(ص 151 - 177)

نقد مفهوم العدالة الاجتماعية

في الرأسمالية

          ونقدنا لنظرية (ماكس وبر) لا يمنع من استخدامها لنقد مفهوم العدالة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي نفسه. فمن خلال دراسة العوامل الثلاثة التي ذكرها (ماكس وبر)، والتي تتحكم في وضع الطبقات الاجتماعية، خصوصاً الطبقة العليا، فاننا نستطيع ان نكوّن صورة موضوعية عن معنى العدالة الاجتماعية في النظام الرأسمالي. وتلك العوامل هي: العامل الاقتصادي (الثروة)، والعامل السياسي (القوة)، والعامل الاجتماعي (المنـزلة الاجتماعية).

1- الثروة: وهي على نوعين، الاول: الارصدة والعقارات ووسائل الانتاج. والثاني: الاجر او الدخل السنوي. فمن الواضح ان جميع المؤشرات تدل على انعدام العدالة الاجتماعية في الانظمة الرأسمالية، وسببها في الاصل التوزيع غير العادل للثروة الاجتماعية بين الافراد. حيث يقع نصف حجم الارصدة والعقارات ووسائل الانتاج في حيازة مجموعة قليلة من الافراد تشكل واحداً بالمائة من نسبة السكان[1]. بمعنى ان فرداً واحداً من كل مائة فرد يملك نصف الثروة العينية والنقدية للمجتمع، والباقي وهم تسع وتسعون فرداً يملكون النصف الآخر. وهذا يعكس انعدام العدالة الاجتماعية، لان السيطرة على الثروة الاجتماعية يترجم غالبا الى سيطرة على مقدرات النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة. وهؤلاء الأثرياء يتميزون عن غيرهم من الافراد، لان اموالهم تجاوزت حدود المكافأة الاجتماعية للجهد الانساني في التاريخ. وتراكم المال بهذا الشكل عند بعض الافراد دون غيرهم له آثار سلبية على المجتمع من طرفين:

الطرف الاول: ان هذا التراكم يسبب حرماناً لعدد كبير من الافراد في الاستفادة من تلك الثروة وتوجيهها لمصلحة النظام الاجتماعي بصورة عادلة.

الطرف الثاني: ان الاسراف الذي يرافق تراكم تلك الثروة عند بعض الافراد ضمن طبقة معينة، يؤدي الى اهدار طاقات المجتمع وتبديد موارده الطبيعية التي خلقت في الاساس لاشباع حاجات جميع الناس دون استثناء.

اما الأجر أو الدخل فهو مؤشر آخر على انعدام عدالة توزيع الثروة الاجتماعية؛ حيث ان نسبة ضئيلة فقط من الافراد (تقدر واحداً بالمائة) تستلم اجوراً عاليةً تتجاوز الجهد المبذول[2]، بينما تبقى الاغلبية العظمى من الافراد دون ذلك.

2- مصادر القوة: وتتركز السلطة السياسية بيد القلّة بنفس الاسلوب الذي تتراكم به الثروة الاجتماعية؛ بينما يصيب الحرمان نسبة تقدر باكثر من خُمس عدد افراد المجتمع[3]. ومن المؤكد ان معنى الثروة يرادف معنى القوة السياسية؛ لان الثروة المتراكمة بيد القلة لاتخلق محيطاً مناسباً لرخاء العيش فحسب، بل تخلق شهوة جامحة للتحكم والسيطرة السياسية على مقدرات الناس في البلدان الرأسمالية. فثلث اعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة في النصف الاخير من القرن العشرين من اصحاب الملايين[4]، بل ان لعائلتي روكفلر وكندي المشهورتين بالثراء حصصاً شبه دائمية في النظام السياسي الامريكي، وحقوقاً سياسية متوارثة جيلا عن جيل[5]. وبطبيعة الحال، فان انعدام العدالة في النظام السياسي يستند على عدة عوامل مهمة تشكل اساس ديمومة الطبقة الرأسمالية؛ وتلك العوامل هي:

الاول: وجود مجموعات تمثل مصالح الطبقة الرأسمالية، هدفها التأثير على صياغة القوانين، حتى تضمن مصالح المؤسسات الرأسمالية الكبرى[6]. بينما لا يوجد للطبقة الفقيرة من يمثلها في التشكيل السياسي والتشريعي.

