكلة تكمن في المثال الثاني ، فمع أننا استخدمنا الطريقة المنطقية وآمنا بأن رئيس الدولة ينتخب كل أربع سنوات، وكان (عمرو) هو رئيس تلك الدولة الآن، فإنه لا يصدق بأنه سوف ينتخب كل أربع سنوات مدى حياته. بل إن له الحق في الترشيح دورة واحدة أو دورتين فقط، ثم ينتهي ذلك الحق. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأننا لا نستطيع أن نطبّق القواعد المنطقية ونستنتج منها نتائج صالحة دائماً دون النظر إلى شروط القواعد العقلية والحقائق الخارجية. بمعنى آخر: إننا إذا لم ننظر بدقة إلى مفردات الجمل المفيدة وعلاقتها ببعضها البعض، فإننا قد نصل إلى نتائج خاطئة حتى لو طبّقنا القواعد المنطقية في المقام.

 فضيلة معاني المصطلحات:

فالقواعد المنطقية التي تحاول تنظيم التشكيلات اللغوية في أذهان الناس لا تستطيع لوحدها أن تكوّن عندهم ارتكازاً ذهنياً عن الأفكار الدينية أو غير الدينية ما لم تتضافر مع نظرية أخرى هي (نظرية المعرفة) التي لها علاقة مباشرة باللغة. فنظرية المعرفة تستند في أفكارها على (العلم الاستنتاجي) وهو العلم الذي ينطلق من القواعد العامة البديهية وينتهي إلى الحالات الخاصة. وبمعنى أدقّ: إن (العلم الاستنتاجي) هو العلم الذي يحصل لدينا عن طريق الإيمان بمسلك يختلف عن مسلك تجاربنا الشخصية. وأنصع مثال للعلم الاستنتاجي هو العلم بالرياضيات. فعلمنا بأن (5+6=11) مستقل تماماً عن تجاربنا الحسية. فنحن لا نعلم طريقاً أوصلنا إلى معرفة هذه الأعداد وطريقة جمعها غير التعلم من مدرسينا وآبائنا في الصغر بأن هذه الحقائق هي حقائق مسلّم بها؛ وأن آباء آباءنا تعلموها من مدرسيهم أو أبائهم وهكذا. ونحن – كأفراد – لم ننشئ هذه الأعداد ولم نساهم – بالتجربة الحسية – في اختراع طريقة جمعها، ولكننا آمنا بأنها الطريقة المثلى في التعامل مع الأعداد وطريقة جمعها أو طرحها. وما ينطبق على الأعداد ينطبق على الألفاظ؛ فنحن نتعلم الألفاظ ونأخذ بها كحقائق مسلّمة لا عن طريق التجربة والحس بل عن طريق الاكتساب والتحصيل.

ولرب سائل يسأل: ما هو الضمان في صحة الحقائق التي نستلمها من آبائنا ومدرسينا ؟ ويأتي الجواب الفلسفي بأن ما تعلمناه هو صحيح بالتعريف، أو حقيقي بفضيلة معاني المصطلحات في مورد البحث، بمعنى أن (5)، (6)، (11)، (+)، (=) هي مفردات مرتبطة بمعانيها. أي أننا لو أنكرنا معاني هذه المفردات لأدى بنا ذلك إلى تغيير خطير في تشكيل صورة ارتباط اللفظ بالمعنى. ولذلك فإن الصورة المرسومة في أذهاننا حول (5+6=11) هي صورة حقيقية لمعاني تلك الأعداد. وهذا العلم الاستنتاجي ينطبق على الألفاظ كما هو منطبقٌ على الرياضيات.

 إضافات اللغة الشرعية:

وارتباط الألفاظ بالمعاني يعبـّر عن افتراض مفاده بأن اللغة العرفية لوحدها لا تستطيع صياغة الحقيقة بشكلها الواقعي. فكان لابد للغة العرفية من إضافات جديدة لتشكيل صورة واقعية عن الحقيقة، فكانت اللغة الشرعية هي تلك الإضافة المكمّلة لتشكيل تلك الصورة. فاللغة الشرعية استحدثت الكثير من المصطلحات التي تعبر عن مضامين إلزامية كالأوامر والنواهي والقطع والاحتياط والاستصحاب. واللغة العرفية لا تستطيع التعبير عن معاني تلك المصطلحات ومضامينها بالشكل الذي فصّلته اللغة الشرعية. فاللغة العرفية غير كافية لتفسير مقاصد الشريعة والتعبيـر عن متبنياتها الإلزامية والأخلاقية.

إن الفارق في استخدام اللغة الشرعية دون اللغة العرفية هو الذي جعل الفارق بين علماء الفقه والأصول من جهة، وبين غيرهم من عوام الناس من جهة أخرى، هائلاً في التفكير والتعبير والسلوك. وقد يتضيق ذلك الفارق عن طريق التحليل اللغوي والاجتماعي للأحكام الشرعية والتركيز على توضيح المصطلحات الشرعية؛ لأن هدف تلك الأحكام الإلهية بالدرجة الأولى تصحيح السلوك الإنساني وجعله متوافقاً مع مراد المولى عز وجل. وهو دون شك غير مختص بفئة دون أخرى من الناس. لكن فارق الاختصاص العلمي بين اللغتين الشرعية والعرفية يبقى قائماً وكبيراً. 

