|
(ص 36 - 76) (7) المعنى الحرفي الحَرْف جمعه حُرُوْف وأحْرُف. ومعناهُ في اللغة أنها كلمة ليست فعلاً ولا اسماً، تدلُّ على معنى في غيرها، كدلالِة (ثُمَّ) على العطف. وقد عبـّر عن ذلك بطريقة فنية أدقّ، وهي: أنها الأداة التي تسمى الرابطة؛ لأنها تربطُ الاسمَ بالاسم، والفعلَ بالفعل كـ (عن، وعلى) ونحوها [1]. نظريات المعنى الحرفي: وفي المعنى الحرفي وامتيازه عن معاني الأسماء عدّة نظريات، نذكر منها اثنتين: الأُولى: النظرية النافية ومفادها أنّ الحروف لا معنى لها أصلاً، وإنما جعلت لتكون علامة على خصوصية معنى مدخولها، تماماً كما أنّ الرفع – كعلامة – يدلّ على المبتدأ في جملة (زيدٌ قائمٌ) ، فإن (في) في جملة (زيدٌ في الدار) علامة على ظرفية مدخوله وهو (الدار). وقد قال بهذه النظرية نجم الأئمة الشيخ الرضي. نقد النظرية النافية: وقد تعرضت هذه النظرية إلى نقد شديد نجمله بالنقاط التالية: 1- إنّ الزعم بأنّ الحروف لا معنى لها، يعني بطلان التقسيم المعروف للكلمة إلى اسم وفعل وحرف، وهذا خلاف المشهور، وادعاء لا برهان عليه. 2- إنّ إنكار أن يكون للحروف معنى مخصص يستلزم (التجوز في الاستعمالات). فمثلاً نحن نفهم من جملة (السمك في الماء) أنّ كلمة (الماء) موضوعة لذلك المائع، وخصوصية ظرفيته للسمك مثلاً خارجة عنه. فإذا لم يكن لكلمة (في) معنى الظرفية، فإننا قد لا نفهم مراد المتكلم من موضع (السمك) من (الماء)، ونحتمل فيه معانٍ عديدة. وهذا هو معنى التجوز في الاستعمال. الثانية: النظرية الوضعية وهي النظرية التي تدعي أنّ الحروف إنما وضعت لمعانٍ محددة، وليست علامة لخصوصية الجملة الداخلة فيها. وهذه النظرية لها عدة وجوه: أ- الوجه الأول: إنّ الحروف إنما وضعت لمعنى لوحظ فيه حالة الغيـر، وأُريد بها النعت أو الوصف له. بمعنى أنّ الحروف لا يمكن تصورها في الذهن بنفسها مجردة عن الأعراض الخارجية. ولذلك قيل: إن (وجودات الحروف في أنفسها عين وجوداتها لموضوعاتها). فالمعنى الحرفي إنما هو حالة لمعنى آخر (أي حالة آلية)، على عكس المعنى الاسمي الذي هو قائم بنفسه (أي حالة استقلالية). ب- الوجه الثاني: إنّ الحروف إنما وضعت للنِّسب والارتباطات المتقومة بالطرفين، كقولنا: (سرتُ من البصرة)، و(ذهبتُ الى الكوفة). فالنسبة الابتدائية (مِنْ) هي نسبة رابطة بين السير والبصرة. والنسبة النهائية (الى) هي نسبة رابطة بين الذهاب والكوفة. فإذا حذفنا كلمة (من) أو (الى) في الكلام لم يكن لهذه النسبة دالّ. فالحروف – اذن – تدلّ على النسب والارتباطات التي بينها. وهذا يعني أنّ المعاني الحرفية بذاتها غير مستقلة، بل لا يمكننا حتى تصور استقلالها، في حين تدلّ الأسماء على معاني استقلالية واضحة. ج- الوجه الثالث: وهو من متبنيات صاحب (الفصول)، وجوهره أنّ الفرق بين المعاني الحرفية والمعاني الاسمية إنما يتم بقياس اللحاظ. فالمعنى الحرفي هو المعنى الذي يُلحظ (آلياً)، والمعنى الاسمي هو المعنى الذي يُلحظ (استقلالياً). ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نلحظ (الآلية) – التي يكون المعنى فيها حالة للغير – جزءاً لمعاني الحروف، مثلما لا نستطيع أن نلحظ (الاستقلالية) جزءاً لمعاني الأسماء. فالاستعمالات العرفية لا تهتم بتلك الدقة غير المعهودة في ذلك اللحاظ المزعوم. د- الوجه الرابع: وهو الذي تبناه المحقق النائيني[2] (قدس سره)، وملخصه أنّ المعاني الحرفية إيجادية لا إخطارية، ولا استقلالية لها في ذاتها، بل هي قائمة بغيرها، ومغفول عنها حال إيجادها، ولا موطن لها إلاّ وعاء الاستعمال. وتفصيل ذلك: 1- إنّ الحروف ما هي إلاّ آلات لإيجاد معانيها (فهي معانٍ إيجادية)، وليست كاشفة عن مداليلها (أي لا إخطارية). فليس للمعنى الحرفي من مفهوم متصور في الذهن قبل الاستعمال، بل هي مجرد نسب وارتباطات تستحدث وقت الاستعمال. فالنسبة الرابطة في جملة (سر من البصرة) هي كلمة (من) التي وجدت كرابط ابتدائي بين السير والبصرة. وكلمة (تحت) هي النسبة التحتية بين زيد والشجرة في جملة (زيد تحت الشجرة). ودليل ذلك ما رواه أبو الأسود الدؤلي عن أمير المؤمنين (ع): (الاسم ما انبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره). 2- إنّ المعاني الحرفية لا تقوم بذاتها وليس لها استقلالية بسبب كونها قائمة بالطرفين، ولذلك قيل بأنّ (الحرف ما دلّ على معنى في غيره). ومفاهيم أجزاء الجمل مفاهيم بسيطة مستقلة في الذهن وغير مرتبطة ببعضها. مثل: السمك والماء، فلا يوجد رابط بينهما إلاّ باستعمال الحرف، فتكون جملة: (السمك في الماء) جملة مفهومة مترابطة لدى السامع. 3- إنّ المعاني الحرفية الإيجادية ليس لها موطن إلاّ وعاء الاستعمال، فليس لها واقع حقيقي إلاّ عندما تستعمل. على عكس المعاني الإخطارية المناطة باللحاظ والتصور. 