|
(ص 178 - 202) «الحلم بالاثراء» وارتباطه بتغير الادوار الاجتماعية ويتمحور مفهوم السعادة في النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة حول كلمتين لهما نغم خاص ورنين يداعب مشاعر معتنقي النظرية الرأسمالية، وهما: (الحلم بالاثراء) أو (الحلم الامريكي). حيث يدّعي منظّرو الفكرة الرأسمالية ان مفهوم «الحلم بالاثراء» دليل قاطع على نجاح الرأسمالية، كنظام اقتصادي عادل يفسح المجال لكل المتشوقين للصعود الى قمة السلم الاجتماعي، للسيطرة على منابع القوة والثروة والمنـزلة الاجتماعية[1]. فـ (ابراهام لنكولن) بدأ حياته الاجتماعية نزيل كوخ هرم في منطقة فقيرة، ولكن «الحلم بالاثراء» أوصله الى القمة فاصبح رئيساً للدولة، ولولا العدالة الرأسمالية لما تحقق ذلك. وهناك اسماء اخرى من الفقراء وصلت الى قمة الطبقة الثرية امثال (اندريو كارنيكي) ، و(جي بي موركن) وغيرهم حيث انتشلهم جهدهم وكدحهم من مستنقع الفقر والجوع الى جنة المتعة والمال[2]. ففكرة «الحلم بالاثراء» تصرّ على ان بامكان اي فرد من افراد المجتمع الرأسمالي الوصول الى قمة الصدارة الاجتماعية والثروة والقوة، بغض النظر عن خلفية ذلك الفرد الاقتصادية والاجتماعية. فيبشر رواد تلك الفكرة ومعتنقيها اذن، بالجنة والنعيم لكل العمال والمنتجين الذين يجدّون ويكدحون تحت راية الرأسمالية للوصول الى منبع الثروات في النظام الاجتماعي[3]. والبصير يرى ان الاحلام غير الحقائق والوقائع غير الاوهام، ولو كان «الحلم بالاثراء» حقيقة لما سمي حلماً. فما بال تلك الملايين التي تستنـزف طاقاتها الجسدية والفكرية للابحار الى مستوى كريم للعيش، لا تصل الى شاطىء الامان الرأسمالي؟ فاين «الحلم بالاثراء» من هؤلاء الفقراء؟ واين «الحلم بالاثراء» من الذين يولدون في الطبقة الفقيرة من المجتمع فلا يجدون من يأخذ بايديهم الى سبيل العلم والمعرفة ثم الى السعادة والعيش الكريم؟ واين «الحلم بالاثراء» من هؤلاء الذين ينقصهم التوفيق في تحصيل ارزاقهم، وهم شعلة من نار في الجد والعمل ؟ ومع ان القائلين بحتمية «الحلم بالاثراء» لا يعتقدون اصلاً بنظام «الطفرة الطبقية» وهو الاثراء السريع خلال فترة قصيرة من العمل الجاد، الا ان المبدأ - الحلم غير واقعي لانه يشجع الافراد على التسابق لتجميع الثروة وتراكمها ضمن مجموعة محددة من الافراد. ما بين الجهد والمال: وبذلك فان كل درهم يضاف الى اموال الطبقة الرأسمالية الثرية يؤخذ في الواقع من اموال الآخرين، لان الاموال محدودة بحدود الاستثمار والتعامل في النظام الاجتماعي. فأية زيادة مالية في طبقة تؤدي الى اختلال اقتصادي واجتماعي في الطبقة الاخرى. وفي ضوء ذلك، ولما كانت الثروة العينية الموجودة في المجتمع ثروة محدودة بحدود توفر النقد، اصبح واضحاً ان تحقيق «الحلم بالاثراء» وتراكم الثروة لدى مجموعة قليلة من الافراد، يسبب في الوقت نفسه حرماناً لافراد آخرين يعيشون في نفس المجتمع. فكيف يحقق «الحلم بالاثراء» العدالة الاجتماعية لجميع افراد النظام الاجتماعي؟ والجهد، الذي تزعم الفكرة الرأسمالية كونه العـامل الوحيد في تراكم الثروة، لا يعتبر عاملاً حاسمـاً في تحقيق ذلك الحلم. نعم انّ الجهد عامـل مهم في تحقيق الاسبقية في جني الثروة. الا ان العوامل الاجتماعية والتأثيرات السياسـية والاقتصـادية الاخرى ترفع افراداً من طبقة دنيا الى طبقة عليا دون بذل جهد معتبر. فابناء الطبقات المختلفة في المجتمع الحديث مثلاً، يوفقون اجتماعياً اكثر من آبائهم في تحصيل الثروة والقوة السياسية، بسبب تطوّر الحياة الانسانية السريع وتغيرها في فنون الصناعة والزراعة والخدمات، فيتميّز الجيل الجديد عن سابقه بتحصيل اسباب الفنون الحديثة. ويتسلق الابناء درجات معدودة في السلم الاجتماعي باتجاه الطبقة الثرية. فلماذا اختلفت اذن المكافآت الاجتماعية بين الابناء والآباء، مع ان الآباء بذلوا جهداً مضنياً في تحصيل العيش، ولكنهم لم يوفقوا في تجميع الثروة كما وفق ابنائهم لاحقاً؟ فالنتيجة اذن، ان الجهد في المجتمع الرأسمالي، بالاصل، لايضمن للانسان تراكماً غير محدود للمال. واذا لم يكن الجهد عاملاً حاسماً في تراكم الثروة، فلماذا يشكل تغير الادوار الاجتماعية تحدياً صارخاً لصميم نظرية العدالة الاجتماعية الرأسمالية؟ وامام هذا السؤال الكبير تعترف الرأسمالية بفشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية لجميع افراد المجتمع باعتبار ان المشكلة التي يواجهها النظام الاجتماعي تكمن في ان اعداداً كبيرةً من الافراد تبحث عن عدد محدود من المراكز الاجتماعية العليا المؤثرة في النظام الاجتماعي[4]. المال والمركز الاجتماعي: فلو اخذنا عضو البرلمان كمثال لفرد يحتل موقعاً متميزاً في الطبقة الرأسمالية وطبقنا فكرة «الحلم بالاثراء» التي تقول بان كل فرد من افراد المجتمع له حق متساو في الوصول الى اعلى منصب في النظام السياسي، فان مائتين وخمسين مليون فرد سيتنافسون - نظرياً - على مائة منصب؛ وهو عدد اعضاء البرلمان مثلاً. فاين موقع «الحلم بالاثراء» من الذين يفشلون في الوصول الى ذلك المركز الاجتماعي المتميز، حتى لو بذلوا جهداً استثنائياً للوصول الى ذلك المركز الذي يحقق كل طموحاتهم الاجتماعية؟ ولو افترضنا ان هناك الف مؤسسة مالية كبرى تدير النظام الاقتصادي والمالي في المجتمع الرأسمالي، وتُشغّل الف مدير يتمتعون بمراكز رفيعة في الطبقة الاجتماعية العليا، فاين «الحلم بالاثراء» من ملايين الافراد الذين لايستطيعون الوصول الى تلك المراكز لسبب من الاسباب؟ فكيف يزعم رواد المدرسة الرأسمالية اذن بتوفر الفرص لكل افراد المجتمع للوصول الى اعلى المراكز الاجتماعية، وتجاوز الرحلة الشاقة الطويلة من الفقر والعدم الى الغنى والثروة؟ وكيف تفسر تلك النظرية مبدأ المساواة في الحقوق اذا كانت اغلب المراكز العليا في النظام الاجتماعي محجوزة لابناء الطبقة الثرية؟ اذن فان «الحلم بالاثراء» لايعدو اكثر من شعار مزيف وجرعة مخدرة تداعب احلام الفقراء في الانتقال من مستنقع البؤس والظلم والحرمان الى عالم مليء بالملاهي والآمال الخادعة. ولابد، حتى يكون الفرد مؤهلاً - حسب الفكرة الرأسمالية - للانضمام الى الطبقة العليا المسيطرة على شؤون النظام الاجتماعي ان تتوفر فيه صفتان اساسيتان، هما: النسب والعلم[5]. والمقصود بالنسب هو المنـزلة الاجتماعية للابوين. فاذا كان الابوان من المنتسبين للطبقة العليا المسيطرة على مقدرات النظام الاجتماعي، فان احتمال احتلال المناصب السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية للفرد يغدو امراً حتمياً. والمقصود بالعلم هنا هو تحصيل علمي معرفي من جامعة خاصة بالطبقة العليا امثال جامعات