 دلالة الألفاظ على المعاني

إن ما يصطلح عليه بـ(دلالة اللفظ على المعنى) إنما هو عنوان عام يشمل مساحة واسعة من الرموز أو المفردات اللغوية.  فالمفردات اللغوية تتفاعل على أصعدة ثلاثة وهي:

الأول: علاقتها ببعضها البعض، ويشمل تركيب الجمل في أشكالها الصحيحة من حيث الإعراب.

الثاني: علاقتها بأمور وأشياء أخرى غير المفردات مثل: الدلالة على، والإحالة إلى، والمعاني، والمفاهيم، وهذه هي دلالة الألفاظ على المعاني.

الثالث: علاقتها بأشياء واقعية كالاستعمال، والاستجابة، والملاحظة، والتبادر. وهذا هو التطبيق العملي للغة ومفرداتها.

 1-تركيبة الجمل المفيدة:

فعلى الصعيد الأول، فإننا – ومن أجل فهم اللغة – لابد لنا أن نفهم تركيبة الجمل المفيدة التي نعبـّر من خلالها عن أرآئنا، ونفهم على ضوئها طبيعة الإلزامات الشرعية أيضاً. فتركيب الجمل في اللغة العربية يحتوي على أربعة أصناف نتعرض لها بتفصيل نستمده من القواعد النحوية. ومراجعة بعض القواعد النحوية في هذا المجال يهيئ أذهاننا نحو تقبل البحوث اللاحقة. فهذه الأصناف:

الأول: المتغيرات: وهي الأفعال والأسماء والمشتقات. فالفعل يدلّ على حالة أو حدث مقيّد بزمن، مثل: عَلِمَ، يَعْلَمُ، اِعْلَمْ. والاسم هو ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترنٍ بزمان، وهو على قسمين: الاسم المتصرف وهو الاسم الذي تتغير أحواله فيكون مفرداً ومثنى وجمعاً، ويصغر وينسب إليه، مثل: مَدِيْنَةٌ، مدينتان، مُدُنٌ، مُدَيْنَةٌ، مَدَنِيٌّ. والاسم غير المتصرف وهو ما لازم حالة واحدة، مثل اسم الاستفهام في قولنا: مَنِ الرجل؟ أما المشتقات فهي أسماء مشتقة من الأفعال أو الأسماء، وهي على ثمانية أنواع: اسم الفاعل مثل: (ضارب – كاتبٌ)، وأسم المفعول مثل: (مضروب – مَكْسُوُرٌ)، والصفة المشبهة مثل: (حسنٌ ، وحكيمٌ)، واسم التفضيل مثل: كلمة (أكبر) في جملة (الشمس أكبر من الأرض)، وأوزان المبالغة مثل: (فَعَّال، مَنَّاع، وفَعِيْل: رَحِيْم ونحوها)، وأسماء الزمان مثل: (موعدٌ)، وأسماء المكان مثل: (ملعبٌ)، وأسم الآلة مثل: (مِبْرَد ، وسِكَّيْن).

الثاني: الثوابت المنطقية: كالنفي، والشرطية، والربط، والاستثناء، والاستفهام، والجواب ونحوها. وكلها تقع تحت عنوان (الحروف). وعندما نتكلم هنا عن الحروف، فإننا لا نقصد بها الحروف الهجائية، بل نقصد بها الكلمات التي لا يتم مدلولها إلاّ بإضافتها إلى الأسماء والأفعال، ويتجاوز عددها الثمانين.

والحروف على ثلاثة أشكال:

1- الحروف المختصة بالأسماء: كحروف الجر مثل: (مِنْ، إلى، عنْ ونحوها)، وأحرف القسم (كالباء، والتاء، والواو) وأحرف الاستثناء: (إلاّ، خلا، عدا، حاشا) وأحرف النداء: (كالهمزة، يا، آ، آي ونحوها)، والأحرف المشبهة بالأفعال: (ليت، لعل، لكن)، وحرفا المفاجأة: (إذا ، إذ)، وحرفا التفصيل: (أمّا ، إمَّا)، وأحرف التنبيه: (ها، أمَا، ألا).

2- الحروف المختصة بالأفعال: كأحرف النصب: (أنْ، لنْ، إذنْ، كي)، وأحرف المصدر: (أن، أنَّ، كيّ، ما، لو)، وأحرف الجزم: (إنْ، لم، لمَّا، لام الأمر، لا الناهية)، وحرفا الشرط: (إن، لو)، وأحرف التحضيض: (ألا، أما، هلاّ، لولا، لوْمَا)، وحرفا الاستقبال: (السين، وسوف)، وحرف التوقع: (قدْ)، وحرف الردع: (كلاّ).

3- الحروف المشتركة، كأحرف العطف (الواو، الفاء، ثم ونحوها)، وحرفا الاستفهام: (هل، الهمزة)، حرفا التفسير: (أي، أنْ)، وحرفا الاستفتاح: (ألا، أما)، وأحرف النفي: (ما، لا، لات، إن، لم، لمّا، لن)، وأحرف الجواب: (نعم، بلى، إيْ ونحوها).