4- إنّ المعاني الحرفية لم يلتفت إليها حال إيجادها، وهذا عكس المعاني الاسمية التي يراد بها معانيها. ومثال ذلك: النظر الى المرآة. فإننا عندما ننظر إلى المرآة فإننا نريد أنْ نرى صورتنا لا رؤية المرآة. فالمعاني الحرفية (آلية مرآتية)، والنظر الى ألفاظها كالنظر الى المرآة، فإننا عندما نستعمل الحروف فنحن نُريد بها معاني أُخر غيـر المعاني الحرفية. هـ- الوجه الخامس: التفصيل والتفريق بين الحروف. فبعض الحروف إيجادية، كحروف النداء والترجي، وبعضها الآخر إخطارية. فحرف النداء في جملة: (يا زيد) ليس حاكياً عن النسبة الندائية في غير مواطن الاستعمال. فنحن لا نستطيع أن نجد نداءً ولا منادياً ولا منادى قبل الاستعمال. فوجود هذه العناوين مرهون بالاستعمال. وقد نوقش هذا الرأي بالقول بأنّ الجملة الندائية (يا زيد) ما هي إلاّ كلام مقدّر لجملة (أدعو) التي هي جملة إنشائية مستقلة ليست لها علاقة بالحروف. و- الوجه السادس: وهو من متبنيات نجم الأئمة، ومفاده أنه لا فرق بين مفهوم الأسماء والحروف أصلاً لا في الوضع ولا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه. أما الآلية والاستقلالية فهما لا يكونان جزء المعنى بالأصل، وإنما يرجع ذلك إلى شروط الواضع. فإذا استعمل لفظ (الابتداء) مثلاً كلما أراد المعنى (المستقل) فله ذلك، وإذا استعمل لفظة (من) كلما أراد المعنى (الآلي) فله ذلك أيضاً. هذه هي الوجوه الستة للنظرية الوضعية؛ وهي على إختلاف مشاربها تبين لنا أنّ القاسم (المشترك) الذي يوحدها هو كون الحروف موضوعة لمعانٍ محددة. وقد وقفت هذه النظرية موقفاً مناوئاً للنظرية النافية. ولاشك أنّ الإيمان بالوضع يقودنا الى مناقشة كيفية وضع الحروف. فرضيات وضع الحروف: فالرأي في كيفية وضع الحروف يتلخص بثلاث فرضيات: الفرضية الأولى: إنّ الوضع في الحروف عام والموضوع له عام والمستعمل فيه خاص. وقد أشكل على هذا الافتراض بأنه يستلزم المجاز بلا حقيقة إذ إنّ الموضوع له لو كان عاماً وقد استعمل في الخاص، فإنّ ذلك يكون من باب استعمال الجزء في الكل، وهذا خلاف الواقع. الفرضية الثانية: إنّ الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص والمستعمل فيه خاص. وقد وضع هذا الافتراض للتخلص من الإشكال القائل بلزوم المجاز بلا حقيقة. الفرضية الثالثة: إنّ الوضع في الحروف عام والموضوع له عام والمستعمل فيه عام. وقد وضع هذا الافتراض للتخلص من الإشكالين السابقين. ولكن أشكل على هذا الافتراض أيضاً بأن المستعمل فيه لو كان عاماً لاستلزم المجازية أيضاً. فلو افترضنا أننا استعملنا لفظة (هذا) في الكلي المفرد المذكر فإنه إن اُريد منه الكلي فإنّ لفظة (هذا) لا تنطبق على الفرد الخارجي، وإن اُريد الفرد الخارجي فإنه يستلزم المجازية أيضاً. إلاّ أنّ هذا الإشكال اندفع بافتراض وجه آخر، وهو أنّ الجزئية إنما صممت من زاوية الإشارة الخارجية لا من ناحية الموضوع له أو المستعمل فيه. فكلمة (الرجل) موضوعة لمعنى عام، أما الخصوصية المتعلقة بهذه الكلمة فهي من ناحية الإشارة لا غير. ولفظة (هذا) موضوعة لمعنى عام، والخصوصية المتعلقة بها لا دخل لها بالموضوع له ولا المستعمل فيه. بل إنّ الخصوصية هي من باب تعدد الدالّ والمدلول. الكلي والجزئي: ولابد لنا في خاتمة هذا القسم من الرجوع قليلاً الى علم المنطق لاستنطاق بعض المفاهيم والأفكار التي لها علاقة بهذا الموضوع. فنتعرض للكلي والجزئي. فالكلي والجزئي من أقسام المفهوم. وتعريف الكلي: هو المفهوم الذي لا يمتنع انطباقه على أكثر من مصداق واحد. مثل: مدرسة، مستشفى، إنسان. والجزئي: هو المفهوم الذي يمتنع انطباقه على أكثر من مصداق واحد. مثل: واجب الوجود، البصرة، حسن. وينقسم الى قسمين: أ- الجزئي الحقيقي (الخارجي): وهو الذي يطابق ما عرفنا من الجزئي. ب- الجزئي الإضافي: وهو المفهوم المندرج تحت مفهوم أوسع منه، ومثال ذلك: النسبة بين محمد وإنسان هي (جزئي إضافي)، فمحمد جزئي؛ لأنه مندرج تحت كلي أوسع منه وهو الإنسان. (8) الخبـر والإنشاء يكمن الاختلاف بين الخبـر والإنشاء في قصد المتكلم مباشرة لا في شأن الاستعمال. فعندما يقول المتكلم (بعتُ) ويقصد بها الحكاية عن ثبوت نسبة البيع الى نفسه في وعاء الاعتبار، فإن ذلك يعتبـر (إخباراً). أما إذا قصد بها إيجاد البيع، فيعتبـر ذلك (إنشاءً). فإخبارية لفظة (بعتُ) وإنشائيتها منوطتان بالقصد، فهما من أطوار الاستعمال. ولكن المعني بالإخبار والإنشاء واحد؛ لأنه عبارة عن نسبة المبدأ الى الذات. فإن قصد الشخص بالكلام الحكاية عن النسبة فإن ذلك يكون (خبـراً). وإن قصد بها إيجادها، فإن ذلك يكون (إنشاءً). مبادئ الاختلاف بين الإنشاء والإخبار: ومن أجل تشكيل صورة واضحة عن الإخبار والإنشاء، لابد من إثارة النقاط التالية ومناقشتها، وهي: 1- إن الجمل في اللغة على ثلاثة أقسام: أ- القسم الأول: الجمل الخبـرية التي يُقصد بها الحكاية ويحتمل فيها الصدق والكذب، ولا يمكن استعمالها في الإنشاء مثل: (ضرب زيدٌ خالداً). ب- القسم الثاني: الجمل الإنشائية التي يُقصد بها الإيجاد، ولا يمكن استعمالها في الخبـر ولا تحتمل الصدق أو الكذب، مثل: (اضرب زيداً). ج- القسم الثالث: الجمل التي تستعمل تارة في الإنشاء وتارة في الخبـر مثل: (بعتُ) و(أنكحتُ) ونحوها. 2- إنّ مجرد إمكان كون (الإخبارية) و(الإنشائية) من شؤون الاستعمال من دون النظر الى المعنى، لا يمكن أن يفسّر هذا الاختلاف بين الإنشاء والإخبار بالشكل العلمي الذي نتوخاه. فدعوى كون (الإخبارية) و(الإنشائية) من شؤون الاستعمال دون النظر الى المعنى ليست لها قيمة علمية إلاّ في خصوص الألفاظ المشتركة التي تستعمل تارة في (الإخبار) وأُخرى في (الإنشاء) كصيغة (بعتُ) و(أنكحتُ). أما الألفاظ المختصة بأحدهما دون الآخر كالجملة الأسمية المختصة بالإخبار مثل (زيدٌ قائمٌ)، وصيغة (افعل) المختصة بالإنشاء، فإنه لا يمكن أن ندعي أنّ (الإخبارية) و(الإنشائية) هنا من شؤون الاستعمال من دون النظر الى المعنى؛ لأنه لا يصح قصد (الإخبارية) بالألفاظ المختصة بالإنشاء، و(الإنشائية) بالألفاظ المختصة بالإخبار. 