الثاني: ان نظام الضريبة ليس نظاماً تصاعدياً يتناسب طردياً مع كمية الارباح المجناة، بل ان عشرة بالمائة فقط تفرض على فائض ارباح المؤسسات الرأسمالية العملاقة، والثلث على فائض ارباح الافراد[7]. وهذا يعني ان النظام الضرائبي  ليس عادلاً.

الثالث: سوء توزيع الثروة الاجتماعية؛ فتذهب النسبة العظمى من اموال الخزينة الى المؤسسات الرأسمالية الكبرى، كالمؤسسات الصناعية العسكرية، ومؤسسات عملاقة اخرى، ولا يبقى للخدمات الاجتماعية كإعالة الفقراء الا النـزر اليسير[8]. وهكذا تدور الثروة الاجتماعية بين المؤسسات الرأسمالية العملاقة، تاركة الطبقة الفقيرة تسبح في بحر من التخلف والحرمان.

3- المنـزلة الاجتماعية: ويحتل الاثرياء ومن تجمعت السلطة السياسية في ايديهم مكان الصدارة في المجتمع؛ بينما يحتل المفكرون وعلماء الطبيعة ورجال الدين والاساتذة الطبقة الوسطى. ويحتل الفقراء المنـزلة السفلى في السلم الاجتماعي[9]. وتمايز الطبقات في الغرب ليس بحديث عهد، حيث يذكر المؤرخون ان العائلة المالكة في روما مثلاً، كانت لاتسمح لغير افرادها بلبس الملابس الحمراء، وان العائلة المالكة في انكلترا كانت لاتسمح في القرن السادس عشر، لغير نسائها بلبس الملابس المخاطة بالذهب والفضة[10]. وتلك الممارسات تؤكد على ان السلطة احياناً تُكره الناس على حرمة التفكير بالصعود الى منـزلتها الاجتماعية، وما على الافراد الا الطاعة والتسليم[11].

وفي ضوء ذلك التمايز تُسيّر دفة النظام الرأسمالي. حيث يعكس تصميم تلك الانظمة القائمة على فكرة تمايز الطبقات، التوزيع غير العادل للثروة. فرفعة المنـزلة الاجتماعية التي يتمتع بها الفرد تعكس تراكماً لمواد عينية ونقدية تصبح - لاحقاً - السبب في البذخ وتجاوز حدود سد الحاجة الطبيعية للانسان. والمقياس، ان الوجاهة الاجتماعية تُحَدد بموجب الدخل الذي يرده، لا بمقتضى نوعية العمل الذي يقدمه للنظام الاجتماعي[12].

وبالاجمال، فقد صُمّم النظام الاقتصادي على اساس ان الفرد حر في استخدام وسائل الانتاج لاستدرار اقصى ما يمكن استدراره من الخيرات، فاذا تراكمت الثروة لديه ارتقى الى مستوى اعلى في السلم الاجتماعي، وعندها يمسك بزمام القوة السياسية ويحتل الصدارة الاجتماعية.

ولم تتوقف الفكرة الرأسمالية عند هذا الحد، بل اعتبرت تلازم المنـزلة الاجتماعية بنظام الطبقات ونظام العمل امراً طبيعياً. فطبقة الاستثمار ينبغي ان تتميز عن طبقة العمل في الحقول والمصانع، والطبقة الارستقراطية ينبغي ان تتميز عن الطبقة الوسطى، والطبقة الغنية ينبغي ان تترفع عن الطبقة الفقيرة[13]؛ وهو تأكيد واضح على قياس تفاضل الافراد على اساس نسبة رأس المال المملوك، وليس على اساس نفع العمل وقيمته الاخلاقية للنظام الاجتماعي. وهذا المقياس غير العادل ربما يؤدي في النهاية الى تفضيل الظالم على المظلوم، والسارق على المسروق، والباغي على المبغيّ عليه، خصوصاً اذا كان الظالم والسارق والباغي اكثر ثروة من المظلوم والمسروق والمبغيّ عليه؛ وهو شرخ اخلاقي خطير في النظام الاجتماعي.