الثالث: الثوابت الوصفية: وهي التي تشمل الصفة والموصوف والجمل الاسمية المشتقة عنها. فالموصوف هو الاسم الدالّ على إنسان أو حيوان أو شيء أو معنى كـ (محمد، كتاب، شجاعة)، والصفة هي الكلمة التي تشرح حال الموصوف مثل: (كبير ، ثمين). ومواضع الموصوف هي أسماء الزمان والمكان والأسماء الجامعة واسم الآلة من المشتقات مثل: (موعد، مجمع، قلم، مفتاح)، ومواضع الصفة هي المشتقات الأخرى كاسم الفاعل، والصفة المشبهة باسم الفاعل، واسم المفعول، وأوزان المبالغة، واسم التفضيل مثل: (حاضر، أحمر، محمود، فعَّال، أكرم).

الرابع: علامات الترقيم ومواضع الفصل والوصل: وهي من قواعد الاملاء عند المتأخرين، إلاّ انها مهمة أيضاً في التعبير عن المعاني. فالنقطة (.) تدلّ على انتهاء الجملة تامة المعنى، والفاصلة (،) توضع بين الجمل التي يتركب منها كلام تام الفائدة، والنقطتان ":" تستعمل بين المجمل  وتفصيله، وعلامة (الاستفهام) توضع  في نهاية الجملة الاستفهامية، وعلامة التنصيص (" ") تدل على كلام نقل بنصه.

أما في مواضع الفصل والوصل، فإن بعض الحروف العربية تتصل بما قبلها وبما بعدها كالسين والتاء والعين مثل (فسد)، ويتصل بعضها بما قبله فقط كالراء والدال والزاي مثل (حضر زائر). ومن الحروف ما يتصل بغيره في مواضع معينة ويبقى منفصلاً في مواضع أخرى، ومنها ما يدغم بغيره عند الاتصال. ومثال ذلك (ما الزائدة) فإذا سبقتها أداة شرط اتصلت بها مثل: (أينما تكونوا يدرككُمُ الموت)، وإذا سبقتها كلمة (حينَ) أو (ريْثَ) اتصلت بها: (حينما، ريثما). وفي حكم كلمتي (كُلَّما، كُلَّ ما): إذا كانت (كل) منصوبة على الظرفية فان (ما) تتصل بها مثل: (كلما زارني أكرمته)، وإذا لم تكن (كل) منصوبة فان (كل) و(ما) تبقى منفصلتين مثل: (ما كل ما يعرف يقال). وفي حكم كلمة (لئِنْ)، إذا جاءت اللام الموطئة للقسم قبل (إنْ) الشرطية اتصلت بها وكتبت الهمزة على ياء مثل: (لئِنْ شكرتُم لأزيدنَّكم)، ونحو ذلك من قواعد الفصل والوصل في اللغة.

ولاشك أن هذه القواعد النحوية مهمة في تنظيم دلالات تلك الألفاظ على المعاني. فنحن لا نستطيع – كأشخاص يعيشون في زمان ومكان متباينين – أن ندعي فهم جميع الألفاظ التي يقصدها المتكلم ما لم نتسلح بفهم مشترك لقواعد اللغة التي ينبغي أن تثبت من جيل لجيل على الأقل.

 2- مباحث الدلالات اللغوية:

وعلى الصعيد الثاني ، فتنضوي مباحث (دلالة الألفاظ على المعاني) تحت مظلة لوائين:

الأول: لواء نظرية الانقداح. وهي النظرية التي تؤمن بالعلامية (ونقصد بها التبادر عبر علامة معينة للتدليل على الحقيقة).

والثاني: لواء نظرية المعاني. وهي النظرية التي تتناول مفاهيم الألفاظ وإرادة قصد المتكلم.

 أ-نظرية الانقداح:

ففي الالماع أو الانقداح، نلحظ أن العلامية – حيث يحتاج التبادر إلى علامة معينة للدلالة على الحقيقة – تكشف عن حقيقة مفادها أن اللفظ إنما يحتاج إلى كيانات إضافية أو مواصفات ذاتية حتى يعطي المعنى المقصود. ولنضرب على ذلك مثالاً أخذ به بعض الفلاسفة المتأخرون، فقد يقول قائلان: (أ) و(ب) بجملتين مختلفتين، وهما:

يقول القائل (أ): أن كوكب الضحى هو كوكب الضحى.

ويقول القائل (ب): أن كوكب الضحى هو كوكب الليل.

فهنا يختلف المعنى بين (أ) و(ب) اختلافاً جذرياً، ولكن ذلك الاختلاف لا يخرج عن إطار نفس العلامية المستخدمة في القولين. ولنفترض أننا أجبرنا هذين القائلين على استخدام علامية أخرى حتى نفهم أن ما يقولانه يطابق الحقيقة.

فيقول القائل (ج): بأن كل فرد يحترم عقله يؤمن بأن كوكب الضحى هو كوكب الضحى.

