|
(ص 77 - 94) الباب الثاني شَرْحٌ مَزْجِيٌّ لِلكفايةِ ------------------------------------بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. وبعد، فقد رتبته (أي الكتاب) على مقدمة (في بيان موضوع العلم، وغايته، وتعريفه، وأمور أخرى؛ وهي كلها خارجة عن مسائل علم الأصول لعدم انضباط المسألة الأصولية عليها)، ومقاصد (وهي ثمانية: الأوامر والنواهي، والمفاهيم، والعموم ولواحقه، والمطلق ولواحقه، والقطع، والظن، والبراءة ولواحقها، والتعادل والترجيح)، وخاتمة ( في الإجتهاد والتقليد). أما المقدمة ففي بيان أمور (وهي ثلاثة عشر: موضوع العلم، والوضع، وهل أن الاستعمال المجازي يتم بالطبع أو بالوضع؟، وإرادة اللفظ من اللفظ، وكون إرادة الألفاظ لا تتبع الإرادة، وهل هناك وضعٌ للمركب أو لا؟، وعلامة الحقيقة والمجاز، وتعارض الأحوال، والحقيقة الشرعية، والصحيح والأعم، والمشترك، وجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، والمشتق).
(1)(الأمر) الأول: إن موضوع كل علم (الذي هو نفس موضوعات مسائله) وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية (ومراده: أن موضوع كل علم إنما يبحث عن الأشياء التي توصف بخصائص أو تعريفات ثابتة، فقانون الأعراض (الذاتية) يدعونا الى التمسك بضرورة بقاء الشيء على ما هو عليه في السياق الواحد) أي بلا واسطة في العروض (بمعنى أن موضوع ذلك العلم لا يبحث عن العرض الذي يتناول الواسطة ويحمل عليها. فالموضوع في كل علم لا يكون مقيداً بشرط شيء، بل) هو نفس موضوعات مسائله عيناً (وهو رد على اعتراض يزعم بأن موضوع العلم يكون مغايراً لموضوع المسألة، ونتيجة ذلك الاعتراض تعلن بأن محمولات المسائل لا تكون أعراضاً ذاتية لموضوع العلم)، وما (أي الذي) يتحد معها (أي موضوعات المسائل) خارجاً (أي في الواقع الخارجي) وإن كان (الفرق بين موضوع العلم وموضوعات مسائله هو أن موضوع العلم) يغايرها مفهوماً تغاير الكلي ومصاديقه (كمغايرة مفهوم الإنسان لمفهوم أفراده كزيد وعمرو) والطبيعي وأفراده (أي الكلي الطبيعي وأفراده وليس الكلي العقلي ، كمغايرة مفهوم النبات النامي (الكلي) لمفهوم أفراده كالنخلة والشجرة المثمرة ونحوها).
(2) والمسائل (وهي الجزء الثاني من أجزاء العلم) عبارة عن جملة من قضايا متشتتة (متفرقة موضوعاً أو محمولاً) جمعها أشتراكها في الدخل (أي دخولها) في الغرض (الهدف الواحد) الذي لأجله دوّن هذا العلم (بمعنى أن تدوين المسائل المختلفة موضوعاً ومحمولاً من أجل أن تكون علماً واحداً كان سببه وحدة الغرض لا وحدة الموضوعات أو المحمولات)؛ فلذا قد يتداخل بعض العلوم (كعلمي اللغة العربية والأصول) في بعض المسائل (كمسألة أن الأمر يدلّ على الوجوب) مما كان له دخل في مهمِّين (أي غرضين مهمِّين)، لأجل كل منهما (أي لأجل كلٍّ من الغرضين وهو العلم باللغة العربية أولاً، والاستنباط ثانياً) دوّن علم على حدة، فيصيـر (أو فتصيـر هذه المسألة) من مسائل العلمين (فيمكن أن نجعل مسألةً ما من مسائل علمين، بشرط أن يكون الجامع – لا الموضوع – هو الغرض والهدف). لا يقال (وهذا إشكال جديد): على هذا (أي كون بعض المسائل مما له دخل في غرضين مهمين بحيث دوّن لكل منهما علمٌ على حدة. فـ) يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما (بحيث يكون العلمان المفترضان اللذان كتب فيهما كتابان