وحتى نستقرئ حجم انعدام العدالة الاجتماعية وأبعادها في النظام الرأسمالي، لابد لنا من ملاحظة الارقام التالية: ففي الربع الاخير من القرن العشرين يبلغ عدد نفوس الولايات المتحدة، حوالي مائتين وخمسين مليون نسمة تقريباً، منهم ستمائة الف مليونير بضمنهم ستة وعشرون بليونير، وخمسة وثلاثون مليون شخص ما بين جائع او معدم او مشرد او فقير لا يملك قوت سنته؛ ومن بين هؤلاء  تسعون عائلة امريكية غنية تسيطر على نصف ممتلكات الولايات المتحدة من العقارات والارصدة ووسائل الانتاج، حيث ترث تلك العوائل هذه الثروة العظيمة جيلاً بعد جيل، منذ مائتي عام ولحد اليوم[14]. ومن استقراء هذه الحقائق نتساءل: اين - اذن - العدالة في توزيع الثروات بين افراد المجتمع في نظام يعتبر نفسه قمة التطور الرأسمالي في العالم؟

نقد النظام الطبقي

وبالرغم من ان المفكرين الذين كتبوا الدستور كانت لهم وجهة نظر معينة تجاه العدالة الاجتماعية[15]، الا ان رؤية ثاقبة للنظريات الاجتماعية التي طرحت لتفسير الدستور تبين ان النظام الاجتماعي في الولايات المتحدة بُني على اساس رأس المال، بما فيه من ربح وخسارة وتراكم للثروات دون وضع مفهوم واضح للعدالة الاجتماعية بعين الاعتبار[16]. وفي ضوء ذلك، فان بروز الطبقات في نظام اجتماعي كهذا، وانفراج الشقة الكبيرة بين الفقراء والاغنياء لابد وان يكون امراً طبيعياً. واذا كان حلم (بنجامين فرانكلين) و(توماس جفرسن) و(جيمس ماديسون) باقامة مجتمع الثروة والغنى لكل الافراد لم يتحقق، فان النظام الاجتماعي المعاصر قد حقق تقدماً كبيراً في انشاء الطبقات الاجتماعية المتفاوتة الثراء، حيث يبتنى النظام اليوم على خمس طبقات متصارعة هي: الطبقة الرأسمالية، والطبقة الوسطى العليا، والطبقة الوسطى السفلى، والطبقة العاملة، والطبقة الفقيرة المعدمة[17].

فتعتبر الطبقة الرأسمالية الثرية، الصغيرة الحجم والمحدودة العدد، من أقوى الطبقات وأمضاها في المجتمع؛ حيث تتشكل تركيبتها الاجتماعية من بقايا النظام الارستقراطي الاوروبي القديم الذي هاجر الى العالم الجديد؛ والذي كان ولايزال قائماً على الاساس العائلي[18]، كالعوائل العريقة مثل: عوائل روكفلر، وروزفلت، وكندي، وفاندربلت، ودي بوند، واستر، وغيرها، التي دخلت العالم الجديد باموالها ومنـزلتها الاجتماعية في اوروبا وهي ترى ان من حقها ان تتعامل مع المجتمع الجديد في السيطرة والاستعباد، كتعاملها مع المجتمع الاوروبي القديم[19]. بمعنى انها ترى ان من حقها التعامل مع بقية الافراد تعامل السيد مع العبد، والحاكم مع المحكوم، والمالك مع المملوك.

وقد بقيت تلك الطبقة القوية محافظة على وضعها الاجتماعي والاقتصادي المتميز عن طريق انشاء مؤسسات اجتماعية خاصة بها. فوسائل التعليم والخدمات الاجتماعية الخاصة بتلك الطبقة، تقدم خدماتها خصيصاً لهؤلاء الافراد فقط، ولا تسمح لبقية افراد الطبقات الاخرى التمتع بها. وطريقتها في ذلك، رفع أجور التعليم- مثلاً - للمدارس والجامعات الخاصة، أو أجور عضوية المعاهد والنوادي الخاصة بالطبقة، الى نسب خيالية، مما يحرم الطبقات الاخرى من الانضمام اليها، والتمتع بخدماتها الراقية[20]. ونتيجة لذلك، فقد ابتعدت الطبقة الفقيرة عن الاختلاط بتلك الطبقات رويداً رويداً، حتى انقطعت كل الصلات الاجتماعية بينهما.