3- إننا عندما نقصد (الإنشاء) أو (الإخبار) فنحن لا نأخذ اللحاظ (الآلي أو الاستقلالي) فيهما، لكونهما من شؤون الاستعمال، فلذلك لابد من الالتزام بإخراج قصد (الإنشاء) و(الإخبار) عن حيـّز الموضوع له. 4- احتمالية الصدق أو الكذب لا الإنشاء: هناك نظرية أوردها التفتازاني في كتابه (المطوّل) وادعى فيها أنّ الخبـر إنما يحتمل الصدق أو الكذب لا الإنشاء؛ لأن الإنشاء ليس له موقع، ولا محلّ نقاش هنا. فقد ظُنّ أن بعض الإنشاءات إنما توصف بالصدق والكذب، وأمثلتها: الشخص المستفهم عن شيء يعلمه، أو الغني الذي يسأل سؤال الفقيـر، والمتمني الذي يتمنى شيئاً يملكه واقعاً. فمن المعلوم أن هذه الأمثلة ترتبط بالصدق أو الكذب أكثـر من ارتباطها بالإنشاء، لأن الاستفهام الحقيقي لا يكون إلاّ عن جهل، والسؤال لا يكون إلاّ عن حاجة، والتمني إلاّ عن فقدان. فهذه الإنشاءات تدلّ بالدلالة الالتزامية على الإخبار بالجهل أو الحاجة أو الفقدان. وبذلك فإن الخبـر المدلول عليه بالالتزام هو الموصوف بالصدق أو الكذب وليس ذات الإنشاء. (9) هل إن الاستعمال المجازي يتم بالوضع أو بالطبع ؟ قبل الإجابة على السؤال، لابد من شرح كيفية تحقق الوضع في اللغة. كيفية تحقق الوضع: لا يتحقق الوضع إلاّ بوجود طرفين أساسيين هما : الأول: (المعنى) أو (الموضوع له)، وهو على أربعة أقسام: الوضع العام والموضوع له الخاص، الوضع العام والموضوع له العام، الوضع الخاص والموضوع له الخاص، الوضع الخاص والموضوع له العام. وقد درسنا هذه الأقسام فيما سبق. الثاني: (اللفظ) أو (الموضوع) وهو على أربعة أقسام أيضاً: أ- أن يلحظ الواضع المادة والهيئة معاً، كما في وضع الأعلام الشخصية كـ (زيد)، فإنّ الواضع حينما يلحظ لفظة (زيد) فإنه يلحظ مادة الكلمة المكونة من ثلاثة حروف ، ويلحظ هيئتها أيضاً. ب- أن يلحظ الواضع المادة فقط ويغفل عن الهيئة، كما في وضع المشتقات، فإنه يلحظ (ضرب) ويغفل عن هيئة (يفعل أو افعل) ونحوها. ج- أن يلحظ الواضع الهيئة فقط ويغفل عن المادة، ومثال ذلك وضع هيئات المشتقات، كما لو لَحَظ الواضع في هيئة (فَعَلَ) انقضاء المبدأ سواءً كان ذلك الانقضاء في مادة (ق ت ل) أو (ض ر ب) أو نحوهما. د- أن لا يلحظ الواضع لا المادة ولا الهيئة، ومثاله: وضع المجاز. فالمجاز هو اللفظ المستعمل في غيـر ما وضع له. وهو ترخيص الواضع لاستعمال الألفاظ الموضوعة في غيـر معانيها المقررة بشرط المناسبة الطبعية أو العلقة العرفية. الاستعمال المجازي : وضعي أو طبعي؟ والسؤال المطروح في هذا المقام هو: هل إنّ الاستعمال المجازي يتم بالوضع أو بالطبع؟ وفي الجواب على ذلك نقول: إن هناك ثلاث نظريات كانت قد تناولت هذا الموضوع: النظرية الأُولى: وهي النظرية الوضعية التي تدعي أنّ صحة الاستعمال المجازي منوطة بالوضع؛ لأن العرف لا يستهجن الاستعمال اللفظي فيما لا يناسب المعنى الموضوع له، مع افتراض ترخيص الواضع له. فإن أذِنَ الواضع استعمال كلمة (الأسد) في الإنسان الشجاع بالإضافة إلى الحيوان المفترس، فإنّ ذلك الاستعمال المجازي سيكون صحيحاً. النظرية الثانية: النظرية الطبعيـة التي تدعي أنّ الاستعمال المجازي – الناشئ عن طريق الطبع الإنساني – لا تتوقف صحته على إذن الواضع، بل المعتبـر فيه المناسبة التي يقبلها طبع أهل الاستعمال من البشر وفطرتهم. النظرية الثالثة: النظرية الوضعية النوعية. فالوضع النوعي يفسر: بأن الواضع عندما إذن باستعمال اللفظ المجازي فيما يناسب المعنى الحقيقي لاحظ مقدار العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وعلى ضوء حجم تلك العلاقة ومتانتها أعطى الإذن بالاستعمال. فإن لفظة (الأسد) في الحيوان المفترس تناسب الوضع الثانوي للفظ، وهو الشجاعة في الإنسان، فصحّ استعماله في هذا المعنى المجازي بسبب العلاقة الحميمة بين حقيقة الأسد وظاهر الإنسان الشجاع. وقد أخذ المصنّف بالنظرية الثانية، وهي النظرية الطبعية؛ لأنه آمن بأننا لا يمكننا أن نقبل بأن الاستعمال فيما لا يناسب المعنى الموضوع له إنما جاء بالوضع والترخيص، بل لابد أن يكون بالطبع، فكل ما يستحسنه الطبع من الاستعمال يصحّ حتى وإن لم تكن هناك علاقة مجازية من نوع ما بين المعنيين الأولي والثانوي، بل إنّ كل ما لا يستحسنه الطبع ولا تستسيغه الفطرة لا يصح استعماله. (10) في استعمال اللفظ في اللفظ نحن نعلم أنّ اللفظ إنما وجد ووضع لغرض الاستعمال بين الأفراد، إلاّ أنّ ذلك الاستعمال كان قد اتخذ منحيين متغايرين: المنحى الأول: استعمال اللفظ في المعنى، وهو ينقسم إلى الاستعمال الحقيقي، والاستعمال المجازي. المنحى الثاني: استعمال اللفظ في اللفظ ، وهو على أقسام. أقسام استعمال اللفظ في اللفظ: وهي أربعة: أ- استعمال اللفظ في نوعه: ومثال ذلك أننا لو قلنا: (زيدٌ اسمٌ)، فإن لفظة (زيد) اُستعملت في كل فردٍ من أفراد زيد، إن كانت فاعلاً أو مبتدءاً أو نائباً للفاعـل أو مضافاً إليـه. وهذا القسم يسمى بـ(استعمال اللفظ في نوعه). ب- استعمال اللفظ في صنفه: ومثال ذلك أننا لو قلنا إن زيداً فاعل في جملة (ضربَ زيدٌ). فإن لفظة (زيد) اُستعملت في كل فرد من أفراد زيد الواقعة كفاعل لفعل ضرب. في هذا القسم تكون كلمة (زيد) أخص من كلمة (زيد) في القسم الأول، بل هي صنفٌ من أصناف اللفظ المستعمل. وهذا القسم الثاني يسمى بـ (استعمال اللفظ في صنفه). ج- استعمال اللفظ في مثله: ومثال ذلك أننا لو قلنا أن: زيداً فاعل في جملة (ضربَ زيدٌ)، وأردنا من كلمة (زيد) هنا شخص زيد المستعمل في الجملة، لا جميع أفراد زيد ولا جميع أفراد زيد الفاعل. وهذا القسم الثالث يسمى بـ (استعمال اللفظ في مثله). د- استعمال اللفظ في شخصه: ومثال ذلك أننا لو قلنا: (زيدٌ لفظٌ)، وأردنا شخص اللفظ، فإنّ هذا القسم الرابع يسمى بـ(استعمال اللفظ في شخصه)، أو استعمال اللفظ في اللفظ. الأسئلة المثارة حول استعمال اللفظ في اللفظ: ولاشك أن دراسة استعمال اللفظ في اللفظ تثيـر استفسارين مهمين هما: الأول: هل أن منشأ استعمال اللفظ في اللفظ كان بالطبع، أو بالوضع؟ والجواب على ذلك أنه بالطبع، لا بالوضع. لأنه لو كان بالوضع للزم وضع المهملات من قبل الواضع أيضاً، وهو باطل بالتأكيد. والمهملات مثل كلمة (ديز) قد تستعمل في النوع والصنف والمثل، إلاّ إنها لا تستعمل في الشخص، بسبب عدم إمتلاكها لمعنى يفهمه السامع. الثاني: هل أن استعمال اللفظ في اللفظ هو حقيقة، أو مجاز ؟ والجواب على ذلك أنها ليست بحقيقة ولا بمجاز. وتفسير ذلك أنها ليست بحقيقة؛ لأن اللفظ لم يوضع مشتركاً بين معناه اللغوي وشكله اللفظي، وأنها ليست مجازاً؛ لعدم وجود المناسبة بين اللفظ والمعنى، لأننا هنا نناقش استعمال اللفظ في اللفظ فحسب، وليس للمعنى دور في هذا الاطار. (11) هل أن دلالة اللفظ على المعنى تتبعُ الإرادة أو لا ؟ معنى الإرادة أنها صفة من صفات النفس التي توجب فعلاً ما على وجه معين. فعن طريقها يسلك الفرد سلوكاً معيناً بما توحيه عليه تلك الإرادة. وقد ورد في النص المجيد ما يشير إلى الإرادة الالهية أيضاً: (إنما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أنْ يقوُلَ لهُ كُنْ فيكوُنُ)[3]. أقسام الإرادة: والإرادة على أربعة أقسام: الأول: مفهوم الإرادة، وهو معنى أسمي وضع له الواضع كلمة (الإرادة). الثاني: الإرادة الحقيقية الخارجية، وهي صفة من صفات الذات الإنسانية التي تستثمرها في حالات معينة. الثالث: الإرادة الإنشائية الخارجية، وهي التي وضع لها هيئة فعل، مثل صيغة (أفعل) ونحوها. الرابع: الإرادة الذهنية (المصداقية)، وهي الإرادة التي تعكس توجه الذهن نحو اللفظ. الدلالة وأقسامها: أما الدلالة فهي: كون الشيء بحالة معينة إذا علمنا بوجوده انتقل ذهننا إلى وجود شيء آخر. وبمعنى آخر هو ما يوجب إدراك شيء ما بسبب إدراك شيء ملازم له. وتقسم الدلالة إلى قسمين: الأول: الدلالة التصورية، وهي خطور المعنى في ذهن الإنسان عند سماع اللفظ من أي مصدر كان. وتتوقف هذه الدلالة على العلم بالوضع بالنسبة إلى السامع. الثاني: الدلالة التصديقية، وهي على نوعين: (1) الدلالة التصديقية الإرادية: وهي الدلالة التي يُراد منها تصديق السامع بمراد المتكلم في الالفاظ التي أراد إظهار معانيها. وتتوقف هذه الدلالة على إرادة المتكلم، فلولا الإرادة لا يصدق السامع. (2) الدلالة التصديقية المطابقية: وهي الدلالة التي يراد منها تصديق السامع بأن للنسبة الكلامية مطابَقية للنسبة الخارجية. الإرادة بين المستعمِل والواضع: ولا يختلف علماء اللغة والمناطقة وعلماء الأُصول في أن مفهوم الإرادة ليس جزءاً من معنى اللفظ؛ وليس هناك خلاف في عدم جزئية الإرادة الإنشائية والإرادة الذهنية، بل إن الخلاف الفكري وقع في الإرادة الحقيقية الخارجية. وبمعنى أدق أن التباين الفلسفي بين علماء المنطق والأصول وقع في الجواب على السؤال التالي: هل تقع الإرادة من معنى اللفظ على كاهل المستعمِل أو على كاهل الواضع؟ بمعنى ثانٍ هل أن الدلالة تتبع الإرادة أو لا؟ قال المصنف (قدس سره): ان الدلالة لا تتبع الإرادة، بل تتبع الوضع. وتقريب ذلك يقع في أربعة وجوه مهمة: الأول: لو أن الدلالة تتبع الإرادة للزم تعدد الإرادة عند الإستعمال، أي للحظنا أن هناك إرادة متعلقة بجزء المعنى، وإرادة استلزمها الاستعمال، وهكذا. وقد أثبتنا بطلان ذلك بالوجدان عند دراستنا للمعنى الحرفي، وقلنا إن قصد المعنى فيه على الآلية والاستقلالية إنما كان من مقومات الاستعمال لا من أجزاء الموضوع له. الثاني: لو أن الدلالة تتبع الإرادة لأنتفت إمكانية الإطاعة والإمتثال للأوامر والنواهي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يطيع مولاه بالمعنى المقيد بإرادة المولى في الخارج، إذ إن إرادة المولى ذهنية ولا تكون خارجية كما شرحنا ذلك في المعنى الحرفي. الثالث: لو أن الدلالة تتبع الإرادة لقلنا بعدم صحة الحمل مطلقاً إلاّ بالتجريد. ومثال ذلك: قولنا (زيد قائمٌ) ينحلّ إلى ذات ذو إرادة وصفة ذو إرادة. ولاشك أن هاتين الإرادتين متغايرتان في الحقيقة، فلا يصح الحمل الخارجي إلاّ بتجريد الذات والصفة عن الإرادة. الرابع: لو أن الدلالة تتبع الإرادة يلزم أن يكون وضع الألفاظ الموضوعة عاماً والموضوع له خاصاً، لمكان اعتبار خصوص إرادة الفرد اللافظ. لأن اللفظ في هذه الحالة موضوع بازاء المعنى بقيد الإرادة، والإرادة جزئية فيكون المعنى المقيد بها جزئياً، وهذا خلاف الوجدان. (12) وضع المركبات عرفنا من دراستنا للمنطق بأن اللفظ – باعتبار دلالته على معناه- ينقسم إلى مفرد ومركب. المفرد: فالمفرد هو اللفظ الذي لا يدلّ جزؤه على جزء معناه، ومثال ذلك: محمد، فأجزاء الأسم المكونة من (م ح م د) لا تدلّ على أجزاء الشخص الذاتية. المركب: أما المركب فهو اللفظ الذي يدلّ جزؤه على جزء معناه، ومثاله: محمدٌ رسول الله، فهذه الجملة مؤلفة من جزئين: (محمد) و (رسول الله)، وكلا الجزئين