|
(ص 1 - 35)
الغايةُ في شرح الكفاية (شرح مفصل لكتاب كفاية الأُصول) القسم الأول
السيد زهير الاعرجي ------------------------------------ المطبعة: ستارة الطبعة الأُولى: ربيع الأول 1424هـ ------------------------------------ بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على محمدٍ رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد: فهذه وريقات كتبتها لنفسي في أوقات التحصيل منذ أمدٍ بعيد، كان هدفها فكّ عبارات كتاب (كفاية الأُصول) للعلامة الشيخ محمد كاظم الخراساني الملقب بالآخوند (ت 1329 هـ) رضوان الله عليه. وكتاب (كفاية الأصول) من أروع الكتب الأُصولية وأجودها وأدقها من الزاوية الفلسفية، كما أشار إلى ذلك العلامة أغا بزرك الطهراني في الذريعة، فقد قال حول الكتاب: (... وقد أدخل [المصنّف] المسائل الفلسفية في الأصول أكثر ممن قبله من مؤلفي الرسائل والفصول والقوانين)[1]. ويحتوي شرحنا هذا على ثلاثة أبواب، هي: 1- الباب الأول: شرح مبسوط للكفاية، حاولنا فيه استخراج زبدة الموضوع المبحوث وعرضها ببساطة ووضوح ودون تعقيد. 2- الباب الثاني: شرح مزجي للكفاية، حيث حاولنا شرح المتن مباشرة حتى لا نفقد العمق الفكري والفلسفي للكتاب. 3- الباب الثالث: نظرات في فلسفة اللغة ومباحث الألفاظ، وهو يعرض للنظريات الحديثة في هذا الموضوع. وهذه المنهجية في شرح الكتاب تمنح طالب العلم نظرة شمولية لمباحث الكتاب. وسوف تتوالى بقية الشروح تباعاً إن شاء الله تعالى. بقيت ملاحظات فنية ينبغي عرضها عبر النقاط التالية: 1- تفكيك عبارات الكفاية ومفاهيمها إلى أجزاء مرقمة في الشرحين المبسوط والمزجي، أي أنّ الجزء المرقم برقم (10) في الشرح المبسوط يطابق الجزء المرقم برقم (10) في الشرح المزجي. 2- وضع عبارات الكفاية في الشرح المزجي بلون أسود غليظ، حتى يتيسر قراءة نص الكتاب، بينما جاء الشرح المزجي بين الأقواس. 3- وضع الباب الثالث من أجل فتح نافذة ذهنية للطالب، كي يمارس مقداراً من الرياضة الفكرية، ويطلع على الأفكار الحديثة في معاني الألفاظ. وله سبحانه وتعالى الشكر على إتمام النعمة، وقبول العمل، وغفران الزلل، وحسن العاقبة في المبدأ والمآل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. زهير طالب الأعرجي الأول من محرم الحرام 1420هـ ------------------------------------ الباب الأول شرح مبسوط لكفاية الأُصول ------------------------------------ بسم الله الرحمن الرحيم (1) موضوع العلم يتكون العلم – عند المتقدمين من الفلاسفة – من أجزاء ثلاثة مركبة. أجزاء العلم: وتلك الأجزاء هي: 1- الأشياء التي تبحث عن خصائص العلم والآثار الناتجة عنه. وهذا ما يطلق عليه بـ (موضوع العلم)، ومثالها: الكلمة في علم النحو، أو العنصر في علم الكيمياء. أما ما يسمى بـ (الأعراض الذاتية) فهي ماهيات وخصائص ذلك العلم وآثاره كالرفع والنصب والجر في علم النحو، والتفاعلات الكيميائية في علم الكيمياء. فالبحث عن عوارض الكلمة يطلق عليه اسم (موضوع) علم النحو، والبحث عن عوارض العناصر الكيميائية يطلق عليه اسم (موضوع) علم الكيمياء. 2- القضايا التي يقع فيها البحث، وتسمى بـ (المسائل). ومثالها: رفع الفاعل والمبتدأ، ونصب المفعول وخبـر (كان) الناقصة وأخواتها، واسم الحروف المشبهة بالفعل، وجر المضاف إليه والمجرور بالحروف الجارة. 3- (المبادئ)، وهي التي تبتني عليها المسائل. وهي على نوعين: المبادئ التصورية التي تفيد تصور أطراف المسألة، والمبادئ التصديقية وهي التي تفيد التصديق بالقضية المأخوذة في دليل المسألة. الأعراض الذاتية: وبطبيعة الحال فإن الحديث عن (الأعراض الذاتية) يقودنا إلى مناقشة مسألتين: الأولى: معنى الأعراض، تتناول معاجم اللغة العربية معنى (عَرَضَ) الشيءُ – عَرْضاً ، وعرُوضاً : أي ظَهَرَ وأشرف. يقال عرضَ له عارضٌ [2]. والعرضي في المنطق هو ما يقابل الذاتي، أي ما قام بغيره (ضد الجوهر) كالبياض والطول والقصر. والعرض المستخدم هنا هو بمعناه المنطقي وليس بمعناه اللغوي. الثانية: قانون (الذاتية)الذي