وبطبيعة الحال، فان الطبقة الثرية تحافظ على نقاوتها وحيويتها جيلاً بعد جيل، عن طريق التزاوج فيما بين افرادها. فالتزاوج بين ابناء الرؤوس الكبيرة يُبقي تراكم الثروة ضمن حدود الطبقة الغنية وجدرانها دائماً[21]. ولابد من سائل يسأل: هل يسمح لفرد تراكمت الثروة في حوزته عن طريق القمار مثلاً من الانضمام لتلك الطبقة؟ والجواب ان القادم الجديد لا يسمح له الانضمام الى تلك الطبقة حتى وان تجاوزت امواله اموال بعض افرادها؛ لانه لا يملك النسب العائلي الذي يسمح له الدخول الى دائرة تلك الحلقة الاجتماعية الخاصة[22].

ولاشك ان التأثير السياسي لتلك العوائل يتجاوز الحدود الجغرافية للولايات المتحدة ليشمل العالم الواسع من خلال التجارة والتسلح والتأثير السياسي والاقتصادي والثقافي. ولاريب ان الظلم الذي لحق الناس نتيجة سيطرة تلك الطبقة لم يشمل الافراد الذين يعيشون في بقعة جغرافية محددة او اولئك الذين يسكنون في دولة معينة، بل قد شمل الانسانية المعاصرة كلها على وجه الارض[23]؛ خصوصاً اذا ما علمنا ان الطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة لها ارتباطات وثيقة بالطبقات المالكة في اوروبا كبريطانيا وهولندا والسويد.

والطبقة الوسطى العليا، وهي الطبقة التي تضم اعضاء يتجاوز دخلهم الحدود الطبيعية لنظام الاجر العادل، وينضوي تحت لوائها رجال اعمال لهم منـزلتهم الاجتماعية، ولكنهم لايعتبرون من الطبقة الثرية المالكة؛ وبذلك فهم لايديرون دفة الامور السياسية بل ان اغلب تطلعاتهم مالية واقتصادية[24].

والطبقة الوسطى السفلى، وهي الطبقة التي تضم تحت رايتها افراداً من ذوي دخل محدود يتناسب تناسباً معقولاً مع الجهد المبذول؛ ويدخل فيها التجار الصغار واصحاب المهن الحرة الذين يجهدون في العمل للحفاظ على وضعهم الاقتصادي والاجتماعي[25].

والطبقة العاملة، وهي التي تضم بين دفتيها جميع الافراد الذين يعملون بأجر محدود في الحقول والمصانع والخدمات العامة، وتتميز عن غيرها بان عمل افرادها عمل يدوي شاق غالباً. ومع ان الأجر والمكافأة المالية لهذه الطبقة جيد الا ان افرادها لايتمتعون بالمنـزلة الاجتماعية اللائقة التي يتمتع بها نظائرهم من الطبقات العليا[26].

والطبقة الاخيرة هي طبقة الفقراء، حيث يعتبرهم النظام الاجتماعي من اوطأ الطبقات درجةً واهميةً في السلم الاجتماعي[27] لسببين:

الاول: ان اغلب اعضاء هذه الطبقة عاطلون عن العمل.

الثاني: ان هؤلاء الافراد ليست لديهم المهارة او الكفاءة في انجاز العمل الموكل لهم انجازه. ولما كان هؤلاء الافراد لايمثلون قيمة حقيقية في سوق العمل فانهم لا يمثلون قيمة حقيقية في القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام الاجتماعي؛ بمعنى ان الفرد الفقير الذي لايستطيع ان يقدم انتاجاً مربحاً للعجلة الرأسمالية ليست له قيمة حقيقية في الحياة الانسانية[28].

ومن الطبيعي، فان محافظة النظام الطبقي على وجوده مدة قرنين من الزمان، نابع من إحكام قبضته الحديدية على النظام السياسي الذي تحركه الثروة والقوة والمنـزلة الاجتماعية[29]. فالطفل الذي يولد في دائرة الطبقة الثرية للمجتمع الرأسمالي يكتسب المهارة والقيم والثقافة المسيطرة على تلك الطبقة، وينشأ ويتطور وجوده الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ضمن اجواء تلك الطبقة الحاكمة. والطفل الذي يولد في طبقة فقيرة ، يعيش مع اقرانه من المحرومين، في الطبقة المحكومة، فلا يرى امامه فرصة تؤهله للوصول الى الطبقة الثرية او حتى الحلم بالابحار الى شواطئ الرخاء والرفاهية، فيصبح معاقاً من قبل النظام الاجتماعي وهو بعد لم يكتشف قدراته الابداعية.