ويقول القائل (د) : بأن كل فرد يحترم عقله يؤمن بأن كوكب الضحى هو كوكب الليل.

هنا – وبفضل العلامية الثانية – لم تتغير معاني الألفاظ فحسب، بل وتطابقت هذه الألفاظ مع الواقع الخارجي والحقائق الخارجية. فأصبح المعنى في القول المنسوب إلى (ج) متبلوراً في أن الفرد العاقل يجب أن يؤمن بأن كوكب الضحى هو الكوكب الذي نراه صباحاً، وما نراه ليلاً هو ليس نفس الكوكب، حتى لو كان موقعه نفس موقع كوكب الضحى في السماء. ويصبح المعنى في القول المنسوب إلى (د) بأن الفرد العاقل يجب أن يؤمن بأن كوكب الضحى هو نفسه كوكب الليل، لأن موقعه هو نفس موقع كوكب الضحى في السماء، ولا يمكن أن تتغير مواقع الكواكب بتغير الليل والنهار! فالعلامية إذن – حسب نظرية الالماع أو الانقداح – لها قدر من الأهمية في تشكيل المعاني التي أرادها الواضع من تصميم اللفظ.

استخدام العلامة للدلالة:

ومع أننا – كأشخاص – نجمع في أفكارنا الصامتة ونطرح ونحلل دون استخدام لفظٍ من الألفاظ، فإن ما نستخدمه في التحليل الذهني هو المعاني التي نربط بعضها ببعض. إلاّ أننا لا نفهم المعاني الذهنية، فضلاً عن اللفظية، ما لم نستخدم العلامية في أفكارنا أيضاً كما نستخدمها في ألفاظنا الخارجية التي نريد بها أن نوصل مرادنا إلى السامع.

فالجمل الحقيقية هي الجمل التي يكون فيها الخبر حاوياً على مادة صادقة للمبتدأ. وإن هيئة الجملة تعبـّر – بصدق – عن واقع خارجي من نوع ما. فمثلاً عندما نقول: (ان الإنسانَ كائنٌ حيّ)، فنحن نعلم أن العلامية تنطبق على مصاديق الأفراد الأحياء الذين نقصدهم، وليس الأفراد الموتى؛ مع أن بعض الموتى كانوا أناساً أيضاً.

فالعلامية لها دورانِ في الدلالة على اللفظ:

الأول: إنها تمثل أو تساعد في تمثيل المعنى المقصود، فعلامية (الحياة) تجعلنا نفهم المعنى المقصود من (إن الإنسانَ كائنٌ حي).

الثاني: إن اللفظ يمثل تلك العلامية، وهو أن جملة (إن الإنسانَ كائن  ٌحي) يعطينا معنى إجمالياً عن علامية (الحياة).

ولكن هل أن الألفاظ جاءت خصيصاً لتفسر لنا معنى (العلامية)؟

كلا بالتأكيد. فالألفاظ إنما وضعت للدلالة على المعاني بشكل عام – لا العلامية بشكل خاص – حتى نستطيع، ومن خلال فهم تلك المعاني، أن ننشئ أفكاراً تساعدنا على فهم عالمنا الخارجي وفهم أحكام عقيدتنا وإلزاماتنا الأخلاقية نحوها.

 ب-نظرية المعاني:

أما نظرية المعاني، فإنها ترفض العلامية وتأخذ بإحساس السامع في فهم معنى اللفظ. فإننا ندرك من المثال السابق الخاص بـ (أ) و(ب) بأن معاني الألفاظ إنما تفهم من خلال فهم إرادة المتكلمين ومن الإحساس الفطري بمعنى اللفظ. فحسب إدعاء نظرية المعاني نفهم بأن القائل يؤكد على كون كوكب الضحى هو نفس كوكب الضحى، وليس كوكب الليل في المثال الأول، بينما يؤكد القائل في المثال الثاني عكس ذلك.

 نقد النظريتين:

ولكنِ النظريتان، الانقداحية والمعانية،  تتعرضان إلى انتقادات جوهرية. فنظرية الانقداح لا تستطيع أن تدعي بأن علينا أن نستخدم العلامية في كل لفظ نطلقه، فالكثير من الجمل الاسمية والفعلية التي نستخدمها لإظهار معاني معينة لا تحتاج إلى أي شكل من أشكال العلامية. ونظرية المعاني لا تستطيع أن تقطع بأن كل لفظ نستخدمه له حس معين عند السامع يستطيع أن يُفهم معناه من التبادر.

ولذلك فإن طريقاً وسطاً ربما يؤخذ بين النظريتين وهو استخدام (العلامية والحسية) في وقت واحد. فالعلامية ضرورية فقط عندما تعجز أذهاننا عن فهم المعنى المقصود من الألفاظ المستخدمة ولا يتبادر في عقولنا المعنى المتوقع في الحالات الطبيعية التي يكون فيها المعنى منّدكاً باللفظ. إلاّ أن العلامية تصبحُ لغواً إذا استخدمت في المعاني الحسية. ولذلك فإن العلامية تستخدم في الجمل التي نحتاجها لإشعار السامع بمرادنا، بينما نستخدم الألفاظ الحسية مجردة عن العلامية عندما نشعر بأن تلك الألفاظ كافية لتفهيم السامع بمرادنا من الكلام.