آمن به غالبية علماء المنطق. فـ(الذاتية) أو (الهوية) أو (هو هو)كلها تشير إلى كون الشيء المعين هو، بمعنى: إنه عين ذاته. كما لو قلنا: إن (ب هي ب) أو (كل موجود إنما هو موجود)، فالذاتية هنا هي التمسك بضرورة بقاء الشيء على ما هو عليه في السياق الواحد. وهذا المبدأ مهم في موضوع العلم؛ لأن أركان العلم تقتضي أن تبقى حقائق الأشياء ثابتة قابلة للتحديد. فإذا ألغينا (قانون الذاتية) جدلاً فإنّ ذلك سيؤدي إلى ظهور (الشك)؛ لأننا إذا افترضنا أنّ الأشياء لا توصف بخصائص أو تعريفات ثابتة، فقد أبطلنا الحقيقة اليقينية، ووقعنا في فخ نصبناه لأنفسنا، وهو نسبة دلالات متغيرة إلى الأشياء، وبذلك يستحيل معها فهم أي علم. مصطلحات (العرض): ونحن هنا أمام ثلاثة مصطلحات مهمة لابد من معرفة معناها، وهي: (العرض الذاتي)، و(العرض الغريب)، و(الواسطة في العروض). فـ (العرض الذاتي) هو ماهية الشيء المعروضة أو الظاهرة من قبل ذاته، أو بتعبيـر آخر العرض المنتزع عن مقام الذات، كإدراك الكليات بالنسبة للإنسان. وبمعنى ثالث أنه العرض المحمول على المعروض حقيقة بحيث لا يصح سلبه عنه، فنحن لا نستطيع أن نسلب عملية التفكير عن الإنسان؛ لأنها عرض محمول عليه. و(العرض الغريب) هو ما يُعرض على الشيء بواسطة، كحرارة الماء، فهي ناتجة عن عرض غريب؛ لأن عروض الحرارة على الماء إنما تكون عن طريق أمر خارج. و(الواسطة في العروض) هو أنّ العرض أو الوصف إنما يعرض على الواسطة ويحمل عليها، ومثالها: حركة الواقف على سطح سفينة، أو حركة الجالس في مقعد طائرة، فإن الحركة أولاً وبالذات تعرض على السفينة أو الطائرة وتسند إليها. وثانياً فإنّ الحركة تعرض عرضاً على الواقف أو الجالس وتحمل عليه، من باب الوصف بحال المتعلَق. وطالما قسّمنا العرض إلى ذاتي وغريب، فلابد لنا من معرفة فروعهما. العرض الذاتي: وله ثلاثة فروع، وهي: الأول: ما يعرض للشيء أولاً وبالذات، ومثاله: عروض التعجب للإنسان. فحتى الأعمى يتعجب، مع أنه لا يرى الأشياء الخارجية؛ لأن التعجب عرض ذاتي لكل إنسان. الثاني: ما يعرض للشيء بواسطة داخلية مساوية للمعروض، ومثاله: التكلم العارض للإنسان بواسطة الناطقية التي تعتبر قضية ذاتية مساوية له. فإذا نفيت الناطقية مثلاً بالخرس – الذي هو واسطة داخلية أيضاً بالنسبة للناطق السليم – عجز الفرد عن التكلم. فالتكلم (المعروض) على الإنسان لا يتم إلاّ بوجود الناطقية (وهي الواسطة الداخلية)، فالتكلم والناطقية عرضان ذاتيان من أعراض الإنسان. الثالث: ما يعرض للشيء بواسطة أمر أعم منه، ومثاله: الحركة الإرادية العارضة للإنسان بواسطة جزئه الأعم وهو الحيوان. وهذه الحركة – مع أنها داخلية وذاتية – إلاّ أنها غير منحصرة بالإنسان، بل تعم جميع الحيوانات. العرض الغريب: وله أربعة فروع، وهي: الأول: ما يعرض بواسطة أمر مباين للمعروض، ومثاله: الحرارة العارضة للماء بواسطة النار المباينة له. فالماء والنار شيئان مختلفان في المادة، ولذلك فإن أحدهما غريب على الآخر. الثاني: ما يعرض للشيء بواسطة أمر خارجي مساوٍ للمعروض، ومثاله: الضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب المساوي له. فإذا كان التعجب أمراً داخلياً ذاتياً عند الإنسان، فإن الضحك لابد أن يكون أمراً خارجياً؛ لأنه لا يحصل – عادةً – إلا بتأثير خارجي. ولذلك فنحن نوصم الأفراد الذين يضحكون لنكات لا يلتفت إليها الآخرون بالجنون. فالضحك والتعجب إذن أمران مختلفان، أحدهما غريب عن الآخر، إلا أنّ أصل التساوي بينهما هو أنهما يصدران من نفس الجهة وهي الإنسان. الثالث: ما يعرض للشيء بواسطة أمر خارجي أعم من المعروض، ومثاله: التحيـز العارض للأبيض بواسطة جسم أعم من الأبيض. وقد تضاربت الآراء حول هذا الفرع، ولم يعدّه بعضهم من الأعراض الغريبة. الرابع: ما يعرض للشيء بواسطة أمر خارجي أخصّ من المعروض، ومثاله: الضحك العارض للانسان بواسطة إنسان آخر الذي هو أخص من الحيوان. الواسطة في العروض: وهي على ثلاثة أقسام: الأول: الواسطة الثبوتية، والمراد بها العلّة لوجود شيء، وهو