 الآثار المترتبة على تطبيق الرأسمالية

ولاشك ان رسوخ فكرة تمايز الطبقات الاجتماعية في النظرية الرأسمالية لها آثار سلبية على روح العلاقات الانسانية في المجتمع، فالرأسماليون يتمتعون بمختلف الامتيازات الممنوحة لهم على حساب الطبقات الاخرى، بينما يقبع المحرومون في زوايا الظلم الاجتماعي حيث لا قدرة لهم على تغيير اسلوب حياتهم ولا قوة لهم على استثمار فرص لا تتوفر لنوابغهم.

فعلى الصعيد السياسي، تنشط الطبقة الرأسمالية في حركة التصويت والانتخاب للمرشحين السياسيين، لان الانتخاب يعزز دعواها بسلامة النظام الديمقراطي، ويثبت في نفس الوقت المراكز السياسية التي صممت اصلاً لخدمة تلك الطبقة؛ بينما تُظهر الطبقة الفقيرة تجاهلاً عملياً تجاه عملية التصويت لانها تعلم ان التصويت لايغير الواقع السياسي والاجتماعي[30].

ولابد هنا من ملاحظة قضية مهمة وهي ان غالبية المرشحين السياسيين ينحدرون من الطبقة الرأسمالية. وبسبب ذلك التفاضل السياسي بين الافراد على الاساس الطبقي، اصبح التمييز السياسي بين الطبقات الاجتماعية أمراً حتمياً، خصوصاً على مستوى الاحزاب السياسية، حيث يمثل الحزب الجمهوري الطبقة الرأسمالية الغنية، بينما يمثل الحزب الديمقراطي الطبقة العاملة والاقليات العرقية[31].

وعلى المستوى الاجتماعي يمثل الجمهوريون الحركة المحافظة وروادها من دعاة البقاء على القيم الاخلاقية التي اقرتها النصرانية كحرمة الطلاق وحرمة الاجهاض، واهمية دور المرأة في العائلة، وضرورة المحافظة على القيم الدينية؛ بينما يمثل الديمقراطيون الحركة التحررية التي تدعو الى التحرر من القيم الاجتماعية بالدرجة التي لاتتعارض مع المفهوم السياسي للديمقراطية، كتحرر المرأة من الروابط الاجتماعية، وضرورة اقحامها في النظام السياسي والقضائي والتشريعي، والدعوة الى التحرر من القضايا التقليدية الاجتماعية[32].

وعلى الصعيد الديني، فان الطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة تنتمي الى المذهب البروتستانتي، فالبروتستانت يتحكمون بالقوة المالية والسياسية للنظام الاجتماعي دون غيرهم[33]. ولكن التمييز الطبقي لايترك فرداً ولا مذهباً ولا كنيسةً دون ان يلعب دوره المخرب فيها. فحتى الكنائس البروتستانتية مقسّمة على اساس النظام الطبقي والدخل السنوي للافراد. فالافراد من ذوي الدخل المرتفع يتعبدون في كنائس تختلف فيها الخدمة الدينية عن تلك التي تؤمها الطبقة الاضعف مالياً من نفس المذهب. حيث تقوم كنائس الطبقة الرأسمالية بخدمة المتعبدين الاثرياء خدمة رقيقة، مبشرة اياهم بالجنان التي صنعها الخالق عز وجل لهم في الحياة الآخرة؛ بينما تقوم كنائس الطبقة الاضعف مالياً بدعوة الناس الى قبول النظام الاجتماعي والسياسي القائم باعتباره نظاماً مباركاً من قبل الله عز وجل، مذكرة اياهم بان رفضه يمثل رفضاً للدين والحياة الروحية. وما شعار (بارك الرب في الولايات المتحدة) الذي تستخدمه الرأسمالية، الا شعار ديني ينبع من اصل الفكرة البروتستانتية الداعية الى اطاعة النظام الاجتماعي القائم على اساس الرأسمالية[34].