هارفرد وييل وبرنستون واكسفورد وكامبرج ونحوها. حيث ان تلك الشهادة الجامعية هي في الواقع دليل آخر على انتماء الفرد الى الطبقة العليا؛ على عكس الطلبة من الطبقة الدنيا، الذين لايؤهلهم وضعهم الاجتماعي للتحصيل الجامعي لاسباب منها: عدم تكافؤ فرص الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، ومنها: ان سوء التغذية تؤثر لاحقاً على اسلوب تفكيرهم وسلوكهم الاجتماعي ونظرتهم للحياة الاجتماعية، ومنها: ان نسبة الطلاق العالية بينهم تؤثر سلبياً على طموحاتهم سياسياً وتجعلهم اسرى وضعهم الاجتماعي البائس. ولذلك، فانهم نادراً ما يصلون الى شغل المناصب العليا في النظام الاجتماعي[6]. الخلاصة: ومجمل القول ان النظام الطبقي الرأسمالي من اكثر الانظمة معاداة للعدالة الاجتماعية واشدها خداعاً للافراد. وما «الحلم بالاثراء» الا مثال على ذلك. فالحركة الاجتماعية بين المراكز التي يحتاجها المجتمع ما هي الا حركة دائرية ضمن الطبقة الاجتماعية ذاتها. فاذا كان الاب عاملاً في مصنع من المصانع وحدث وان تدرج ابنه في العمل فاصبح مشرفاً على عدد من العمال، فان تلك الحركة الاجتماعية انما تدور ضمن نفس الطبقة التي شغلها الاب وليست انتقالاً من طبقة فقيرة الى طبقة غنية، او من طبقة عمالية الى طبقة رأسمالية. ولو كان الاب معلماً في المدرسة الابتدائية واصبح ابنه يشتغل بالتعليم الثانوي، فلا يعني ذلك ان الاسرة انتقلت من خلال هذه الحركة من طبقة الى اخرى. وتلك الحركة الاجتماعية ضمن الطبقة الواحدة تدحض الفكرة الرأسمالية القائلة بالمساواة التامة لجميع افراد المجتمع من مختلف الطبقات. فلو كانت المساواة حقيقية لما حصلت الحركة بين الطبقة الواحدة فحسب، بل لكانت بين الطبقات المختلفة، وبالخصوص بين الطبقة الدنيا والطبقة العليا. ولو كانت العدالة الرأسمالية حتمية التحقق لما انشأت النظرية الرأسمالية، النظام الطبقي واقرّته وكرّسته كاساس لتشييد صرح الحضارة الغربية الحديثة. الفقر والفقراء في الرأسمالية وتلوم النظرية الرأسمالية الفقراء في المجتمع على فقرهم، وتلزمهم مسؤولية الهبوط الى قعر السلم الاجتماعي، وتعزي سبب الفقر الى انعدام المسؤولية الاجتماعية للطبقة الفقيرة، وتزعم بان انعدام المساواة الاجتماعية بين الافراد لها تبرير عقلائي وهو ان المجدّ يفوز بقصب السبق من الناحية الاقتصادية، والخاسر يعاقب بالحرمان من الكسب المالي ويجرد من مركزه الاجتماعي وقيمته الاخلاقية؛ لانه ليس اهلاً للتمتع بالثروات الاجتماعية[7]. واذا كانت الرأسمالية تضفي على مجتمعها الغني شتى صفات الحسن والكمال، فانها تقصر عن اضفاء صفة كريمة واحدة على الفقراء. فالفقير في المجتمع الرأسمالي يعيش في جحيم دنيوي صنعه له انسان آخر يتمتع بملذات الحياة ونعمها، ويوصمه بالجهل والامية وانعدام الحافز والدافع الذاتي الذي يدفع الانسان السليم نحو الانشاء والابداع. ولاشك ان عدم اكتراث الرأسمالية بالفقر والفقراء دليل على ان رواد تلك المدرسة الفكرية ليسوا اهلاً لزعامة الانسانية المعذبة باي حال من الاحوال. فكيف يقود متخمو العالم، ملايين المعذبين الذين يشدون على بطونهم الاحجار بلسماً لجوعهم وألمهم؟ وكيف يؤمّن المستضعفون تسليم مفاتيح مجتمعاتهم لشريحة لا تملك فهماً للمعاناة الانسانية؟ ومع ان الرأسمالية تلقي منشأ الفقر على الفقراء[8]، الا ان النظرية تفتقر الى تحليل واضح لابعاد الفقر وحاجة الفقراء؛ في حين انها تبذل جهداً مضنياً في تحليل ابعاد الاقتصاد الاجتماعي ودور رأس المال في تنشيطه وتنميته. ونتيجة لاستقراء آراء الرأسمالية، فاننا نستطيع تصنيف الفقراء الى ثلاثة اصناف: الاول: من يملك قوت سنته لسد حاجة عائلته الاساسية. الثاني: من لا يملك قوت سنته. الثالث: من لا يملك قوت يومه. فالقسم الاول يمثل اناس يكدحون من أجل لقمة العيش، ولكنهم محرومون من الرفاه الاقتصادي الذي ينعم به الآخرون؛ علماً بان جهدهم لا يقلّ عن جهد افراد الطبقات الاخرى[9]. اما القسم الثاني فيضمّ من لا يستطيع توفير الحد الادنى للعيش الكريم من المأكل والملبس والملجأ[10]. والقسم الثالث نزلاء الشوارع، وهم الذين لا ملجأ لهم، يمدون ايديهم للناس ويبحثون في القمامة عن فضلات الطعام ليسدوا بها رمقهم. ويقدر عددهم اليوم باكثر من اربعة ملايين جائع في الولايات المتحدة فقط[11]، ناهيك عن بعض بلدان اوروبا الغربية مهد الحضارة الرأسمالية الحديثة. وحتى ان «خط الفقر»، وهو الخط الاحمر الذي تحدده الرأسمالية للكلفة المعيشية الدنيا للفرد، كان - ولايزال - خطاً يعبره الملايين ليستقروا داخل الطبقة الفقيرة. ولكن الرأسمالية تفترض بان النظام الطبقي ليس له دخل في نشوء الفقر. وهذا الافتراض غير واقعي، لأن الفقر هو نتيجة مباشرة للمنافسة الاقتصادية بما فيها من ربح وخسارة، ونتيجة لفكرة البقاء للاقوى، وللمذهب الفردي. وتلك العوامل مجتمعة لها علاقة مباشرة بفكرة الطبقات. ولرب سائل يسأل: هل بمقدور الرأسمالية حلّ مشكلة الفقر حلاً جذرياً حاسماً؟ واذا كان الجواب بالايجاب فلماذا لا تقوم بذلك؟ والجواب: ان الرأسمالية تستطيع من الناحية العملية حلّ مشكلة الفقر حلاً حاسماً، وذلك بحث المجتمع على ترك عادة مضرة واحدة مثل تناول الخمر، وتوزيع المال المبذول على تلك العادة المضرة على الفقراء. ولكن هذا الحل لا ينسجم مع تطلعات الطبقة الرأسمالية. فتزعم بأنها لا تمتلك القيمومة على حرية الافراد، لان الفرد نظرياً ينبغي ان يتمتع بحرية كاملة على الصعيد الشخصي فيما يتعلق باللذة الجسدية، فلا يستطيع المجتمع ان يمنع فرداً من تناول شراب معين ينقله الى عالم خيالي[12]. ولكن هذا المنطق يناقض نفسه في اكثر من موقع. فالموقع الاول، عندما حرم الكونغرس الامريكي الخمرة في الثلاثينيات من هذا القرن، ثم عاد ورفع التحريم بعد أن أقرَّ بان التحريم يتناقض مع الحرية الشخصية المزبورة في الدستور. والموقع الثاني، عندما حاولت الحكومة منع تعاطي المخدرات في الثمانينيات. فاذا كانت الرأسمالية لا تؤمن بالقيمومة على حرية الافراد الشخصية فلماذا تحرّم تعاطي المخدرات؟ واذا كانت الرأسمالية تؤمن بتحديد الحرية الشخصية اذا كان الضرر محتماً، فلماذا لا تحرّم المسكرات؟ وتتمسك الرأسمالية ايضاً بفكرة منح الفرص المتساوية لافراد المجتمع، وتزعم ان ظاهرة انعدام العدالة بين الافراد ظاهرة تكاملية لانها تمنح الفرد المجدّ مكافأة تتناسب مع مقدار بذله للجهد المطلوب[13]. ولكنها تخفي في واقع الامر، القيود التي تضعها على الفرد للانتقال الى المستوى الاجتماعي المتناسب مع جهده وطاقته الفكرية والبدنية، وهي قيود الطبقية والنسب. فالطبقة الرأسمالية لا تفسح المجال لاي وارد يبحث عن فرص متساوية، مهما بلغ جهده الفكري والبدني مبلغاً؛ بل انها تدعي انه لما كان الفقراء يتحملون اللوم كاملاً على فشلهم في الحقل الاجتماعي فانهم لا يحتاجون الى يد تمتد لمساعدتهم، وانما يحتاجون الى من يحرك فيهم الدافع الذاتي للعمل والانتاج[14]. وهذا المنطق سليم من وجه، ولكن إذا كان الفقراء من الاطفال والنساء والشيوخ، فما دور الدافع لتحريكهم وهم قاصرون عن الانتاج! وهنا تفشل الرأسمالية في تحديد العوامل الاجتماعية التي أوجدت الطبقة الفقيرة في المجتمع الانساني. فالفقر ليس ولادة فرد او خطأ أمة انما هو نتيجة موضوعية لفشل النظام الاقتصادي والاجتماعي في تحديد العوامل المتداخلة في تصميم التركيبة الاجتماعية وتنظيمها. ولاشك ان اكبر مظالم الفقراء، هو وجود النظام الطبقي المتعدد، واحتماء الطبقة الرأسمالية تحت مظلة القانون الذي يسمح لها بتجميع الثروة ويحرم الفقير من استلام قوت يومه حتى لو كان طفلاً قاصراً أو امرأةً ضعيفةً أو شيخاً هرماً او شاباً معاقاً. وليس لدينا ادنى شك بان العدالة بين الاغنياء والفقراء لا تتحقق الا بوجود نظام اجتماعي نزيه يحكم بين الناس بالعدل والقسط والمساواة. الاسباب الداعية لاستمرار الظلم الاجتماعي وقد يتساءل متسائل: اذا كانت الكثرة من افراد المجتمع مظلومة اجتماعياً ومحرومة من حقوقها الاساسية فلماذا لاتطيح تلك الكثرة بالطبقة المتحكمة القليلة العدد؟ ولماذا يستمر الظلم الاجتماعي لاجيال عديدة واحقاب زمنية طويلة دون ان يتزعزع النظام الاجتماعي الظالم؟ وللاجابة على تلك التساؤلات لابد من القول بان الظلم يتمسك - للحفاظ على نظامه السياسي - بعاملين في غاية الاهمية والخطورة: الاول: السيطرة على منابع القوة والسلطة لحفظ النظام. الثاني: ايجاد نظام فكري عقائدي يبرر للغالبية العظمى من افراد المجتمع أحقية ذلك النظام في البقاء. 1- السيطرة على منابع القوة : وبطبيعة الحال، فان القاعدة الاقتصادية لأية جماعة من الافراد تؤثر تأثيراً بالغاً على التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع ككل. بمعنى ان الجماعة التي لها قوة اقتصادية عظيمة، تستطيع السيطرة على المؤسسات الاجتماعية الاساسية، كمؤسسات القضاء، والتعليم، والديانة، والطب، والحكومة. حيث ان تلك المؤسسات الاجتماعية تخدم مصالح تلك الطبقة القوية اقتصادياً، لان المال في النظام الرأسمالي هو المحرك الاساس لكل المؤسسات الاجتماعية[15]. فالقانون في ذلك المجتمع يدافع عن الثري ولا يحمي الفقير. والمؤسسات الدينية في المجتمع الرأسمالي تدعم النظام الظالم ولا تنادي بتعديله. وحتى المؤسسات التعليمية تمجد حسنات الرأسمالية ولا تنتقد اخطاءها وسلبياتها[16]. وبالتالي فان الطبقة الحاكمة تصبح هي الوطن والعرض والدين، ومن يهاجمها فانما يهاجم الوطن والعرض والدين. وتمتلك الطبقة الرأسمالية شبكة علاقات اجتماعية منظمة تشبه - الى حد كبير - الشبكة التنظيمية للاحزاب السياسية، حيث تعمل من خلالها للسيطرة على منابع الثروة والقوة السياسية[17]؛ لان هذه الشبكة توفر لاعضائها احسن فرص التعليم الجامعي، وافضل الاعمال التي تدر اجوراً ومكافآت اجتماعية عالية، وافضل المواقع السياسية في النظام الاجتماعي. وبهذا الاسلوب الدقيق، يحتل الرأسماليون اعلى مواقع العمل السياسي في الدولة؛ وهو بلاشك يؤدي الى المحافظة على ثبات موقع طبقتهم في السلم الاجتماعي وما يتبعه من نعيم عظيم لافرادها وحرمان اعظم لافراد الطبقات الاخرى. واذا كان التعديل الاجتماعي لادارة الثروة قضية استثنائية، فان الرأسمالية تحاول اقناع الفقراء بالخصوص، بقبول حالة انعدام العدالة على اساس انها مسألة اجتماعية طبيعية وانها قضية مشروعة[18]. فالانظمة الملكية تشجع الفقراء على الهتاف بالحياة للملك، مع ان الفقير العاقل يتساءل: من منح الملك ملكية الارض وخيراتها؟ واصحاب المال يشجعون الفقراء بالهتاف «للحلم بالاثراء»، ولكن الفقير العاقل يتساءل: ايهما افضل، ان اعيش جائعاً مع حلم قد يتحقق، أم بواقع متواضع دون احلام؟ 2- النظام الفكري لطبقة الاقوياء: وليس هناك ادنى شك من ان النظام الفكري والثقافي لأيّ مجتمع هو النظام الفكري الذي تتبناه الطبقة الحاكمة. فطبقة العمال في المجتمع الشيوعي مثلاً، تفرض الفكر الذي تتبناه وتؤمن به. وعندها، يصبح الفكر الشيوعي هو الفكر المسيطر على الساحة الفكرية في المجتمع. والفكر الذي تؤمن به الرأسمالية يسيطر على كل توجهات المجتمع الرأسمالي. وهكذا ترى ان الافكار تابعة للحكام، كما ان الاحكام تابعة للاسماء في المصطلح الاصولي. ولتوضيح مقصودنا، نسرد المثال التالي: ان اخطر كلمة يرهبها الظالم وانصاره هي كلمة (العدالة)، ولذلك فانك لا ترى صدى هذه الكلمة في الساحة الاعلامية او الفكرية. بل يحاول النظام استبدال كلمتي (العدالة الاجتماعية) بـ (الحلم بالاثراء) باعتبار ان الفقراء مدانون على فقرهم وفشلهم في جني الاموال، ولو حظي الفقراء بشيء من الذكاء والمهارة لما استغرقت رحلتهم من صحراء الاحلام الى شاطئ الواقع وقتاً طويلاً[19]. والاساس الفكري الرأسمالي - بزعمهم - ينسجم مع طبيعة الانسان في الجد والعمل. وما الفقير الا فرد متقاعس عن العمل، مستسلم لقبول الواقع الاجتماعي والاقتصادي. وهذا الاسقاط النفسي بلوم الفقراء على فقرهم، وتشجيعهم على الايمان بالمصير المكتوب، وحتمية القدر يخدم الرأسمالية؛ لانه يحاول تخدير الفقراء الى أمد غير محدود. ولذلك، فان اية حركة فكرية تحاول ايقاظ الغافلين من غفلتهم ونومهم تواجَه باقسى الوسائل واعنفها. والاسلام بكل ابعاده العبادية والاجتماعية يمثل تلك الحركة الموضوعية التي تحاول ايقاظ هؤلاء النائمين من نومهم العميق، ولذلك فان محاربته تستدعي استخدام اقسى وسائل البطش والتنديد. والدليل على ما ذهبنا اليه، اننا لو اخذنا ديناً آخراً كالهندوسية، ودرسنا موقف النظام الرأسمالي منه للاحظنا ان النظام يشجع فكرة الهندوسية، ولا يعرّض معتنقيها للاضطهاد. والسبب في ذلك ان الهندوسية تؤمن بتناسخ الارواح. فروح الميت تحل بالتناسخ بافراد عدّة في اوقات مختلفة، فاذا كان الفرد مطيعاً للتعاليم الهندوسية حلت روحه في جسم أحد افراد الطبقة العليا في المجتمع، واذا كان الفرد عاصياً لتعاليم دينه، حلت روحه في جسم أحد افراد الطبقة الفقيرة[20]. وهذا الدين يقدم للفقراء في المجتمع الرأسمالي سبباً للاعتقاد بان وجودهم ضمن الطبقة الفقيرة انما هو عقاب للارواح العاصية، ولذلك فانهم لايستطيعون الانتقال بالمرة من الطبقة الفقيرة المحكومة الى الطبقة الثرية الحاكمة؛ ويقدم للاغنياء سبباً آخر للاعتقاد بان وجودهم ضمن الطبقة الرأسمالية أمر ينسجم مع طبيعة الخلق والتكوين، باعتبار ان الغنى