 3-الاستعمال:

أما الصعيد الثالث الذي تتفاعل فيه اللغة بمفرداتها فهو صعيد الاستعمال والتطبيق العملي. فاللغة الواقعية هي لغة وصفية تجريبية تكون فيها للمعاني الحرفية حصة رئيسية. فالمعاني الحرفية تربط المتكلم بالجمل المفيدة التي يكوّنها في زمن خاص ومكان معين. والأفعال والأسماء لها خصائص معيّنة تشخص الطبيعة الوصفية لذلك النظام اللغوي. أما النعوت كـ(الكريم) مثلاً أو الأسماء الخاصة كـ(المصطفى) مثلاً فإنها تتبادر إلى الذهن دون ضرورة استحضار علامية معينة.

زبدة القول:

وتلك الأصعدة الثلاثة المتفاعلة وهي: التركيب المنطقي للجمل، ودلالة الألفاظ على المعاني، والاستعمال، تشكل أهم أركان النظام اللغوي ومقاصده في إيصال مراد المتكلم من أوامر ونواهي أو إلزامات أخلاقيـة إلى ذهـن السامـع. ولكن اللغـة – بتعقيداتها الواسعة ومشاكلها المتشعبة – لا تتوقف عند هذا الحد من البساطة، بل إن بعض مفرداتها تتشابك في حقول المجازية والاشتراك والنقل والإضمار ونحوها.

 عملية الوضع:

إن تعارض أحوال الألفاظ في المجازية والاشتراك والتخصيص والنقل والإضمار يدعونا إلى دراسة أعمق للوضع، وقصد الواضع من المعنى؛ فعملية الوضع أو تصميم لفظ معين لمعنى من المعاني ما هي إلا عملية خارجية بالنسبة للغة. أما النية أو القصد فهي عملية ذهنية- قلبية. فالأسماء والصفات في الجمل الاسمية كـ(الرجل، والأبيض) إنما وضعت بنية بدائية أولية، ولكن عندما تطورت اللغة تشعب تقسيم الأسماء، فتطور المفرد المجرد إلى مثنى وجمع ومؤنث ومذكر، وأصبحت المصطلحات الجديدة تُنشأُ بنية جديدة غير النية الأولية. ولاشك أن ذلك ينطبق على اللغة الشرعية أيضاً. فالمجازية[6]، والنقل[7]، مثالان من أمثلة التمييـز بين النية الأولى والنية الثانية؛ فإن الواضع في القصد الأول أراد من لفظ (الرقبة) مثلاً عنق الإنسان، ومن لفظ (الصلاة) الدعاء. إلاّ أن القصد الثاني اُنشئ مستقلاً عن القصد الأول. بمعنى أن اللفظ القديم للمعنى الجديد يفترض أن يؤخذ بكونه لفظاً جديداً لقضية مستحدثة.

ولكن هذا الوضع يبرز سؤالاً، وهو: هل أن هذا النقل والتجوز يتوقف عند هذا الحد أو يستمر بحيث نراه في مرحلة ثالثة وبنيّة جديدة ينتقل إلى معنى آخر؟ والجواب على هذا السؤال هو أن (النقل) و(التجوز) اللغوي المزعوم هو ليس انتقالاً من معنى إلى معنى آخر بطريقة تسلسلية بقدر ما هو انتقال متميز بين مستويين من الأهمية اللغوية أو الشرعية. فإن لفظ (الصلاة) في المعنى المهجور أقلُّ أهمية من لفظ (الصلاة) في المعنى الشرعي الجديد، وكذلك لفظ (رقبة) في المعنى المهجور أقلُّ أهمية من لفظ (رقبة) في المعنى الشرعي الجديد.

وهذا يسدُّ البابَ على من زعم بأن مجرد حصول الانتقال والتجوز للفظ من معنى أولي إلى معنى جديد سوف يمهّد الطريق – منطقياً – لظهور معنى ثالث جديد يلغي المعنى الشرعي. فليس هناك مستوى ذهني أكثر أهمية – على المستوى الإلزامي – من النظرة الشرعية في الإلزامات بما فيها الأوامر والنواهي.

 طرق التعامل مع اللغة:

وهذا التفكير يجعلنا على مفترق طريقين في التعامل مع اللغة ومفرداتها. الطريق الأول: القواعد النحوية. والثاني: القواعد المنطقية. فأيُّ الطريقين نختار في التعامل مع اللغة ، طريق النحو أو طريق المنطق ؟ فلاشك أن المفردات التي يكون الذهن ساحة لنشاطاتها تعتبـر عناصر منطقية أيضاً. فالمعاني منطقية بطبيعتها لأنها تتحرك ضمن الإطار الذهني فحسب ولا تخرج إلى الواقع بكياناتها المعنوية. إلاّ أننا إذا آمنا بأن المفردات الحقيقية لها كيانات ذهنية فقط، فإننا سنواجه مشكلة حقيقية في الربط بين فهم المفردات وبين تصور الفكرة المرتبطة بها، خذ على سبيل المثال قولنا: (إذا كان الفردُ إنساناً فهو حيوان). فإننا إذا ربطنا بين فهم المفردات كأفكار، فإنه لا موجب للشرطية لأن الفكرتين (الإنسانية والحيوانية) ربما تظهران في مكان آخر بشكل يستقلّ أحدهما عن الآخر تماماً، لأن الذي يهمّنا هنا هو اسم (الإنسان) وتعريفه بأنه (حيوان)، فمصطلح (الحيوان) هو جزء من تعريف أشمل لـ(الانسان).