المعروض لعروضه. ومثالها: علّية النار للحرارة، والماء للبرودة. الثاني: الواسطة الإثباتية، وهي العلّة للعلم والتصديق بوجود شيء، ومثالها: علّية الدخان للعلم بوجود النار. الثالث: الواسطة في العروض أو (الواسطة العروضية)، والمراد بها أنّ العرض إنما يُعرض ابتداءً للواسطة. أمّا نسبته إلى المعروض فهي من قبيل الوصف بحال المتعلَق . ومثالها: إسناد الحركة إلى الفرد الواقف على سطح السفينة أو الجالس على مقعد الطائرة، كما ذكرنا ذلك سابقاً. فإن الحركة تحمل على السفينة أو الطائرة حقيقة، وعلى الجالس مجازاً، ولذا يصحّ سلبها عنه. فالواسطة في العروض هي الواسطة في الحمل. والحركة محمولة على السفينة بالأصل (حقيقة)، ولكنها حُملت على الجالس، وهو الواسطة، (مجازاً). موضوع العلم: وبعد أن تبيّنت لنا معاني (العرض الذاتي)، و(العرض الغريب)، و(الواسطة في العروض) نرجع الآن الى مناقشة موضوع العلم. فموضوع العلم – أي علم كان على الإطلاق – إنما هو الذي يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي بلا واسطة في العروض. ومعناها أنّ موضوع العلم إنما يتشكل عن طريق البحث في العوارض الذاتية أو قل (الأركان الذاتية) لذلك العلم، والتي لا يمكن سلبها عنه بأي حالٍ من الأحوال. فوجوب صوم شهر رمضان، وحرمة الإفطار المتعمد فيه مثلاً من مسائل علم الفقه، لكون (الوجوب) و(الحرمة) محمولين على (الصيام) و(الافطار المتعمد) اللذان يعدّان من أفعال المكلّف حقيقة، أي بشكل مباشر وبلا واسطة تنسب لطرف آخر. وكذلك الحال في حجية خبـر الواحد – في علم الأُصول – عن طريق الأمر الشرعي الذي يختلف عن الخبـر في المعنى والموضوع. فهي على هذا الضابط داخلة في العرض الذاتي. وشرح ذلك أن الحجية محمولة على الخبـر حقيقة، ولذا لا يصح سلبها عنه وإن كان لها واسطة ثبوتية، وهي الأمر أو الجعل الشرعي، وواسطة إثباتية، وهي أدلّة حجية الخبـر من الكتاب والسنّة. فالبحث عن حجية الخبـر داخل في المسائل الأُصولية. وبطبيعة الحال، فإنّ موضوع العلم – أي علمٍ كان – هو نفس موضوعات مسائله عيناً. ولكن، قد يبـرز هنا إشكال يفترض أنّ الرفع والنصب والجرّ في النحو أعراض غريبة بالنسبة إلى الكلمة؛ لأنها إنما تلحق الكلمة بواسطة أمر خارج أخصّ، وهو الفاعلية والمفعولية والإضافة، واُجيب على هذا الإشكال بأنّ الفرق المزعوم بين موضوع العلم وموضوعات مسائله ينحلّ إذا علمنا بأنّ موضوع العلم يغاير موضوعات مسائله مفهوماً، بحيث إنّ مفهوم الكلمة شيء، ومفهوم الفاعل شيء آخر، ومفهوم المفعول شيء ثالث، وهذا التغاير من قبيل تغاير مفهوم الإنسان (الكلي) لمفهوم أفراده (أو مصاديقه) كزيد وعمرو. وبالتالي، فإن موضوع العلم هو نفس موضوعات مسائله عيناً وإن كان يغايرها مفهوماً. (2) مسائل العلم أما المسائل، فهي أحد أجزاء العلوم الثلاثة (الموضوعات، المسائل، المبادئ). والمسائل هي جملة من قضايا متشتتة ومتفرقة يجمعها الاشتراك في الغرض أو الهدف الذي من أجله دوّن العلم. فالعلوم ما هي إلا أساّمٍ لمسائلها، وذلك لسببين: الأول: أن موضوع العلم متحدٌ مع موضوعات مسائله. الثاني: انّ محمولات المسائل أعراضٌ ذاتية لموضوعاتها. وتوضيح ذلك: إن القول في علم النحو: الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، إنما يعكس أنّ محمولات هذه المسائل النحوية، كالرفع والنصب إنما هي ثابتة لموضوعاتها، كالفاعل والمفعول ونحوها. وحدة الغرض: ونستنتج من ذلك أنّ توجـه العقلاء نحو تدوين المسائل المختلفة – موضوعاً ومحمولاً – وصياغتها لتكون علماً واحداً، إنما يرجع الى وحدة الغرض أو الهدف الذي من أجله دوّنت هذه المسائل، لا وحدة الموضوعات أو المحمولات، ولذا قيل: "إن تمايز العلوم بتمايز الأغراض لا الموضوعات ولا المحمولات". ولكن هذا لا يعني أنّ العلوم لا تتداخل فيما بينها، فقد تتداخل بعض المسائل مما كان له دخل في غرضين مهمين، مثل القول بأنّ (للأمر دلالة على الوجوب)، فهذه المسألة لغوية وأُصولية، فيتداخل هنا علما اللغة والأُصول. ولكن يبـرز هنا إشكال وهو: هل يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما إذا كان هناك هدفان مهمان تلازما في الترتب على جملة من القضايا، بحيث لا يمكـن انفكاكهمـا ؟ وبمعنى آخر هل يمكـن – عقلاً – أن ينشىء الأفراد علمين متداخلين في جميع مسائلهما تماماً، كما لو اُنشىء علمان في الفيزياء يتعاملان مع نفس القضايا تماماً أو علمان للنحو أو علمان للأُصول؟ والجواب على هذا الإشكال هو: إن هذا غير ممكن لسببين أو وجهين: أحدهما: أنّ هذا الافتراض بعيد عن العرف العقلائي عادةً. وثانيهما: أنّ العقلاء لا يقرّون – على صعيد الحسن العقلي على الأقل – تدوين علمين متداخلين في جميع مسائلهما تماماً، بل لابد من تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لأحد الغرضين، وأُخرى للغرض الآخر، كالتداخل المعروف في علمي الفيزياء والكيمياء مثلاً، أو علمي النحو والأُصول. تمايز العلوم باختلاف الأغراض: ولابد من التأكيد على أنّ تمايز العلوم إنما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا باختلاف الموضوعات ولا بتباين المحمولات. فكما أنّ الموضوع في باب (الفاعل) غير الموضوع في باب (المفعول) في علم النحو، فإننا إذا آمنا بأنّ تميز العلوم تتم بتمايز الموضوعات لزم أنْ يكون باب (الفاعل) علماً على حدة، وكذلك باب (المفعول) علماً آخر. ولكن هذا التفكير بعيد عن الواقع العقلائي. وكذلك لو قلنا: إن (الفاعل مرفوع)، أو إنّ (الفاعل ظاهر)، أو إنّ (الفاعل مضمر) لزم من اختلاف المحمولات في هذه القضايا تمايز العلوم. ولكن هذا التفكير كسابقه بعيدٌ عن منحى العقلاء. أضف إلى ذلك أنّ وحدة الموضوع والمحمول في القضايا ليست سبباً في تمايز العلوم؛ لأنّ وحدة المسائل موضوعاً ومحمولاً لا يمكن أنْ تكون سبباً لوحدة الغرض المترتب عليها. النسبة بين أغراض العلوم: ولما كانت العلوم الدينية والإنسانية تجتمع في موارد معينة وتفترق، فلابد لنا من تحديد النسبة بين أغراض تلك العلوم وأهدافها. فهناك في واقع الأمر أربع نسب تخص كل غرض من أغراض العلوم الى الغرض الآخر. الأُولى: التباين، ومثالها النسبة بين الغرض من علم الفيزياء والغرض من علم الأُصول مثلاً. الثانية: العموم المطلق، كالغرض من علم النحو بمعناه الأعم والغرض من علم الصرف. الثالثة: العموم من وجه، كالغرض من علم المنطق والغرض من علم الرياضيات. الرابعة: التلازم، كمعرفة المعربات والمبنيات المرتبتين على علم النحو، على افتراض انهما غرضان مستقلان. (3) مبادئ العلم أما المبادئ فهي الجزء الثالث من أجزاء العلوم. والمبادئ هي مجموعة تعاريف موضوعات المسائل، وما يبدأ به قبل الشروع في مقاصد العلم، كتصور الموضوع وإدراك الأعراض الذاتية وعرض التصديقات، أو معرفة الحدود والغاية وبيان الموضوع. وهي على نوعين: تصديقية، وتصورية. المبادئ التصديقية: وهي المبادئ التي سميت بذلك لكونها موجبة للتصديق بثبوت محمولات مسائل العلم لموضوعاتها، كما هو القول في علم النحو (الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب). فهذه مبادئ تصديقية؛ لان الرفع والنصب ثابت – تصديقياً – لموضوعات علم النحو، كالفاعل والمفعول. فالتصديق – كاعتقاد – إنما يتعلق بالحكم بين شيئين، ومجاله النسبة في الجملة الخبرية. فحينما نقول: (الأمرُ دلالةٌ على الوجوب)، نفهم أننا أمام جملة خبرية مكونة من مسند إليه، وهو (الأمر)، ومسند وهو (دلالةٌ على الوجوب)، ونسبة بين المسند إليه والمسند وهي (الحكم) على الأمر بالوجوب. المبادئ التصورية: وهي حدود موضوعات المسائل ومحمولاتها، ومثالها في علم النحو: تعريف الموضوعات، كالفاعل والمبتدأ والخبر ونحوها، وتعريف الرفع والنصب المحمولة على تلك الموضوعات. المبادئ الأحكامية: وقد أضاف المحقق النائيني قسماً ثالثاً من المبادئ لعلم الأصول سُميت بالمبادئ الأحكامية، وهي التي تتوقف عليها معرفة الأحكام الشرعية من التكليفية والوضعية بأقسامهما. ووجه اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأُصول هو أننا نستطيع أن نستنتج منها الحكم الشرعي؛ لأن هذه المبادئ تقع في طريق استنباطه. وقد تعرضت هذه الفكرة لانتقادات كثيرة لا مجال لسردها أو مناقشتها، فلتراجع في مضانها. التمايز بين العلوم: ولما كانت (المبادئ) عبارة عن الأُمور التي تبتني عليها مسائل العلم، فلابد أن تكون قضية التمايز بين العلوم المختلفة من قضايا مبادئ العلم. وهناك ثلاثة أقوال في ذلك: 1- أن يكون مرد التمايز بين العلوم إلى الأمر الجامع بين الموضوعات، والمسمى بموضوع العلم. ولكن الجامع بين الموضوعات لا يكون مائزاً بين العلوم؛ لأنه يستلزم عدم التداخل في المسائل التي تخص ذلك العلم. 