يدلاّن على جزئي المعنى. مفردات المركب: فالمركب – إذن – يتكون من أجزاء يعبـَّر عنها بالمفردات. وتلك المفردات على نوعين: أ- المفردات المادية (أو المواد)، ويكون وضعها شخصياً، مثل: (زيدٌ قائمٌ)، فالوضع الشخصي لـ (زيد) و(قائم) هو وضع كلٍّ منهما لمعنى، حيث إن كلمة (زيد) وضعت لحصة من الإنسان مشخصة بمزايا خاصة، وكلمة (قائم) إنما وضعت لذات متصفة بالقيام. ب- المفردات الصورية (أو الهيئات)، وهي الهيئات الحاصلة من ضم مفردين أحدهما للآخر، كما في قولنا (زيدٌ قائمٌ) ويكون وضعها نوعياً. فإنه بعد ضم (قائمٌ) إلى (زيدٌ) تتحقق هيئة الجملة الاسمية، وهي الجزء الصوري من المركب، وبهذه الهيئة يحصل الارتباط بينهما. وبطبيعة الحال، فإن لكل مادة من المواد وضعاً شخصياً (مثل الوضع الشخصي لزيد ، وقائم)، ووضعـاً نوعياً (مثل وضع هيئة – زيد- الناشئة من إعرابه رفعاً بالإبتداء، ووضع هيئة –قائم- الناشئة من رفعه بالخبـرية)، وذلك لمجموع المادتين (أي المركب في مثالنا) فإن لها وضعاً نوعياً واحداً وهو هيئة الجملة الاسمية (زيدٌ قائمٌ). ولما كان أمامنا وضعان يفيان بغرض تفهيم المتكلم فإنه لا حاجة إلى وضع جديد (ثالث) لمجموع المركب. الوضع الثالث للمركب: وتثار أحياناً قضية وضع ثالث لمجموع المركب، فنوقش الموضوع من زاوية النقاط التالية: 1- إنه لا حاجة لوضع ثالث للمركبات بعد أن وضعت مفردات تلك المركبات شخصياً ونوعياً، وبعد أن وضعت هيئة الجملة (الاسمية أو الفعلية)، فأي وضع جديد يناسب المركبات ويؤدي إلى تفهيم السامع بمراد المتكلم غير الوضع بالمواد والهيئات؟ 2- فإن زُعم بأنه ينبغي مراعاة وضع ثالث للمركب، فإننا نقول بأن ذلك سوف يؤدي إلى دلالة اللفظ على معناه مرتين، وهو خلاف الوجدان، إذ إن مقتضى هذا الوضع الثالث في (زيدٌ قائمٌ) مثلاً هو دلالة هذين اللفظين على معناهما تارة بملاحظة وضع نفسهما، وأخرى بملاحظة وضع مجموعهما مع هيئة المركب ومع وحدة الدلالة، ولكن نحن لا نتصور قيام زيد – إستمراراً – إلاّ مرة واحدة لا مرتين. (13) في علامات الحقيقة والمجاز نعني بالحقيقة: اللفظ المستعمل في معناه الذي وضع له، فمثلاً نستعمل لفظ (الأسد) في الحيوان المفترس. ونعني بالمجاز: اللفظ المستعمل في غير معناه الموضوع له لعلاقة ما بين المعنيين، فمثلاً نستعمل لفظ (الأسد) في الرجل الشجاع. ولو كنا أمام لفظين أحدهما حقيقي والآخر مجازي ولم نعرف أيّاً من اللفظين في موارد الاستعمال، فإننا نختار المعنى الحقيقي بلاشك. والسبب في اختيارنا المعنى الحقيقي، هو أن ذلك المعنى يطابق الواقع، خصوصاً إذا لم تكن هناك قرينة واضحة تثبت استعمال ذلك المجازي في المعنى المقصود. الفوارق بين الحقيقة والمجاز: وبطبيعة الحال، فإن العلامات المتباينة بين الحقيقة والمجاز إنما تنشأ من وجود فوارق مهمة بينهما، يمكن ترتيبها بالنقاط التالية: أولاً: التبادر فهو علامة من علامات الحقيقة، فكما أن عدم التبادر أو تبادر الغير علامة من علامات المجاز، فإن التبادر بحد ذاته علامة من علامات الحقيقة. فالتبادر – إذن – أداة كشف عن كون اللفظ إنما وضع للمعنى المتبادر. التبادر وإشكالية الدور: ولكن هذا التعريف لا يمرّ دون بروز إشكال مهم عليه، وهو: ان التبادر بهذا المعنى يستلزم الدور؛ لأن التبادر متوقفٌ على العلم بالوضع، والعلم بالوضع متوقف على التبادر أيضاً كما هو المفترض، فكيف تقولون بترتب العلم بالوضع على التبادر الذي جعل أمارة عليه، فإن هذا يستلزم الدور؟ فيكون رأيكم باطلاً بالتأكيد! ويُردُّ على هذا الإشكال بوجهين: الوجه الأول: بأن العلم بالوضع الذي يتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي به، بينما يكون العلم بالوضع الذي يتوقف التبادر عليه هو العلم الإجمالي الإرتكازي. وهذا التباين بين العلمين يرفع إشكال الدور، مع العلم بأن حديثنا هنا هو على صعيد التبادر عند الأفراد المستعملين للفظ فقط. الوجه الثاني: وهو: إذا اُريد بالتبادر عند أهل المحاورة من ذوي العلم بالوضع اللغوي، فيكون التباين بين العلمين أوضح على هذا النطاق، لأن العلم المتوقف على التبادر هو علم العالم بالوضع، والعلم الذي يتوقف عليه التبادر هو علم الجاهل بالوضع. التبادر وشرطه: وشرط التبادر هو أن يكون المعنى مستنداً إلى ما يحوق أو ما يحيط باللفظ، بحيث نعلم مسبقاً بهذا الاستناد. فإذا جهلنا هذا الاستناد وشككنا في نشوء التبادر في ذات اللفظ أو في القرينة، فلا نقدر – عندئذٍ – على جعل ذلك التبادر علامة من علامات الوضع، ولا نقدر أيضاً أن نحرز شرط الاستناد بزعم إيماننا بأصالة عدم القرينة، لأن هذا الأصل مما لا دليل على اعتباره في تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي. فلو علمنا بوضع لفظ (بحر) لذلك الخزان الطبيعي العظيم للمياه، وشككنا هل أن هذا المعنى الحقيقي هو مراد المتكلم أو مراده المعنى المجازي وهو (العالِم)، فبأصالة عدم القرينة يثبت أن مراد المتكلم هو المعنى الحقيقي. وأما إذا كان مراد المتكلم معلوماً، ولكننا شككنا هل هو أراد معناه الحقيقي أو معناه المجازي؟ هنا لا يثبت الجواب بأصالة عدم القرينة، لأن التبادر يستند إلى ما يحوق اللفظ. ثانياً : صحة السلب وعدمها ومن علامات الوضع ومحرزاته (عدم صحة السلب) الذي يسمى أيضاً بـ (صحة الحمل). وقد اُشكل على (صحة الحمل) بما اشكل على التبادر من استلزام الدور، فعدم صحة سلب لفظ (الاضطراب العقلي أو الجنون) عن الإنسان متوقف على العلم بوضعه لهذا المعنى، فإذا توقف العلم بوضعه له على عدم صحة سلبه عنه لاستلزم الدور. أقسام الحمل: ويقسم الحمل إلى قسمين: 1- الحمل الأولي الذاتي: وهو الحمل الذي يكون فيه الموضوع والمحمول متحدين مفهوماً وماهيةً؛ كحمل المترادفين أحدهما على الآخر مثل (الإنسان بشر). ويطلق على هذا الحمل بالحمل الأولي الذاتي لأن التصديق والتكذيب لا يجري إلاّ في الذاتيات، وهي أول مراتب الحمل. 2- الحمل الشائع الصناعي: وهو الحمل الذي يكون فيه الموضوع والمحمول متحدين في المصداق والوجود فقط، ومتغايرين في المفهوم والذات، مثل (زيد عالم). ويطلق عليه بالحمل الشائع الصناعي لشيوعه في العلوم والصناعات. والمناط في (صحة الحمل) التي هي علامة من علامات الوضع، هو أن صحة الوضع مرتبطة بكونه موضوعاً بالحمل الأولي الذاتي الذي يكون اعتباره اتحاد الموضوع والمحمول فيه مفهوماً، فمثلاً إذا حملنا معنى البشرية على الإنسان، أصبح هذا الحمل أمارة على كون معنى أي فرد من أفراد البشر حقيقي وهو الإنسان. أما الحمل الشائع الصناعي فلا يكون علامة للحقيقة أو للمجاز سواء كان المحمول كلياً والموضوع فرداً له مثل (زيد إنسان)، أو كان كلاهما كليين مثل (الإنسان ناطق)، و(الإنسان حيوان)، و(الإنسان أبيض) ونحوها. أما صحة السلب فهي علامة على كون المعنى مجازاً على نحو الإجمال، سواء كان مجازاً في الكلمة كما هو المشهور بـ (المجاز اللغوي) أو مجازاً في غيرها، كما هو مذهب السكاكي. ولكن المصنف آمن بأن صحة السلب مثل (سلب لفظ الأسد عن الرجل الشجاع فيقال: الرجل الشجاع ليس بأسد) من باب الحقيقة كما هو مذهب السكاكي، لا من باب المجاز في الكلمة كما هو المشهور عند النحاة. الإشكالات المثارة حول صحة السلب: ولكن يبرز هنا استفسار مهم وهو: كيف نستطيع تفسير المقولة بأن صحة السلب إنما تكون علامة للمجاز بناءً على مسلك المشهور بأن المجاز في الكلمة فقط، دون مسلك السكاكي الذي ينكر المجاز في الكلمة ويدعي بأن إطلاق اللفظ على المعنى في جميع الموارد إنما هو على نحو الحقيقة، وأن حدود المجاز لا تتجاوز الاسناد الذهني والأمر العقلي؟ يجاب على هذا الاستفسار بالقول: بأنه ليس هناك فرق كبير في علامة صحة السلب للمجاز بين مسلكي المشهور والسكاكي، لأن صحة سلب لفظ (الأسد) بمعناه المرتكز في الذهن عن الرجل الشجاع بقولنا: (الرجل الشجاع ليس بأسد)، يجعلنا نلحظ أن الرجل الشجاع – في هذه الحالة – ما هو إلاّ معنى مجازي للأسد كما آمن بذلك المشاهيـر من النحاة. أما عند السكاكي فإنه حقيقة ادعائية، لأن صحة السلب – في نظره – علامة عدم كون المعنى المسلوب معنى حقيقياً، بالرغم من أن الاستعمال كان حقيقة بنحو الادعاء. ولكن هنا يبرز إشكال جديد كان قد ورد في التبادر وهو: إذا كان المعنى الحقيقي متوقفاً على عدم صحة السلب، وإن عدم صحة السلب متوقف على معرفة المعنى الحقيقي، ألا يستلزم ذلك الدور؟ والجواب على ذلك: إن هذا لا يستلزم الدور، لأن العلم التفصيلي بكون المعنى موضوعاً له يتوقف على عدم صحة السلب، وعدم صحة السلب تتوقف على العلم الإجمالي الإرتكازي، وبذلك يكون الفرق بين العلمين بالإجمال والتفصيل. أضف إلى ذلك أن العلم بالمعنى الحقيقي بالنسبة والإضافة إلى المستعلِم الجاهل يتوقف على عدم صحة السلب، ويتوقف على صحة الحمل عند العالم باللغة. ثالثاً: الاطراد وعدمه ومعنى الاطراد هو شيوع استعمال اللفظ في المعنى من دون اختصاص بمقام معين، كلفظي (الإنسان) و(زيد) فإن استعمالهما في معنييهما غير مختص بمورد ما، على عكس استعمال كلمة (رقبة) في الذات فقط، فنستطيع أن نقول: (إعتق رقبة) ولكننا لا نستطيع أن نقول: (نامت رقبة) أو (استيقظت رقبة). فالاطراد علامة للحقيقة لأننا نستطيع أن نستعمل كلمة (الإنسان) في كل حيوان ناطق يكشف عن كونه حقيقة فيه، وهذا بخلاف المجاز فإنه لا يطرد استعمال (الأسد) في كل شبيه بالأسد ولكن استعماله محدود في بعض من يشبهه كالشجاع مثلاً وهو مجاز. هل أن الاطراد علامة للحقيقة والمجاز؟ ولكن هل نفهم من هذا بأن الاطراد علامة للحقيقة وللمجاز في وقت واحد، لوجود الاطراد في بعض المجازات كما ذكرنا ذلك في استعمال لفظ (الأسد) في الرجل الشجاع؟ في الجواب على ذلك، لابد من ذكر أقسام الاطراد. أقسام الاطراد: ويقسم الإطراد الى قسمين: الأول: الاطراد بحسب نوع العلاقة المصححة للاستعمال بحيث كلما تحققت هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى صح استعماله فيه، ومثال ذلك: استعمال لفظ (العالِم) في كل من تلبس بمبدأ العلم، فكلما تلبس فرد بالعلم صح استعمال كلمة (العالِم) فيه. الثاني: الاطراد بحسب صنف العلاقة المصححة للاستعمال بحيث إنه لو تحقق النوع بدون الصنف لم يصح الاستعمال، مثل استعمال لفظ (الأسد) في المشابه له؛ فالتشابه هنا يشار إليه بأنه (نوع العلاقة)، أما الشجاعة فإنما يشار إليها بـ (صنف العلاقة). فيكون الاطراد علامة للحقيقة فقط إذا لاحظنا نوع العلاقة المذكورة في المجازات. الاطراد والوضع: ولكن ورد هنا اعتراض على علامة الاطراد على الوضع؛ فقيل: إن الاطراد ليس ملازماً مساوياً للوضع حتى يكون أمارة عليه، بل هو لازم أعم من الوضع، ووجه الأعمية هو وجود الاطراد في المجاز أيضاً؛ حيث إن علاقة المشابهة في وصف (شجاعة الأسد) مثلاً توجب جواز استعمال لفظ (الأسد) في جميع موارد وجود هذه العلاقة! فردّ المصنف على هذا الاعتراض بالقول بأن الاطراد