مستقلان مثلاً علماً واحداً) ، فيما (إذا) كان هناك (غرضان) مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا، (بحيث) لا يكاد إنفكاكهما (وملخص الإشكال: إنه إذا كان مصحح جعل المسألة من علمين هو ترتب غرضين عليه، لاستلزم صحة جعل جملة من المسائل مندرجة في علمين. ولاشك أن هذا الإشكال يوجب استحالة كون الغرض وسيلة من وسائل التمييز بين العلوم، لأن الغرض – بزعم صاحب الإشكال- لا يمكن أن يميز العلمين المتداخلين في جميع المسائل). فإنه يقال (في جواب ذلك الإشكال): (إن السبب في جمع المسائل المختلفة تحت غطاء علم واحد هو تحسين العقلاء، فلو كان الغرضان متلازمين، لاستهجن العقلاء تدوين علمين، بل كانوا قد دونوا علماً واحداً لتلك الأغراض المتلازمة. وتوضيح ذلك أنه: أولاً) مضافاً إلى بُعد ذلك (أي تلازم غرضين لتدوين علمين) بل امتناعه عادة، (ثانياً) لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين (متحدين في جميع مسائلهما) وتسميتهما باسمين، بل (اللازم) تدوين علم واحد (أي تدوين المسائل مرة واحدة وجعلها علماً واحداً) يبحثُ فيه تارة لكلا (الغرضين) المهمّين و(تارة) أخرى (يبحث العلم) لأحدهما (أي لأحد الغرضين المهمين. ومعناه أن تدوين علمين متشابهين بحيث إن جميع مسائلهما متداخلة أمر لا يستسيغه العقلاء)، وهذا (القسم، وهو التلازم) بخلاف (الأقسام الثلاثة الأولى – التباين، والعموم المطلق، والعموم من وجه - إذ لو كان بين الغرضين تباين فلاشك في ضرورة تدوين علمين، إذ المفترض عدم ترتبهما أصلاً، وكذا لو اشتركا في) التداخل في بعض المسائل (من الطرفين وهو العموم من وجه، أو من طرف واحد وهو العموم المطلق)، فإنّ حُسن تدوين علمين – (فيما إذا) كانا (العلمان) مشتركين في مسألة أو أزيد – في جملة مسائلهما المختلفة (سواءً كان بينهما عموم مطلق أو من وجه) لأجل (غرضين) مهمين مما لا يخفى.
(3) وقد انقدح (اتضح) بما ذكرنا، أن تمايز العلوم إنما هو بإختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات (فقد كان المشهور أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الموضوعات، وهو غير صحيح؛ لأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات يعني أننا نحتاج إلى تدوين علوم متعددة بتعدد موضوعات العلوم، فإن الموضوع في باب المبتدأ مثلاً غير الموضوع في باب المفعول "في علم النحو"، فلو كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات لزم أن يكون باب المبتدأ علماً، وباب المفعول علماً آخر) ولا المحمولات (مثلاً في علم النحو نقول: "الفاعل مرفوع"، و"الفاعل مضمر"، و"الفاعل ظاهر" فإن المحمولات في هذه القضايا – وهي الرفع والإضمار والظهور- مختلفة. فإذا كان تمايز العلوم بتمايز المحمولات اقتضى أن تكون هذه المسائل علوماً متعددة، وهو غير صحيح أيضاً)، وإلاّ (فإن كانت الموضوعات هي التي تميـّز العلوم) كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم علماً على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل. فلا يكون الإختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد (أي لتعدد العلم)، كما لا تكون وحدتهما (أي وحدة الموضوع والمحمول) سبباً لأن يكون (العلمان المختلفان من حيث الغرض المتحدان موضوعاً أو محمولاً) من (العلم) الواحد (الكاشف عن وحدة الغرض).