2- أن يكون مرد التمايز بين العلوم إلى الأمر الجامع بين المحمولات. وهذا غير صحيح أيضاً، ويرد عليه الإشكال الأول. 3- أن يكون مرد التمايز بين العلوم إلى الأغراض والأهداف التي من أجلها صممت تلك العلوم. وهذا هو الرأي المختار من قبل المصنف. (4) موضوع علم الأصول موموضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة أو المتباينة. ولاشك أنّ معرفة الكلي تستلزم معرفة جزئياته. علم الأُصول والأدلة الأربعة: ولكن يطرح هنا سؤال مهم وهو: هل إنّ موضوع علم الأُصول هو خصوص الأدلة الأربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل: أ- بما هي أدلّة. ب- أو بما هي هي (أي بذواتها من دون النظر إلى كونها أدلّة) ؟ أجاب صاحب الكفايـة على طرفـي الإشكال بالنفي، مدعياً – بخصوص الطرف الأول (أ) – عدم اتحاد موضوع علم الأُصول مع موضوعات مسائله المزعومة (وهي خصوص الأدلّة الأربعة)؛ لأن ذلك يُخرج أكثر مباحث الألفاظ، كالأوامر والنواهي والعموم عن علم الأُصول؛ لأن البحث في مباحث الألفاظ هذه ليس بحثاً عن الأعراض الذاتية للأدلة الأربعة. فالزعم بأن علم الأُصول هو خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلّة يخالف – بالتأكيد – واقع علم الأُصول. أما إذا كان الإشكال ان الموضوع هو الأدلّة الأربعة (بما هي هي) أي بذواتها من دون نظر إلى كونها أدلّة – وهو خصوص الطرف الثاني (ب) – فإنه يُرّد عليه بالنفي لوجهين: الأول: خروج جملة من المسائل الأُصولية عن علم الأُصول ودخولها في المبادئ، كمباحث الألفاظ أيضاً وحجية خبـر الواحد ونحوها؛ لأنها ليست من عوارض الأدلة الأربعة. الثاني: دخول ما ليس في علم الأصول إليه كالتفسير والتجويد وعلم القراءات وعلم الحديث، لأنها تبحث عن أحوال الكتاب والسنّة. الخبر مجرد حاكٍ للسنّة: ولاشك أن البحث عن بعض مسائل الأُصول المهمة كحجية الخبـر مثلاً ليست بحثاً عن عوارض الكتاب والإجماع والعقل، وليست بحثاً عن عوارض السنّة (التي هي نفس قول المعصوم عليه السلام أو فعله أو تقريره). ومن المسلّم به أنّ الخبـر حاكٍ عن السنّة، ولا نتصور أن يكون الخبـر هو السنّة ذاتها حتى تكون حجيته من عوارضها. فلا يمكن أن نُرجع حجية الخبـر إلى عوارض السنّة بمعناها المصطلح سواءً كانت السنّة بذاتها موضوعاً أو بوصف دليليتها. وبعبارة أُخرى لو كان موضوع علم الأُصول هو الأدلة الأربعة بما هي أدلّة أو بما هي هي، إذن لزم خروج عمدة مباحث التعادل والترجيح، ومبحث خبـر الواحد عن علم الأُصول. والسبب في ذلك أنّ التعادل والترجيح والحجية من عوارض الخبـر. ومن المستحيل أن نتصور كون الخبـر من عوارض السنّة أو من عوارض الكتاب أو من عوارض الإجماع أو من عوارض العقل. فالخبـر ليس من السنّة؛ لأنّ السنّة عبارة عن قول المعصوم (ع) وفعله وتقريره، والخبـر حاكٍ لأحدها ولا يعتبـر جزءاً منها. واعتبار كون الخبـر ليس من عوارض الكتاب والإجماع والعقل واضح، ولا يحتاج الى مزيد بيان. هل يمكن إرجاع البحوث الى السنّة ؟ وهنا يبـرز استفساران مهمان: الأول: هل يمكن إرجاع هذين البحثين (أي مسألة التعادل والترجيح، ومسألة خبـر الواحد) إلى السنّة، وذلك بالقول بأن مرجع مسألة التعادل والترجيح للسنّة إنما تثبت بالخبـر الصادر عن المعصوم (ع)؟ الثاني: هل إنّ مرجع مسألة الخبـر الواحد للسنّة لا تثبت إلاّ بما يفيد القطع؟ وقبل الجواب على ذلك لابد من أن نمهّد لمقدمة، وهي: إننا ندرس في علم النحو أنّ (كان) على قسمين: الأول: (كان) التامة وهي التي تخبـر عن وجود الشيء فحسب، مثل كانَ زيدٌ (أي وجد زيدٌ). الثاني: (كان) الناقصة وهي التي تخبـر عن أوصاف الشيء بعد ثبوت وجوده، مثل (كان زيدٌ قائماً). ويتبين من هذا التقسيم أن الوجود في القسم الأول محمول على الموضوع، وفي القسم الثاني أنّ الوجود مرتبطٌ بالقيام. ونرجع الآن الى الجواب على الاستفسارين السابقين ونقول: أ- إن كان المراد بالمحمول - في الزعم القائل بأنّ السنّة تثبت بخبـر الواحد – الثبوت الواقعي، بمعنى أنّ السنّة موجودة وثابتة كما هو حال مفاد (كان) التامة؟ فلنا ردٌّ على ذلك (حسب رأي صاحب الكفاية) وهو: 1- إنّ البحث عن وجود الدليل ليس من مباحث العلم؛ لأنه بحث عن وجود الموضوع. أما أبحاث العلم فهي عبارة عن مباحث أعراض الموضوع ، التي هي مفاد (كان) الناقصة. 2- لا معنى لبحث السنّة الواقعية، إذا كنا يقيناً نعلم بوجودها. ب- وإن كان المراد بالمحمول الثبوت التعبدي، بمعنى أنّ خبـر الواحد – الذي نعتبـره سنّة تعبدية – هل هو حجة أو لا؟ يُردّ على هذا بالقول بأنّ أصل الحجية لم يعرض على السنّة (التي هي قول المعصوم وفعله وتقريره) بل عرض على حاكي السنّة، وهو خبـر الواحد، وبالنتيجة فهو عارض لغير موضوع العلم. هل يمكن إدخال البحثين في علم الأُصول؟ وهنا يبـرز اعتراضان فرعيان، وهما: الأول: إذا كان الزعم بأننا نستطيع أن نرجع ثبوت السنّة بخبـر الواحد في مسألة حجية الخبـر ومسألة التعادل والترجيح إلى علم الأُصول زعماً صحيحاً، فهل نستطيع أن ندخل بحث حجية الخبـر وبحث التعادل في علم الأُصول؟ والجواب على ذلك أنّ ارجاع المبحثين في دفع الإشكال بهذا الشكل غير مفيد؛ لأن البحث المزعوم عن ثبوت الموضوع (السنّة) أو البحث عن مفاد (كان) التامة (أي: وجود الشيء وعدم وجوده) ليس بحثاً عن عوارضه الذاتية حتى يكون من المسائل، بل هو من المبادئ التصديقية. وهذا يخرج المسألتين عن العوارض، ويجعلهما من المبادئ التصديقية. الثاني: أما إذا كان الزعم بأنّ البحث حول صيرورة المسألتين من المبادئ التصديقية وهماً؛ لأنه لم يكن في الثبوت الواقعي (باعتباره معلوم الوجود)، بل كان في الثبوت التعبدي (الذي هو عبارة عن ترتيب الآثار الشرعية على الخبـر)، فإنّ المبحثين ( اي مبحث خبـر الواحد ومبحث التعادل والترجيح) من عوارض الموضوع وينطبقان على مفاد (كان) الناقصة. فتكون النتيجة أنّ المسألتين من مسائل العلم؟ وجواب هذا الزعم: نعم، إنّ البحث هو بحث عن مفاد (كان) الناقصة، لكنه ليس من عوارض السنّة، بل من عوارض الخبـر الحاكي لها، فتكون المسألتان خارجتين عن علم الأُصول؛ لأن الثبوت التعبدي الجعلي من قبل الشارع معناه جعل الحجية والطريقية للخبـر. ووجوب العمل المجعول لخبـر الواحد إنما هو من عوارض الخبـر ولا ربط له بالسنّة، فلا يكون من عوارضها. والبحث عن هذا الوجوب ليس من مسائل علم الأُصول. وعليه فإنّ الخبـر ليس سنّة، فيكون المحمول عليه محمول عليها، فلا يكون هذا البحث من مسائل علم الأُصول. الاستنتاج: ونستنتج مما سبق أنه لو كان المراد من السنّة هو قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فإنه يرد إشكال خروج مسألة خبـر الواحد والتعادل والترجيح عن الأُصول. أما إذا كان المراد من السنّة ما يعمّ قول المعصوم (ع) وفعله وتقريره وحكايتها (كخبـر الواحد)، فهو وإن كان يوجب دخول المسألتين في علم الأُصول؛ لأن الحجية هنا من عوارض الحاكي، والحاكي للسنّة أحد جزئيات موضوع العلم. ولكن لما كان اعتقاد المشهور بكون الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة موضوعاً للعلم، فالبحث عن دليلية الدليل إنما يكون من المبادئ التصديقية. وحتى لو آمنا بأنّ المراد من السنّة ما يشمل الخبـر – على تقدير كون موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة – وتوصلنا إلى أنّ البحث في التعادل والترجيح وخبـر الواحد من عوارض علم الأُصول، إلاّ ان هناك مباحث اخرى تبقى خارج علم الأصول كمباحث الألفاظ ومباجث الأدلّة العقلية والبحث عن الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن، فهي