وعلى الصعيد العائلي، فان الطبقة الرأسمالية لا تعاني من مشاكل الطلاق وما يترتب عليها من ازمات نفسية واقتصادية، كما هو الحال في الطبقة الفقيرة؛ بل ان اهمال حاجات الطبقة الفقيرة، سبّب زيادة نسب حالات الطلاق في تلك الطبقة الى درجة ان تلك المشكلة اصبحت تهدد اصل وجود الفقراء[35]. ولاشك ان اول نتيجة مدمرة للطلاق هو تشريد الاطفال، وجعلهم عرضة للانحراف الاجتماعي. وطالما كانت تلك المشكلة الاجتماعية مطوقة ضمن حدود الطبقة الفقيرة، فان  الرأسمالية لا تعتبرها مشكلة خطيرة؛ بل تعتبرها - في واقع الامر - قضية صحية على الصعيد السياسي لانها تبعد الفقراء عن السلطة السياسية. اما الطبقة المتوسطة فان الطلاق منتشر فيها ايضاً. ولكن الطبقة الوحيدة التي لا يمسها شروره - الا استثناءً - هي الطبقة الرأسمالية بسبب قوتها الاقتصادية اولاً، وقدرة افرادها على اختيار الشريك المناسب دون عراقيل اجتماعية او مالية ثانياً[36]. ولاشك ان العوامل التي تؤدي الى الطلاق تختلف من طبقة الى اخرى، ولكن اهم عوامل الطلاق في الطبقتين الفقيرة والمتوسطة هي:

أولاً: العامل الاقتصادي، حيث يساهم الفقر في تمزيق العلاقة الزوجية، بسبب عدم قدرة الزوج على سد حاجات افراد عائلته.

ثانياً: الرادع الديني، حيث لم يعد الدين رادعاً لفكرة الطلاق بسبب ايمان الرأسمالية بفكرة (المذهب الفردي) وما يترتب عليه من حرية وانعتاق من قيود الدين[37].

ثالثاً: ان الخدمات الاجتماعية لا تشجع العوائل الفقيرة المؤلفة من آباء وامهات واطفال على التماسك الاسري، وانما تساعد العوائل المنكسرة التي يعيلها معيل واحد، اباً كان او اماً[38]. وهذا لا يساعد على حل مشكلة الطلاق. والواقع ان نصف العلاقات الزوجية في المجتمع تنتهي في فترة من الفترات الى الانفصال ثم الطلاق[39].

وعلى الصعيد التعليمي، تتمتع الطبقة الرأسمالية بمستوى ثقافي وتعليمي اعلى من مستوى الطبقة الفقيرة. فاطفال الاغنياء هم المتفوقون علمياً في مدارسهم على اقرانهم، ولذلك فان الجامعات ومعاهد العلم تغص بذرية اصحاب المال مما يهيئ لها فرصاً أكبر لاحتلال الادوار الاجتماعية المهمة التي يحتاجها المجتمع لاحقاً[40].

وعلى صعيد القيم فان الرأسمالية تؤمن بان قوة الانسان السياسية والاجتماعية نابعة من قوته الاقتصادية وقدرته على تحصيل المال، فهي ترى ان للنقد صوتاً مسموعاً، وللمسكوك رنيناً جذاباً. بمعنى ان على الفرد الاجتهاد بشتى الوسائل لكسب المال وتجميع الثروة، لانها الاصل في تحصيل القوة الاجتماعية والسياسية[41]؛ على عكس الطبقة الفقيرة التي تتمسك بعقيدتها بدور الحظ والتوفيق في الحياة الاجتماعية، وبان التوفيق يصيب قوماً ويحيد عن آخرين على القاعدة العربية القائلة (ما كلُّ رامي عرض يُصِيبُ)، وعلى هذا الاساس يبني افرادها مستقبل حياتهم الاجتماعية فيتركون التخطيط لمستقبل الحياة، ويصبون جلّ اهتمامهم لمعاشهم اليومي وهمومهم الآنية.

وعلى الصعيد الصحي، فان الطبقة الرأسمالية تتمتع اجمالاً بافضل الخدمات الصحية، ويعيش افرادها عمراً مديداً يتجاوز اعمار افراد الطبقات الاخرى[42]. بل ان اغلب الامراض العقلية في النظام الاجتماعي تنتشر بين الفقراء.  ويعزى قلة انتشار الامراض بين افراد الطبقة الرأسمالية الى عاملين:

الاول: حسن التغذية.

