|
(ص 149 - 188) الباب الثالث نظرات في فلسفة اللغة ومباحث الألفاظ ------------------------------------ توطئة لاشك أن العالِم الأصولي يهتم باللغة وفلسفتها اهتماماً بالغاً من زاوية اهتمامه بالمصطلحات الشرعية التي صاغتها الشريعة السماوية ووضعت قدراً ودرجة من الإلزام بتنفيذ أوامرها وترك نواهيها. طبيعة اللغة: ولكن أول سؤال يواجهه الفيلسوف أو الأصولي معاً هو: ما هي اللغة ؟ وما علاقتها بالتشريع ؟ وكيف قُدِّر لنا – كبشر – أن نتفاهم عن طريق الألفاظ والرموز اللغوية ؟ فإذا كان الجواب هو أن اللغة تتكون من مفردات مترابطة بعضها بالبعض الآخر كانت قد وضعت بتقدير واضع ، فإن سؤالاً آخر يبرز وهو: ما هي حدود تلك المفردات المستعملة في الكلام ؟ بل ما هي أصغر وحدة من وحدات الكلام التي تساعد على التمييـز في فهم معاني الألفاظ في أي لغة من اللغات البشرية ؟ لاشك أن اللغة البشرية تتميـز بميـزة لها خصوصية فائقة، وهي أنها جهاز من رموز لها معانٍ يفهمها الأفراد. فالاسم والفعل والحرف ما هي إلا رموز لفظية يراد منها إفهام السامع بمراد المتكلم. إلاّ أننا لا نستطيع أن نحصر اللغة البشرية بالكلمات فقط، لأن بعض الرموز كتعابير الوجه في الغضب والحزن والإمضاء والرفض كلها تعتبر لوناً من ألوان الإشارات المفهومة بين الأفراد، بل إنها تقوم أحياناً مقام الكلمات في التعبيـر عن قصد الفرد في إيصال المعنى؛ أضف إلى ذلك أن بعض الرموز الحديثة استطاعت أن تحتل مكانة الألفاظ ودورها في تفهيم الأفراد بمقاصدها كإشارات المرور الضوئية، وأصوات سيارات الطوارئ والحريق ونحوها. فهذه الرموز اللفظية وغير اللفظية المنضمّة تحت لواء النظام اللغوي، كلها تصنع تلك اللغة البشرية في التفاهم والاتصال الإنساني. ولكننا – ونحن في معرض الحديث عن طبيعة اللغة والألفاظ – لا نستطيع أن نركن إلى الرأي القائل بأن اللغة هي مجرد نظام مركب من رموز تشمل الكلمات بما فيها من أسماء وأفعال وحروف. لأن الكلمات لا تستطيع أن توصل المعاني المراد تفهيمها لبقية الأفراد ما لم تصاغ بجمل مفيدة تامة لا كلمات مبعثرة هنا وهناك. وحتى أن الكلمات المفيدة لا تستطيع أن تكون واسطة من وسائط الاتصال اللغوي بين الأفراد ما لم تدخل في حيز الاستعمال اللغوي المتعارف بين الناس؛ ولذا قيل في الفكر الفلسفي: بأن عدد الكلمات – بما فيها من أسماء وأفعال وحروف – محدود، بينما يبلغ عدد الجمل التي يركِّبها الإنسان في اللغة عدداً لا نهائياً بحدود تصورنا البشري، لأن حدود الاتصال بين الأشخاص لا نهائي. ولعلنا نلمس إشارة القرآن المجيد – في بيان التمييز بين المخلوق القاصر والخالق القادر - إلى تلك الحقيقة من منظار آخر، وهو لا نهائية كلمات الخالق ومحدودية كلمات المخلوق: (قُلْ لو كانَ البحرُ مِداداً لِكلماتِ ربّي لنَفِدَ البحرُ قبلَ أنْ تَنْفَدَ كلماتُ ربّي ولو جِئْنَا بمثلهِ مَدَداً)[1]. ومقتضى الآية الشريفة سعة كلمات الله وعدم قبولها النفاد. ولاشك أن الخالق عز وجل لا يتكلم بشق الفم بل إن قوله وفعله وما يفيضه من وجود يقع تحت صيغة الإرادة الربانية والأمر الحتمي في (كن. فيكون). ولكن الكلمات أُطلقت هنا باعتبارها آية من الآيات الدالة عليه وعلى قدرته عزّ وجلّ. اللغة والرموز: ومما يُضعف نظرية (الرموز) اللغوية التي تزعم بأن اللغة البشرية ما هي إلاّ نظام من أنظمة الرموز، هو عجزها عن الإجابة عن السؤال القائل بكيفية تطور الرموز اللغوية إلى نظام لغوي، بينما بقيت الرموز غير اللغوية دون أن تتطور إلى نظام؟ فالكلمات ما هي إلاّ كيانات نظرية مجردة، وبعضها ذات الطبيعة الآلية – كالحروف – يصعب تشخيص علائمها في بعض المناسبات لعدم استقلاليتها واعتمادها على غيرها في توضيح المقصود. وحتى لو رجعنا إلى جذور الكلمات ذات الطبيعة الاستقلالية – كالأسماء والأفعال – فإننا نجد إختلافاً في طبيعة اللفظ الواحد، ولنأخذ على ذلك مثلين من كتاب (لسان العرب). الأول: كلمة (صيّب)، والثاني: كلمة (قلب). تقول مصادر العربية بأن معنى مادة (صيّب) هو: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة: أصل القوم. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ من كلِّ شيءٍ؛ أنشد ثعلب: إني وَسَطْتُ مالِكاً وحَنْظلاً صُيَّابهَا، والعَدَدَ المُحَجَّلا وقال الفرَّاء: هو في صُيَّابة قومه وصُوَّابة قومه أي في صَميم قومه[2]. وفي معنى (قلب): القَلْبُ : تحوْيلُ الشيءِ عن وجهه، قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأقْلَبه، الأخيرةُ عن الحياني، وهي ضعيفة. وقد انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظهراً لبَطْنٍ، كالحَيَّةِ تَتَقَلَّبُ على الرَّمْضاءِ. وقَلَبْتُ الشيءَ فانْقَلَبَ أي انْكَبَّ، وقَلَّبْتَهُ بيدي تَقْلِيباً، وكلام مَقْلوبٌ، وقد قَلَبْتُه فانْقَلَب، وقَلَّبْتُه فَتَقَلَّب[3]. فتلحظ أن مادة (صيّب) لها ستة ألفاظ ومعنيان، ومادة (قلب) لها ثمانية عشر لفظاً وأربعة معاني. وفي ذلك دلالة على كثرة الألفاظ ومحدودية المعاني. تنوّع اللفظ والقراءة: وهذا الاختلاف في تنوع اللفظ ومراد اللافظ هو الذي أدى الى الادعاء بأن القرآن نزل على سبعة أحرف وهو ما عارضه أئمة أهل البيت (ع) بشدة. فالقرآن إنما نزل على حرف واحد، ولكن اختلاف اللهجات وقراءات الرواة هو الذي أدى إلى ذلك الزعم. يقول ابن الجزري بخصوص الأحرف السبعة المزعومة التي نزل بها القرآن وتوهم استمرارها إلى اليوم: "وأنت ترى ما في هذا القول، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة، والعشرة، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول، قُلٌّ من كُثر، ونزر من بحر، فإن من له إطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة، وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر وهلم جرا"[4]. ولعل تلك اللهجات المختلفة في الجزيرة العربية أيام نزول الذكر الحكيم تعدُّ من أفضل الأمثلة على كون جذور الكلمات المختصة بمعنى واحد ولكن بألحان مختلفة تعكس توزيع تلك الأشكال والمفردات اللغوية على المساحة الكلية للغة العربية. وهذا يجعل طبيعة مهمتنا – في نسبة الألفاظ إلى الرموز- صعبة للغاية إذا لم نلحظ الاعتماد على فهم العوامل البشرية والجغرافية التي ساعدت على تحوير الألفاظ وجعلتها متباينة في الشكل والمضمون. المفردات اللغوية والتركيب: فاللغة تتكون من عناصر معينة تشكل وتصمم