(4) ثم إنه ربما لا يكون لموضوع العلم – وهو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل – عنوان خاص واسم مخصوص، فيصحّ (عند جهل اسم الموضوع) أن يعبـّر عنه بكل ما دلّ عليه (كالقول بأن موضوع العلم الفلاني هو الجامع لموضوعات مسائله، فلا يضر الجهل باسم الموضوع)، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلاً (وتوضيح ذلك أن الغرض من العلم يترتب على موضوع ذاك العلم ذاته، لا على اسمه ولا عنوانه، فعدم العلم باسم العلم لا يقدح في موضوعيته القائمة بذاته). وقد انقدح (اتضح) بذلك أن موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة (المتفرقة)، (ووجه الانقداح أن معرفة الكلي تستلزم معرفة جزئياته، فمعرفة موضوع مطلق العلم تستلزم معرفة علوم جديدة مثل علم المنطق، والأصول، والنحو ونحوها) لا خصوص الأدلة الأربعة (وهي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل) بما هي أدلّة (أي بوصف دليليتها موضوعاً، كما هو المشهور بين الأصوليين)، بل ولا بما هي هي (أي لا بوصف الدليلية بل بذواتها من دون النظر إلى كونها أدلّة، وهو ما صرح به صاحب الفصول)[1]، ضرورة أن البحث في غيـر واحدة من مسائله المهمة (أي مسائل علم الأصول) ليس من عوارضها (أي ليس من عوارض الأدلة الأربعة). (وتفصيل ذلك: إننا لو جعلنا موضوع علم الأصول خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة، خرج البحث عن مباحث الألفاظ – كالأوامر والنواهي والعموم – عن موضوع علم الأصول، لأن البحث في هذه المباحث ليس بحثاً عن الأعراض الذاتية للأدلّة الأربعة. بمعنى آخر أن البحث في الأصول لا يشمل خصوص الأمر الوارد في القرآن الكريم مثلاً، لأن القرآن المجيد لا يفسر معنى (إن الأمر يدلُّ على الوجوب)، ولو جعلنا موضوع علم الأصول خصوص الأدلّة الأربعة بذواتها، لخرجت مباحث الألفاظ، ودخلت مباحث التفسير والتجويد وعلم الحديث، لأنها تبحث عن أحوال الكتاب والسنّة). وهو واضح (لخروج مسألة خبـر الواحد وأكثر مباحث التعادل عن علم الأصول) لو كان المراد بالسنّة منها (أي من الأدلّة الأربعة) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها لوضوح عدم البحث في كثيـر من مباحثها المهمة – كعمدة مباحث التعادل والترجيح (فإن تلك المباحث لا تلحق السنّة كما لا تلحق الكتاب والإجماع والعقل)، بل و(تخرج أيضاً) مسألة حجية خبـر الواحد (عن الأصول، لأنه) – لا (يكون بحثاً) عنها (أي عن السنّة، لأن الخبـر لا يمكن أن يكون عين السنّة ومتحداً معها، بل هو حاكٍ عنها) ولا عن سائر الأدلّة (فبعض مباحث التعادل والترجيح تبحث عوارض الكتاب والسنّة ولا تبحث عوارض الإجماع والعقل). ورجوعُ البحثِ فيهما (أي أن رجوع البحث في عمدة مباحث التعادل والترجيح، ومسألة حجية الخبـر يجب أن يكون في كيفية خاصة حتى يكونا من مباحث علم الأصول) في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنّة بخبـر الواحد في مسألة حجية الخبـر كما افيد (والمفيد هو الشيخ الأنصاري "ت 1281 هـ" [2])؛ (وهذا طريق دخول حجية الخبـر في مباحث الأصول). و(أما طريق دخول مسألة التعادل والترجيح فلأن مرجع الكلام إلى البحث عن ثبوت السنّة) بأي الخبـرين في باب التعارض (والمراد هنا أن دليلية الأدلّة الأربعة تقودنا إلى البحث عن حجية الخبـر الواحد وأحد الخبـرين المتعارضين، وهذا بدوره يقودنا إلى البحث عن عوارض السنّة، لأنه في الحقيقة بحث عن ثبوت السنّة الواقعية بهما، كثبوتها بالخبـر المتواتر والخبـر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية. فتندرج مسألتا "حجية الخبـر