(ص  95 - 148)

(7) وأما الوضع العام والموضوع له الخاص (ففي وقوعه خلاف) فقد تُوهِّمَ (المتوهم هو صاحب الفصول [1] والمحقق الشريف[2] وغيرهم [3]) أنه وضع الحروف وما ألحق بها من الأسماء (المبهمة كأسماء الأشارة والموصولات). كما تُوهِّم أيضاً (صاحب الفصول[4]) أن المستعمل فيه فيها (أي في الحروف والمبهمات) خاص (بسبب خصوصية الاستعمال) مع كون الموضوع له كالوضع عاماً (فهنا ثلاثة أقوال في وضع الحروف: الأول: الوضع عام والموضوع له خاص، وهو المنسوب إلى السيد الشريف. والثاني: الوضع عام والموضوع له عام، والمستعمل فيه خاص، وهو المنسوب إلى التفتازاني. والثالث: الوضع عام والموضوع له عام، والمستعمل فيه عام). والتحقيق (في كيفية وضع الحروف) حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق (عند المصنّف) أن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها (أي في الحروف) حالهما في الأسماء (أي أن حال الوضع والموضوع له عام وحال المستعمل فيه عام كأسماء الأجناس)، وذلك لأن الخصوصية المتوهمة (خصوصية الاستعمال، حيث إن كون الموضوع له عاماً في الحروف أنشأ توهماً بأن للمعنى الموضوع له أو للمستعمل فيه خصوصية جزئية صار المعنى بسببها جزئياً) إنْ كانت هي (الخصوصية) الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً (أمراً) خارجياً (لا ذهنياً بأن تكون كلمة "من" مثلاً موضوعة للإبتداء المقيّد بكونه من نقطة معينة)، فمن الواضح (بطلانه . فـ) أنّ كثيراً ما لا يكون المستعمل فيه فيها (في الحروف) كذلك (جزئياًً خارجياً). (ومراده لو أن زيداً قال لعمرو: "كن في الدار" فإنه لا يريد نقطة خاصة من الدار، فلو كان المستعمل فيه خاصاً لخصوصية الموضوع له أو كليهما لم يحصل الامتثال إلاّ في ذلك الخاص، مع إننا نلاحظ أن المستعمل فيه لا يكون خاصاً بل ولا يكون جزئياً) بل كلياً (أي يصح انطباقه على جزئيات كثيرة ويحصل الإمتثال بكل جزئي منه). (وتوضيح ذلك: إن لفظة "من" في قوله: "سر من البصرة إلى الكوفة" لفظ كلي ذو مصاديق عديدة، إلاّ أنها استعملت في الابتداء الكلي بلا قصد من نقطة معينة بذاتها. ولو كان الموضوع له الابتدائي الجزئي لما استعملت "من" في الابتداء الكلي بلا دقة عرفية في تحديد نقطة الانطلاق). ولذا التجأ بعض الفحول (وهم إمّا صاحب الفصول[5]، وإمّا المحقق التقي[6]) إلى جعله (أي معنى الحروف وسائر المبهمات) جزئياً إضافياً (لأن مناط الكلية وهو قابلية الانطباق على الكثيرين موجود في الجزئي الإضافي؛ والجزئي الإضافي أوسع دائرة من الجزئي الشخصي، فكلمة "من" في قولنا "سر من البصرة" إنما استعملت في جزئيات الأبتداء الحاصلة من البصرة لا من جميع مدن العراق أو مدن الأرض مثلاً)، وهو كما ترى (ذلك أن الجزئي الإضافي كلي فلا يفيد كلامه كون الموضوع له خاصاً). (والنتيجة: إن الحروف إنما تكون موضوعة بالوضع العام والموضوع له العام، وهو مراد المصنّف). (هذا كله على تقدير كون الخصوصية الموجبة لجزئية المعنى أمراً خارجياً) وإن كانت (الخصوصية المتوهمة) هي الموجبة لكونه جزئياً (أمراً) ذهنياً (بأن تكون كلمة "من" مثلاً موضوعة للابتداء الملحوظ في الذهن، فإن المصنّف يورد رأيين، الأول: إن الجزئية إنما تكون بسبب اللحاظ الذهني، والثاني: بطلان كون الموضوع له خاصاً لكونه جزئياً ذهنياً)، (فالوجه الأول): حيث إنّه لا يكاد يكون المعنى حرفياً، إلاّ إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، ومن خصوصياته القائمة به (كما أن كلمة "في" في قولنا "زيد في الدار" من خصوصيتها ومبينّة لأبنيتها)، ويكون (الحرف) حاله (في الذهن) كحال العرض (المنطقي في الخارج أو القائم بغيره)، فكما لا يكون (العرض المنطقي – الذي هو ضد الجوهر والذات – ولا يوجد) في الخارج إلاّ في الموضوع (الخارجي)كذلك هو (أي المعنى الحرفي) لا يكون في الذهن إلاّ في مفهوم آخر (ومعناه أن المعنى الحرفي يفترق عن العرض في جانب، فالمعنى الحرفي يتبع الغير في الذهن وفي الخارج أيضاً، بينما يكون العرض تابعاً للغير في الخارج لا في الذهن)؛ ولذا (فإن الذي ذكرناه من كون الحرف حالة لغيره قد) قيل[7] في تعريفه: (أي في تعريف المعنى الحرفي) بأنه ما دلّ على معنى في غيره (ذهناً كالعرض في موضوعه خارجاً، ومعناه أنه لأجل عدم تحقق المعنى الحرفي في الذهن إلاّ في مفهوم آخر، فإن المعنى الحرفي موجود في غيره، فهو مجرد رابط بين طرفي القضية). فالمعنى (الحرفي) وإن كان (حين لحاظه مع تلك الخصوصية الذهنية) لا محالة يصير جزئياً بهذا اللحاظ (الذهني)، بحيث يباينه (أي يباين المعنى الملحوظ نفسه) إذا لوحظ ثانياً كما لوحظ أولاً، ولو كان اللاحظُ واحداً. إلاّ أنّ هذا اللحاظ (وهذا هو الإشكال الأول على كون اللحاظ داخل في المستعمل فيه) لا يكاد يكون مأخوذاً في المستعمل فيه (بحيث يكون المعنى الحرفي مركباً من أصل المعنى ولحاظه)، وإلاّ (فلو كان المعنى مركباً) فلابد (للمستعمل) من لحاظ آخر (حين الاستعمال) متعلق (بلحاظه الأول) بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ (الذي هو جزء المعنى). (وملخص الإشكال: إن الاستعمال لما كان متقوماً بلحاظ اللفظ والمعنى – بسيطاً أو مركباً – فإن افتراض كون "من" مركبة من الأبتداء واللحاظ يلزم تعدد اللحاظ في الاستعمال، لأن أحد اللحاظين جزء المعنى والآخر مقوّم للاستعمال. إلاّ أننا نعلم بأن تعدد اللحاظ بهذا الشكل مخالف للطبيعة الإنسانية والوجدان. وعليه فلابد أن يكون المستعمل فيه هو نفس المعنى ودون أخذ قضية "اللحاظ" بعين الأعتبار). بداهة أنّ تصور (المعنى) المستعمل فيه مما لابد منه في استعمال الألفاظ (فإن كان اللحاظ الثاني عين اللحاظ الأول فإنه يلزم الدور، لأن اللحاظ الثاني متوقف على المعنى، والمعنى متوقف على اللحاظ الثاني. وإن كان اللحاظ الثاني غير الأول لزم تعدد اللحاظ في كل استعمال، مع أننا نعلم أن المستعمل للحروف لا يلحظ إلاّ مرة واحدة تماماً كما أن المستعمل للأسماء لا يلحظ ذلك إلاّ مرة واحدة)، وهو كما ترى (تكلف بدون ضرورة). مع أنه (وهذا هو الإشكال الثاني على كون اللحاظ داخل في المستعمل فيه وجزء لمعنى الحرف) يلزم أن لا يصدق على الخارجيات (حيث إن المعنى المقيد باللحاظ هو معنى ذهني، والذهني لا يصدق على الخارجيات). (وملخص الإشكال: إن كون تركب المستعمل فيه من المعنى واللحاظ إنما يستلزم عدم صدق المعنى على الأشياء الخارجية، لأن اللحاظ الذي موطنه الذهن يوجب تقييد المعنى بالوجود الذهني؛ ولاشك أن الوجود الذهني يباين تماماً الوجود الخارجي، وهذا المعنى يناقض ما نفهمه عرفاً من القول "سر من البصرة"، فان هذا القول لابد وأنْ يصدق على قضية خارجية وهي السير والبصرة، فلابد من تجريد المعنى عن خصوصية اللحاظ)، لامتناع صدق الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له (أي الأمر العقلي) إلاّ الذهن، فامتنع (على الفرد) امتثال (أمر) مثل – سر من البصرة – إلاّ بالتجريد (عن اللحاظ الذهني، أي تجريد المعنى عن ذلك اللحاظ) وإلغاء الخصوصية (الذهنية المأخوذة في المعنى، فيكون الاستعمال مجازي دائماً لكونه من استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء. والنتيجة: إننا نقف أمام أمرين: الأول: إما عدم إمكان الامتثال للأمر، وهو باطل. الثاني: وإما المجازية وهي تحتاج إلى دقة وعناية غير معهودة في الاستعمال، مع أننا نعلم أن الاستعمالات العرفية لا تهتم بتلك الدقة. وفي النهاية لا يمكن أن يكون اللحاظ جزءً من المعنى الحرفي). هذا مع أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلاّ كلحاظه في نفسه في الأسماء (وهذا هو الإشكال الثالث على كون اللحاظ داخل في المستعمل فيه، وملخص الإشكال: إن لحاظ المعنى الحرفي في كونه حالة لغيره يشابه تماماً لحاظ المعنى الاسمي المستقل، فكما لا نأخذ "اللحاظ الاستقلالي" في المعنى الاسمي بعين الاعتبار، كذلك يجب أن لا نأخذ "اللحاظ الآلي" في المعنى الحرفي. فلا يصير المعنى الحرفي – عندئذٍ- باللحاظ الآلي جزئياً حتى نلتزم بالفكرة القائلة بكون المستعمل فيه في الحروف خاصاً)، وكما لا يكون هذا اللحاظ (الذهني الاستقلالي من الواضع والمستعمل) معتبراً فيه فيها (أي في الأسماء حتى يكون سبباً لجزئية المعنى) كذلك ذاك اللحاظ (الذهني الآلي) في الحروف (حتى يكون سبباً لجزئية المعنى) كما لا يخفى. (وخلاصة المبحث أنه لا يوجد فرق بين المعنيين الاسمي والحرفي أصلاً، بل أن المعنى فيهما واحد، لأن كلاًّ من الوضع والموضوع له والمستعمل فيه في الحروف عام. أما لو اُريد – أحياناً- معنى خاص، فإن ذلك لابد وأن يكون عن طريق دالٍ آخر من قبيل تعدد الدال والمدلول، كما هو واضح في تقييد المطلق في جملة: "اعتق رقبة مؤمنة").