نظامها. وهذه العملية الأساسية في تصميم اللغة معقدة بطبيعتها. فنحن لا نستطيع أن نأخذ مجموعة عشوائية من الكلمات ثم نحاول ربطها بجملة من الأحكام اللغوية لنكوّن لغة بالمعنى المتعارف عليه بين العقلاء! لأننا لا نتمكن من فهم طبيعة الوضع اللغوي ما لم نحلل بدقة الكلمات والإشارات ونرجعها إلى عناصرها وجذورها الابتدائية الأولية. وحتى لو فهمنا طبيعة تلك العناصر من أسماء وأفعال وحروف فانه يصعب علينا فهم منشأ تحديدات اللغة ومبادئها. فكيف أصبحت الجملة الاسمية مكونة من عناصر مرتبة ترتيباً لفظياً مؤلفاً من: (مبتدأ + خبر)؟ وكيف أصبحت الجملة الفعلية مكونة من عناصر مرتبة ترتيباً لفظياً مؤلفاً من: (فعل + فاعل + مفعول به) مثلاً؟ ولم تكن بالعكس أي (خبر + مبتدأ) فتكوّن جملة اسمية، و(مفعول به + فاعل + فعل) فتكوّن جملة فعلية. فكيف حصل هذا الربط بين الموضوع والمحمول، وكيف صحت النسبة بينهما دون أن يكون العكس هو الصحيح؟ ولاشك أن المعاني التي ولّدها هذا النظام المستعمل في ذهن الإنسان، جعل العملية العكسية في استخدام قواعد اللغة عملية تخريبية يستهجنها الإنسان. وهنا قد يقول قائل: بأن معنى المفردات اللغوية يتطابق مع معاني الجمل، فإذا قلنا (زيدٌ قائمٌ) فإننا نفهم بأن ذلك الإنسان المسمى بـ (زيد) هو في حالة من حالات القيام. ولذلك فإن معرفة معاني المفردات يجعلنا نفهم طبيعة ومحتوى الجمل المكونة منها. وإذا آمنا بذلك فإن معاني المفردات في القواعد النحوية قد تفسر لنا طبيعة الترتيب اللغوي في المبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، والفعل والفاعل والمفعول به في الجملة الخبرية. إلاّ أن هذا الرأي غير تام، لأن طبيعة المعاني في المفردات لا تعكس تماماً طبيعة معاني الجمل المكونة منها. فنقول بأن جملة (ضربَ الرجلُ الابنَ) تختلف عن جملة (ضربَ الابنُ الرجلَ)، مع أن كليهما يحتوي على نفس المفردات التي كوّنت الجملتين. وكذلك جملة (سِرْ من البصرة إلى الكوفة) تختلف تماماً عن جملة (سِرْ من الكوفة إلى البصرة)، مع أن لكليهما نفس المفردات اللغوية. الاستعمال والسياق: إن أهم ما يميز اللغة كنظام عملي للتفاهم والاتصال هو أن مفرداتها يجب أن تخضع للاستعمال حتى تكون قادرة على ايصال معاني الألفاظ إلى أذهان مستمعيها. إلاّ أن صفة الاستعمال صفة مؤقتة ومرتبطة بزمن معين وهو زمن الاستعمال وليست صفة دائمية، لأن الاستعمال اللغوي للألفاظ يتبدل ويتغير من جيل لجيل. اللهم إلاّ أن نضع مقياساً دائمياً يخص الاستعمال الشرعي للألفاظ نحدد بموجبه المعاني التي عبـّرت عنها تلك الكلمات عن طريق فهم المنشأ، والدافع، والأمر، والنهي، والإطلاق، والتقييد، والوعد، والنصيحة، واللوم، والإلزام ونحوها؛ وعندها يكون الاستعمال الإنساني للألفاظ الشرعية استعمالاً دائمياً لا يتعلق بزمن ما. ونحن لا نستطيع ان نفهم مراد المتكلم من كلمات معينة ما لم نفهم موقع تلك الكلمات في سياق الحديث، وما لم نستوعب المفردات النفسية والإجتماعية التي صاحبت عصر صدور ذلك الكلام. فلاشك أن موقع الكلمات أو المفردات اللغوية في الجمل النافعة قد تهدف إلى لون من ألوان التفاهم بين الآمر والمأمور مثلاً، أو قد تؤدي إلى تنشيط الذهن لإنتاج نمط من أنماط الفكر واستنباط النظريات، أو قد تؤدي إلى قياس منطقي، أو قد تكون تعبيـراً عن حالة عاطفية خاصة، فكيف نستطيع أن نشخص مقصود المتكلم في حصر مراده من الكلام؟ فعندما نادى الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف (هل من ناصر ينصرنا)[5]، فهل أراد من ذلك أمراً شرعياً موجهاً للمكلفين القادرين على نصرته؟ أو أراد منها مقدمة كبرى في قياس منطقي بين العدالة الدينية والظلم السياسي؟ أو كانت تعبيراً عن حالة عاطفية فريدة من نوعها؟ أو كانت إثارة وتحفيزاً عقائدياً إلزامياً للعقل الشيعي المؤمن بولاية أهل بيت النبوة (ع)، حتى ورود اليوم الموعود؟ لاشك أننا لا نستطيع الإجابة على تلك التساؤلات ما لم نتسلح بفهم شامل لدور المفردات والقواعد اللغوية وشروط الاستعمال والأبعاد الإجتماعية في فهم النص الشرعي. ونحن أمام خيارين هنا للإجابة على تلك التساؤلات، وهما: إمّا أن نعتبر تلك الحالات الشرعية محدودة واستثنائية ولا نرتبط بها على الصعيد الإلزامي، وهو أمر غير مقبول من قبل الشريعة ذاتها. وإمّا أن نفهم اللغة وفلسفتها وقواعدها الأساسية من زاوية أنها وسيلة من وسائل إيصال الأوامر والنواهي الشرعية إلى جميع المكلفين بغض النظر عن الزمان أو المكان الذي يتواجدون فيه. والصيغة الثانية هي الصيغة المقبولة على الصعيدين الشرعي والعقلي. صلاحية الاستعمال: ولاشك أن المقياس المعقول في ملاحظة مدى صلاحية اللفظ المستعمل – الموضوع للمعاني – قد يتم على صعيدين، الأول: هو القدر الذي يستطيع فيه الأفراد استعمال ذلك اللفظ وفهمه دون مشقة فكرية. والثاني: هو أننا نستطيع – استطاعة ذهنية – أن نتحدث لأنفسنا عن طريق استعمال ذلك اللفظ. لأننا عندما نتعلم القدرة على الاتصال لفظياً بالآخرين والتفاهم معهم بالألفاظ المستعملة، نستطيع عندها ان نتحدث لأنفسنا في شتى المجالات ابتداءً من العبادات والاتصالات الروحية بالخالق عزّ وجلّ وانتهاءً بالمشكلات الاجتماعية والعلمية. وهذه ضرورة نفسية أكثر منها منطقية، لأن طبيعة التكوين تفرض علينا أن نستعمل الرموز اللغوية في التعامل مع العالم المحيط بنا، ومع انفسنا أيضاً. اللغة الشرعية واللغة الإنسانية: وقد تبين من خلال عرضنا للنظام اللغوي لحد الآن ، بان اللغة وما يمثلها من ألفاظ هي كيان نظري يحتوي على عناصر مجردة. فنحن لا نلمس أي نشاط، أو حركة، أو تفاعل اجتماعي للغة نفسها، بل هي مجموعة من الذبذبات والأفعال والظواهر الخاصة المتعلقة بها. فكيف اهتم الأصوليون بها كل ذلك الاهتمام، وهي على ما وصفناه من التجريدية النظرية؟ والجواب على ذلك يكمن في أن الخطاب الشرعي وسيلة لتوضيح مراد الشارع في الالتزام بالتكاليف الشرعية. فالكلام الشرعي هو مجموع النشاط اللفظي الذي يقوم به المعصوم (ع) لتوصيل مراد الشريعة إلى المكلفين، بينما يشكل النظام النظري للكلمات والقواعد النحوية اللغة الإنسانية. فالفرق يكمن في أن المعصوم (ع) كلما أراد التكلم فانه ينشيء لوناً جديداً من ألوان السلوك اللفظي الشرعي، ولكن ذلك لا يغير اللغة العرفية نفسها بقدر ما يضيف إليها إضافات جديدة. فالتغير الذي يطال اللغة العرفية إنما يتم