الواحد" و"حجية أحد الخبـرين المتعارضين" في المسائل الأصولية، ولا تكونا – حينئذٍ – من المبادئ التصديقية)، (وتغيير البحث بهذه الكيفية لا يضر بعنوان البحث) فإنه أيضاً بحث في الحقيقة عن حجية الخبـر (فالعبارة مختلفة والمطلب واحد إذ كلا العنوانين بحث عن حجية الخبـر) في هذا الحال (الذي تعارض فيه الخبـران؛ ومعناه عدم الفرق في حجية الخبـر بين حالتي التعارض وعدمه، لأن البحث في كلتا الصورتين إنما هو بحثٌ عن حجية الخبـر). (وبهذا التبويب يدخل بحث حجية الخبـر وبحث التعادل والترجيح في الأصول)، (ولكننا نقول بأن إرجاع المبحثين إلى الصورة التي ذكرتموها) غيرُ مفيدٍ (في دفع الإشكال. و"غير مفيد" خبـر للمبتدأ في بداية هذه الفقرة: ورجوعُ البحث فيهما ....الخ. ومفاده أن البحث عن العوارض لابد أن يكون بحثاً وصفياً عن مفاد "كان" الناقصة، أما البحث عن وجود الموضوع فهو بحث مفاد "كان" التامة)؛ فإن البحث عن ثبوت الموضوع (أي السنّة) و(البحث عن) ما هو مفاد "كان" التامة ليس بحثاً عن عوارضه (الذاتية حتى يكون من المسائل بل هو من المبادئ التصديقية)، فإنها (أي عوارض الموضوع إنما تكون من المباحث إذا كانت من) مفادُ "كان" الناقصة (وهذا تعليل لعدم كون البحث عن ثبوت الموضوع بحثاً عن عوارضه. فالنتيجة أن تغييـر البحث إلى ما لاحظناه بالكيفيتين الجديدتين إنما يخرج المسألتين عن كونهما أجنبيتين ويجعلهما من المبادئ التصديقية). لا يقال (وهذا هو تفسير الإشكال): هذا (الذي ذكرتموه من كون المسألتين من المبادئ التصديقية غير صحيح لأننا لم نكن نتكلم) في الثبوت الواقعي (إذ هو معلوم الوجود. ومراد المصنّف أن البحث بخصوص ثبوت السنّة بالخبـر يكمن في أن البحث الخاص حول وجود الموضوع هو خارج عن العوارض وداخل في المبادئ. فإذا أريد به الثبوت التكويني أو الواقعي للسنّة فهذا خارج عن عوارض الموضوع، لأننا لسنا هنا في مقام تعليل وجود السنّة أو عدم وجودها). وأما الثبوت التعبدي (الجعلي الذي هو عبارة عن ترتيب الآثار الشرعية على الخبر) – كما هو المهم في هذه المباحث (أي مباحث حجية الخبـر الواحد وأحد الخبـرين المتعارضين) – فهو في الحقيقة يكون مفاد "كان" الناقصة (ومعناه: إذا اريد به الثبوت التعبدي – وهو حكم الشارع بالحجية والعمل بالخبـر تعبداً – فإنه يندرج في عوارض علم الأصول لكونه مشابهاً لمفاد "كان" الناقصة ، ويخرج عن المبادئ فيكون ثبوت السنّة تعبداً بالخبر داخلاً في عوارض علم الأصول). فإنه يقال (وهذا جواب الإشكال): نعم (هذا بحث عن مفاد "كان" الناقصة)، لكنّه مما لا يعرض السنّة (حتى يكون من المسائل)، بل (يعرض) الخبـر الحاكي لها (أي للسنّة، فتكون المسألتان خارجتين عن علم الأصول)، فإنّ الثبوتَ التعبديّ (من قبل الشارع معناه جعل الحجية والطريقية للخبر، إنما) يرجعُ إلى وجوب العمل على طبق الخبـر، (فالخبـر يكون) كالسنّة المحكيّة به، وهذا (وجوب العمل المجعول للخبـر الواحد) من عوارضه (أي من عوارض الخبر) لا (ربط له بالسنّة وليس من) عوارضها كما لا يخفى (ومراده: أن الثبوت التعبدي من العوارض، إلا أنه من عوارض الخبر الحاكي للسنّة لا من عوارض السنّة المحكيّة به، وبمعنى أدقّ إن الثبوت التعبدي من عوارض السنّة لا من عوارض الخبر). وبالجملة (فالخلاصة في جوابنا على الشيخ الأنصاري): (أن) الثبوت الواقعي ليس من العوارض (الذاتية للسنّة لكونه مفاد "كان" التامة فتكون المسألة من المبادئ التصديقية)، و(الثبوت) التعبّديُّ (فهو) وإن كان منها (أي من العوارض الذاتية) إلاّ أنه ليس (يعرض) للسنّة (حتى يكون من المسائل)، بل (يعرض) للخبـر (الحاكي