والتوفيق متناغم ومتوافق مع الطاعة والانقياد للدين[21]. ولاشك ان ديناً كهذا، يسدي للنظام الرأسمالي اعظم خدمة، لانه يقوم بتخدير الفقراء وابقائهم ضمن حدود الحرمان في طبقتهم الاجتماعية الدنيا؛ وفي نفس الوقت يقدم خدمة للطبقة الرأسمالية المتنعمة بالخيرات الطبيعية والبشرية للاستمرار في ظلمها وسحقها الطبقات المحرومة في النظام الاجتماعي. والنظام الكنسي النصراني في القرون الوسطى قدّم - هو الآخر - خدمة جليلة للنظام الاقطاعي السائد في اوروبا. فطالما كان الملك مفوضاً من قبل الله سبحانه وتعالى بالتصرف بارواح الناس واموالهم واعراضهم، كانت الجرائم المنسوبة للطبقة الحاكمة نتيجة طبيعية للارادة الالهية والعمل الرباني، وليس للافراد دخل في تغييرها او ادانتها[22]! اذن ليس غريباً ان نجد افراداً عاشوا آثار تلك الافكار مثل (كارل ماركس) وغيره، وبعد ان رأوا بأم اعينهم فظائع سلوك رجال الكنيسة، آمنوا بان الدين افيون الشعوب. وليس هناك شك بانهم كانوا يقصدون المؤسسة النصرانية في ذلك؛ لانهم رأوا آثار احكام بابوية القرون الوسطى القائلة بان النظام الاجتماعي الظالم لايجوز تغييره او ادانته، لانه نظام الهي. فاُجبِر الفقراء على قبول ذلك النظام الطبقي باسم الدين والكنيسة. ولاتزال الكنيسة الى هذا اليوم، تساند النظام الرأسمالي الطبقي؛ حيث تعتبر (خصوصا عقيدة البيورتنـز أو الانقياء) الغنى توفيقاً إلهياً للعبد المطيع، والفقر سخطاً ربانياً على العبد العاصي[23]. في حين تشير الدلائل الموضوعية الى رفض ذلك المنطق، لان الغنى والفقر مسألة نسبية، يتعلق جزء منها بالانسان والجهد الانساني والجزء الآخر بالله سبحانه وتعالى عن طريق التوفيق والرزق. وحتى ان فكرة الاستعمار الاوروبي للمناطق الآمنة في افريقيا وآسيا لنهب ثروات العالم الاسلامي في القرون الاربعة الاخيرة، صورت من قبل الرأسمالية على انها من انبل قضايا الرجل الابيض[24]. وكان هدفها بالاصل - بزعمهم - رفع غائلة البدائية والمرض والفقر عن رجال المجتمعات المتخلفة، ورفع علم الحضارة والتقدم في ثنايا تلك المجتمعات. وربما اعتقد فقراء المجتمع الرأسمالي في الماضي ان ادعاءات الرجل الاوروبي الابيض فيما يتعلق بفقراء العالم صحيحة، ولكن تبين لهم فيما بعد ان الذي استعبدهم لقرون طويلة لا يمكن ان يعدل مع افراد آخرين يختلفون عنه في الجنس واللغة والدين. فطمع الرأسمالي يطغي على كل القيم الانسانية، وعلى كل الاخلاق والاعراف الشريفة. واخيراً، فان فحول المدرسة الرأسمالية الحديثة يؤمنون بان انعدام المساواة عامل مهم في حفظ حيوية المجتمع، باعتبار ان الحياة ربح وخسارة. فالرابح يحصل على جائزته، والخاسر لا يحصل على شيء، بل عليه ان يتنازل بشيء من جهوده للرابح[25]. ومع ذلك فان للافراد جميعاً - بادعاء النظرية - فرصاً متساوية لتحسين وضعهم الاجتماعي! فكل فرد يملك فرصة مناسبة ليصبح غنياً وينتقل صعوداً الى الطبقة الرأسمالية. ولكن الحقيقة المرّة التي لا تعترف بها النظرية هي ان الكثير من الافراد في المجتمع الرأسمالي يبذلون جهدهم ويصبون عرقهم، ولكنهم لا يصلون الى مستوى الطبقة الرأسمالية؛ بل تبقى الاكثرية ضمن طبقتها الاجتماعية التي حددها لها النظام سابقاً. اما الذين يطمحون ولكنهم لا يصلون الى شاطئ الحلم المالي، فان النظام يعلّمهم ، بلوم انفسهم