عن طريق تغييرات عامة للتقاليد الخاصة بالألسن البشرية خلال الأجيال المتعاقبة، ولكن اللغة الشرعية والسلوك اللفظي الشرعي يبقيان ثابتين على مر العصور. ولذلك فان الفقيه المتأخر رتبة عن زمن النص يحتاج إلى جهد مضاعف من أجل فهم النصوص الشرعية الثابتة. ومن الطبيعي فإن اللغة الإنسانية بدأت بصورة شفهية عن طريق ما ينتجه الصوت البشري من ذبذبات؛ وستبقى كذلك، لأن الإشارات والتعابير المجردة لا تستطيع أن تحتل مكان اللغة في التفاهم وفي توصيل التكاليف الشرعية للأفراد. إلاّ أن أهم مشتقات اللغة الشفهية، هو اللغة المكتوبة التي استحدثت لاحقاً في تأريخ البشرية الطويل. ولكن الكتابة بذاتها لم تعبـّر عن كل ما كان يجول في خاطر الإنسانية من آلام ومشاعر، إلاّ أنها حفظت لنا – بشكل ملفت – النصوص الدينية الرئيسية، كالقرآن المجيد الذي نزل شفهياً ووصلنا بالكتابة بعد أن امتدت العناية الإلهية بحفظه من كل تحريف خلال القرون المتعاقبة، وسنّة المعصومين (ع) التي وصلتنا بالكتابة عن أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم . وما اهتمامنا بفلسفة اللغة ومباحث الألفاظ إلاّ انعكاس لاهتمامنا بالنصوص الشرعية ومحاولة منا لفهم مراد المتكلم وهو الشارع العظيم أو من يمثّله. فلسفة اللغة إن استيعاب المفردات الرئيسية للفلسفة اللغوية تهمّ الأصولي كما تهمّ الفيلسوف على قدرٍ متساوٍ. فالأصولي يهتمّ باللغة لاهتمامه بالأوامر الشرعية، والفيلسوف يهتمّ باللغة لاتصالها بالأفكار التي يولّدها العقل البشري. ولكن – ومن أجل نقل صادق للأفكار الشرعية – كيف يمكن الربط بين شخصية اللفظ وصحة المعنى المرتبط به ؟ وهل كانت الشرائع السابقة أعني الشرائع السماوية الرئيسية تفتقر إلى العناصر اللغوية في إيصال مرادها إلى الأفراد؟ والجواب على ذلك يكمن في أننا نحتاج – بلاشك – إلى لغة متكاملة منطقياً ولسانياً من أجل أن يوصل الخالق عز وجل مراده إلينا في التكليف الشرعي، ودور الإنسان في الحياة ، والجزاء بعد الممات. فالشريعة لا تستطيع أن تُفهم المكلفين بوجوب الصلاة بقولها: (أقيموا الصلاة) ما لم تتشكل عند الناس صورة منطقية عن قاعدة تؤمن بأن الأمر الشرعي إنما يدلّ على الوجوب، وأن النهي الشرعي يدلّ على الحرمة مثلاً. وحتى أن الجمل الإنشائية والإخبارية تحتاج إلى رابط منطقي بين مكوناتها كي نفهم حجم الحقائق التي تعبـّر عنها. والرسالات السماوية التي نزلت لهداية البشرية منذ بداية نشوئها، كان محتواها من الأوامر والنواهي يتناسب مع بساطة الحياة الإجتماعية أو تعقدها، ومع طبيعة اللغة التي كانت توصل تلك التكاليف للناس. ومع أن الشريعة تعتمد على الفهم العرفي واللغوي في إيصال مقاصدها إلى المكلفين، إلاّ أن المنطق اللغوي يتخلف أحياناً عن المنطق الشرعي بأكثر من درجة. عدم صلاحية القواعد المنطقية أحياناً: فالشريعة تستطيع أن تعتمد على اللغة وقواعدها في التعبيـر عن مراد المولى عز وجلّ، إلاّ أننا لا نستطيع أن نفهم فلسفة الدين من خلال فهم فلسفة اللغة. فالدين نظام ثابت ومتكامل، وما نفهمه اليوم من بعض مقاصد الشريعة قد نفهمه غداً عندما يتطور فهمنا اللغوي وتتكامل قواعدنا اللغوية. ولنأخذ مثالاً على