في المجازات يكون بملاحظة شخصية العلاقة، بحيث يكون شخص المستعمل فيه دخيلاً في صحة الاستعمال، لا بملاحظة نوع العلاقة كما هو شأن الاطراد في الحقائق، فنحن نستعمل لفظ (الأسد) مثلاً في الرجل الشجاع بسبب علاقة المشابهة بينهما، وإن كان مطرداً؛ فإن هذا الاطراد كان بملاحظة شخص هذه العلاقة، وهي علاقة المشابهة بينه وبين الرجل الشجاع بذاته. ولكن لا يصلح استعمال الاطراد في (الطير الشجاع) مع افتراض وجود الشجاعة فيه. وهذا بخلاف الاطراد في الحقائق، فإنه يكون بملاحظة نوع العلاقة من دون خصوصية لمورد الاستعمال فيه، ولذلك فإننا نلاحظ أن لفظ (العالِم) بملاحظة وضعه يصح ويطرد استعماله في كل فرد لديه القابلية على تحصيل العلم من دون خصوصية لمن اُستعمل فيه، فيطرد استعماله في (زيد) كما يطرد استعماله في (عمرو)، وهذا الاطراد يكشف عن أنه حقيقة في هذا المعنى. فالاطراد – إذن – علامة للحقيقة وعدمه بالنسبة إلى نوع العلاقة علامة للمجاز. رابعاً: التنصيص: وهو تنصيص واضع اللغة، ولا دليل عليه. (14) في تعارض الأحوال المشهور بين علماء اللغة أن للفظ خمسة أحوال طارئة في مقابل المعنى الحقيقي، وهي: 1- التجوز: وهو استعمال اللفظ بخلاف الموضوع له بسبب علاقة طبعية أو وضعية، ومثالها استعمال (الرقبة) عندما يُراد به الإنسان، و(الأسد) عندما يُراد به الرجل الشجاع. 2- الاشتراك: وهو تعدد وضع اللفظ، كلفظ (العين) المشترك بين عين الإنسان الباصرة وبين عين الذهب. 3- التخصيص: وهو قصر حكم العام على بعض أفراده عن طريق إخراج البعض الآخر، مثل: أكرم العلماء إلاّ الفساق. 4- النقل: وهو غلبة استعمال اللفظ الموضوع لمعنى في معنى آخر بحيث يهجر المعنى الأول، كلفظ (الصلاة) التي كان معناها الدعاء ثم غلب استعمالها في الصلاة الشرعية فهجر معناها الأول. 5- الإضمار: وهو تقدير شيء يتوقف الكلام عليه، مثلما قيل في الشعر العربي القديم: دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها؟ فالمعنى مضمر وهو مخاطبة محبوبته (أم غيّ). وهذه الألفاظ الخمسة لا تستعمل مقابل المعنى الحقيقي إلاّ بقرينة معينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي إلى المعنى الجديد. فلو تردد الفرد عند سماعه كلمة (صلّ) – وهو أمر شرعي – بين كونه وجوباً (وهو المعنى الحقيقي) أو استحباباً (وهو المعنى المجازي)، فإن عليه أن يحمل ذلك المعنى على الوجوب، لأن الاستحباب يحتاج إلى قرينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي. والوجه في تعين الحمل على المعنى الحقيقي عند عدم وجود القرينة، هو أصالة الحقيقة التي لا يمكن العدول عنها بأي شكل من الأشكال. وإذا كان لا خيارَ لنا إلا الاختيار بين هذه الالفاظ الخمسة لأسباب بلاغية أو بديعية، فإن هناك وجهاً استحسانياً – ليست له قيمة شرعية – كترجيح المجاز على الاشتراك مراعاةً لفصاحة اللغة مثلاً. إلاّ أن العبرة الشرعية في باب الألفاظ هو (الظهور) – أي ظهور اللفظ ووضوحه في المعنى المراد- دون غيره من الوجوه الاستحسانية، لأن (الظهور) حجة شرعية ببناء العقلاء. (15) الحقيقة الشرعية الحقيقة الشرعية تعني المخترعات الشرعية المتعلقة بالتكاليف كالطهارة والصلاة والصوم. وقد نشب الخلاف بين الأصوليين في ثبوتها أو عدم ثبوتها . أرآء الفقهاء حول الحقيقة الشرعية: إذا أردنا تشخيص الارآء المتعلقة بالحقيقة الشرعية، فقد ننتهي إلى ستة آراء: الأول: ثبوت الحقيقة الشرعية مطلقاً. الثاني: نفي الحقيقة الشرعية مطلقاً. الثالث: التفصيل والتفريق بين العبادات والمعاملات، فتثبت الحقيقة الشرعية في العبادات وتنتفي في المعاملات. الرابع: التفصيل بين الالفاظ الكثيرة التداول كالصلاة والصيام والبيع ونحوها وبين غيرها، فالحقيقة الشرعية ثابتة في الألفاظ الكثيرة التداول كالصلاة والصيام والبيع (عبادات كانت أو معاملات)، وغير موجودة في غير تلك الالفاظ (حتى لو كانت من باب العبادات أو المعاملات). الخامس: التفصيل بين عصر رسول الله (ص) وبين عصر الصادقين (ع)؛ حيث لا توجد حقيقة شرعية في عصر الرسول (ص)، بينما تكون الحقيقة الشرعية موجودة وثابتة في عصر الصادقين (ع). السادس: التفصيل بين الالفاظ الكثيرة التداول في زمن المعصوم (ع) وما بعده، وبين غيرها من الالفاظ. الوضع التعييني والوضع التعيني: ولاشك فإننا لا نفهم الحقيقة الشرعية ما لم نفهم طبيعة الوضع التعييني والوضع التعيني. فالوضع التعييني: هو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، ويحصل بالتصريح بإنشاء ذلك اللفظ كما لو ولِدَ لك ولدٌ سميته علياً، فهذا الوضع هو وضع تعييني ابتدائي. ويحصل أيضاً باستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما لو ولِدَ لك ولدٌ وحين سماعك بالحدث السعيد قلت لأمه: (أعطيني الهادي) وقصدتَ بهذا الاستعمال وضع لفظ (الهادي) لابنكَ. وهذا الوضع هو وضع تعييني استعمالي، لا يحتاج إلى قرينة. أما الوضع التعيني: فهو اختصاص اللفظ بالمعنى بسبب علقة حاصلة بينهما نشأت من كثرة استعمال اللفظ فيه. وقد يحصل أحياناً أن الوضع التعييني الاستعمالي قد يأتي مع نصب القرينة، إلاّ أن تلك القرينة – فيما إذا اُستعملت هناك – تدلّ فقط على القصد لا على إرادة المعنى كما في المجاز. الاستعمال بين التعين والتعيين: ولربّ سائل يسأل: لو استعمل الأفراد لفظاً لم يوضع بقصد الوضع، فإن هذا الاستعمال لا يمكن اعتباره حقيقياً لعدم سبقه بالوضع، ولا يمكن اعتباره مجازاً لعدم وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي؛ فكيف تفسرون ذلك؟ والجواب على ذلك: إذا كان ذلك الاستعمال مما تقبله الطبيعة الإنسانية ولا تستنكره، فلا ضيـر في ذلك الاستعمال. وقد ذكرنا في الأمر الرابع أن هناك بعض الاستعمالات الشائعة التي لا تعتبـر حقيقة ولا مجازاً، كما إذا أطلق اللفظ وأريد به نوعه أو مثله أو صنفه أو شخصه. ولاشك أن الادعاء بأن الألفاظ المتداولة زمن الشارع إنما وضعت وضعاً تعيينياً ادعاء قريب من الواقع؛ فقوله (ص): (صلوا كما رأيتموني أصلي) أو (خذوا عني مناسككم) مع قرينة فعله (ص) لتلك الأركان المخصوصة، يدلّ على أن تبادر المعاني الشرعية المجعولة كان من ثمرات الوضع التعييني. إلاّ أن هذا الدليل أعم من المدعى، فالدليل المذكور يدلّ على مطلق الوضع لا الوضع التعييني الاستعمالي. أما الادعاء بأن الألفاظ المتداولة في زمن الشارع إنما وضعت وضعاً تعينياً، فإنما يؤيده عدم وجود علاقة معتبـرة بين المعاني الشرعية التي استحدثها الإسلام والمعاني اللغوية، فلو لم تكن هذه الالفاظ موضوعة للمعاني الشرعية لكان استعمالها فيها مجازاً، والمجازية تحتاج إلى علاقة عضوية بين المعنى الشرعي واللغوي، ولما كانت تلك العلاقة غير موجودة ، فإنه لا يمكن أن تكون مجازاً. فإذا لم تكن مجازاً فإنها لابد أن تكون معنى حقيقياً، فأي علاقة بين الصلاة شرعاً والصلاة لغة التي هي بمعنى الدعاء ما لم يكن الوضع وضعاً تعيّنياً ؟ استعمال الجزء في الكل: أما إذا كان الزعم بأن العلاقة العضوية الناشئة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي كانت موجودة بالأصل، فإن الدعاء هو جزء من أجزاء الصلاة المخترعة من قبل الشارع، واستعمال الصلاة في المركب من دعاء وغيره هو من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل ، فكيف يصح ذلك؟ فإنه يجاب على ذلك بالجواب التالي: أولاً: إننا لم نجعل حاجة المجازية إلى العلاقة العضوية دليلاً، بل هو مؤيداً لدليل آخر ذكرناه. ثانياً: إن مجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبـر من علاقة الجزء والكل بينهما، فشرط هذه العلاقة هو كون الجزء مما ينتفي الكل بانتفائه، والدعاء في الصلاة ليست من هذا الشكل. مذهب الباقلاني في ألفاظ العبادات: وكل ما ناقشناه من كون الألفاظ موضوعة بالوضع التعييني مبنيٌّ على كون معانيها مستحدثة في الشريعة الإسلامية، وأما ما ذهب إليه الباقلاني من كونها ثابتة في الشرائع السابقة كالصيام في قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكم...)[4]، والحج في قوله تعالى: (وأذِّنْ في النّاسِ بالحجِ...)[5]، والصلاة في قوله تعالى: (...وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيّاً)[6]، فإن هذه الألفاظ القريبة من معاني الإسلام هي حقائق لغوية وليست مستحدثات شرعية، ولاشك أن اختلاف هذه الألفاظ الشرعية في الأجزاء والشروط لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية؛ فالصلاة مثلاً على اختلاف أجزائها وشرائطها في اليهودية والنصرانية والإسلام تعتبـر صلاة في حقيقتها وماهيتها، فالاختلاف – إذن – في المصاديق لا غير. فلا يمكن أن تكون ألفاظ العبادات هذه، حقائق شرعية، ولا يمكن – بأي شكل من الأشكال- أن نهمل احتمال حصول الوضع التعيني في زمن الشارع وعلى لسانه (ص). ثمرة القولين في الحقيقة الشرعية: وثمرة القولين المتضاربين في الحقيقة الشرعية هو التالي: مع عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فإن اللفظ الواقع زمن الشارع يحمل بلا قرينة على معناه اللغوي، ومع ثبوت الحقيقة الشرعية، فإن اللفظ الواقع زمن الشارع يحمل على معناه الشرعي. وتفصيل ذلك: أولاً: إنه إذا علم تاريخ النقل والاستعمال، فإن اللفظ يحمل على المعنى اللغوي فيما إذا علم تأخر الوضع، وعلى المعنى الشرعي فيما إذا علم تأخر الاستعمال. ثانياً: إذا جهل تأريخ النقل والاستعمال، ففي حمل اللفظ الواقع في كلام الشارع على المعنى الشرعي أو اللغوي إشكال وتأمل، فليس لدينا أصل يعيّن أحدهما، ويمكن شرح ذلك عبر النقاط التالية: أ- أما أصالة تأخر الاستعمال – شرعاً- (أي الاستصحاب الشرعي) فإنه مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع غير مفيدة هنا، لأنها على افتراض عدم المعارضة إنما تجري إذا كان للمستصحب أثر شرعي. ولا دليل على اعتبارها تعبداً إذا كان الأثر مترتباً ولكن بالواسطة، إلا على القول بالأصل المثبت، ولا يقول به المصنّف كما تقرر في محله؛ وذلك لأن وصف تأخر الحادث – أي تأخر الاستعمال عن الوضع – لازم عقلي للمستصحب، وهو عدم تحقق الاستعمال الى زمن الوضع، لكن المفترض أن الأثر (وهو الحمل على المعاني الشرعية) لا يترتب على نفس المستصحب، بل على لازمه العقلي (وهو تأخر الاستعمال عن الوضع) وقد تقرر في محله عدم حجية الأصل المثبت. ب- وأما أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع (عقلاً) فإنه لم يثبت بناءٌ من العقلاء على التأخر مع الشك في كونه مؤخراً أو لا. ج- وأما أصالة عدم النقل المثبتة للمعنى اللغوي فلا علاقة لها بالمقام، لأنها كانت معتبـرة فيما إذا شك في أصل النقل من المعنى الأول إلى المعنى الثاني، لا في مثل ما نحن فيه حيث علمنا بحصول النقل ولكن شككنا في تأخره عن الاستعمال أو تقدمه عليه. (نهاية ص 76)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
|