فلا يكون من المسائل ولا من المبادئ)، فتأمل جيداً (بمعنى أن الإشكال لا ينحلّ أو يندفع بإرادة الثبوت التعبدي، فيجب أن لا يختلط على الطالب بأن الخبـر كالسنّة ومحموله كمحمولها، لأن ذلك الخلط يؤدي إلى اشتباه كون هذا البحث من مسائل علم الأصول). وأما إذا كان المرادُ من السنّة ما يعمُّ (قول المعصوم وفعله وتقريره) حكايتها (أي الخبر الواحد)، (هنا اتخذ المصنّف طريقاً آخر مخالفاً لقوله سابقاً: "وهو واضح لو كان المرادُ بالسنّة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره..."، وذكر إشكالاً آخر وهو انه لو أُريد بالسنّة معنى عام يشمل كلاً من الحاكي والمحكي)، فلأن البحث في تلك المباحث (التعادل والترجيح وخبر الواحد) وإن كان عن أحوال السنّة بهذا المعنى (فيرتفع إشكال خروج المسألتين)، إلاّ أنّ (أكثر المسائل تبقى خارجاً عن علم الأصول أيضاً، لأن) البحث في غير واحدٍ من مسائلها – كمباحث الألفاظ وجملة من غيرها (كمباحث الأدلّة العقلية) – لا يخص الأدلّة (الأربعة، فإن البحث عن الأوامر والنواهي والإجتهاد والتقليد لا يخصّ الأدلّة الأربعة)، بل يعمّ غيرها وإن كان المهمّ معرفة أحوال خصوصها (أي خصوص الأدلّة الأربعة حتى تكون أعراضاً ذاتية. وهذا هو جواب الإشكال المتقدم) كما لا يخفى (ومراده: إنه إن أُريد بالسنّة معنى عاماً يشمل كلاً من الحاكي والمحكي، فتصدق السنّة بهذا المعنى على الخبـر لعدم خروج حجية خبر الواحد وأحد الخبرين المتعارضين. لكن يبقى إشكال آخر وهو الأعمية بالنسبة إلى سائر المسائل الأصولية، فالعارض بواسطة أمر أعمّ ليس من الأعراض الذاتية. فمثلاً (الأمر حقيقة في الوجوب أو الندب أو الجامع بينهما)، و(الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته)، و(جواز إجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد ذي جهتين) تنطبق على المسائل الأصولية وغير الأصولية. وقد تنبه صاحب الفصول لهذا الإشكال وأجاب عنه بأن البحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب والسنّة، ولكن هذا الرد لا يندفع به إشكال أعمية الواسطة من المعروض).
(5) ويؤيد ذلك (أي يؤيد كون موضوع علم الأصول: الكلي المتحد مع موضوعات مسائله المتشتتة لا خصوص الأدلّة الأربعة) تعريف علم الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية. وإن كان الأولى (وهذه أولى جعلية من المصنّف لعدم دقة تعريف المشهور) تعريفه: "بأنّه صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام (الفرعية)، أو التي ينتهي إليها (الفقيه) في مقام العمل" (وهي الأصول العملية)، بناءً على أنّ مسألة حجية الظنّ على الحكومة ومسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول (فتخرج الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية عن علم الأصول، لعدم إمكان استنباط حكم كلي منها. ففي التعريف الأول الذي رفضه المصنّف فإن مسألة حجية الظن على الحكومة ومسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية تخرجان من مباحث الأصول، بخلاف التعريف الثاني، فإن حجية الظن على الحكومة مما ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل، وان الأصول العملية "كالبراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير" والشبهة الحكمية "في فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين" كلها من المسائل الأصولية، وهي داخلة في طريق استنباط الأحكام الشرعية) كما هو كذلك (بحسب الواقع)، ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات (لاعتماد كثير من الأحكام الفرعية عليها).