لا تخصّ الأدلّة الأربعة. ولذلك فإن الأصح هو القول: بأنّ موضوع علم الأُصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله؛ لأنه يشمل الكثير من المسائل التي كان يعتقد أنها أجنبية أو أعمّ بموجب نظرية الأدلّة الأربعة. (5) تعريف علم الأُصول هناك أكثر من تعريف لعلم الأُصول، يتداوله الفقهاء والأُصوليون. تعريف المشهور: والمشهور عندهم في تعريف علم الأُصول بأنه: العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية. وهذا التعريف يتطابق مع الفكرة القائلة بأنّ موضوع علم الأُصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتباينة، وليس محصوراً بخصوص الأدلّة الأربعة. ووجه التطابق هو أنّ كل مسألة يمكن أن تقع في طريق الاستنباط داخلة في علم الأُصول سواءً أدوّنت أم لم تدوّن، وسواءً أكان موضوعها أحد الأدلّة الأربعة أم لم يكن. إلاّ أنّ هذا التعريف ترد عليه عدة إشكالات، أهمها: 1- إشتمال التعريف على كلمتي (العلم بالقواعد) وهو غير صحيح؛ لأن علم الأُصول هو نفس المسائل لا العلم بها. 2- إنّ هذا التعريف يجعل المناط في كون أي مسألة من المسائل أُصولية المنشأ والأصل، هو فعلية وقوعها في طريق الاستنباط. ولكنه لم يلتفت إلى أنّ بعض المسائل الأُصولية إنما هي كبريات لا يترتب عليها الاستنباط الفعلي إلاّ بعد إنضمام صغرياتها إليها. والأُصول العملية لا يمكن أن تقع في طريق الاستنباط، باعتبار أنّ الأصل العملي ما هو إلاّ وظيفة من وظائف المكلّف في حالات الشك، وهو في مقام العمل، ومن دون ان يستنبط أي حكم منها؛ لأن هذه الأُصول العملية (كحجية خبـر الواحد مثلاً) تعتبـر بذاتها أحكاماً؛ فهي لا تقع في طريق استنباط الحكم أصلاً. تعريف صاحب الكفاية: وعلى ضوء تلك الإشكالات فقد اقترح صاحب الكفاية أن يكون تعريف علم الأُصول بأنه: صناعة تعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية، أو التي ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل عند يأسه عن الظفر بالدليل الاجتهادي. وهذا التعريف يتميـز عن تعريف المشهور بأنه يُدخل مباحث (مسألة حجية الظن على الحكومة) و(مسائل الأُصول العملية في الشبهات الحكمية) في مباحث الأُصول؛ لأن هذه المسائل مما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل. وتوضيح ذلك أن مسألة حجية الظن على الحكومة (ومعناها أنّ حجية دليل الظن أو قل دليل الانسداد نافذ على حكومة العقل)، ومسائل الأُصول العملية في الشبهات الحكمية (ومعناها أنّ الأُصول العملية كالبراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير تكون حجة عند الشبهات الحكمية، وهي الحالات التي يُفقد فيها النص أو يُجمل أو يتعارض نصين) تخرج عن علم الأُصول في التعريف المشهور؛ لعدم وقوعها في طريق الاستنباط، بخلاف تعريف صاحب الكفاية فهي داخلة فيه، باعتبار أنّ الأُصول العملية مما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل. (6) الوضع الوضع هو اختصاص اللفظ بالمعنى، إنْ كان عن طريق تعهد الواضع والتزامه، أو عن طريق تعيين اللفظ للدلالة على المعنى، أو عن طريق الاتحاد بين اللفظ والمعنى. أقسام الوضع: وينقسم الوضع الى قسمين: الأول: الوضع التعييني، وفكرته هي أنّ الارتباط بين اللفظ والمعنى ناشئ عن تخصيص واضع اللفظ لذلك المعنى، ولولا ذلك التخصيص لم تتحقق تلك العلاقة بينهما. الثاني: الوضع التعيني، وفكرته هي أنّ الارتباط بين اللفظ والمعنى ناشئ من كثرة استعمالُ الأفراد فيه. ولما كان الوضع متقوماً باللفظ والمعنى، فلابد للواضع أن يلحظ وقت الوضع شيئين وهما: اللفظ والمعنى. ويبني على ضوء ذلك، الحالة الجديدة التي استحدثها إزاء ربط اللفظ بالمعنى. وجوه الوضع: ومن الطبيعي أنّ الوجوه التي يمكن تصورها – على الصعيد العقلي – فيما يخص الوضع أربعة وجوه: الأول: أن يكون المعنى عاماً (أي معنى كلياً) واللفظ الموضوع له عاماً. أو بتعبيـر آخر وضع لفظ الكلي بإزاء معناه الكلي. ويسمى بـ (الوضع العام والموضوع له العام). ومثاله: وضع