الثاني: توفر اسباب الامان الذهني والاطمئنان للمستقبل.

والجهاز الصحي قائم على مبدأ الربح والخسارة؛ فالخدمات الشفائية تقدم على اساس المنفعة التجارية البحتة، وتقدم للغني أفضل الخدمات العلاجية لانه يدفع أجراً أعلى، ويحكم على الفقير بالمرض لانه لايستطيع ان يدفع أجراً يطرد به الامراض والنوازل التي تنـزل به وبافراد اسرته[43]. فالاغنياء يشرون حياتهم وصحتهم وحياة اسرهم بثروتهم، بينما يجود الفقراء بارواحهم، لا لانهم عاجزون عن درء الاذى عن اجسادهم بل لفساد الفكرة التي آمنت بمعيار المنفعة التجارية في علاج الناس.

وعلى صعيد تربية القاصرين، فان التربية تتلون بلون الطبقة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل. فالطفل الذي يرتع في محيط الطبقة الرأسمالية غالباً ما تشعره الطبقة بشخصيته المستقلة وكيانه المتطور، فيترعرع ضمن الجو الاقتصادي وفكرة الاعتماد على النفس؛ على عكس الطفل الذي ينشأ في طبقة فقيرة حيث ينشأ على تعلم اطاعة الاوامر، والابتعاد عن مواطن الصراع السياسي[44].

وعلى صعيد الانحراف الاجتماعي، يمارس الافراد في الطبقات الاجتماعية انحرافاً من نوع ما كجرائم القتل، والسرقة، والاعتداء، وغير ذلك من الجرائم الاجتماعية والخلقية. الا ان افراد الطبقة الفقيرة معرضون الى الاعتقال والمحاكمة والسجن اكثر من نظائرهم في الطبقة العليا، لنفس الجرائم المرتكبة[45]. بل ان بعض الجنايات التي يرتكبها افراد الطبقة العليا أعظم وأخطر من جنايات الفقراء الا ان الثروة ووسائلها تستطيع ان تلوي عنق القانون لصالح الظالم ضد المظلوم[46] .  

(تليها صفحات 178 - 202)

 

اللاحق                  صفحة التحميل                 الصفحة الرئيسية       


 


[1]  مكتب الاحصاء: مالكية الارصدة: 1984م. تقارير الكثافة السكانية، سلسلة ب – 70، رقم 7. مطبعة الحكومة 1984م.

[2]  مكتب الاحصاء: ملخص احصائيات الولايات المتحدة 1986م. مطبعة الحكومة 1986م.

[3]  الطبقة المعدمة – كين اوليتا. ماكرو- هيل 1982م.

[4]  الديمقراطية في الولايات المتحدة – روبرت دال. بوستن: هوتن ميفلين 1981م.

[5]  بحوث حول تركيبة السلطة – جي وليام دوموف. سيك 1980م.

[6]  الدائرة الداخلية: المؤسسات التجارية العملاقة وبروز النشاط السياسي التجاري في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة – ميشيل اوسيم . جامعة اكسفورد 1984م.

[7]  محاربة الفقر: ما الذي ينفع وما الذي لا ينفع؟ - مصدر سابق.

[8]  الطبقة الاجتماعية، الرموز، والسيطرة – باسيل بيرنستاين. لندن: روتليج وكيكان بول 1971م.

[9]  الوظائف الرفيعة في دراسة مقارنة – دونالد ترايمان. المطبعة الاكاديمية 1977م.

[10]  الظلم الاجتماعي: القواعد الاساسية للطاعة والعصيان – بارنينكنن مور. بانثيون 1979م.

[11]  تركيبة الظلم الاجتماعي – بيث فانفوسين. بوستن: ليتل براون 1979م.

[12]  الدائرة المغلقة – مصدر سابق.

[13]  التركيب الطبقي وتعيين الدخل – اريك اولين رايت. المطبعة الاكاديمية 1979م.

[14]  من الذي يحكم الولايات المتحدة اليوم؟ مصدر سابق. وايضاً: الدوائر العليا – جي وليام دوموف. راندوم هاوس 1970م.

[15]  الفيدرالية الامريكية والسياسة العامة – توماس انتون. جامعة تمبل 1989م.

[16]  المساواة – وليام ريان. فينتاج 1982م.