وبالجملة: ليس المعنى في كلمة "من" (الابتدائية) ولفظ الابتـداء – مثلاً- إلاّ (مفهوم) الابتداء (مجرداً من غير تقييد باللحاظ في المعنى الحرفي)، فكما لا يعتبـر في معناه (أي معنى لفظ الابتداء "الاسمي") لحاظه (أي لحاظ معنى لفظ الابتداء) في نفسه (أي في نفس معنى الابتداء) ومستقلاً (بحيث لا يكون اللحاظ دخيلاً في المعنى) كذلك لا يعتبـر في معناها (أي معنى كلمة "من" الحرفي) لحاظه (أي لحاظ المعنى) في غيرها (أي في غير كلمة "من") آلة (بحيث يكون اللحاظ جزءً للمعنى)، وكما لا يكون لحاظه (أي لحاظ الاستقلال) فيه (في معنى لفظ الابتداء) موجباً لجزئيته (أي جزئية معنى لفظ الابتداء) فليكن (لحاظ الآلية) كذلك (غير موجب لجزئية المعنى) فيها (أي في كلمة "من". والمعنى: فليكن لحاظ الآلية في معنى كلمة "من" غير موجب لجزئيته).

إن قلتَ (هذا إشكال على التحقيق الذي ذكره المصنف بقوله: "والتحقيق حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق..." وهو عدم مدخلية اللحاظ الذهني في المعنى الحرفي كعدم مدخليته في المعنى الاسمي): على هذا (أي بموجب هذا التحقيق وهو دعوى اتحاد المعنى الموضوع له في الاسم والحرف) لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى، ولزم كون مثل كلمة "من" ولفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كل (واحد) منهما في موضع الآخر، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها (كالانتهاء و"إلى"، والاستعلاء و"على")، وهو باطل بالضرورة (من لسان العرب) كما هو واضح (وملخص الإشكال أننا لو ادعينا اتحاد المعنى الموضوع له في الاسم والحرف، للزم ترادف كلمة "من" مع لفظ "الابتداء" وصح إمكانية استعمال أحدهما مكان الآخر كبقية الألفاظ المترادفة. ولكن هذا التحقيق باطل لأننا لا نستطيع أن نستعمل "سر ابتداء البصرة انتهاء الكوفة" بدل "سر من البصرة إلى الكوفة").

قلتُ (وهذا جواب الإشكال): (لا يوجد فرق بينهما من حيث أخذ اللحاظ ولا من حيث الرتبة الوضعية ولكن) الفرقُ بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما (أي الاسم والحرف) بوضع (خاص به. فوضع لفظ الابتداء لمفهوم الابتداء مرة ووضع لفظة "من" لذلك المفهوم أخرى) حيث إنه وضع الاسم (لمجرد مفهوم الابتداء) ليُراد منه معناه بما هو هو (ذاتياً) وفي نفسه (من غير نظر إلى الغير حين استعماله)، و(وضع) الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره كما مرّت الإشارة إليه غير مرة (وملخص جواب المصنّف على الإشكال بعد اعترافه بالترادف ووحدة المعنى الموضوع له في الاسم والحرف هو: إن الاسم إنما وضع ليراد به المعنى في نفسه بينما وضع الحرف كآلة لملاحظة حال الكلمة أو الجملة الداخل عليها، فالاستقلالية في الأسماء، والآلية في الحروف لوحظتا عند الواضع خلال وضع الاسم والحرف، ولذلك فإن الاختلاف في كيفية الوضع فيها أوجب عدم صحة استعمال أحدهما مكان الآخر). فالاختلاف بين الأسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتفقا فيما له الوضع (أي ذات المعنى الموضوع له)، وقد عرفت بما لا مزيد عليه: أنّ نحو إرادة المعنى (من الآلية أو الاستقلالية) لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته (أي من خصوصيات الحرف) ومقوماته (بمعنى أنّ وضع الحروف كوضع أسماء الأجناس بخصوص أن كلاًّ من الوضع، والموضوع له، والمستعمل فيه فيها عاماً، فلا يوجد اختلاف بين المعنى الحرفي والاسمي لا من حيث اللحاظ، ولا من حيث الوضع، إلا من حيث الاختصاص).   

(8) ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في (الجمل التي يستعمل فيها الإنشاء تارة والإخبار تارة اخرى) الخبـر والإنشاء (وذلك بقصد المتكلم ، أي أن بينهما اشتراك معنوي وجامع، فالجامع هو نسبة المحمول إلى الموضوع تماماً كنسبة البيع إلى المتكلم في جملة "بعتُ " فإن قصد بها الحكاية عن ثبوت نسبة البيع إلى نفسه في وعاء الاعتبار فذلك إخبار، وإن قصد بها إيجاد البيع فذلك إنشاء. والاختلاف بينهما مثل الاختلاف في الأسماء والحروف) أيضاً كذلك (أي في كيفية الوضع مع اتفاقهما في نفس الموضوع له) فيكون الخبـر (الذي هو كلام تكون لنسبته تطابقٌ مع الواقع الخارجي، بينما لا يكون للإنشاء ذلك) موضوعاً (لمعنى نسبة المحمول إلى الموضوع، إلاّ أنه) ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه (ماضياً كان أو مستقبلاً أو متطابقاً مع واقعه الخارجي)، و(يكون) الإنشاء (موضوعاً لذلك المعنى بعينه، ولكن) ليستعمل في قصد تحققه وثبوته (بنفس هذا الاستعمال، فقد اختلفا من واقع هذه الحيثية فقط) وإن اتفقا فيما (وضعا له و) استعملا فيه، فتأمل (فالمعنى في الإخبار والإنشاء واحد، لأنه عبارة عن نسبة المبدأ إلى الذات، فإذا قصد المتكلم بالكلام الحكاية عن النسبة فيكون خبـراً حينئذٍ ، وإن قصد به إيجادها يكون إنشاءً). 

ثم إنه قد انقدح مما حققناه (من خروج قصد الآلية والاستقلالية في الحروف والأسماء، ومن قصد حكاية ثبوت المعنى في موطنه أو إيجاده في الإخبار والإنشاء عن دائرة الموضوع له والمستعمل فيه وكونها من شؤون الاستعمال المتأخر عن المعنى، من الاستنتاج بأنه من المحتمل أن يكون المستعمل فيه كالموضوع له في أسماء الإشارة والضمائر أيضاً عاماً) أنه يمكن أن يقال: إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضاً عام (كما كان الموضوع له عاماً) وإن تشخصه (حين الإستعمال) إنما نشأ من قبل طور استعمالها (بغض النظر عن كونه جزء الموضوع له أو المستعمل فيه). (وهذا هو جواب الإشكال الذي زعم بأن المستعمل فيه في أسماء الإشارة والضمائر خاص، لأن اقتضاء الإشارة والتخاطب إنما تشخص المشار إليه والمخاطَب معاً. فالجواب الذي وضعه المصنّف هو: إن الموضوع له في لفظة "هذا" هو كلي المفرد المذكر الصالح للإشارة، لا المعنى المتصف بكونه مشاراً إليه، بحيث تكون الإشارة إليه قيداً له، فالإشارة هي من كيفيات الاستعمال كما هو الحال فيما يتعلق بالاستقلالية والآلية في الأسماء والحروف، فكلٌ من الوضع والموضوع له في أسماء الإشارة عام كالحروف) حيث إن أسماء الإشارة (مثلاً إنما) وضعت ليُشار بها إلى معانيها (الكلية تماماً كما وضع "هذا" ليُشار به إلى المفرد المذكر) وكذا (وضع) بعض الضمائر (كضمير الغائب فإنه وضع لكلي المفرد المذكر، ليشير إلى الفرد الغائب) وبعضها (الآخر كضميـر المخاطَب فإنه وضع لكلي المفرد المذكر أو المؤنث، فتشخص المعنى في اسم الإشارة، وضمير المخاطب نشأ من الإشارة والتخاطب اللذان هما من أطوار الاستعمال وشؤونه، من دون أن يكون لهما دخلٌ في الموضوع له ليكون خاصاً، وهو إنما وضع) ليخاطب به المعنى (المراد) والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص (في المشار إليه والمخاطَب، لأن الشيء إذا لم يتشخص لا يمكن الإشارة إليه أو مخاطبته) كما لا يخفى. فدعوى أن (الموضوع له و) المستعمل فيه في مثل (هذا) أو (هو) أو (إيّاك) إنما هو المفرد المذكّر (في ضمير المتكلم) وتشخصه (الموجود حين الاستعمال) إنما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ (عندما يكون المتكلم متوجهاً) إليه (أي إلى المستعمل فيه)، فإن الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلاّ إلى الشخص (في الإشـارة) أو معـه (في التخاطـب)، غيـر مجازفة (خبـر لـ "فدعوى أن المستعمل فيه...". ومراده أن أخذ الإشارة والتخاطب في المعنى حتى يكون جزئياً لا دليل عليه، أي أنه لا يمكن أن تدخل الإشارة والتخاطب في نفس الموضوع له لأنها معاني نسبية إلى الغائب والمخاطَب).