ألفاظ الأجناس، كوضع لفظ (الحيوان) بإزاء الشيء النامي المتحرك بالإرادة. الثاني: أن يكون المعنى عاماً (كلياً) واللفظ الموضوع له خاصاً بأفراده ومصاديقه. ويسمى بـ (الوضع العام والموضوع له الخاص). ومثاله: الضمائر والحروف وأسماء الإشارة والموصولات. فلفظة (هذا) إنما هي معنى كلي عام، وهو كل مفرد مذكر مشار إليه، إلاّ أننا عندما نستعمل هذه اللفظة فإننا نقصد بها ذلك الفرد المخصوص. الثالث: أن يكون المعنى خاصاً (أي معنى جزئياً) واللفظ الموضوع له خاصاً. ويسمى بـ (الوضع الخاص والموضوع له الخاص). ومثاله: الأعلام والأسماء الشخصية، فإنّ المعنى الملحوظ حين الوضع هو الفرد بعينه، وقد وضع لفظ (زيد) مثلاً بأزائه. الرابع: أن يكـون المعنى خاصاً واللفظ الموضوع له عاماً. ويسمى بـ (الوضع الخاص والموضوع له العام). ومثاله: رؤية شبح بعيد وسط سراب الصحراء، فالناظر الحيران قد يضع له لفظ (الحيوان). فالمعنى الملحوظ حين الوضع مجرد شبح متحرك، إلاّ أنّ وضع لفظ (الحيوان) أعم منه. إشكالات حول الوضع: وهذه الوجوه العقلية الأربعة التي نستطيع أن نتصورها، أثارت جدلاً بين علماء الأُصول، خصوصاً فيما يتعلق بالقسم الرابع. فاختار صاحب الكفاية (رحمه الله) استحالة إمكان القسم الرابع، معللاً ذلك بأنّ الخاص بما هو خاص كـ (زيد) لا يصلح لأن يكون وجهاً للعام كـ (الإنسان). ولذلك فإنه لا يصح عقلاً أن نحمل الخاص عليه ونقول بأنّ (الانسانَ زيدٌ)، بخلاف العام، فإننا نستطيع أن نحمل الخاص عليه، ونقول بأنّ (زيداً انسانٌ). أضف إلى ذلك أنّ وجود هذا القسم مستحيل عقلاً؛ لأنّ الواضع لم يتصور حين الوضع المعنى الجزئي الملحوظ أزاء المعنى العام الشامل له. وهنا يبـرز إشكال مهم وهو: كيف يجوز لنا أنْ نقبل - عقلاً- فكرة (الوضع العام والموضوع له الخاص)، ولم نقبل فكرة (الوضع الخاص والموضوع له العام)؟ علماً بأنّ الوضع لو أمكن أنْ يحصل لشيء لم نتصوره سابقاً (أي قبل الوضع) لاضطررنا قبول فكرة القسمين الثاني والرابع، أما إذا افترضنا أنّ ذلك غير ممكن فلا خيار لنا – عندئذٍ – إلاّ رفض فكرة القسمين الثاني والرابع! فكيف يمكن تبـرير قبول القسم الثاني ورفض القسم الرابع في نفس الوقت؟ وهل هذا إلاّ تناقض يخص هذين القسمين من أقسام الوضع؟ والجواب على ذلك أنّّ القسم الثاني وهو (الوضع العام والموضوع له الخاص) كأسماء الاشارة ونحوها إنما يجوز تحققه؛ لأنّ المعنى العام الملحوظ حين الوضع يصلح لأن يكون مرآة أو آلة بلحاظ أفراده ومصاديقه لكونه كلياً. والكلي هو عين الأفراد، ولحاظه لحاظ الأفراد، فيمكن الوضع للأفراد حين لحاظ العام؛ لأنه من وجوهها. وهذا بخلاف القسم الرابع وهو (الوضع الخاص والموضوع له العام) فانه مع قطع النظر عن لحاظ العام الذي في ضمنه، لا يمكن أنْ يكون وجهاً للعام ومرآة له؛ لأنه لا يمكن أنْ يكون مرآة لسائر الأفراد المشخصة، فلا يمكن أنْ تكون معرفته الخاصة معرفة للعام ولا لسائر الأفراد. وبتعبيـر آخر فإنّ تصور الخاص ربما يكون سبباً لتصور العام بنفسه بما هو هو (أي تصوره بذاته) كما إذا تصورنا الشبح حيواناً، وذلك بأنْ ينتقل الذهن من الخاص الى العام اتفاقاً، فيوضع اللفظ للمعنى العام المتصور، فيكون هذا الوضع المسمى بـ (الوضع الخاص والموضوع له العام) مجرد تصور العام بواسطة الخاص. وهذا مخالفٌ لـ (الوضع العام والموضوع له الخاص) الذي كان تصور العام فيه ابتدائياً أو أولياً، بحيث إنّ المتصور كان بالوجه والعنوان (أي بالصورة الكلية الإجمالية) لا بالشكل التفصيلي المعهود لتصور الأفراد. والظاهر أنّ هذا الفرق المهم بين (الوضع الخاص والموضوع له العام) وبين (الوضع العام والموضوع له الخاص) قد التبس على بعض الأعلام، وبالخصوص الميـرزا حبيب الله الرشتي (قدس سره) حيث انتقده صاحب الكفاية (رحمه الله) بشكل مباشر. وكان من نتائج ذلك الخطأ في فهم هذا الفرق، الإيمان بإمكان ثبوت القسم الرابع وهو أن يكون (الوضع خاصاً مع كون الموضوع له عاماً). (تليها صفحات 36 - 76)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
|