والعتب على حظهم العاثر[26]. والحقيقة الناصعة، هي ان عليهم لوم الفكرة الفاشلة في استيعاب طموحات جميع الافراد ضمن طبقة واحدة تجمعها العدالة والمساواة الاجتماعية، أو على الاقل ضمن طبقات يتقلص فيها البون الشاسع في الاجور والمكافآت. ولاشك ان ذلك الفكر الذي يريد به البعض السيطرة على عقول الناس في المجتمع يخدع الكثير من الافراد خارج النطاق الرأسمالي، بعباراته البراقة وثوبه الجميل، المليء بالالوان وموارد الأثارة. (نهاية ص 202)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] من الذي يسبق على الصعيد الاقتصادي؟ - كريستوفر حنكـز. الكتب الاساسية 1979م. [2] الفرص والتغيير – ديفيد فيثرمان وروبرت هاوسر. المطبعة الاكاديمية 1978. وايضاً: التحرك الاجتماعي والفرص المتكافئة – سيمور مارتن لبست. بحث في نشرية (المصالح العامة)، عدد 29، خريف 1979م. ص 90 -108. [3] تشخيص الطبقة الاجتماعية – روبرت هودج ودونالد ترايمان. بحث علمي في (المجلة الامريكية لعلم الاجتماع)، عدد 73، 1968م. ص 535 – 547. [4] الطبقية في العالم الحديث – جيرالد بيرمان. التعليم العام، 1973م. [5] تركيبة النظام الطبقي الامريكي – اريك اولين رايت وآخرون. مقالة علمية في (المجلة النقدية الامريكية لعلم الاجتماع)، عدد 47، 1982م. ص 709 – 726. [6] عملية الظلم الاجتماعي: اتجاهات وتحليل – روبرت هاوسر وديفيد فيثرمان. المطبعة الاكاديمية 1977م. [7] الاصرار على انعدام العدالة الاجتماعية – جون دالفين. شينكمان 1981م. [8] المشاكل الانسانية للحضارة الصناعية – ايلتون مايو. فيكنك 1966م. [9] حول عدم المساواة – ميلفين تيومين. بحث علمي في (المجلة النقدية لعلم الاجتماع)، عدد 28، 1963م. ص 19 – 26. [10] اذلال الفقراء – جو فياجن. مصدر سابق. [11] الظلم الاجتماعي: القواعد الاساسية للطاعة والعصيان – بارنينكتن مور. بانثيون 1979م. وايضاً: الطبقة المعدمة – كين اوليتا. ماكرو- هيل 1982م. [12] الخرافات حول التغيرات السايكولوجية – بيرناي زيلبرجيلد. ليتل براون 1983م. [13] الفرص والتغيير – مصدر سابق. [14] الثروة والفقر – جورج كيلدر. الكتب الاساسية 1981م. [15] تشخيص الطبقة الاجتماعية – روبرت هودج ودونالد ترايمان. (المجلة الامريكية لعلم الاجتماع)، عدد 73، 1968م. ص 535- 547. [16] انعدام العدالة – كريستوفر جينكـز. مصدر سابق. [17] السلطة والامتيازات: نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية- جيرهارد لينسكي. ماكرو-هيل 1966م. [18] السلطة والتبادل في الحياة الاجتماعية – بيتر بلاو. وايلي 1964م. [19] الخلفية الاقتصادية- الاجتماعية والمكتسبات – اوتيس ديدلي دنكان. المطبعة الاكاديمية 1972م. [20] الهندوسية – لويس رينو. نيويورك: جورج برازيلر 1962م. [21] التاريخ الاجتماعي للطبقية في الهند – كارن اسكاسين ليونارد. جامعة كاليفورنيا 1978م. [22] الدين في المجتمع المعاصر – بول جالفانت وآخرون. مي فيلد 1986م. [23] البيورتنـز والبراغماتستس – بول كونكين. جامعة انديانا 1976م. [24] قلب الظلام – جوزيف كونراد. نيويورك: سانت مارتن 1989م. [25] اقتصاد العالم الرأسمالي- عمانوئيل ولرستاين. جامعة كامبردج 1979م. وايضاً: الاقتصاد والمجتمع – ماكس وبر. 1922م. [26] الخلفية الاقتصادية – الاجتماعية والمكتسبات – مصدر سابق.
|