فتلخص مما حققناه (في معنى الحروف وبقية المبهمات): أن التشخص الناشىء من قبل الاستعمالات (انما هو بدليل خارج عن مقام اللفظ والمعنى، وذلك لأنه) لا يوجب تشخص المستعمل فيه (حتى يكون معنى جزئياً) سواء كان (التشخص الناشىء عن مقام الاستعمال) تشخصاً خارجياً (ناشئاً من إشارة في الخارج) كما في مثل أسماء الإشارة (وهذا بخلاف من جعل الإشارة الخارجية جزء معناها) أو (كان التشخص الاستعمالي) ذهنياً (أي ناشئاً من الإشارة الذهنية) كما في أسماء الأجناس (وهذا بخلاف من جعل الإشارة الذهنية دخيلاً فيها حين الإستعمال، حين قيل: إن "زيداً " حقيقة من الحقائق الذهنية والإشارة إليه تنبع من توجه النفس نحوه) و(كذلك) الحروف (والموصولات) ونحوهما (من المعاني الكلية). (وهذا يعني عدم صحة ذلك كله) من غير فرق في ذلك أصلاً بين الحروف وأسماء الأجناس (أي في عدم تشخص المعنى بسبب التشخص الناشىء عن الاستعمال). ولعمري هذا (الذي ذكر من عدم صحة أخذ الخصوصية في المعنى) واضح، ولذا (ولكي لا يمتد التشخص الناشىء عن الاستعمال الى المعنى) ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصاً في الحروف (أو المبهمات) عين (بالمطابقة) ولا أثر (يدلّ على الالتزام بذلك)، وإنما ذهب إليه بعض من تأخر[8]، ولعله (أي لعل ذهاب هؤلاء الأعلام إلى خصوصية أحدهما) لتوهم كون قصده (أي قصد المعنى) بما هو في غيره (وآلة) من خصوصيات الموضوع له (فيكون خاصاً، ثم يكون المستعمل فيه خاصاً أيضاً) أو (من خصوصيات) المستعمل فيه (وحده). (والمحصل: إن اعتقاد بعض الأعلام في كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصاً إنما نشأ من توهم أن قصد المعنى من خصوصيات أحدهما. ولكن هذا غير صحيح لأنه يلزم الدور، بناءً على أخذ قصد الاستقلالية والآلية والإخبارية والإنشائية وغيرها من الخصوصيات في الموضوع له أو المستعمل فيه، وذلك لتوقفها على الاستعمال. فإن المفترض أن الاستقلالية والآلية والإخبارية والإنشائية إنما تنشأ عن الاستعمال، ولكن الاستعمال متأخرٌ عن المعنى وخصوصيته رتبة. فلو كانت دخيلة في المعنى لزم توقف المعنى على الاستعمال، ولكن الاستعمال متوقف على المعنى كما هو واضح)، و(قد وقعت) الغفلة (منهم) عن أن قصد المعنى من لفظه على أنحائه (من الآلية والاستقلالية والإخبارية والإنشائية) لا يكاد (أن) يكون من شؤونه (أي شؤون المعنى) وأطواره (بحيث يكون دخيلاً في المعنى وموجباً لخصوصيته وجزئيته، لتأخر هذه الخصوصيات المترتبة على القصد عن المعنى، فيمتنع دخلها فيه) وإلاّ (لو كان قصد المعنى آلياً دخيلاً في المعنى الحرفي حتى صار بسببه جزئياً) فليكن قصده (استقلالياً و) بما هو هو وفي نفسه كذلك (دخيلاً في المعنى الاسمي حتى يكون جزئياً أيضاً) فتأمل في المقام فإنه دقيق وقد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق (وخلاصة ما أفاده المصنّف "قدس سره": ان كلاً من الوضع والموضوع له والمستعمل فيه من الحروف وأسماء الإشارة والضمائر كأسماء الأجناس عام، بسبب أن التشخص فيها إنما نشأ من جهة الاستعمال، ولكن يستحيل تشخص المعنى بالخصوصيات الناشئة منها "أي من الحروف وأسماء الإشارة والضمائر" لأن ذلك يستلزم الدور).

 

(9)(الأمر) الثالث: (لقد اُختلف هل أن) صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هي بالوضع (كما آمن به جماعة من الأصوليين) أو بالطبع (كما آمن به أخرون) ؟ وجهان (محتملان) بل قولان [9] (أشهرهما الأول) وأظهرهما (الثاني، فقالوا): إنه بالطبع (لا بالوضع، وقد استدلّ المصنّف) بشهادة الوجدان (السليم) بحسن الاستعمال فيه (أي فيما يناسب ما وضع له. أو بتعبيـر آخر في المعنى غير الحقيقي إذا كانت هناك مناسبة) ولو مع منع الواضع عنه (أي عن الاستعمال. فإن حسن استعمال "زيد الأسد" أمر طبيعي حتى مع منع الواضع "وهو والد زيد في هذه الحالة" عن ذلك الاستعمال، فلو كانت صحة الاستعمال بسبب وضع الواضع لما صح الاستعمال الجديد)، و(كذلك يشهد الوجدان في عكس ذلك) باستهجان الاستعمال فيما (إذا كان المعنى غير الحقيقي) لا يناسبه (كما نلاحظ عدم تقبل العرف استعمال لفظة "الرأس" في كلي الإنسان مثلاً) ولو مع ترخيصه (أي ترخيص الواضع بجواز استعمال لفظ الجزء في الكل)، ولا معنى لصحته (أي لصحة الاستعمال) إلاّ حسنه (أي حسن الاستعمال، بالطبع لا بالوضع) والظاهر (ولأنّ المناسبة طبعية لا وضعية) أن صحة استعمال اللفظ في نوعه (نحو ضارب اسم فاعل إذا اُريد منه كل ما كان على هيئة فاعل من هذه المادة) أو (استعمال اللفظ في) مثله (نحو زيد في جملة "ضرب زيدٌ " فاعل، إذا أردنا به مثله) من قبيله (أي من قبيل استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له بالطبع) كما يأتي الإشارة إلى تفصيله (في الأمر الرابع بأذنه تعالى).

 

(10)(الأمر) الرابع: لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ، وإرادة نوعه (الشامل لكل فرد من الأفراد) به (أي باللفظ). (ومراده هو صحة إرادة نوع اللفظ باللفظ، فيكون اللفظ حاكياً عن اللفظ) كما إذا قيل: ضَرَبَ – مثلاً – فعل ماض (فإن لفظة "ضرب" قد استعملت في كل فرد من أفراد الضرب في الفعل الماضي)، أو صنفه (أي لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ وإرادة صنفه أيضاً) كما إذا قيل: (زيدٌ) في (جملة) (ضرب زيد) فاعل (فلفظة زيد استعملت في كل فرد من أفراد زيد المستعملة كفاعل لفعل ضرب). (ويتحقق ذلك – أي كون اللفظ مستعملاً في نوعه، وصنفه - ) إذا لم يقصد به شخص القول (الصادر من المتكلم في حال التلفظ؛ أي: يصح إطلاق اللفظ في نوعه وصنفه إذا لم يُقصد "زيد" معين بذاته)، أو مثله (أي وكذلك يصح استعمال اللفظ وإرادة مثله، كما إذا قلنا: زيدٌ في جملة "ضرب زيد " فاعل وأردنا منها شخص زيد المستعمل في الجملة فقط) كـ (ضرب) في المثال (الأول الذي ذكره لإرادة النوع) فيما إذا قصد (المتكلم المثل، أي أراد المتكلم بزيد شخص زيد لا جميع أفراد زيد، ومعناه أن حكاية "ضرب" مثلاً عن نوعه أو مثله منوطة بقصد المتكلم. وبمعنى آخر: إن قولنا زيدٌ في – ضرب زيد – فاعل مثال للقسم الثاني "وهو استعمال اللفظ في صنفه" إذا لم يقصد به شخص القول أي شخص زيد، ومثال للقسم الثالث "وهو استعمال اللفظ في مثله" إذا قصد به شخص القول).

وقد أشرنا (في الأمر الثالث) إلى أن صحة الإطلاق كذلك (أي أن إطلاق اللفظ وإرادة النوع أو الصنف أو المثل منه) وحسنه (أي أن حسن هذا الإطلاق) إنما كان بالطبع لا بالوضع، وإلاّ (فلو لم يكن هذا الإطلاق – أي إطلاق اللفظ وإرادة النوع أو الصنف أو المثل منه – بالطبع) كانت المهملات موضوعة لذلك (النوع أو الصنف أو المثل) لصحة الإطلاق كذلك (على الأقسام الثلاثة) فيها (أي في المهملات) والالتزام بوضعها لذلك (المستعمل فيه) كما ترى (بديهي البطلان لأنه يستلزم عدم صحة تقسيم اللفظ إلى الموضوع والمهمل).

(هذا كله فيما إذا أُطلق اللفظ وأُريد نوعه أو صنفه أو مثله) وأما إطلاقه وإرادة شخصه (أي شخص اللفظ)، كما إذا قيل: (زيدٌ لفظٌ) وأريد منه (أي من زيد – المبتدأ هنا) شخص نفسه (من دون نظر الى زيد آخر يحكي هذا المبتدأ عنه) ففي صحته (أي صحة هذا الإطلاق) بدون تأويل (مجوز له) نظر (وذلك) لاستلزامه (أي استلزام إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أحد أمرين) (الأول): اتحاد الدالّ والمدلول (وهو غير صحيح) أو (الثاني): تركب القضية من جزئين (هما المحمول والرابط أو النسبة بدون الموضوع، وذلك خلف) كما في الفصول[10]. (وتوضيح ذلك: إن كلمة زيد في جملة "زيدٌ لفظٌ" إن دلّت على نفسها لزم اتحاد الدالّ والمدلول وهو ممتنع لأننا نلحظ الحاكي لحاظاً آلياً، ونلحظ المحكي لحاظاً استقلالياً ولا يمكن اتحادهما بأي حالٍ من الأحوال، وأما إذا كانت القضية المحكية مركبة من جزئين هما: المحمول وهو اللفظ، والنسبة وهي الرابط دون الموضوع، فهو ممتنع أيضاً لاستحالة تحقق النسبة الكلامية بين المنتسبَين).

بيان ذلك (وهو توضيح لإشكال صاحب الفصول على القسم الرابع): إنّه إن اعتبـر دلالته (أي دلالة لفظة زيد) على نفسه (بأن يكون دالاً ومدلولاً) – حينئذٍ (أي حين إرادة شخصه ) - لزم الاتحاد (بين الدال والمدلول، وهو القسم الأول من الإشكال)، وإلاّ لزم تركبها (أي تركب القضية) من جزئين (المحمول والرابط، وهو القسم الثاني من الإشكال)، لأن القضية اللفظية – على هذا (التقدير، وهو عدم دلالة اللفظ على نفسه) إنما تكون حاكية عن المحمول والنسبة (فقط، وإن كانت مركبة من الموضوع والمحمول والنسبة لفظاً)، (و) لا (تحكي عن) الموضوع (على افتراض عدم دلالة المدلول له وعليه) فتكون القضية المحكية بها (أي القضية المعقولة المحكية بالقضية اللفظية) مركبة من جزئين (المحمول والرابط)، مع امتناع التركب إلاّ من (الأجزاء) الثلاثة (الموضوع والمحمول والنسبة، لأن التركب من جزئين بعيد عن ارتكاز العقلاء)، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبَين (وهما الموضوع والمحمول لأن النسبة من الأمور الإضافية، ولا تحصل إلاّ بين المضاف والمضاف إليه، فتمتنع الحكاية عن النسبة بدون وجود الموضوع).

قلتُ: يمكن أن يقال: (وهذا دفع الإشكال بقسمه الأول وهو بطلان اتحاد الدال والمدلول عن طريق دلالة اللفظ على نفسه) إنه يكفي تعدد الدالّ والمدلول اعتباراً، وإن اتحد ذاتاً (أي أن الإشكال الوارد حول دلالة اللفظ على نفسه والتي تستلزم محذور اتحاد الدالّ والمدلول يمكن دفعها بالقول بأن تغاير الدال والمدلول اعتباراً يكفي دون الحاجة الى تغايرهما ذاتاً، فمثلاً إن للفظة "زيد" جهتين: الأولى: صدوره من المتكلم، والثانية: إخطاره في ذهن السامع، فبلحاظ الجهة الأولى يكون دالاً، وبلحاظ الجهة الثانية يكون مدلولاً، فهنا تغاير الدالّ والمدلول اعتباراً ولكن اتحدا ذاتاً)، فمن حيث إنه لفظ صادر عن لافظه كان دالاً (ومنشِأً لإخطار نفسه في ذهن السامع)، ومن حيث إن نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً (أو مخطَراً، فيكون هو الموضوع للقضية المعقولة). مع أن حديث تركب القضية من جزئين (غير وارد). (وهذا هو دفع الإشكال بقسمه الثاني عن طريق عدم دلالة اللفظ على نفسه) – لولا اعتبار الدلالة في البين – إنما يلزم إذا لم يكن (للموضوع وجود عيني خارجي، إلاّ أن) الموضوع (هنا له وجود أيضاً وهو) نفس شخصه (أي شخص زيد المؤلَف من "ز ي د"، فليس هناك محذور من تركب القضية من جزئين). (والنتيجة: إن تركب القضية من جزئين يحصل فقط عندما لا يكون للقضية موضوع لا ذهناً ولا لفظاً و لا خارجاً) وإلاّ (لو كان للقضية موضوع خارجي) كان أجزاؤها الثلاثة (الموضوع والمحمول والنسبة) تامة، (فلو ضربتُ زيداً بيدي، وقلتُ: ضربتُ، فإن لهذه القضية موضوعاً خارجياً)، وكان المحمول (اللفظي) فيها منتسباً (إلى ضرب زيد، كما لو قلنا: إن المحمول في "زيدٌ اسمٌ" منتسب) إلى شخص اللفظ ونفسه (ولا محذور في ذلك) غاية الأمر أنه (أي الموضوع في هذه القضية) نفس الموضوع (الخارجي)، لا الحاكي عنه (لا كما نقول "الإنسان ناطق") فافهم (ذلك)، فإنه لا يخلو من دقة (لاختلاف الإشارة إلى الشيء في الواقع الخارجي عن الحمل على ذلك الشيء لفظاً).