[17]  النظام الطبقي الامريكي – دانيال روسيدس. بوستن: هوتن ميفلين 1976م.

[18]  بنية النظام الطبقي الامريكي: تركيب جديد – دنيس كلبرت وجوزيف كال. دورسي 1982م.

[19]  انعدام العدالة الاجتماعية: صراع الطبقات في الولايات المتحدة – هارولد كيربو. ماكرو- هيل 1983م.

[20]  السيطرة التجارية والسلطة التجارية – ادوارد هيرمان. جامعة كامبردج 1981م.

[21]  الطبقة الحاكمة – رايت ميلز. جامعة اكسفورد 1956م.

[22]  علم الاجتماع السياسي: دراسة في السلوك النفسي والسياسي – هربرت هيمن. المطبعة الحرة 1969م.

[23]  اقتصاد العالم الرأسمالي – عمانوئيل ولرستاين. مطبعة جامعة كامبردج 1979م.

[24]  هيكيلية النظام الطبقي الامريكي: تركيب جديد- دينس كيلبرت وجوزيف كول. الينوي: دورسي 1982م.

[25]  الطبقة الاجتماعية والتجانس – ميلفين كوهين. الينوي: دورسي 1977م.

[26]  بين العمل ورأس المال – بات ولكر. بوستن: ساوث اند 1979م.

[27]  الثروة والفقر – جورج كيلدر. الكتب الاساسية 1981م.

[28]  الفقر الامريكي الجديد – ميشيل هارينكتن. هولت، راينهارت وونستن 1984م.

[29]  تركيبة الشبكة القومية للطبقة الحاكمة – كوين مور. مقالة علمية في (المجلة الامريكية النقدية لعلم الاجتماع)، عدد 44، 1979م. ص 673- 692.

[30]  من الذي يصوّت؟ - ريموند ولفنكر وستيفين روزنستون. جامعة ييل 1980م. وايضاً: الرجل السياسي- سيمور مارتن لبست. دبل دي 1959م.

[31]  السياسة الجديدة لعدم المساواة – توماس ايدسال. نورتن 1984م.

[32]  السياسة، الاحزاب، والانتخابات في امريكا – جون بيبي. نيويورك: نيلسون- هول 1987م.

[33]  الاصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية – بارنينكتن مور. بوستن: بيكون، 1966م.

[34]  الاخلاقية البروتستانتية والروحية الرأسمالية – ماكس وبر. نيويورك: سكرايبنرز 1958م.

[35]  الزواج، الطلاق، ثم الزواج مرة اخرى – اندريو جيرلن. جامعة هارفارد 1981م.

[36]  الجنس في المجتمع: ابعاد حول انعدام العدالة الاجتماعية – جويس ماكارل نيلسون. وادسورث 1978م.

[37]  فكرة الافراط في اجتماعية الانسان في علم الاجتماع الحديث – دنيس رونك. (المجلة النقدية لعلم الاجتماع) عدد 26، 1961م. ص 183- 193.

[38]  اذلال الفقراء: المساعدة الحكومية والعقيدة الامريكية- جو فياجن. برنتس- هول 1975م.

[39]  الانفصال الزوجي – روبرت وايس. نيويورك:  الكتب الاساسية 1979م.

[40]  انعدام العدالة: اعادة تقييم لتأثير العائلة والمدرسة في امريكا – كريستوفر جينكز وآخرون. الكتب الاساسية 1972م.

[41]  الديناميكية الاجتماعية والثقافية – بيتريم سوروكين. الكتب الاساسية 1937

[42]  المرض الثاني: تناقضات المرض الصحي الرأسمالي – هاورد ويتكن. جامعة شيكاغو 1986م.

[43]  من الذي يسبق؟ ومن الذي يبقى في المؤخرة؟ - كريك دنكان. مقالة علمية في المجلة (الاحصائية السكانية الامريكية) ، عدد 4، 1982م. ص 38 – 41.

[44]  الخلفية الاقتصادية – الاجتماعية والمكتسبات – اوتيس ديدلي دنكان. المطبعة الاكاديمية 1972م.

[45]  انحرافات الطبقة العليا – ديفيد سايمون وستانلي ايتـزن. بوستن: الين وبيكون 1986م.

[46]  علم اجتماع السلوك المنحرف – مارشال كلينراد وروبرت مايير. هولت، راينهارت، وونستن 1985م.