ولكن هذا المنحى يجرد علم المنطق من ارتباطه بالحقائق الخارجية، بل يجرده أيضاً من كونه علماً لتفسير العلّة والمعلول. ولذلك فإن عالماً منطقياً مثل الشيخ الرئيس ابن سينا افترض أن المنطق مجاله الكلام الداخلي الذاتي عند الإنسان، والنحو مجاله الكلام الخارجي للإنسان[8].

ولكن ابن سينا لم يتعرض إلى (النقل) و(التجوز) حتى يرى بعض هفوات علم النحو، وما ذكرناه حول الخلل المنطقي في مثالنا السابق بخصوص (رئيس الدولة ينتخب كل أربع سنوات)، يعرض بعض هفوات علم المنطق.

ولعل الحق أن يُقال: بأن التعامل الصحيح مع اللغة ومفرداتها ينبغي أن يأخذ محاسن الطريقين: الطريق النحوي والطريق المنطقي. فانسباق الذهن إلى معنى اللفظ لابد وأن يكون متناسقاً مع الترتيب المنطقي للأفكار التي تولدها تلك المعاني في ذهن الإنسان.

 الترتيب المنطقي للفظ:

نستطيع أن نفهم اللفظ – في ضوء هذه الرؤية – على أربعة أصعدة متوالية هي: العمومية، والنسبة، والاستعمال، والأصلحية. ولنفترض أن أمامنا لفظ (الملكية).

فعلى الصعيد الأول: نفهم التعبيـر عن مراد المتكلم بالعموم، وهو الملكية بكافة أصنافها.

الثاني: نفهم الافتراض المناسب لاستعمال تلك الكلمة. فإننا نحصر معنى أدق للملكية عبر التفسير التقليدي لموضع الاستعمال في الجملة، فالجملة الفعلية للتمليك – خبراً كان أو إنشاءً – تختلف عن الجملة الاسمية الوصفية التي تعبـّر عن طبيعة ذلك التمليك وصفته.

الثالث: نفهم طبيعة الاستعمال. فاننا نعلم أن تملك السيد للعبد – دون النظر إلى لون بشرته – في زمن النص كان متداولاً، بينما يختلف الأمر عليه اليوم. فنفهم من النص الخاص بتملك العبد، التملك على أساس رقيّته الدينية، وليس على أساس رقيته الإنسانية كما كان المعمول به في القرن التاسع عشر في الدول النصرانية الغربية.

الرابع: الأصلحية في استخدام ذلك اللفظ في المعنى المقصود، ويلحظ في ذلك الاستعارة أو المجاز، والكناية، والجدية أو السخرية في مراد المتكلم، والمطابقة ونحوها. فعندما يذهب الفرد لزيارة مكتبة زميله ويرى كتاباً معيناً فيقول معبـّراً عن دهشته: (هذا الكتاب موجود في مكتبتي أيضاً)، فإن هذه الجملة غير حقيقية لأن ذلك الكتاب بذاته غير موجود في مكتبته، إلاّ أنه استخدم ذلك التعبير ليقصد بجملة (هذا الكتاب موجود في مكتبتي....) بمثابة (مثل هذا الكتاب موجود في مكتبتي...). فهنا لا نستطيع أن نفهم المعنى ما لم نفهم نية الواضع وقصده وأسلوبه في استخدام اللفظ الأصلح للتعبير عما في نفسه.

 مادة الجملة وهيئتها:

ولاشك انه لا يمكن فهم معاني الجمل الاسمية أو الفعلية ما لم تُفهم مواد تلك الجمل وهيئاتها. فعن طريق هيئة الجملة يُستظهر المعنى الذي يريده المتكلم. فعندما نقول: (إنّ الإنسان وحده قادرٌ على الضحك)، فان هيئة هذه الجملة هي التي تحدد معناها، فإذا افترضنا أن كلمة (وحده) هي جزء من اسم (إنّ) فإنها تصرح بإنكار قابلية الضحك لغير الإنسان بصورة كلية. أما إذا افترضنا أن كلمة (وحده) هي جزء من خبر (إنّ) كما لو كان التقدير (انّ الإنسان قادرٌ على الضحك وحده) فإنها تعني بأن الإنسان في حالة الوحدة والعزلة قادرٌ على الضحك، وهذا الفرق في المعنى يُظهر أهمية الهيئة وخطورتها في تشخيص معاني الجمل.