وعلى هذا (مما ذكرناه سابقاً من أن المراد بالموضوع نفسه لا لفظه الحاكي عنه)، ليس (الموضوع في هذه القضية) من باب استعمال اللفظ بشيء (ويعني بذلك بناءً على كون الموضوع شخص اللفظ لا معناه – ولا نتحدث هنا عن استعمال اللفظ أصلاً، لأن ذلك الاستعمال متوقف على استعمال اللفظ والمعنى – فليس هناك معنى حتى يندرج المقام في استعمال اللفظ في المعنى، بل هو من باب إيجاد الموضوع والحكم عليه. والموضوع هنا هو نفس اللفظ دون معناه)، بل يمكن أن يقال: (مثل هذا) إنه (أي استعمال اللفظ في شخصه) ليس أيضاً من هذا الباب (أي باب استعمال اللفظ في المعنى)، ما إذا أُطلق اللفظ وأُريد به نوعه أو صنفه فإنه (أي فإن اللفظ المحكوم عليه بالنسبة إلى النوع والصنف) فرده (الخارجي) ومصداقه حقيقة (فعندما نقول: "زيد اسم" فإن زيداً هنا هو مصداق زيد الكلي) لا لفظه (الدال) وذاك (الكلي مدلوله و) معناه، كي يكون (لفظ الموضوع) مستعملاً فيه (مثل) استعمال اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ (الواقع) نفس الموضوع (الخارجي) الملقى إلى المخاطب خارجاً، قد أحضر (هذا الموضوع) في ذهنه بلا وساطة (لفظ) حاكٍ (عنه)، وقد حكم عليه ابتداءً، بدون واسطة أصلاً (وهذه قضية مركبة، موضوعها خارجي، ومحمولها لفظي، حيث إن لفظ "زيد " هو نفس الموضوع) لا لفظه (الحاكي عنه) كما لا يخفى (عليك) فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى بل (ان الموضوع) فردٌ (من أفراد النوع أو الصنف) قد حكم في (هذه) القضية عليه – (لا بما هو حاكٍ عن الكلي بل) بما هو مصداق لكلي اللفظ (فكما نطلق على اشتعال عود الثقاب بأنه نار ونحكم على أنه مصداق لكلي النار) لا بما هو خصوص جزئيه (حتى يكون الحكم مقتصراً على هذا الفرد الواقع موضوعاً وهو اشتعال عود الثقاب). (ومراده أنه بعد أن فنّدنا فكرة إطلاق اللفظ وإرادة شخصه في باب الاستعمال، نستطيع الآن أن نفنّد فكرة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه في باب الاستعمال أيضاً. وتقريبنا إلى ذلك هو: إن اللفظ عندما يطلق فهو يعبـّر عن فرد حقيقي واحد للنوع أو الصنف، لا إنه لفظ واحد، والنوع أو الصنف يراد معناه حتى يندرج في باب الاستعمال. فعندما نطلق اللفظ فإنما نريد نفس الموضوع، ولا نريد ان نحكي عن المعنى. فكلمة " ضَرَبَ " في قولنا: "ضرب زيدٌ " هي مجرد كلمة. والنوع أو الصنف ينطبق على كلمة "ضرب" كما ينطبق على كلمة " نَصَرَ " أو " قَعَدَ"، فهنا لا تلحظ لوازم التشخص، وشخصية كلمة "ضرب" ينطبق عليها النوع كانطباقه على "نصر" و "قعد"، ويحكم عليها لاتحادها مع النوع أو الصنف بما يحكم عليهما؛ حيث إن الحكم المترتب عليهما ثابت للفرد المتحد معهما من باب الانطباق، فشخصية كلمة "ضرب" فرد للنوع وليست معنى له. فاستعمال اللفظ في نوعه وصنفه وشخصه ليس من قبيل الاستعمال المصطلح عليه عرفاً).

نعم فيما إذا أُريد به (أي باللفظ الموضوع) فرد آخر مثله (كما تقدم في القسم الثالث، نحو قولنا: زيد في "ضرب زيد" فاعل)، كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى (فقد استعملت كلمة "زيد" الأولى في كلمة "زيد" الثانية، ولما كان المستعمل فيه أيضاً لفظاً فإن المصنّف التفت إلى ذلك وقال: "من قبيل استعمال اللفظ" ولم يقل من استعمال اللفظ)، اللهم (وهذا استدلال على قوله: "بل يمكن أن يقال ....الخ". ومراده هو: إن إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه يمكن أن يكون من باب الاستعمال بالتقريب التالي: إن لفظة "ضرب" الواقعة في الكلام وإن كانت فرداً للنوع، إلاّ أننا إذا قصدنا بهـا الحكاية عن النوع والدلالة عليه، فإنهـا تصبح – حينئذٍ- من باب الاستعمال، تماماً كما هو اعتقاد المصنّف بأن إطلاق اللفظ وإرادة مثله هو من باب الاستعمال) إلاّ أن يقال (فيما يخص استعمال اللفظ في نوعه وصنفه من باب استعمال اللفظ في المعنى، لا من باب تصور الوضع الخارجي موضوعاً): أن لفظ (ضرب) (في مثال: "ضَرَبَ فعلٌ"، حيث جعلنا "ضرب" موضوعاً يراد به النوع) وإن كان فرداً له (أي للكلي، ويصح إرادة فرده كما قلنا في مثال عود الثقاب) إلاّ أنه إذا قصد به (أي بلفظ "ضرب") حكايته (حكاية الكلي)، وجعل (هذا اللفظ) عنواناً له (أي الكلي) ومرآته، كان (لفظ "ضرب" في المثال) لفظه (أي لفظ الكلي الدالّ عليه والكلي) المستعمل فيه (أي في معنى النوع أو الصنف)، وكان (لفظ "ضرب" الموضوع) – حينئذٍ – (مستعملاً في الكلي حين قصد الحكاية) كما إذا قصد به فرد مثله (وهو من باب استعمال اللفظ في المعنى). (والخلاصة: إن استعمال اللفظ في مثله يعني تماماً استعمال اللفظ في المعنى).

وبالجملة: فإذا أطلق (اللفظ) وأُريد به نوعه (أو صنفه)، كما إذا أُريد به فرد مثله، كان (كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة) من باب استعمال اللفظ في المعنى (لأن اللفظ يعكس تعقل الموضوع)، و(هذا يصح و) إن كان (اللفظ الواقع في الكلام) فرداً منه (أي من ذلك النوع أو الصنف)، وقد حكم في القضية بما يعمه (أي يشمله ويشمل غيره، فعندما نقول "زيدٌ اسمٌ" فهذه جملة صحيحة، فإننا نجعل "زيد" مرآة لأفراده أولاً، ونعلم بأن المحمول وهو الاسم يشمل "زيد" وغير "زيد" ثانياً). وإن أطلق (اللفظ وأُريد به نوعه أو صنفه، ولكن) ليحكم عليه بما هو فرد كلِّيه ومصداقه (بحيث يسري الحكم إلى الكلي)، لا بما هو لفظه (أي لفظ النوع أو الصنف ليكون حاكياً عنهما حتى يندرج في باب استعمال اللفظ في المعنى) وبه حكايته (أي لا بعنوان أن اللفظ الذي أطلقه اللافظ حاكٍ عن الكلي) فليس (هذا الاستعمال – عندئذٍ - ) من هذا الباب (أي باب استعمال اللفظ في المعنى)، لكن الإطلاقات المتعارفة ظاهراً (عند أهل الفكر) ليست كذلك (أي من باب إطلاق اللفظ والحكم عليه بما أنه فرد كلي النوع أو الصنف، بل إن المتعارف هو أنها من باب استعمال اللفظ في المعنى، ومن باب جعل الفرد مرآةً للكلي)، كما لا يخفى. وفيها (أي في الإطلاقات) ما لا يكاد يصح أن يراد منه ذلك (أي الحكم على الفرد بما هو مصداق لا بما هو مرآة، ذلك أن الموضوع) مما (لا يصح أن يكون مصداقاً للكلي، كما إذا) كان الحكم في القضية (المتلفظة) لا يكاد يعم شخص اللفظ (الواقع موضوعاً) كما في مثل: (ضرب فعل ماضٍ) (فإذا أردنا بكلمة "ضرب" النوع، فإنها هنا ليست من مصاديق الفعل حتى يكون الحكم عليها حكماً على الكلي، بل إنها مجرد مبتدأ ، والمبتدأ اسم. فلا يعقل أن يكون الأسم فرداً من أفراد الفعل كما هو واضح).

 

(11)(الأمر) الخامس: (وهو في إبطال من قال بكون الألفاظ موضوعة للمعاني بإرادة المستعمِل) لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها (المجردة) من حيث هي (هي، فيكون المعنى تمام الموضوع له) لا (أنها موضوعة بازاء المعاني) من حيث هي مرادة للافظها (فيكون الموضوع له مركباً من المعنى والإرادة. ويستدل على أن الدلالة لا تتبع الإرادة بل تتبع الوضع بعدة وجوه. الوجه الأول: لزوم تعدد الإرادة عند الاستعمال، كالإرادة التي هي جزء من المعنى، والإرادة التي يستلزمها الاستعمال ، وهذا باطل ) لما عرفت (في دراستنا للمعنى الحرفي) بما لا مزيد عليه من أن قصد المعنى على أنحائه (من الآلية والاستقلالية) من مقومات الاستعمال (لا من أجزاء الموضوع له)، (الوجه الثاني: لا يمكن للعبد إطاعة مولاه أو الامتثال لأوامره ونواهيه لأن المعنى مقيد بإرادة المولى في الخارج – وهي إرادة ذهنية وليست خارجية -) فلا يكاد يكون (مفهوم الإرادة) من قيود المستعمل فيه.