(6) الأمرُ الثاني: الوضعُ هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناشىءٌ من تخصيصه به تارةً (أي تخصيص الواضع للفظ في المعنى) ومن كثرة استعماله فيه أخرى. وبهذا المعنى (أي اختصاص اللفظ بالمعنى) صح تقسيمه إلى التعييني (وهو تخصيص اللفظ من قبل الواضع) والتعيني (وهو كون اللفظ ناشئ من كثرة الاستعمال) كما لا يخفى. ثم ان الملحوظ حال الوضع (فلابد أن يلاحظ الواضع حين الوضع كلاً من اللفظ والمعنى) إما (أن) يكون معنى عاماً فيوضع اللفظ له تارة (ويسمى بالوضع العام والموضوع له العام، كوضع الكلي بأزاء معناه الكلي مثل وضع لفظ الحيوان للكائن النامي المتحرك بالإرادة) و(يوضع اللفظ) لأفراده ومصاديقه (تارة) أخرى (ويسمى بالوضع العام والموضوع له الخاص كأسماء الإشارة والحروف والموصولات)، وإما (أن) يكون (الملحوظ حال الوضع) معنى خاصاً لا يكاد يصح (إذا كان الملحوظ معنى خاصاً) إلاّ وضع اللفظ له دون (أن يوضع للمعنى) العام (ويسمى بالوضع الخاص والموضوع له الخاص، كالأعلام الشخصية) فتكون الأقسام ثلاثة. وذلك (وهذا تعليل لإنكار القسم الرابع وهو الوضع الخاص والموضوع له العام) لأن (المعنى) العام (الملحوظ حين الوضع) يصلح لأن يكون آلة (أو مرآة) للحاظ أفراده ومصاديقه (لكونه كلياً والكلي) بما هو كذلك (أي عين الأفراد، ولحاظه لحاظ الأفراد). (وتوضيح ذلك أن الموضوع له الخاص بما هو خاص – كزيد – لا يصلح لأن يكون وجهاً للمعنى العام كالإنسان، ولذلك لا يصح حمل الخاص عليه، فلا يقال "الإنسان زيد" بخلاف المعنى العام فإنه يصلح لأن يكون وجهاً للموضوع له الخاص، فيصح قولنا: "زيدٌ إنسانٌ")، فإنه (أي المعنى العام) من وجوهها (أي من وجوه الأفراد والمصاديق)؛ ومعرفة وجه الشيء (وصورته هي معرفته إجمالاً و) معرفته بوجه (ما؛ أي لابد من لحاظ العام في وضع اللفظ للأفراد)، (هذا) بخلاف (الوضع) الخاص (والموضوع له العام)، فإنه (بقطع النظر عن لحاظ العام الذي في ضمنه) بما هو خاص (ومحدود) لا يكون وجهاً للعام (أي للموضوع له العام فلا يتصور الخاص ويوضع العام) ولا (يكون مرآة) لسائر الأفراد، فلا تكون معرفته (أي الخاص) وتصوره (بما هو خاص) معرفة له (أي للعام) ولا لها (أي لسائر الأفراد) أصلاً ولو بوجه. نعم، ربما يوجب تصوره (أي الخاص) تصور العام بنفسه (بأن ينتقل الذهن من الخاص إلى العام اتفاقاً) فيوضع له (أي للعام المتصور) اللفظ فيكون الوضع عاماً كما كان الموضوع له عاماً (إلاّ أن تصور الخاص صار سبباً لتصور العام بخلاف الوضع العام والموضوع له العام، فإن تصور العام فيه كان أولياً)، وهذا (المورد الذي ذكرناه وقلنا فيه إن العام متصور بنفسه وإن كان منشأ تصوره الخاص) بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له الخاص، فإن الموضوع له (في هذا القسم) وهي الأفراد (أو المصاديق) لا يكون متصوراً (للواضع بتصور تفصيلي ثانوي فإنه لم يتصور) إلاّ بوجهه وعنوانه و(الوجه المتصور) هو العام. وفرق واضح بين تصور الشيء بوجهه (كما في الوضع العام والموضوع له الخاص)، وتصوره بنفسه (كما في الوضع العام والموضوع له العام)، ولو كان بسبب تصور أمر آخر (كالخاص الذي يكون سبباً لتصور العام، كتصور الكلي "الإنسان" الناشىء عن تصور فرده "زيد"؛ فإن تصور زيد يكون علّة لتصور الإنسان). ولعل خفاء ذلك (الفرق) على بعض الأعلام (الميرزا حبيب الله الرشتي "ت 1312 هـ" [3]) وعدم تمييـزه بينهما (أي بين ما إذا كان العام متصوراً ابتداءً أو بواسطة الخاص) كان موجباً لتوهم إمكان ثبوت قسم رابع وهو أن يكون الوضع خاصاً مع كون الموضوع له عاماً، مع انه واضح (البطلان) لمن كان له أدنى تأمل. ثم انه لاريب في ثبوت الوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام (الشخصية، كوضع اسم زيد لذلك الوليد الذي يرى نور الحياة لأول مرة، فإن الوضع هنا جزئي كجزئية الموضوع له، واللفظ موضوع لنفس المعنى المتصور) وكذا (ثبوت) الوضع العام والموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس (فإن المعنى المتصور حين الوضع كلي واللفظ موضوع بازاء ذلك المعنى). (تليها صفحات 95- 148) اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية [1] الفصول الغروية للشيخ محمد حسين الاصفهاني (ت 1254هـ) ص 4. [2] أفاده الشيخ في فرائد الأصول ص 67 – بداية مبحث مسألة حجية الخبر الواحد. [3] بدائع الأفكار للمحقق الرشتي ص 40. |