ذلك، وهو دور المنطق في اللغة باعتباره أداة من أدوات صيانة اللغة والتفكير الإنساني عن الوقوع في الخطأ. فالمنطق علم يدرس مبادئ الاستدلال والحجج والبراهين الناشئة عن المقدمات. ولما كانت الحجج والبراهين تستند على اللغة والقواعد النحوية أيضاً؛ فإن تحليل المقدمات سوف يكون ضرورياً لتحليل مواد الجمل الداخلة في تلك المقدمات. فصلاحية الأفكار الواردة في تلك الجمل أو عدم صلاحيتها إنما يعتمد بشكل مباشر على أشكال المقدمات وطريقة عرضها. ولنفترض – هنا – مقدمتين، ولنلاحظ التشابه اللغوي بينهما، ثم نلحظ التحليل المنطقي لكلا المقدمتين: الأولى: إن مرجع التقليد هو ولي أمر الأمة. فـ(زيد) هو مرجع التقليد. لذلك فإن (زيد) هو ولي أمر الأمة. الثانية: رئيس الدولة ينتخب كل أربع سنوات. (عمرو) هو رئيس الدولة. لذلك فإن (عمرو) ينتخب كل أربع سنوات. فالحقيقة، أن البرهان الأول صالح واقعياً. ولكن البرهان الثاني باطل على الصعيد الواقعي، مع أن كلا المقدمتين صالحتان لغوياً ومنطقياً. إلاّ أن الواقع الخارجي الحقيقي لعب دوراً حاسماً في صلاحية الأولى وفي بطلان الثانية. فنحن نقرّ أنه إذا آمنا بأن مرجع التقليد هو ولي الأمة، وكان (زيد) مرجعاً للتقليد، فإن (زيد) لابد أن يكون ولياً للأمة، وهذا أمر منطقي لا يعارضه أحد. ولكن المشكلة تكمن في المثال الثاني ، فمع أننا استخدمنا الطريقة المنطقية وآمنا بأن رئيس الدولة ينتخب كل أربع سنوات، وكان (عمرو) هو رئيس تلك الدولة الآن، فإنه لا يصدق بأنه سوف ينتخب كل أربع سنوات مدى حياته. بل إن له الحق في الترشيح دورة واحدة أو دورتين فقط، ثم ينتهي ذلك الحق. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأننا لا نستطيع أن نطبّق القواعد المنطقية ونستنتج منها نتائج صالحة دائماً دون النظر إلى شروط القواعد العقلية والحقائق الخارجية. بمعنى آخر: إننا إذا لم ننظر بدقة إلى مفردات الجمل المفيدة وعلاقتها ببعضها البعض، فإننا قد نصل إلى نتائج خاطئة حتى لو طبّقنا القواعد المنطقية في المقام. فضيلة معاني المصطلحات: فالقواعد المنطقية التي تحاول تنظيم التشكيلات اللغوية في أذهان الناس لا تستطيع لوحدها أن تكوّن عندهم ارتكازاً ذهنياً عن الأفكار الدينية أو غير الدينية ما لم تتضافر مع نظرية أخرى هي (نظرية المعرفة) التي لها علاقة مباشرة باللغة. فنظرية المعرفة تستند في أفكارها على (العلم الاستنتاجي) وهو العلم الذي ينطلق من القواعد العامة البديهية وينتهي إلى الحالات الخاصة. وبمعنى أدقّ: إن (العلم الاستنتاجي) هو العلم الذي يحصل لدينا عن طريق الإيمان بمسلك يختلف عن مسلك تجاربنا الشخصية. وأنصع مثال للعلم الاستنتاجي هو العلم بالرياضيات. فعلمنا بأن (5+6=11) مستقل تماماً عن تجاربنا الحسية. فنحن لا نعلم طريقاً أوصلنا إلى معرفة هذه الأعداد وطريقة جمعها غير التعلم من مدرسينا وآبائنا في الصغر بأن هذه الحقائق هي حقائق مسلّم بها؛ وأن آباء آباءنا تعلموها من مدرسيهم أو أبائهم وهكذا. ونحن – كأفراد – لم ننشئ هذه الأعداد ولم نساهم – بالتجربة الحسية – في اختراع طريقة جمعها، ولكننا آمنا بأنها الطريقة المثلى في التعامل مع الأعداد وطريقة جمعها أو طرحها. وما ينطبق على الأعداد ينطبق على الألفاظ؛ فنحن نتعلم الألفاظ ونأخذ بها كحقائق مسلّمة لا عن طريق التجربة والحس بل عن طريق الاكتساب والتحصيل. ولرب سائل يسأل: ما هو الضمان في صحة الحقائق التي نستلمها من آبائنا ومدرسينا ؟ ويأتي الجواب الفلسفي بأن ما تعلمناه هو صحيح بالتعريف، أو حقيقي بفضيلة معاني المصطلحات في مورد البحث، بمعنى أن (5)، (6)، (11)، (+)، (=) هي مفردات مرتبطة بمعانيها. أي أننا لو أنكرنا معاني هذه المفردات لأدى بنا ذلك إلى تغيير خطير في تشكيل صورة ارتباط اللفظ بالمعنى. ولذلك فإن الصورة المرسومة في أذهاننا حول (5+6=11) هي صورة حقيقية لمعاني تلك الأعداد. وهذا العلم الاستنتاجي ينطبق على الألفاظ كما هو منطبقٌ على الرياضيات. إضافات اللغة الشرعية: وارتباط الألفاظ بالمعاني يعبـّر عن افتراض مفاده بأن اللغة العرفية لوحدها لا تستطيع صياغة الحقيقة بشكلها الواقعي. فكان لابد للغة العرفية من إضافات جديدة لتشكيل صورة واقعية عن الحقيقة، فكانت اللغة الشرعية هي تلك الإضافة المكمّلة لتشكيل تلك الصورة. فاللغة الشرعية استحدثت الكثير من المصطلحات التي تعبر عن مضامين إلزامية كالأوامر والنواهي والقطع والاحتياط والاستصحاب. واللغة العرفية لا تستطيع التعبير عن معاني تلك المصطلحات ومضامينها بالشكل الذي فصّلته اللغة الشرعية. فاللغة العرفية غير كافية لتفسير مقاصد الشريعة والتعبيـر عن متبنياتها الإلزامية والأخلاقية. إن الفارق في استخدام اللغة الشرعية دون اللغة العرفية هو الذي جعل الفارق بين علماء الفقه والأصول من جهة، وبين غيرهم من عوام الناس من جهة أخرى، هائلاً في التفكير والتعبير والسلوك. وقد يتضيق ذلك الفارق عن طريق التحليل اللغوي والاجتماعي للأحكام الشرعية والتركيز على توضيح المصطلحات الشرعية؛ لأن هدف تلك الأحكام الإلهية بالدرجة الأولى تصحيح السلوك الإنساني وجعله متوافقاً مع مراد المولى عز وجل. وهو دون شك غير مختص بفئة دون أخرى من الناس. لكن فارق الاختصاص العلمي بين اللغتين الشرعية والعرفية يبقى قائماً وكبيراً. دلالة الألفاظ على المعاني إن ما يصطلح عليه بـ(دلالة اللفظ على المعنى) إنما هو عنوان عام يشمل مساحة واسعة من الرموز أو المفردات اللغوية. فالمفردات اللغوية تتفاعل على أصعدة ثلاثة وهي: الأول: علاقتها ببعضها البعض، ويشمل تركيب الجمل في أشكالها الصحيحة من حيث الإعراب. الثاني: علاقتها بأمور وأشياء أخرى غير المفردات مثل: الدلالة على، والإحالة إلى، والمعاني، والمفاهيم، وهذه هي دلالة الألفاظ على المعاني. الثالث: علاقتها بأشياء واقعية كالاستعمال، والاستجابة، والملاحظة، والتبادر. وهذا هو التطبيق العملي للغة ومفرداتها. 1-تركيبة الجمل المفيدة: فعلى الصعيد الأول، فإننا – ومن أجل فهم اللغة – لابد لنا أن نفهم تركيبة الجمل المفيدة التي نعبـّر من خلالها عن أرآئنا، ونفهم على ضوئها طبيعة الإلزامات الشرعية أيضاً. فتركيب الجمل في اللغة العربية يحتوي على أربعة أصناف نتعرض لها بتفصيل نستمده من القواعد النحوية. ومراجعة بعض القواعد النحوية في هذا المجال يهيئ أذهاننا نحو تقبل البحوث اللاحقة. فهذه الأصناف: الأول: الم& |