هذا مضافاً (وهذا هو الوجه الثالث، وزبدته: عدم صحة الحمل مطلقاً إلاّ بتجريد الذات والصفة عن الإرادة، ففي قولنا: "زيد قائم" إرادتان متغايرتان هما "ذات زيد" ذو الإرادة وصفة زيد "في القيام" ذو الإرادة، ولا يصح الحمل الخارجي إلا بتجريد الذات والصفة عن تلك الإرادة) إلى ضرورة صحة الحمل والإسناد في (تركيب) الجمل بلا تصرف في أطراف الألفاظ (أي أطراف الجملة كالمحمول والمحمول عليه، أو المسند والمسند إليه)، مع أنه لو كانت (الألفاظ) موضوعة لها (أي المعاني) بما هي مرادة (لكي يكون المعنى الموضوع له مركباً من أصل المعنى والإرادة)، لما صح (الإسناد والحمل) بدونه (أي بدون التصرف والتجريد)؛ بداهة أن المحمول على (زيد) (وهو القيام) في (زيد قائـم) والمسند إليه (أي إلى زيد) في (ضرب زيدٌ) – مثلاً – هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان (ومراد المصنّف: هو أنه لا يصح الحمل أصلاً لوجود الإرادتين المتغايرتين في نفس الفرد، وهما معنى "زيد" المقيّد بالإرادة الحقيقية، ومعنى "القيام" المقيّد بإرادة حقيقية أخرى)، مع أنه يلزم (وهذا هو الوجه الرابع: وهو إنكار الوضع العام والموضوع له العام) كون وضع عامة الألفاظ (الموضوعة) عاماً والموضوع له خاصاً، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين (أي دخول إرادة المستعملِين) فيما وضع له اللفظ (فاللفظ موضوع بإزاء المعنى بقيد الإرادة، والإرادة جزئية فيكون المعنى المقيّد بها جزئياً، فلا يمكن أن يكون الوضع عاماً والموضوع له عاماً)، (وهنا يبرز إشكال جديد وهو: هل نستطيع أن نفترض أن تكون الإرادة جزء المعنى الموضوع له مع الإقرار ببقاء الوضع العام والموضوع له العام؟ بمعنى هل يمكن أن يكون مفهوم الإرادة مفهوماً كلياً، لكنه في الوقت نفسه جزءٌ لا يتجزأ من الموضوع له؟) فإنه (يجاب على ذلك بالقول): لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة (الكلي) فيه (أي في المعنى الموضوع له، لأنه ليس جزء الموضوع له، ولأنه خلاف الوجدان) كما لا يخفى، (هذا كله بالنسبة إلى المحمول) وهكذا الحال في طرف الموضوع (أي طرف موضوع القضية وهو "زيد" في المثال السابق).

وأما ما حُكي[11] عن العلمين (الشيخ الرئيس "أبي علي الحسين ابن سينا ت 428هـ"، والمحقق الطوسي" الخواجة نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي ت 682 هـ") من مصيرهما الى ان الدلالة تتبع الإرادة (التي افترضت أنها جزء الموضوع له)، فليس (المحكي ينافي ما تقدم منا، فكلاهما ليس ) ناظراً إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة (بحيث تكون الإرادة جزء الموضوع له) كما توهمه بعض الأفاضل [12]، بل (إن كلاهما) ناظرٌ إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها (إنما تتم) بالدلالة التصديقية (الإرادية)، أي دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع إرادتها (أي إرادة المعاني) منها (أي من تلك الألفاظ)، ويتفرع (الدلالة التصديقية الإرادية) عليها (أي على إرادة اللافظ) (نحو) تبعية مقام الإثبات (الدلالة الظاهرية) للثبوت (الدلالة الواقعية)، و(نحو) تفرع الكشف على الواقع المكشوف (فلا يمكن إحراز تصديق السامع إذا لم يكن للمتكلم إرادة بخصوص المعنى المراد إيصاله للسامع)، فإنه لولا الثبوت في الواقع (الخارجي) لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال. ولذا (ومن أجل تفرع الإثبات على الثبوت وتبعية الكشف للواقع) لابد (للدلالة التصديقية) من إحراز (السامع) كون المتكلم بصدد الإفادة (أي أنه يريد بيان ذلك المعنى بذاته) في (الكلام حتى يتمكن من) إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه و(يتمكن من إثبات) دلالته (أي دلالة كلام المتكلم) على الإرادة (وهو أن الإحراز لابد أن يحصل) وإلاّ (أي وإن لم يحرز كون المتكلم في مقام البيان والإفادة فلا تتحقق لكلامه هذه الدلالة التصديقية) لما كانت لكلامه هذه الدلالة (التصديقية على إرادة المتكلم)، وإن كانت له (أي لكلامه) الدلالة التصورية، أي كون سماعه موجباً لإخطار معناه الموضوع له (وحضوره في ذهن السامع، لأنه مع العلم بالوضع تتحقق الدلالة التصورية)، ولو كان (الكلام) من وراء الجدار (حيث لا يرى السامع وضع المتكلم أو وجوده) أو (كان صادراً) من لافظ بلا شعور ولا اختيار (كالنائم أو المجنون أو الحيوان المدرب على النطق).

إن قلت: على هذا (الذي ذكرتم من أن الدلالة التصديقية تابعة للإرادة) يلزم أن لا يكون هناك دلالة (تصديقية) عند الخطأ (من السامع، أولاً)، والقطع بما ليس بمراد (المتكلم، ثانياً، كأن يقال: "زيد قائم" بدل "زيد نائم")، أو الاعتقاد (من السامع خطأً) بإرادة (المتكلم من اللفظ خصوص) شيء ولم يكن له من اللفظ مراد (كما لو تكلم المتكلم بجملة سهواً فظنّ السامع أنه أراد معناها، كأن قال: بعثتُ الكتاب، وقصد به رسالة إلى جهة رسمية وليس كتاباً من الكتب الدراسية). (وملخص الإشكال: إنه إذا آمنا بالفكرة القائلة بأن الدلالة التصديقية تابعة للإرادة لزم أن لا تكون هناك أية دلالة في الصورتين المذكورتين).

قلتُ: نعم لا يكون – حينئذٍ – دلالة بل يكون هناك (في الصورتين) جهالة وضلالة (من السامع)، يحسبها الجاهل دلالة. (هذا) ولعمري ما أفاده العلمان (الشيخ الرئيس والمحقق الطوسي) من التبعية – على ما بيّنّاه (من تبعية الدلالة التصديقية للإرادة دون الدلالة التصورية) – واضح لا محيص (لا مهرب) عنه. ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم (صاحب الفصول) أن يجعل كلامهما ناظراً إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل (من تبعية الدلالة التصورية للإرادة، مما ينبغي أن لا يقول به أحد) فضلاً عمن هو علمٌ في التحقيق والتدقيق! (والخلاصة: إن الدلالة التصديقية التابعة للإرادة تبعية الكاشف للمنكشف غير موجودة، لعدم وجود متبوعها، فالإرادة ليست جزءً ولا قيداً للموضوع له حتى تكون الدلالة الوضعية تابعة لها، لأن الإرادة وجه من وجوه الاستعمال، كالاستقلالية والآلية وغيرهما).

 

(12)(الأمر) السادس: (وهو فيما يتعلق بالسؤال التالي: هل أن للجمل المركبة من المسند والمسند إليه والهيئة التركيبية  "أو الموضوع والمحمول والهيئة" من وضع آخر أو لا؟ ذهب المصنّف إلى الثاني وآمن بالنفي، وقال): لا وجه لتوهّم وضع (آخر) للمركبات، (بحيث يصحّ لدينا وضع جديد مؤلف من المادة والهيئة) غير وضع المفردات (وهي أجزاء المركب، أي: الموضوع، والمحمول، وهيئة الجملة الأسمية أو الفعلية. ولاشك أن كلاً من الموضوع والمحمول جزء مادي، والهيئة جزء صوري. ولولا الهيئة لا يتحقق الارتباط بين الموضوع والمحمول) ضرورة عدم الحاجة إليه بعد (تواجد صنفين هما: الصنف الأول) وضعها (أي المركبات) بموادها (أي بمواد المفردات المخصوصة؛ كزيد وعمرو وبكر وقائم وضرب) في مثل: "زيدٌ قائمٌ" و"ضربَ عمروٌ بكراً" (وكما درسنا سابقاً، فإن الأعلام الشخصية إنما وضعت بالوضع الخاص والموضوع له الخاص، فهي قد وضعت وضعاً) شخصياً (فالمراد بالوضع الشخصي هو أن كل مادة بشخصيتها الذاتية إنما وضعت لمعنى معين، فالأعلام الشخصية وضعت بهيئاتها وموادها بالوضع الشخصي، فكلمة "زيد" وضعت بمادتها وهيئتها لمعنى شخصي هو زيد) و(الصنف الثاني: وضعها) بهيئاتها المخصوصة (وتفصيل ذلك أن هيئة الجملة الاسمية "زيدٌ قائمٌ" موضوعة للجملة الاسمية، وهيئة الجملة الفعلية "ضربَ عمروٌ بكراً " موضوعة للجملة الفعلية. فالهيئة موضوعة وضعاً نوعياً، ومركبة من خصوص مواد الجملة الموضوعة شخصياً) من خصوص إعرابها نوعياً (أي أن الهيئة المخصوصة هي الهيئة المستندة على الرفع والنصب والجر، وكلها موضوعة وضعاً نوعياً، بدون ملاحظة مادة مدخولها ولا هيئته، لأن النصب مثلاً انما وضع للمفعول به أيّاً كان شكله)، ومنها (أي ومن وضع المادة ووضع الهيئات) خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب (كالنسبة الى الفاعل والمفعول ونائب الفاعل) و(منها خصوص الهيئات الموضوعة لخصوصيات) الإضافات بمزاياها الخاصة من تأكيد وحصر وغيرهما (كالاستقرار والقيام والجلوس وخصوص الإعراب)، (فإن جميع هذه الهيئات إنما وضعت) نوعياً (والمعنى أنه كما قلنا بأن وضع الهيئات الناشئة  عن إعراب المواد نوعي، فكذلك وضع هيئات المركبات. وعندما نقول: إن الوضعَ "وضعٌ نوعيٌّ" فإننا نريد به التلبس بأوضاع عديدة، كما أننا لو وضعنا هيئة "فاعل" لمعنى معين، فإن هذا المعنى يتلبس بأفراد عدّة، مثل العالِم والعادل والقائم ونحوها. أما هيئة المركب "كالجملة الفعلية مثلاً"، فإنها تشابه ما قلناه لعدم اختصاصها بموادٍ دون مواد، فهيئة الجملة الفعلية مثلاً – أمثال: قام زيدٌ، جلس عمرو، إنما وضعت لغرض تفهيم المستمع بوقوع الفعل)؛ (فلا حاجة – إذن – إلى وضع ثالث للمركبات) بداهة أن وضعها (أي المركبات) كذلك (أي بموادها وهيئاتها، فإن هذا الوضع) وافٍ بتمام المقصود منها (أي من المركبات) كما لا يخفى، من غير حاجة الى وضع آخر لها بجملتها (والمعنى أنه لا حاجة إلى وضع ثالث بعد أن وضعت المفردات شخصياً ونوعياً، ووضعت هيئة المركبات "من الجملة الاسمية أو الفعلية" نوعياً، لوفاء الوضعين بحكمة الوضع)، (ولكن لو افترضنا أن الوضع الثالث إنما وضع لفائدة ما، فلو كانت الفائدة غير مترتبة على وضع المفردات فهي مفقودة بالوجدان وإن كانت لفائدة مترتبة عليها فهي تحصيل الحاصل) مع استلزامه الدلالة على المعنى (مرتين): تارة بملاحظة وضع نفسها (أي المركبات. وتارة) أخرى بملاحظة وضع مفرداتها (أي مفردات المركبات. وهو ما يخالف وجدان الفرد، لأن السامع للمركب لا يفهم المعنى مرتين بل يفهمه مرة واحدة)، ولعل المراد من العبارات الموهمة لذلك (الوضع الثالث الذي قام النـزاع حوله) هو وضع الهيئات على حدة (الذي زعمه القوم، أي) غير وضع المواد (فيكون مراد القوم بيان الوضع الثاني) لا (أن يكون مرادهم) وضعها (أي وضع المركبات) بجملتها (أي بمجموع مواد الجمل وهيئاتها فيكون وضعاً ثالثاً) علاوة على وضع كل واحد منهما (أي كل واحد من المواد والهيئات).