 العلاقة بين النحو والفلسفة:

وهذا المثال وأشباهه يبـرز العلاقة الوثيقة بين علمي النحو والفلسفة. فعلم النحو علمٌ تأملي محفوف بالمخاطر، فلولا القرآن المجيد لانحرفت قواعد اللغة العربية الى طريق لا نعلم منحاه. ولولا النحو لما نشأت فلسفة اللغة؛ فالقواعد النحوية تعتبر المهد الذي تربّت فيه الفلسفة اللغوية. بل إن تلك القواعد النحوية تبرز أهميتها ودورها الأساس في تنظيم اللغة، من كونها صيغة من صيغ دلالات الألفاظ على المعاني، لأن تلك القواعد عبارة عن مجموعة من الملاحظات التجريبية حول البناء السليم للجمل دون حاجة لتوضيح أو تبرير أسباب نشوء تلك القواعد. ولما كان نشوء تلك القواعد لا يحتاج إلى تبرير، فإن النحو أصبح جزءً لا يتجزأ من اللغة نفسها.

ولاشك أن الفرق بين اللفظ والمعنـى – من وجهة نظـر "نحوية–فلسفية" – هو أن اللفظ كيان يعيش خارج الإطار الذهني، بينما يبقى المعنى حبيساً بين الجدران الذهنية، والألفاظ مجرد (مواد) منفردة لا تشكل معنى ذهنياً متكاملاً ما لم يتدخل علم النحو في صياغتها صياغة محكمة عن طريق (هيئات) الجمل، حتى تدلّ الألفاظ على معانيها دلالة متكاملة.

 الدلالة الإضافية:

وبطبيعة الحال، فإن بعض مفردات اللغة التي وضعت لمعنى معين قد تتحمل معانٍ إضافية تضاف إليها مع بقاء معاني تلك المفردات أو الألفاظ الأصلية على ما هي عليه. ويمكن أن نصطلح على ذلك بـ(الدلالة الإضافية) للفظ على المعنى، فكلمة (البصير) وضعت كصفة للفرد القادر على الرؤية والإبصار، ولكن اللفظ تحمّل معنى آخر مضاد تماماً للمعنى الأساس وهو الأعمى. فعندما نطلق كلمة (بصير) على فرد ما، فإنه تتبادر إلى أذهاننا صفة مرتبطة بالفرد (الأعمى)؛ فلفظ (البصير) لم يرتبط بمعنى معين بذاته فقط، بل إنه ارتبط في الحالة الجديدة بفكرة تكريم الأعمى وإنزاله بمنـزلة البصير. وهذا اللفظ لا يدخل في باب (الاشتراك) ولا (المجاز)، بل في باب تلبس اللفظ بفكرة وعقيدة ثانويـة تختلف عن الفكرة الأولية الموضوعة له. 

وكذلك عندما نطلق لفظ (سوق المسلمين) في عصر النص على السوق الذي كان يتعامل فيه المسلمون في البيع والشراء ، فان ذلك اللفظ ومعناه يختلف عن معنى لفظ (سوق المسلمين) في زمننا الحاضر، فلفظ (سوق المسلمين) يظهر كموضوع واحد لكنه معلَّم بعلامة كونه موضوعين متميزين اتحدا في فكرتنا الذهنية حول طبيعة تعامل المسلمين مع بعضهم البعض تجارياً في البيع والشراء. فالدلالة الإضافية هنا أضيفت للفظ ذلك السوق في عصر النص إلى السوق الذي نتصوره اليوم. والمشكلة هنا هو أننا لا نستطيع أن نتصور دائماً المعنى الأصلي للألفاظ بدون ملاحظة الدلالات الإضافية التي لحقته طيلة أربعة عشر قرناً من الزمان؛ ولذلك فإن دراسة مسهبة للتأريخ تصبح ضرورية لتقريب أذهاننا لمدلولات معاني الألفاظ التي اختبرناها في عصر النص الشرعي. فنحن لا نستطيع أن نتصور طبيعة (سوق المسلمين) في عصر النص ما لم نفهم طبيعة الأفراد الذين كانوا يتعاملون مع البيع والشراء، وطبيعة المواد المباعة أو المشتراة، والقيمة الحقيقية للنقد المتداول، وطبيعة حاجات الناس في العرض والطلب.

 نطاق الدلالة:

ولاشك أن هذا التحليل يقودنا إلى مناقشة قضية مهمة مرتبطة بدلالة اللفظ على المعنى، وهي: (نطاق دلالة اللفظ على المعنى)، وعلاقته بعملية الإدراك الذهنية عند الإنسان. فعندما يطلق المتكلم لفظ (المثلث)، فهل نتصور معنى اللفظ على نطاقه الأوسع أي بما يتضمنه المثلث من خطوط ثلاثة، وزوايا ثلاث، وإن كل ثلاث زوايا تساوي قائمتين مثلاً أو لا؟ فإذا كان الجواب: نعم، فنحن قادرون إذن على أن نستوعب في إدراكنا – عندما نسمـع لفظ المثلث – نطاق تلك الدلالة بمعناها الأوسع، وكذلك الحال عندما نسمع لفظ (سوق المسلمين)، فهل نتصور ذلك السوق بما يتضمنه من باعة، ومشترين، وبضاعة، وطريق للمارة، ونقد متداول، ومحلات ودكاكين لعرض البضاعة أو لا؟ فإذا أجبنا بالإيجاب، فقد استوعبنا في إدراكنا نطاق دلالة لفظ (سوق المسلمين) على معناه بأوسع ما يمكن.