 

(13)(الأمر) السابع (لما فرغ المصنف من بيان حقيقة الوضع وأقسامه، شرع في تفصيل أمارات الوضع ومثبتاته، وأمارات المجاز في حالة عدم العلم بالحال، فقال): لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ، وانسباقه إلى الذهن من نفسه (أي من نفس اللفظ) – وبلا قرينة (ولو كانـت شهرة ومقدمات الحكمة موجبة للإطلاق أو العموم) – علامة كونه (أي كون اللفظ) حقيقة فيه (أي في ذلك المعنى المنسبق)؛ بداهة أنه لولا وضعه (أي وضع اللفظ) له (أي للمعنى) لما تبادر (هذا المعنى منه، فالتبادر يكشف عن كون اللفظ موضوعاً للمعنى المتبادر، بل يعتبـر في أمارية التبادر على الحقيقة أن يكون ذلك التبادر مستنداً إلى ذات اللفظ لا إلى القرينة).

ولا يقال (وهذا توضيح على إشكال أمارية التبادر على الحقيقة): كيف يكون (التبادر) علامة (للحقيقة) مع توقفه (أي التبادر) على العلم بأنه (أي بأن المعنى المنسبق) موضوع له (أي موضوع للفظ. فلولا العلم بأن المعنى هو الموضوع له "أي الموضوع للفظ" لما تبادر من اللفظ) كما هو واضح (ومحصله أن التبادر موقوف على العلم بالوضع)، فلو كان العلم به موقوفاً عليه (أي على التبادر) لدار؟ (ومنشأ الدور أننا سنؤمن بأن التبادر موقوف على العلم بالوضع، والعلم بالوضع موقوف على التبادر ، فالنتيجة تكون أن التبادر موقوف على التبادر وهذا يستلزم الدور).

فإنه يقال: (وهذا هو الجواب عن إشكال الدور): (إن العلم) الموقوف عليه (التبادر) غير (العلم الذي كان التبادر موقوفاً عليه، وعندما يختلف الموقوف و) الموقوف عليه (فلا دور). (ومحصله: إن العلمين اللذين توقف أحدهما على التبادر وتوقف التبادر على الآخر مختلفان، فإن العلم بالوضع الذي يتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي به؛ والعلم بالوضع الذي يتوقف التبادر عليه هو العلم الإجمالي. فالعلمان يختلفان – إذن – بالإجمال والتفصيل)، فإن العلم التفصيلي – بكونه (أي بكون المعنى) موضوعاً له (أي موضوعاً للفظ) – موقوف على التبادر (بمعنى أن تحصيل العلم التفصيلي بكون المعنى موضوعاً للفظ متوقف على التبادر)، وهو (أي انسباق المعنى من الإحاقة باللفظ) موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي به (أي بكون المعنى موضوعاً له) لا التفصيلي (وبمعنى أوضح أن التبادر لا يتوقف على العلم التفصيلي حتى يتحد العلمان، بل يتوقف على العلم الإجمالي بكون المعنى موضوعاً له). (وإذا اختلف العلمان) فلا دور.

هذا إذا كان المراد به (أي المراد بالتبادر) التبادر عند المستعلِم (الذي يقصد التمييز بين الحقيقة والمجاز)، وأما إذا كان المراد به (أي بالتبادر) التبادر عند أهل المحاورة (وهم علماء اللغة الذين آمنوا بأن الوضع علامة للحقيقة)، فالتغاير (بين العلم المتوقف على التبادر وهو علم الجاهل، والعلم الذي كان التبادر متوقفاً عليه وهو علم أهل المحاورة) أوضح من أن يخفى.

ثم انّ هذا (الذي ذكر آنفاً من كون التبادر علامة للحقيقة) فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ (دون قرينة، وهذا التبادر يسمى بالتبادر الوضعي)، وأما فيما (لو) احتمل استناده إلى قرينة (أو شهرة) فلا (يكون هذا التبادر علامة للحقيقة. ولا) يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد إليه (أي استناد التبادر إلى اللفظ حتى يكون علامة للوضـع) لا إليهـا (أي لا إلى القرينة) – كما قيل[13]- (ومعناه : إن زعمت بأن أصل عدم القرينة مفيد لأن التبادر من حاق اللفظ، قلنا ان هذا لا يجدي لأن استصحاب عدم القرينة ليس صحيحاً فالمستصحب ليس بحكم، ولا موضوع ذي حكم، ولا يترتب عليه أثر شرعي حتى يشمله دليل الاستصحاب. وإن كان المراد بالأصل الارتكاز العقلائي وقت الشك في وجود القرينة، ففيه نظر) لعدم الدليل على اعتبارها (أي اعتبار أصالة عدم القرينة) إلاّ في (مقام) إحراز المراد (وهو عدم العلم بالمراد من اللفظ)، لا الاستناد (إلى ما يحوق باللفظ، أو بمعنى آخر العلم بالمراد من اللفظ لكن عدم تمييزه بين المعنى الحقيقي والمجازي).

ثم ان عدم صحة سلب اللفظ – بمعناه المعلوم (عند المستعلِم) المرتكز في الذهن إجمالاً (أي المعلوم إجمالاً) كذلك (أي كالإجمال المذكور في التبادر) – عن معنى (من المعاني) تكون علامة كونه (أي كون اللفظ حقيقة في المعنى الذي اُستعمل فيه) حقيقة فيه (فإذا لم يصح سلب الإنسانية عن الفرد المضطرب عقلياً كان ذلك علامة لكون الإنسانية متلبسة به، أي بالمضطرب عقلياً أيضاً) كما أن صحة سلب (أي صحة سلب اللفظ عن معنى علامة كون ذلك اللفظ مستعملاً فيه بالمجاز) عنه (أي عن المعنى إنما هي) علامة كونه (أي كون اللفظ) مجازاً (في ذلك المعنى) في الجملة (فإذا صح سلب الحيوانية عن المضطرب عقلياً كان ذلك علامة لكون الحيوانية مجازاً في ذلك الفرد المضطرب عقلياً. وقوله: "في الجملة" يعني أن اللفظ ربما يكون مجازاً بالنظر إلى حمل ، وحقيقة بالنظر إلى حمل آخر).

(وما ذكرناه كان مجملاً حول هذه المسألة) والتفصيل: ان عدم صحة السلب عنه (أي عن المعنى)، و(كذلك) صحة الحمل عليه (إنما يكون) بالحمل الأولي الذاتي (وهو) الذي كان ملاكه الاتحاد (ذاتاً و) مفهوماً، علامة كونه (أي كون المستعمل فيه) نفس المعنى (الحقيقي)، (وصحة الحمل عليه) بالحمل الشائع الصناعي، (وهو) الذي (كان) ملاكه الاتحاد (خارجاً و) وجوداً بنحو من أنحاء الاتحاد (مثل الاتحاد الجلوسي كـ "زيد جالس"، والاتحاد الصدوري كـ "زيد ضارب")، (فإن هذا الحمل) علامة كونه (أي كون المحمول عليه من مصاديق المحمول مثل "زيد إنسان") من مصاديقه (أي مصاديق المعنى) وأفراده الحقيقية[14].

(ولاشك أن الحمل بالحمل الأولي الذاتي علامة لكون المستعمل فيه نفس المعنى، وبالحمل الشائع الصناعي علامة لكون المستعمل فيه من مصاديقه) كما أنّ صحة سلبه (أي سلب اللفظ بما له من معنى مرتكز في الذهن عن المعنى المشكوك فيه الذي استعمل فيه اللفظ، كصحة سلب لفظ الأسد عن الرجل الشجاع، فنقول "الشجاع ليس بأسد". فهنا يتبين أن صحة السلب علامة من علامات المجاز، كما أن عدم صحته علامة من علامات الحقيقة) كذلك (بأي نحو من أنحاء الحمل، إن كان سلباً أولياً ذاتياً أو شائعاً صناعياً) علامة أنّه (أي المستعمل فيه) ليس منها (أي أن صحة سلب اللفظ عن معنى علامة أنه ليس من مصاديق المعنى الحقيقي ولا من نفسه، كالقول بـ"أن الإنسان ليس بحجر"، فإن صحة هذا السلب علامة على أن الموضوع ليس نفس معنى الحجر ولا من أفراده، وإلاّ لم يصحّ السلب وكان الحمل صحيحاً). وإن لم نقل (بمجرد هذا السلب) بأن إطلاقه (أي إطلاق هذا اللفظ) عليه (أي على هذا المعنى) من باب المجاز في الكلمة (كما قال علماء اللغة)، بل (برأي المصنّف أنه) من باب الحقيقة، وأن التصرف فيه (أي في هذا الإطلاق والحمل) في أمر عقلي (وهو مجرد زعم يقول: بأن هذا المعنى الذي لم يوضع اللفظ له هو من أفراد المعنى الحقيقي)، كما صار إليه السكاكي[15] (وتوضيح ذلك: أن المشهور آمن بأن صحة سلب لفظ الأسد عن الرجل الشجاع بالقول: "الرجل الشجاع ليس بأسد" ما هو إلاّ تعبيـر عن كون الرجل الشجاع – في هذه الحالة – معنى مجازي للأسد. أما المصنّف ومن قبله السكاكي فقد آمن بأن صحة سلب لفظ "الأسد" هو مجرد حقيقة ادعائية، لأن صحة السلب هي علامة على عدم كون المعنى المسلوب معنى حقيقياً، بالرغم من أن الاستعمال حقيقة كان بنحو الادعاء). و(قد يقال بأن) استعلام حال اللفظ وأنه حقيقة أو مجاز في هذا المعنى (الذي استعمل فيه) بهما (أي بصحة السلب وعدم صحة السلب) ليس على وجه دائر (أي ليس مستلزماً للدور. وبيان ذلك: إن المعنى الحقيقي يتوقف على عدم صحة السلب، وإن عدم صحة السلب تتوقف على معرفة المعنى الحقيقي وهذا يستلزم الدور وهو باطل. وهذا الإشكال كان قد ورد في التبادر) أيضاً. والجواب على هذا الإشكال: إنه ليس هناك دور، وذلك) لما عرفت في (جوابنا على إشكال الدور في) التبادر من التغاير بين الموقوف والموقوف عليه (فالعلم التفصيلي بكون المعنى موضوعاً له يتوقف على عدم صحة السلب، وعدم صحة السلب يتوقف على العلم الإجمالي الارتكازي، وبذلك يكون الفرق بين العلمين) بالإجمال والتفصيل، أو (في جواب آخر: إن العلم بالمعنى الحقيقي بالنسبة و)الإضافة إلى المستعلِم (الجاهل يتوقف على عدم صحة السلب) و (صحة الحمل عند) العالِم (باللغة) فتأمل جيداً.

ثم إنه قد ذكر الاطراد (كعلامة للحقيقة) وعدمه (كعلامة للمجاز، وبالإجمال فقد ذكر الاطراد وعدمه) علامة للحقيقة والمجاز أيضاً (أي كعلامة للتبادر وعدم صحة السلب)، ولعله (أي عدم الاطراد) بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات (أي كلما صحّ الاستعمال بتحقق النوع كان حقيقة)، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها (أي مع نوع العلاقات أو العلائق)، وإلاّ فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال (وهو شخص العلاقة) فالمجاز مطرد كالحقيقة (حيث ان الاطراد الحقيقي ينفي الاطراد المجازي بالنسبة إلى نوع كل علاقة لا شخصها)، وزيادة قيد (الاطراد) (من غير تأويل) أو (الاطراد) (على وجه الحقيقة)[16] (أي علامة الحقيقة)، وإن كان (هذا التقييد) موجباً لاختصاص الاطراد كذلك (أي الاطراد المقيّد بأحد القيدين) بالحقيقة (فليس للمجاز اطراد على وجه الحقيقة، بل إن اطراده على وجه التأويل والمجاز)، إلاّ أنه (أي الاطراد المقيد) – حينئذٍ (أي حين التقييد) – لا يكون علامة لها (أي للحقيقة) إلاّ على وجه دائر (ومراده: إن معرفة الحقيقة تتوقف على الاطراد على وجه الحقيقة أو بلا تأويل، وإن الاطراد على وجه الحقيقة أو بلا تأويل يتوقف على معرفة الحقيقة. ولاشك أن معرفة الحقيقة تتوقف على الاطراد لأن الاطراد علامة على الحقيقة، وأن الاطراد يتوقف على معرفة الحقيقة لأننا لا نعلم كون الاطراد على وجه الحقيقة إلاّ بعد معرفة الحقيقة، وهذا يستلزم الدور وهو باطل). ولا يتأتى التفصي عن الدور (أي التخلص منه) بما ذكر في التبادر (من الإجمال والتفصيل، ومن كون التبادر علامة عند العالم بالوضع) هنا (أي بالاطراد؛ لأن العلامة لابد وأن تكون معلومة للمستعلِم بالتفصيل حتى ينتقل منها إلى المعنى الحقيقي. والمفترض هنا أن تكون العلامة أحد جزئي الحقيقة، فلابد من معرفة الحقيقة بالتفصيل، وحينها لا تكون للعلامة أية فائدة) ضرورة أنه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره (أي مع العلم بكون الاستعمال واقع على نحو الحقيقة، فحينئذٍ يكون المعنى الحقيقي معلوماً، فلا يبقى مجهول يراد تحصيله عن طريق الاطراد أو غيره من العلامات).

(14)(الأمر) الثامن: إنه للفظ أحوال (طارئة) خمسة، وهي: التجوز (وهو استعمال اللفظ بخلاف الموضوع له لعلاقة طبعية أو وضعية كاستعمال "الرقبة" في الإنسان، و"الأسد" في الرجل الشجاع)، والأشتراك (وهو تعدد وضع اللفظ كلفظ "العين" المشترك بين عين الإنسان الباصرة وبين عين الذهب)، والتخصيص (وهو اقتصار حكم العام على بعض أفراده بإخراج بعض آخر، مثل: أكرم العلماء إلا الفسّاق)، والنقل (وهو غلبة استعمال اللفظ الموضوع لمعنى في معنى آخر بحيث يهجر المعنى الأول، كلفظ "الصلاة" التي كان معناها الدعاء ثم غلب استعمالها في الصلاة الشرعية فهجر معناها الأول)، والإضمار (وهو تقدير شيء يتوقف الكلام عليه مثل: دعاني إليها القلب...الخ فالمعنى مضمر وهو مخاطبة محبوبته)، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه (أي بين أحد هذه الأحوال المذكورة) وبين المعنى الحقيقي، إلاّ بقرينة صارفة عنه (أي عن المعنى الحقيقي) إليه (أي إلى أحد الأحوال الخمسة، فلو تردد المكلّف عند سماعه "صلّ" بين كونه المعنى الحقيقي "أي الوجوب" أو المجازي "أي الاستحباب" فإن ذلك يحمل على الوجوب لاحتياج الاستحباب إلى القرينة. والوجه في تعين الحمل على المعنى الحقيقي في صورة عدم القرينة هو أصالة الحقيقة التي لا نستطيع ان نعدل عنها إلاّ بها)، وأمّا إذا دار الأمر بينها (أي بين الأحوال الخمسة ذاتها، لا بينها وبين المعنى الحقيقي. ومثال ذلك: لو دار الأمر في قوله تعالى: "واسأل القرية" بين تقدير كلمة "أهل" المضافة وبين المجازية) فالأصوليون وإن ذكروا لترجيح بعضها (أي بعض تلك الأحوال) على بعض وجوهاً (كترجيح المجاز على الاشتراك لأغراض بلاغية)، إلاّ أنها استحسانية لا اعتبار بها (لأنها تفيد الظن، والظن ليس بحجة شرعية أو عقلية)، إلاّ إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى (الراجح، بحيث يكون ظاهراً عرفاً وإلاّ فلا) لعدم مساعدة دليل على اعتبارها (أي اعتبار تلك الوجوه) بدون ذلك (مما ذكر من إيجادها الظهور) كما لا يخفى.

 

(15) (الأمر) التاسع: انه (قد) اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال (ستة، وهي: الإثبات مطلقاً، والنفي مطلقاً، والتفصيل بين العبادات والمعاملات بالثبوت في الأولى والنفي في الثانية، والتفصيل بين الألفاظ الكثيرة التداول كالصلاة والصوم ونحوها، والتفصيل بين عصر النبي (ص) وبين عصر الصادقين (ع)، والتفصيل بين الألفاظ الكثيرة التداول في زمن المعصوم (ع) وبين غيرها)، وقبل الخوض في تحقيق الحال (وبيان جميع الآراء) لا بأس بتمهيد مقال (كمقدمة)، وهو: أن الوضع التعييني (وهو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه)، كما يحصل بالتصريح بإنشائه (كأن يتم الإعلان مباشرة للملأ بوضع اللفظ لذلك المعنى) كذلك يحصل (الوضع التعييني) باستعمال اللفظ في غير ما وضع له (كأن يقول الأب عندما يسمع بولادة ابن له: اعطني علياً، ويقصد بهذا الاستعمال وضع لفظ "علي" لابنه)، كما إذا وضع له، بأن يقصد (الواضع) الحكاية عنه (أي عن الوضع) والدلالة عليه بنفسه (أي بنفس هذا الاستعمال) لا بالقرينة، وإن كان لابد حينئذٍ (أي حين قصد إنشاء الوضع بنفس الاستعمال) من نصب قرينة، (وإن قال قائل: إذا كان هذا الاستعمال بحاجة إلى قرينة، فما هو الفرق بينه وبين المجاز؟ قلنا: بان الواضع وإن كان لابد له من نصب القرينة) إلاّ أنه (أي أن نصب القرينة إنما هي) للدلالة على ذلك (القصد، وأنه أراد قصد الوضع بهذا الاستعمال) لا (أن القرينة) على إرادة المعنى كما في المجاز (فإن القرينة فيه تستند على إرادة المعنى المجازي، لأن اللفظ لا يدلّ عليه إلا مع قرينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي)، فافهم.

(ولكن هنا يبرز إشكال على إنشاء الوضع بهذا النحو، فهذا الاستعمال ليس بحقيقة لعدم سبقه بالوضع ولا مجاز لعدم وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي) و(إن قلتَ) كون استعمال اللفظ فيه (أي في المعنى المراد) كذلك (أي بقصد الوضع) في غير ما وضع له (اللفظ أولاً) بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز (من القرينة والعلاقة)، فلا يكون بحقيقة ولا مجاز (فهذا باطل، لأن الاستعمال لابد وأن يكون مسبوقاً بالوضع، وفي تلك الحالة فإمّا أن يستعمل اللفظ في المعنى الموضوع له فيكون حقيقة، وإما أن لا يستعمل في المعنى الموضوع له فيكون مجازاً). (قلت: إن الاستعمال كذلك) غير ضائر  بعد ما كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره (فما ذكر في وجوه البطلان غير صحيح)، وقد عرفت سابقاً (في الأمر الرابع) من ان العبرة في صحة الاستعمال هو استسحان الطبع له فلا وجه لحصر الاستعمال في الحقيقي والمجازي) انه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات (الجارية عرفاً) ما ليس بحقيقة ولا مجاز (كاستعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله).

إذا عرفت هذا (مما ذكر في التمهيد في الأقسام الثلاثة للوضع وإمكانية تحقق القسم الثالث وهو التعييني الاستعمالي) فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا (أي بنحو الوضع التعييني الاستعمالي عن طريق نصب القرينة على الوضع، كما لو قال: "خذوا عني مناسككم" ثم فعل صلى الله عليه وآله تلك العبادات الموضوعة في الحج) قريبة جداً (وإن لم يقم عليها دليل)، ومدعي القطع به (أي بهذا النحو من الوضع التعييني) غير مجازف قطعاً، ويدلّ عليه (أي على هذا النحو من الوضع التعييني) تبادر المعاني الشرعية (المجعولة) منها (أي من هذه الألفاظ) في محاوراته (عليه الصلاة والسلام). (وملخصه: أنّ انسباق المعاني الشرعية من تلك الألفاظ علامة الحقيقة، فقد كان أصحابه (ع) يعملون على تطبيق أوامره بتلك الألفاظ).