ولرب سائل يسأل: هل أن الكلمات عندما تشير بمعانيها، إنما تشير بفضيلة الأفكار التي تبطن ذلك المعنى في ذهن المتكلم؟ وبمعنى أدقّ: هل أن الكلمات في الخارج تحتل مقام الأفكار في الذهن؟

لاشك أننا لا نستطيع أن نزعم بأن جميع الكلمات في اللغة تحتلّ مقام الأفكار في الذهن، فكلمة (أزرق) مثلاً ما هي إلاّ لفظ مجرد يرمز إلى لون قد يصف الكثير من الأشياء، كالسماء والبحر والقلم والطائرة ونحوها. إلا أن لفظ (أزرق) لا يحتلّ مقام الفكرة ما لم ندرك حدود معنى اللفظ الذي أراده المتكلم من إطلاق ذلك اللفظ ونطاقه، فالكلمات المجردة – إذن- لا تعطينا فكرة متكاملة عن ذات ذلك الشيء.

وإذا رجعنا إلى المصطلحات الشرعية، فإن الأمر يختلف، فالكلمة الشرعية أو الخطاب الشرعي قد يحتلّ مقام الفكرة في الذهن. فلفظ (الصوم) يصور لنا فكرة (الصوم) الشرعية بحدودها العامة – على الأقل – من حرمة أو كراهية أو وجوب أو استحباب. ولفظ (الصلاة) يصور لنا فكرة (الصلاة) الشرعية بضوابطها العامة، وهكذا بقية المصطلحات الشرعية.

ولكن حتى لو آمنا بأن المصطلحات الشرعية تعكس معاني الألفاظ التي وجدت من أجلها، إلا أننا أحياناً لا نفهم المراد الشرعي بالدقة الموضوعية ما لم نفهم سياق الكلام. فهناك دلالات غير لفظية تلحق بالدلالة اللفظية بالجعل والاعتبار. ومن ذلك دلالة الشيء المذكور على حكم مسكوت عنه، لأنه لا يمكن فهمه إلاّ بالملازمة الحتمية؛ فقوله تعالى في أحكام الإرث: (...فإنْ لم يكُنْ لهُ ولدٌ وورِثَهُ أبواهُ فلأُمِهِ الثُلُثُ...)[9]، يدلّ على أن المذكور في الآية سهم الأم فقط وهو الثلث، أما سهم الأب فمسكوت عنه، لكننا نستطيع أن نفهم أن سهم الأب الثلثان الآخران من ثلث الأم، لأنه من اللوازم الطبيعية في حصر الإرث بهما. وكذلك ينطبق ما ذكرناه على دلالة مفهوم الموافقة، ومثاله ما جاء في النص المجيد: (...فلا تقُلْ لهما أُفٍّ...)[10]، وهو دلالة النهي المذكور على النهي المسكوت عنه، وهو الشتم والضرب. أما دلالة الاقتضاء، وهو توقف صحة الكلام على التقدير، فهي من الدلالات الملحقة بالدلالة اللفظية، ومثالها قوله تعالى: (واسئل القريةَ التي كُنّا فيها....)[11]، فالسؤال لا يتم إلاّ بملاحظة تقدير محذوف يصح به الكلام وهو (أهل) فيكون التقدير: (واسئل أهل القرية)، لأن القرية لا تسأل بل يسأل أهلها. ولا نستطيع أن ندرك معاني هذه الألفاظ والمصطلحات الشرعية ما لم نفهم الغرض والتصميم الذي من أجله وضعت، فهي لا تعرض أفكاراً مجردة بقدر ما توجه تفكيرنا نحو استلهام العبـر من الأمم الماضية كما في سورة يوسف (الآية 82)، والعمل والالتزام بالأحكام الشرعية، كما في سورتي الاسراء (الآية 23) والنساء (الآية 11) المذكورتين آنفاً.

(تليها صفحات 189 - 223)

 

 اللاحق                صفحة التحميل                الصفحة الرئيسية


 

[1]  سورة الكهف: الآية 109.

[2]  لسان العرب ج 1 ص 539.

[3]  لسان العرب ج 1 ص 684.

[4]  النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج 1 ص 33.

[5]  (مقتل الحسين عليه السلام) لابي مخنف.

[6]  وهو استعمال اللفظ في خلاف الموضوع له لعلاقة طبعية أو وضعية مثل استعمال (الرقبة) في الإنسان.

[7]  وهو غلبة استعمال اللفظ الموضوع  لمعنى في معنى آخر بحيث يهجر المعنى الأول ، مثل لفظ (الصلاة) التي كان معناها الدعاء ثم غلب استعمالها في الصلاة الشرعية فهجر معناها الأول.

[8]  كتاب الشفاء – قسم المنطق لابن سينا.

[9]  سورة النساء : الآية 11.

[10]  سورة الاسراء: الآية 23.

[11]  سورة يوسف : الآية 82.