ويؤيد ذلك (الوضع التعييني المتحقق بالاستعمال) انه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية (المخترعة) واللغوية (ووجه التأييد هو أن استعمال الشارع لتلك الألفاظ في المعاني الشرعية لو كان على نحو المجازية للزم أن يكون ذلك مع العلاقة بينها وبين معانيها اللغوية، وهذه العلاقة غير موجودة. ولذلك لابد أن يكون المعنى حقيقياً)، فأيّ علاقة بين الصلاة شرعاً والصلاة بمعنى الدعاء (الذي هو معنى الصلاة لغة)؟ (وإن زعمتَ بأن العلاقة موجودة، لأن الدعاء جزء الصلاة المخترعة من قبل الشارع، وأن العلاقة هي علاقة الكل والجزء، فاستعمال الصلاة في المركب من الدعاء وغيره من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، فيجاب عليك بأن) مجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبـر من علاقة الجزء والكل بينهما (أي بين المعنيين اللغوي والشرعي للصلاة) كما لا يخفى (حيث إن شرط هذه العلاقة كون المركب حقيقياً، وكون الجزء ركناً أي ينتفي بانتفاء الكل مثل قولنا "رقبة". ولكن الدعاء في الصلاة ليس بهذا الشكل لأنه ليس جزءً رئيسياً للصلاة. ولابد من الالتفات إلى أن ما ذكر هنا هو مجرد مؤيد وليس دليلاً لصحة قول المصنف، لأن في استحسان الطبع في صحة الاستعمال ما يكفي للجواب).

هذا كله (مما ذكر من كون الألفاظ موضوعة بالوضع التعييني الاستعمالي) بناءً على كون معانيها مستحدثة في شرعنا. وأما بناءً على كونها ثابتة في الشرائع السابقة – كما هو قضية غير واحدة من الآيات، مثل قوله تعالى: (...كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكم...)[17]، وقوله تعالى: (وأذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ...)[18]، وقوله تعالى: (...وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دُمتُ حيّاً)[19] ... إلى غير ذلك – فألفاظها (أي ألفاظ العبادات) حقائق لغوية لا (مستحدثات) شرعية (لعدم اختراع الشارع لتلك المعاني، بل أستعملها في المعاني التي كانت مستعملة في الشرائع السابقة. ومراده: ان ظواهر معاني تلك الآيات الشريفة بخصوص ألفاظ العبادات في شرعية الصوم والحج والصلاة يدلّ على أنها كانت مستعملة في الشرائع السالفة، فليست هذه المعاني مما اخترعها الشارع حتى يقال: إن استعماله لها هل كان على نحو الحقيقة أو على نحو المجاز؟)، واختلاف الشرائع فيها جزءً وشرطاً لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية (وهنا يشير إلى توهم وهو أنه كيف يمكن أن تكون معاني ألفاظ العبادات متحدة بين الشرائع السابقة وشريعتنا، مع أن هناك اختلافاً كبيراً في الأجزاء والشرائط؟ ولاشك أن هذا الاختلاف يكشف عن اختلاف معاني ألفاظ العبادات بين شريعتنا والشرائع السابقة، وهذا هو أصل النـزاع في ثبوت الحقيقة الشرعية). (ولكن المصنّف يجيب على ذلك بالقول) إذ لعلّه (أي لعل الاختلاف بين الشرائع) كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها (أي كاختلاف المصاديق) بحسب الحالات في شرعنا (التي لا توجب اختلاف الحقيقة والماهية) كما لا يخفى (ودفع التوهم هو أن هذا الاختلاف لا يكشف عن التغاير المذكور، فيمكن أن يكون هذا الاختلاف بحسب المصداق لا الماهية؛ كما لو فرضنا أن "الصلاة" لغة هو ما يوجب القرب إلى المولى عز وجل، فاختلاف المصاديق لا يوجب اختلاف المعاني).

ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال (الذي ذكره الباقلاني، وهو احتمال كون المعاني لغوية، وأن الاختلاف هو في المصاديق) لا مجال لدعوى الوثوق فضلاً عن القطع بكونها (أي بكون ألفاظ العبادات) حقائق شرعية و(كذا) لا (مجال بعد هذا الاحتمال) لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها (أي الأصوليون)[20] على ثبوتها (أي ثبوت الحقائق الشرعية) لو سلم دلالتها (أي دلالة تلك الوجوه على ثبوت الحقيقة الشرعية، وهي إشارة الى كون دلالتها في ذاتها مخدوشة) على الثبوت لولاه (أي لولا هذا الاحتمال. ومراده: إن تلك الوجوه لو افترضنا دلالتها على ثبوت الحقيقة الشرعية، فلا يمكن الاستدلال بها لأجل هذا الاحتمال).

ومنه (أي ومن هذا الاحتمال) قد انقدح حال دعوى الوضع التعيني معه (أي مع هذا الاحتمال. فلا يبقى عندئذٍ كيفية نثق بها ونطمئن بالوضع التعييني)، ومع الغضّ عنه (أي عن هذا الاحتمال) فالإنصاف أن منع حصوله (أي منع حصول الوضع التعيني) في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة (أي أن كثرة استعمال ألفاظ العبادات في المعاني الشرعية توجب الوضع التعيني في زمن الشارع، وأن إنكاره مكابرة). نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع (أي أن الوضع التعيني في خصوص لسانه صلى الله عليه وآله لم يثبت وإن ثبت في لسان غيره من التابعين)، فتأمل (أي أن لا يكون هذا موجباً لإيماننا بثبوت الحقيقة المتشرعية دون الحقيقة الشرعية).

وأما الثمرة بين القولين (أي بين القول بثبوت الحقيقة الشرعية والقول بعدمه) فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت (للحقيقة الشرعية)، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت فيما إذا علم تأخّر الاستعمال (أي تأخر الاستعمال عن النقل الى المعاني الشرعية. ومراده: إنه على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فإنه يلزم حمل الألفاظ الصادرة عن الشارع والمجردة عن القرائن على معانيها اللغوية. وعلى القول بثبوتها فإن عُلم تأخر الاستعمال عن زمان الوضع – تعيينياً كان أو تعينياً – فإنه يلزم حملها على المعاني الشرعية)، وفيما إذا جهل التأريخ (أي تأريخ الاستعمال، هل كان قبل النقل إلى المعاني الشرعية لتحمل على المعاني اللغوية أو بعده لتحمل على المعاني الشرعية) ففيه (أي في حمل اللفظ الواقع في كلام الشارع على المعنى الشرعي أو اللغوي) إشكال (من شقين، الأول: أصالة تأخر الوضع وعدم النقل إلى زمان استعمالها، فتحمل على المعاني اللغوية. والثاني: أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع فتحمل على المعاني الشرعية)، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع (غير مفيدة و) لا دليل على اعتبارها تعبداً (فيما لو كان الأثر مترتباً) إلاّ على القول بالأصل المثبت (ولم نقل به كما مرّ)، و(أما أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع عقلاً فإنه) لم يثبت بناءٌ من العقلاء على التأخر مع الشك (ومراده: عدم جواز حمل الحقيقة الشرعية على المعاني الشرعية اعتماداً على أصالة تأخر الاستعمال، لوجهين، الأول: إنها تعارض أصالة تأخر الوضع الموجبة لحمل الألفاظ على المعاني اللغوية. والثاني: إننا حتى لو لم نأخذ بالوجه الأول، فإنه لا دليل على اعتبار أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع في ذاتها أصلاً؛ إذ لو أُريد بها الاستصحاب الشرعي، وذلك بأن يستصحب عدم الاستعمال الى زمان الوضع، فإنه يُشكل عليه بأنه سيكون مثبتاً، وقد تقرر في محله عدم حجية الأصل المثبت. ولو أُريد بها الأصل العقلائي، فانه يعتمد على إثبات ذلك البناء عنهم. والنتيجة: إنه لا يمكن حمل تلك الألفاظ الواقعة في كلام الشارع على المعاني الشرعية مع الشك في تقدم استعمالها على نقلها عن المعاني اللغوية إلى الشرعية وتأخره عنه)، و(أما) أصالة عدم النقل (وهي المثبتة للمعنى اللغوي فلا محل لها هنا) إنما كانت معتبرة في ما إذا شك في أصل النقل لا في تأخره (عن الاستعمال. ومراده: إن احتمال حمل الألفاظ على معانيها اللغوية اعتماداً على أصالة عدم النقل مع الشك في تقدم استعمال الشارع لها على الوضع وتأخره عنه احتمال ضعيف؛ لأن أصالة عدم النقل لا تأخذ إلا في أصل النقل كما إذا شك في نقل لفظ من معناه إلى معنى آخر، أما إذا علم بالنقل وشكّ في تأريخه، فالمفترض في المقام الجهل بتأريخ النقل لا بأصله). فتأمل (ولعله يريد بأنه لا ثمرة لهذا البحث، لأننا لم نلحظ ألفاظاً يشكّ في تقدمها وتأخرها عن الوضع على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله). 

(نهاية ص 148)       

 

السابق            صفحة التحميل            الصفحة الرئيسية

 


 

[1]  الفصول ص 16 باب الوضع.

[2]  المحقق الشريف في تعليقته على المطوّل ص 374.

[3]  صاحب المعالم في معالمه ص 124 ، وصاحب القوانين في قوانينه ج 1 ص 10 و 289.

[4]  الفصول ص 16.

[5]  الفصول ص 16.

[6]  (هداية المسترشدين) للشيخ محمد تقي الأصفهاني أخو صاحب الفصول ص 30.

[7]  ابن هشام في شرح (شذور الذهب) ص 14.

[8]  صاحب الفصول ، راجع الفصول ص 16. وكذلك التفتازاني والسيد مير شريف في حاشيته على (المطوّل) في مبحث الاستعارة.         

[9]  القول الأول: ذهب إليه صاحب القوانين في (قوانين الأصول) ج 1 ص 64. والقول الثاني: ذهب إليه صاحب الفصول في (الفصول الغروية) ص 25.

[10]  الفصول الغروية ص 22 ، عند قوله : فصلٌ قد يطلق اللفظ ....الخ.

[11]  كتاب الشفاء ، قسم المنطق في المقالة الأولى من الفن الأول . الفصل الثامن ص 42. عند قوله: (وذلك لأن معنى دلالة اللفظ هو أن يكون اللفظ اسماً لذلك المعنى على سبيل القصد الأول). وكذلك لاحظ (شرح الإشارات) للمحقق الطوسي ج 1 ص 32.

[12]  صاحب الفصول . (الفصول الغروية). السطر الأخير في ص 17.

[13]  قوانين الأصول للمحقق القمي ص 13.

[14]  وأضاف المصنّف في التعليقة على هذا الحمل قائلاً: (فيما إذا كان المحمول والمحمول عليه كلياً وفردا ً ، لا فيما إذا كانا كليين متساويين ، أو غيرهما ، كما لا يخفى).

[15]  (مفتاح العلوم) – ابو يعقوب يوسف السكاكي (ت 626هـ) ، ص 156 ، الفصل الثالث في الاستعارة.

[16]  هذه الزيادات من صاحب الفصول – راجع الفصول ص 38 ، فصل (في علامة الحقيقة والمجاز).

[17]  سورة البقرة: الآية 183.

[18]  سورة الحج : الآية 27.

[19]  سورة مريم: الآية 31.

[20]  هداية المسترشدين ص 97- 98 ، والمعالم ص 35- 36 ، والفصول ص 43- 44.